يوشك إجماع المؤرخين والمهتمين بعلم الكلام أن ينعقد على أن ظهور المرجئة كفرقة لها قسماتها الفكرية المميزة وآراؤها العقدية المغايرة للمألوف آنذاك - قد ارتبط ارتباطًا مباشرًا بمغالاة الخوارج في تكفير مخالفيهم، والنظر إلى مرتكب الكبيرة على أنه كافر، تخرجه ذنوبه من دائرة الإيمان والإسلام جميعًا، واعتبار العمل جزءًا من إيمان صاحبه، وأن الفصل بينهما فصل بين مرتبطين ضرورة.
وعلى العكس من معتقد الخوارج، ذهبت المرجئة إلى أن الإيمان عقد بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية وعبد الأوثان أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليث ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان عند اللَّه ﷿ ووليٌّ لله ﷿، من أهل الجنة.
ولما كان الإيمان عند المرجئة غير مرتبط بعمل الجوارح قال مقاتل بن سليمان -وكان من كبار المرجئة-: لا يضر مع الإيمان سيئة جلت أو قلت أصلًا، ولا ينفع مع الشرك حسنة أصلًا.
وذهب عبد القاهر البغدادي إلى أن سبب تسميتهم بالمرجئة من الإرجاء بمعنى التأخير؛ لأنهم أخروا العمل عن الإيمان، بيد أن الراجح لدينا فيما يتصل بأمر التسمية، أنهم سموا بذلك؛ لأنهم يرجئون الحكم على صاحب الكبيرة إلى يوم الدِّين، ويفوضون أمره إلى ربه.
ونحسب أن هذا الرأي يستقيم مع الملابسات التاريخية التي واكبت نشأة المرجئة في المجتمع الإسلامي، فهم قد ظهروا في عصر غلبت عليه نزعة تكفير الخصوم، أو على أقل تقدير نسبتهم إلى الفسوق والعصيان والمخالفة عن أوامر اللَّه، أما الخوارج فيكفرون عثمان وعليًّا والقائلين بالتحكيم، وثمة من الشيعة من يكفر أبا بكر وعمر وعثمان، والفريقان جميعًا -الشيعة والخوارج- يكفرون الأمويين ويعدونهم مغتصبين للخلافة،
[ ١ / ١١٩ ]
والأمويون يقاتلون الجميع ويرون أنهم ضالون مضلون، " فظهرت المرجئة تسالم الجميع، ولا تكفر طائفة منهم، وتقول: إن الفرق الثلاث: الخوارج والشيعة والأمويين مؤمنون، وبعضهم مخطئ وبعضهم مصيب، ولسنا نستطيع أن نعين المصيب، فلنترك أمرهم جميعًا إلى اللَّه، ومن هَؤُلَاءِ بنو أمية، فهم يشهدون أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأن محمدًا رسول اللَّه، فليسوا إذن كفارًا ولا مشركين، بل مسلمين نرجىء أمرهم إلى اللَّه الذي يعرف سرائر الناس ويحاسبهم عليها ".
والحق أن هذه الفرقة قد وجدت لنفسها من مواقف بعض الصحابة تجاه الفتنة مستندًا دعمت به وجهة نظرها، بل يصح لنا أن نعتبر مواقف هَؤُلَاءِ الصحابة البذرة الأولى التي نبتت منها المرجئة، وتفصيل ذلك أن ثمة من الصحابة فئة لما رأوا الفتنة محدقة بالمسلمين، ومقالة الكفر فاشية بين الناس جارية على ألسنتهم يرمون بها كل أحد مهما علا قدره وتميزت مكانته -: اعتصمت هذه الفئة من الصحابة بالصمت، وأحجمت عن الانخراط في الفتنة، وتمسكت بحديث أبي بكرة أن النبي - ﷺ - قال: " ستكون فتن: القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه، فقال رجل: يا رسول اللَّه، من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ فقال - ﷺ -: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة ".
ومن الصحابة الذين امتنعوا عن المشاركة في الفتنة عملًا بحديث رسول اللَّه - ﷺ -: سعد ابن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن عمر، وأبو بكرة راوي الحديث وعمران بن الحصين، وروي أن سعد بن أبي وقاص كان يقول إذا سئل القتال: " لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يقول: هذا مؤمن وهذا كافر ".
" وبهذا أرجئوا الحكم في أيِّ الطائفتين أحق، وفوضوا أمورهم إلى اللَّه ﷾. وقد قال النووي في ذلك: " إن القضايا كانت بين الصحابة مشبهة، حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا
[ ١ / ١٢٠ ]
الصواب ".
إن الحقيقة التي ينبغي التنويه بها والإشارة إليها في هذا المقام، أن فرقة المرجئة على الرغم من خروجها من رحم الأحداث السياسية، فإنها مذهب ديني فلسفي، موضوعه البحث عن حقيقة الإيمان وعلاقة العمل به، وكانت الغاية التي تهدف إليها -أصلًا- الامتناع عن التسرع في إصدار الأحكام على أعمال الصحابة والتابعين، ولا سيما تلك التي صدرت في خلال المنازعات التي وقعت بينهم، فنظرة هذا المذهب إذن كانت إلى الماضي، وكان حكمه على أعمال تاريخية.
وقد صور ثابت قطنة -شاعر المرجئة- عقيدة الإرجاء خير تصوير في قصيدة له، نجتزئ منها بهذه الأبيات:
يا هند فاستمعي لي إن لسيرتنا أن نعبد اللَّه لم نشرك به أحدا
نرجي الأمور إذا كانت مشبهة ونصدق القول فيمن جار أو عندا
المسلمون على الإسلام كلهم والمشركون استووا في دينهم قددا
ولا أرى أن ذنبًا بالغ أحدًا م الناس شركًا إذا ما وحدوا الصمدا