الخطاب هنا لبنى إسرائيل كما كان فيما قبله، وقد وبّخهم على اعوجاج سيرتهم وفساد أعمالهم، وهداهم إلى المخرج من هذه الضلالات، ذاك أن اليهود كانوا يدّعون الإيمان بكتابهم والعمل به والمحافظة عليه وتلاوته، ولكنهم ما كانوا يتلونه حق تلاوته، إذ حق تلاوته هو الإيمان به على الوجه الذي يرضاه الله تعالى، ولكن الأحبار والرهبان وكانوا الآمرين الناهين لا يذكرون من الحق إلا ما يوافق أهواءهم، ولا يعملون بما فيه من الأحكام إذا عارض شهواتهم.
فقد جاء في التوراة في صفة النبي ﷺ: «أنه يقيم من إخوتهم نبيّا يقيم الحق» وجاء في سفر تثنية الاشتراع (١٧) قال لى الرب: أحسنوا فيما تكلموا.
(١٨) سوف أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامى في فمه فيكلمهم
[ ١ / ١٠٤ ]
بكل ما أوصيه به (١٩) ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامى الذي يتكلم به باسمي، أنا أكون المنتقم منه.
فحرفوا هذه البشارة به وأولوها بما يوافق أهواءهم.
وكانت لهم مواسم دينية تذكرهم بنعم الله عليهم، وتكون باعثا على إقامة الدين والعمل به، لكن طول العهد جعل القلوب قاسية فخرجت عن تعاليم الدين، واتباع الخير وسلوك طريق الرشاد، واستمسك الأحبار بالظواهر وقلدهم في ذلك العامة، فما كانوا يعرفون من الدين إلا العبادات العامة، والمراسم الدينية، وما عدا ذلك مما لا فائدة لهم فيه ولا هوى، يلجئون فيه إلى التأويل والتحريف حتى لا يصادم أهواءهم وشهواتهم.