لعل من نافلة القول أن نذكر ما أنفقه أبو مسلم الخراساني من مجهود كبير في سبيل الدعوة العباسية، وإخراجها من رحم الظلم والاضطهاد إلى نور الخلافة والملك، وحسن بلائه في الحروب التي خاضها العباسيون ضد الأمويين، فذاك أمر يحتاج بسط القول فيه وإقامة الأدلة والشواهد عليه صفحات كثيرة تضيق عنها هذه الدراسة الموجزة.
وأحسب أن أبا جعفر المنصور قد أدرك أن رسوخ قدمه في الملك والحكم منوط بالقضاء على أبي مسلم الخراساني الذي مثل نفوذه المتزايد وإعجابه بما قدم للدولة
[ ١ / ١٩ ]
العباسية وإدلاله على رجالها خطرًا كبيرًا جديرًا بأن يحيل الخلافة العباسية ألعوبة في يد أبي مسلم يحولها كيف شاء.
والحق أن روح العداء بين أبي جعفر المنصور وأبي مسلم الخراساني قديمة، تسبق من غير شك ولاية المنصور للخلافة العباسية.
وهو عداء قد تلون في أكثر جوانبه بالمنافسة والتسابق في مضمار السياسة، ثم غدا حقدًا خالصًا وكرهًا مستحكمًا.
ولا مراء في أن تصرفات أبي مسلم الخراساني قد أوغرت صدر المنصور عليه، وحملته على أن يتربص به الدوائر ويغتنم الفرصة تسنح كي يتخلص منه. ولا بأس أن نذكر طرفًا من العداوة بين الرجلين حتى يتبين القارئ صدق كلامنا:
- تقدم أبي مسلم الخراساني على المنصور في طريق الحج، وعدم انتظاره إياه في طريق العودة عندما بلغه نبأ وفاة أبي العباس السفاح.
- بعد وفاة السفاح أرسل أبو مسلم إلى المنصور رسالة يعزيه فيها دون أن يهنئه بالخلافة.
- كان المنصور قد أمر الحسن بن قحطبة، والي الجزيرة، أن يلحق بأبي مسلم عند توجهه لمقاتلة عبد اللَّه بن علي في الشام، فكتب ابن قحطبة إلى وزير المنصور يقول: " إني قد رأيت بأبي مسلم أنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلقي الكتاب من يده إلى مالك بن الهيثم، فيقرأه ويضحكان استهزاء ".
- تجرأ أبو مسلم وقتل سليمان بن كثير الخزاعي أحد شيوخ الدعوة العباسية دون استشارة الخليفة.
- تحديه لأمر المنصور عندما صرفه عن ولاية خراسان وولاه الشام ومصر وقوله: " هو يوليني الشام ومصر، وخراسان لي "، واستمراره في السير إلى خراسان.
- تقديمه لاسمه على اسم الخليفة في رسائله.
[ ١ / ٢٠ ]
- ادعى أبو مسلم أنه ينتسب إلى سليط بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ.
وهكذا اجتمعت لدى أبي جعفر المنصور الأدلة المقنعة للفتك بأبي مسلم، وطفق يدبر أمر اغتياله، فولى هشام بن عمر العقيلي مكان أبي مسلم، فانصرف أبو مسلم، وأقبل يريد خراسان مغاضبًا لأبي جعفر؛ حتى يثير أهل خراسان عليه ويجعل العباسيين دائمًا في قبضة يده، فمر بالمدائن، وأبو جعفر ينزل برومية على مقربة منها، فلم يسع إلى لقائه، ونفذ لوجهه حتى جاز حلوان، فسير إليه المنصور نفرًا من أصحابه فلحقوه وعظموا عليه الخطب، وحذروه عاقبة البغي ونصحوه بالرجوع إلى المنصور، فأقبل إلى العراق وقدم على أبي جعفر، فأمر الناس بتلقيه، فتلقاه بنو هاشم والناس، فدخل على المنصور فقبل يده، وأمره المنصور بأن ينصرف ويروح نفسه ويدخل الحمام، فانصرف، فلما كان الغد دعا المنصور عددًا من الحرس وأمرهم بالجلوس وراء الرواق فإذا صفق بيديه وثبوا على أبي مسلم فقتلوه، ثم أرسل إلى أبي مسلم يستدعيه، ثم أخذ يعاتبه على مخالفته له، فلما طال عتاب المنصور قال أبو مسلم: " لا يقال هذا لي بعد بلائي وما كان مني ".
فقال له المنصور: " يا ابن الخبيثة، واللَّه لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت في دولتنا وبريحنا، فلو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا "، فأخذ أبو مسلم بيده يقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور: " ما رأيتك اليوم، واللَّه ما زدتني إلا غضبًا "، قال أبو مسلم: " دع هذا فقد أصبحت ما أخاف إلا اللَّه تعالى "، فغضب المنصور وشتمه، ثم صفق بيده على الأخرى، فخرج عليه الحرس فأخذوه بسيوفهم حتى قتلوه، وتم ذلك في شعبان سنة مائة وستة وثلاثين هجرية.
ثم خطب المنصور في الناس بعد أن قتله فقال: " أيها الناس، لا تخرجوا عن أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش الأئمة، فإن من أسر غش إمامه أظهر الله سريرته في فلتات لسانه وسقطات أفعاله، وأبداها اللَّه لإمامه الذي بادر بإعزاز دينه به وإعلاء حقه بفلجه، إنا لم نبخسكم حقوقكم، ولم نبخس الدِّين حقه عليكم، وإن أبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أنه من نكث بيعتنا فقد أباح لنا دمه، ثم نكث بيعته هو، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه ".
ثم اضطرب أصحاب أبي مسلم بعد قتله، ففرقت فيهم الأموال، فأمسكوا رغبة ورهبة.
[ ١ / ٢١ ]
ويرى الدكتور حسن إبراهيم حسن أن أبا جعفر المنصور كان مدفوعًا إلى ذلك بما كان بينه وبين أبي مسلم من حزازات شخصية قديمة، وقد زاد أبو مسلم النار اشتعالًا بتماديه في زهوه وإعجابه بنفسه وإسرافه في قتل النفوس البريئة بغير شفقة ولا رحمة.
كما يرى د/ حسن أن إخلاص أبي مسلم وتفانيه في نصرة العباسيين أمر لم يقم الدليل بعد على إضعافه أو دحضه.
ومهما يكن من أمر فقد كان القضاء على أبي مسلم ضرورة ألجأ المنصور إليها سطوة أبي مسلم وازدياد نفوذه، مع ما ينطوي عليه ذلك من مناوأة له وتهديد لحكمه.
ثورات العلويَّين: مُحَمَّد النفس الزكية وأخوه إبراهيم:
أشرنا من قبل إلى أن الدعوة العباسية قد رفعت شعار: " الرضا من آل مُحَمَّد " حتى تأمن مناوأة العلويين لهم، وخروجهم عليهم إن هم كشفوا عن نواياهم الحقيقية في الاستئثار بمنصب الخلافة، " فلما ظفر العباسيون بالخلافة وأقاموا دولتهم على أنقاض دولة بني أمية، لم يرق ذلك في نظر العلويين ولم تطب بذلك نفوسهم، على الرغم من أن الجميع من أولاد هاشم، وعلى الرغم من كونهم يدًا واحدة على بني أمية، واشتراكهم في العمل على إزالة دولتهم؛ إذ أدركوا أن العباسيين قد خدعوهم واستأثروا بالخلافة دونهم مع أنهم أحق بها منهم، فنابذوهم العداء ونظروا إليهم كما كانوا ينظرون إلى الأمويين من قبل، فظلوا يناضلون ويكافحون ابتغاء الوصول إلى حقهم في الخلافة ".
ولا تمر سنوات كثيرة من عمر الخلافة العباسية حتى يخرج على أبي جعفر المنصور مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالنفس الزكية وأخوه إبراهيم.
ولم تنجح محاولات العباسيين في استرضاء العلويين من القول اللين حتى العطاء الجزيل؛ فقد كان النفس الزكية يرى أنه أحق بالخلافة وأن أبا جعفر المنصور قد اغتصبها واستأثر بها من دونه، فامتنع في أول الأمر عن مبايعة السفاح ثم تخلف هو وأخوه إبراهيم عن بيعة المنصور، فلم يجد المنصور بدًّا من العمل على التخلص منهما حتى يستقيم له أمر الملك.
وكان أن عهد المنصور بولاية المدينة إلى رباح بن عثمان بن حيان ابن عم مسلمة بن
[ ١ / ٢٢ ]
عقبة قائد الحرة في عهد يزيد بن معاوية، فقدم عثمان المدينة سنة ١٤١ هـ وخطب أهلها خطبة سداها ولحمتها التهديد والتخويف، فكان مما قال فيها: " يا أهل المدينة أنا الأفعى ابن الأفعى عثمان بن حيان وابن عم مسلمة بن عقبة، المبيد خضراءكم المفني رجالكم، واللَّه لأدعنها بلقعًا لا ينبح فيها كلب ".
بيد أن أهل المدينة قد هوت أفئدتهم إلى مُحَمَّد النفس الزكية، وتدفقت نفوسهم حماسة لآل بيت رسول اللَّه - ﷺ -، فلم يحفلوا بتهديد عثمان، بل أغلظوا له القول وهموا بالفتك به.
فكتب إليهم المنصور قائلًا: " يا أهل المدينة، فإن واليكم كتب إلي يذكر غشكم وخلافكم وسوء رأيكم واستمالتكم على بيعة أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن لم تنتهوا ليبدلنكم بعد أمنكم خوفًا، وليقطعن البر والبحر عنكم، وليبعثن عليكم رجالا غلاظ الأكباد بعاد الأرحام ".
ولم يزحزح كتاب المنصور أهل المدينة عن موقفهم، بل لعله زادهم إصرارًا على الانتصار للعلويين، فقبض عامله على عبد اللَّه بن الحسن أبي مُحَمَّد النفس الزكية وإخوته وذوي قرباه.
بيد أن عبد اللَّه لم يكن بالرجل الذي تلين قناته، بل كان يعتقد في أحقية ابنه بالخلافة دون المنصور والسفاح من قبله. فطلب إلى ابنه أن يواصل مناجزة العباسيين، وألا يحفل بما يعوقه في سبيل الحق من صعوبات.
واشتد إيذاء المنصور لأشياع النفس الزكية، وعظم البلاء النازل بهم حتى اضطروا محمدًا إلى الخروج، ولما تتهيأ الظروف بعد لخروجه وذلك في سنة ١٤٥ هـ، وقد شجعه على ذلك ظنه إجماع الناس على نصرته وشدة ميلهم إليه، وتلك الفتوى التي أفتى بها الإمام مالك بن أنس؛ حيث أفتى بجواز نقض بيعة المنصور حين قال لأهل المدينة: " إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين ".
[ ١ / ٢٣ ]
خرج مُحَمَّد النفس الزكية في مائتين وخمسين من أصحابه، فتوجه إلى السجن وأطلق سراح من فيه، ثم قبض على عامل أبي جعفر المنصور في المدينة وأمر بحبسه.
وفي الوقت الذي خرج فيه النفس الزكية في المدينة كان أخوه إبراهيم يدعو له في البصرة ويأخذ من أهلها البيعة له.
والحق أن أبا منصور لم يدع وسيلة تمكنه من الظهور على خصمه إلا اصطنعها، فكانت سياسته تجاه هذه الثورة مزيجًا من الحزم والدهاء، وقد ندب المنصور ابن عمه وولي عهده عيسى بن موسى للقضاء على النفس الزكية، فنهض بما أمر به خير نهوض لاسيما وقد تفرق عن النفس الزكية جل أنصاره وشيعته، فبقي في نفر قليل من خاصته، لم يغنه في مواجهة جيش مدرب منظم كجيش عيسى بن موسى، وقتل النفس الزكية واحتز رأسه وذلك في رمضان سنة ١٤٥ هـ.
وبعد أن فرغ عيسى من النفس الزكية في المدينة أمره المنصور بالتوجه إلى العراق للقضاء على أخيه إبراهيم، وكان قد تغلب على البصرة والأهواز وفارس، ودارت رحى الحرب وحمي وطيسها في باخمري بين الكوفة وواسط، وانجلى غبارها عن هزيمة إبراهيم وجنده، ولم يزل يناضل العباسيين في فئة قليلة حتى قتل فاحتز ابن قحطبة رأسه.
وهكذا استطاع المنصور بما أتيح له من حزم وذكاء أن يقضي على أول ثورة يحمل لواءها العلويون، فوطد دعائم خلافته ومكن لها من البقاء والاستمرار.