أسس هذا المذهب العلامة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن محمود أبو منصور الماتريدي مصنف هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه، وقد سبقت ترجمتنا له.
وقد كان الماتريدي مشهورًا بالاعتدال والتوسط حتى اتفق الناس على علو قدره وتميز منزلته، حتى قيل: لو لم يكن في الحنفية إلا هذا الإمام لكفاهم.
وكنا قد أشرنا إلى أن الماتريدي كان أحد اثنين قاما بالذود عن عقيدة أهل السنة، وتفنيد آراء المعتزلة المخالفة لها.
ومن الحق أن نقرر أن الماتريدي اتخذ منهجًا امتاز بالوسطية والاعتدال، على نحو ما صنع معاصره أبو الحسن الأشعري، فاحتلت شخصيته مكانة تليق به كواحد من أفاضل علماء أهل السنة والجماعة في بلاد المشرق الإسلامي.
وسوف نفصل القول في بيان مذهب الماتريدية، والمسائل التي خالف فيها الماتريدي أبا الحسن الأشعري.
فنقول:
يعد الماتريدي -بحق- واحدًا من أبرز المؤسسين لعلم الكلام الإسلامي؛ إذ ينسب إليه المذهب الماتريدي، وهو مذهب يهدف إلى فهم أصول الشريعة وقواعد الإسلام في ضوء الأسس العقلية السليمة، فهو مذهب يجمع بين العقل والنقل، وإن كان العقل تابعًا، مهمته فهم أصول التوحيد التي نقلت إلينا من طريق الوحي.
وقد أشرنا في غير موضع إلى تشابه المذهب الأشعري مع المذهب الماتريدي، وأن كلا المذهبين قد نشأ في سياق فكري واحد.
وقامت الماتريدية بالرد على المخالفين والمغالين وبخاصة المعتزلة والروافض والمشبهة، وكان المنهج الذي اعتمده علماء هذا المذهب في الرد على المخالفين ومناقشة المسائل الكلامية منهجًا معتدلًا يوازن بين العقل والنقل، وهو المنهج نفسه الذي عول عليه الأشعري.
أثمر اتفاق -أو قل تطابق- المنهجين اللذين اصطنعهما الأشاعرة والماتريدية، اتفاقًا بينهما في أمهات المسائل الكلامية؛ مثل: وجود اللَّه وصفاته، وجواز رؤيته في الدنيا، وتحقق الرؤية للمؤمنين في الآخرة. . . إلى آخر هذه المسائل المثبتة في كتب التوحيد
[ ١ / ١٥٦ ]
وعلم الكلام.
ونذكر هنا على سبيل الإجمال المسائل التي اختلف فيها السادة الأشعرية مع السادة الماتريدية وقد تقدم بيان أن مدار جميع عقائد الملة الإسلامية على قطبين من أقطاب العلوم الشرعية: أحدهما الإمام أبو الحسن الأشعري، والآخر الإمام أبو منصور الماتريدي.
وقبل ذكر هذه المسائل يجدر بي أن أبين أن الأشاعرة والماتريدية متفقون على الأصول العامة لعقيدة أهل السنة والجماعة، والخلاف الظاهر بينهما في بعض المسائل الجزئية، وهو أمر لا يقدح في نسبتهما جميعًا إلى مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يوجب القول بأن أحد الفريقين مبتدع، مخالف للعقيدة السليمة.
قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد: " الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار، وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور، وبين الطائفتين اختلاف في بعض المسائل؛ كمسألة التكوين وغيرها ". اهـ.
وقال السكستلي في حاشيته عليه: " المشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري أول من خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه إلى السنة - أي. طريق النبي - ﷺ - والجماعة - أي: طريقة الصحابة - ﵃ - وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي تلميذ أبي بكر الجوزجاني صاحب أبي سليمان الجوزجاني صاحب مُحَمَّد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة، وبين الطائفتين اختلاف في بعض الأصول؛ كمسألة التكوين ومسألة الاستثناء في الإيمان، ومسألة إيمان المقلد. والمحققون من الفريقين لا ينسب أحدهما الآخر إلى البدعة والضلالة ". اهـ.
وقال ابن السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: " اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك. . . وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:
الأولى: أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية، أعني الكتاب والسنة
[ ١ / ١٥٧ ]
والإجماع.
الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادئ السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد.
الثالثة: أهل الوجدان والكشف وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية " اهـ.
وليعلم أن كلا من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور -﵄ وجزاهما عن الإسلام خيرًا- لم يبتدعا من عندهما رأيًا ولم يشتقا مذهبًا، إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كان عليه أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -؛ فأحدهما: قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي وما دلت عليه، والثاني: قام بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة وما دلت عليه، وناظر كل منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين، وهذا في الحقيقة هو أصل الجهاد الحقيقي، فالانتساب إليهما إنما هو باعتبار أن كلًّا منهما عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدي به في تلك المسالك والدلائل يسمى أشعريًّا وماتريديًّا.
ويقول الدكتور مُحَمَّد حسن أحمد حسانين:
فالماتريدية والأشاعرة متفقون في المذهب، أما الناحية المنهجية: فإن بينهم بعض الاختلاف الذي لا يضر في العقيدة ولا يبدع أحدًا منهم؛ فالأمور المختلف فيها جزئية فرعية، معظمها مبني على شبه الألفاظ وتعيين المعنى المراد منها.
وهي عند النظر السليم لا تخرج عن كونها اختلافات مثل ما بين أصحاب الأشعري وأصحاب أبي حنيفة.
وقال العلامة السبكي في الطبقات: ولي قصيدة نونية جمعت فيها هذه المسائل وضممت إليها مسائل اختلف الأشاعرة فيها. . . وقال في شرح عقيدة ابن الحاجب: ثم تصفحت كتب الحنفية، فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبين الحنفية خلاف فيها ثلاث
[ ١ / ١٥٨ ]