أشرنا فيما سبق إلى أن للسلف - رضوان اللَّه عليهم - طريقة في فهم العقيدة تنهض على ساق من النصوص -القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة- وساق من المعرفة العميقة باللغة العربية والفقه الواسع بأسرارها، ولم يكونوا ينحرفون قليلًا أو كثيرًا عن هذا المنهج الذي أرسى دعائمه الرسول - ﷺ -، فإذا ما اشتبه عليهم أمر من أمور العقيدة توقفوا فيه وفوضوا أمره إلى الحق ﵎.
ولسنا في حاجة إلى أن نقرر أن السلف الصالح قدموا النقل على العقل، وكانت مهمة العقل لديهم مقصورة على فهم النصوص دون تأويل، فلا غرو أن كان العقل تابعًا للنقل أو النص أو الوحي، سمه ما شئت.
[ ١ / ١٣٢ ]
أما المعتزلة فقد خالفوا هذا المنهج، حيث اعتدوا بالعقل اعتدادًا كبيرًا، فارتادوا بالمسلمين في فهم العقائد ودرسها طريقًا جديدة لم يألفها المسلمون ولا كان لهم عهد بها من قبل.
بيد أن ذلك لا يعني أنهم أهملوا النقل أو أنكروا حجيته، بل كان منهجهم يعتمد على المنقول والمعقول جميعًا، وقد أشار إلى ذلك الإسفراييني وذكر أنهم أول فرقة أسسوا قواعد الخلاف وجمعوا بين المعقول والمنقول، وأقاموا سياجًا قويًّا من البراهين والحجج المنطقية للدفاع عن العقيدة في مواجهة المخالفين لها والمعترضين عليها.
ولقد عزا الشهرستاني هذه النزعة العقلية التي امتاز بها المعتزلة إلى تأثرهم بالفلسفة اليونانية، وإدمانهم النظر في المترجم منها إلى العربية.
ويقول أحد الباحثين معلقًا على ذلك:
" وقد ظهر أثر هذا التأثر بوضوح في آرائهم وأدلتهم ومقدمات براهينهم وقد دفعهم إلى ذلك أمران:
الأول: أنهم وجدوا فيها -أي في الفلسفة اليونانية- ما يرضي منهجهم العقلي وشغفهم الفكري، وجعلوا فيها مرانًا عقليًا جعلهم يلحمون الحجة بالحجة.
الثاني: أن الفلاسفة وغيرهم لما هاجموا بعض المبادئ الإسلامية تصدى هَؤُلَاءِ للرد عليهم، واستخدموا بعض طرقهم في النظر والجدل، وتعلموا الكثير منها ليستطيعوا أن ينالوا الفوز عليهم ".
وإذا كان المعتزلة يجمعون في درسهم للعقائد الدِّينية بين العقل والنقل، فإنهم يقدمون العقل ويتخذونه أساس المعرفة الأول، ويرونه قادرًا على معرفة كل شيء ما خلا الذات الإلهية، فلا غرو أن عولوا عليه في النظر في العقائد وأمور السياسة والعلوم المختلفة كالحديث والفقه والأصول.
وهم بذلك يختلفون عن الأشاعرة والماتريدية اختلافًا كبيرًا حيث يقدم هَؤُلَاءِ الدليل النقلي على الدليل العقلي، ويرون العقل مجرد أداة لفهم النصوص واستنباط الأحكام
[ ١ / ١٣٣ ]
منها.
ولقد حمل هذا المنهج الاعتزالي أحد المشتغلين بالفكر الفلسفي في الإسلام إلى التصريح بأن المعتزلي لم يكن يأبه أن تكون النصوص الدِّينية متوافقة مع أصوله الفلسفية أو غير متوافقة، وأن كل ما يرمي إليه هو دعم الأصل العقلي الذي وصل إليه.
كان المعتزلة يرون أن العقل أصل والسمع -أي النقل- فرع، ولا يجوز تقديم الفرع على الأصل، ومن هنا كان تقديمهم العقل على النقل.
ويتمثل النقل لدى المعتزلة في ثلاثة أدلة: الكتاب، والخبر المجمع عليه، والإجماع، " وقد عولوا جميعًا في بحوثهم على القرآن، أما الحديث فقد اختلفوا في موقفهم منه، فواصل لم يقبل منه إلا المتواتر أو المشهور، وعمرو بن عبيد شكك في الرواية والرواة، وأبو الهذيل العلاف يرفض المتواتر، وبلغت هذه النزعة أوجها عند النظام الذي أنكر بعض الأحاديث، ورفض الإجماع، ولكن هذه النزعة قد خفت ومالت إلى الاعتدال عند المتأخرين من المعتزلة، وخاصة القاضي عبد الجبار وتلاميذه الذين اعتدوا بالحديث ".
وللدليل النقلي عند المعتزلة ضوابط وشروط، لا يأخذون به إلا عند تحققها فيه، وهي:
أولًا: ألا يتعارض مع العقل؛ لأن العقل حجة اللَّه والشرع حجة اللَّه، وحجج الله تتعاضد ولا تتعارض.
ثانيًا: أن يكون قطعي الثبوت؛ ولذلك فهم لا يأخذون بأحاديث الآحاد ولا يعولون عليها في مسائل الاعتقاد.
ثالثًا: أن يكون قطعي الدلالة بحيث لا يحتمل تأويلًا.
رابعًا: الأصول الخمسة التي قال بها المعتزلة:
ثمة أصول خمسة أجمع المعتزلة -مع تعدد فرقهم وتباينها- على القول بها، ولم ينتحل نحلة المعتزلة متكلم إلا وقد آمن بها؛ قال أبو الحسن الخياط في كتابه الانتصار: " وليس أحد يستحق اسم الاعتزال، حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
[ ١ / ١٣٤ ]
فإذا جمع هذه الأصول فهو معتزلي ".