(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) أي على أي حال تكفرون بالله، وعلى أي شبهة تعتمدون وحالكم في موتتيكم وحياتيكم لا تدع لكم عذرا في الكفران به، والاستهزاء بما ضربه من المثل وإنكار نبوة نبيه.
(وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ) أي والحال أنكم كنتم قبل هذه النشأة في الحياة الدنيا أمواتا، أجزاؤكم متفرقة في الأرض، بعض منها في الطبقات الجامدة، وأخرى
[ ١ / ٧٥ ]
فى الطبقات السائلة، وقسم في الطبقات الغازية، تشركون سائر أجزاء الحيوان والنبات فى ذلك، ثم خلقكم في أحسن تقويم وفضلكم على غيركم بنعمة العقل والإدراك والفهم، وتسخير جميع الكائنات الأرضية لكم.
(ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) حين انقضاء آجالكم بقبض الأرواح التي بها نظام حياتكم، وحينئذ تنحل أبدانكم وتعود سيرتها الأولى، وتنبثّ في طبقات الأرض وينعدم هذا الوجود الخاص الذي لها.
(ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) حياة أخرى أرقى من هذه الحياة، وأكمل لمن زكىّ نفسه وعمل صالحا، ودونها لمن أفسد فطرته، وأهمل التدبر في سنن الكون، وأنكر الإله والرسل وفسق عن أمر ربه.
(ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) للحساب والجزاء على ما قدمتم من عمل، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر.
وبعد أن عدد سبحانه آياته في الأنفس بذكر المبدأ والمنتهى- ذكر آياته في الآفاق الدالة على قدرته المحيطة بكل شىء، وعلى نعمه المتظاهرة على عباده بجعل ما في الأرض مهيأ لهم ومعدّا لمنافعهم فقال:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) وهذا الانتفاع يكون بإحدى وسيلتين:
(١) إما بالانتفاع بأعيانه في الحياة الجسدية ليكون غذاء للأجسام أو متعة لها فى الحياة المعيشية.
(٢) وإما بالنظر والاعتبار فيما لا تصل إليه الأيدى فيستدل به على قدرة مبدعه ويكون غذاء للأرواح.
وبهذا نعلم أن الأصل إباحة الانتفاع بكل ما خلق في الأرض، فليس لمخلوق حق فى تحريم شىء أباحه الله إلا بإذنه كما قال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) .
[ ١ / ٧٦ ]
(ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) السماء كل ما في الجهة العليا فوق رءوسنا، واستوى إليها أي قصدها قصدا مستويا بلا عاطف يثنيه من إرادة خلق شىء آخر في أثناء خلقها.
(فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ) أي أتمّ خلقهنّ فجعلهنّ سبع سموات تامات الخلق والتكوين.
وفي الآية إيماء إلى أن خلق الأرض وما فيها كان سابقا على تسوية السموات سبعا، وهذا لا يخالف قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ؟ بَناها، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها، وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) لأن كلمة (بعد) فيها بعدية في الذكر لا في الزمان، فمن استعمالاتهم أن يقولوا: أحسنت إلى فلان بكذا، وقدمت إليه المعونة وبعد ذلك ساعدته في عمله، على معنى وزيادة على ذلك ساعدته، أو أن الذي كان بعد خلق السماء هو دحو الأرض: أي تمهيدها للسكنى والاستعمار، لا مجرد خلقها وتقدير الأقوات فيها.
(وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي إن هذا النظام المحكم لا يكون إلا من لدن حكيم عليم بما خلق، فلا عجب أن يرسل رسولا يوحى إليه بكتاب لهداية من يشاء من عباده يضرب فيه الأمثال بما شاء من مخلوقاته، جل أو حقر، عظم أو صغر.