التقت فى البلاد الإسلامية تيارات العقل البشرى حاملة تراث المدنيات والحضارات
[ ١ / ١٠ ]
اليونانية والفارسية والهندية، ومرت بأهلها أعاصير من جدل أهل الكتاب يهودهم ونصاراهم، فكان كل أولئك حافزا للعلماء على أن يؤلفوا موسوعات فى التفسير تجمع بين دفتيها فنونا من المعرفة لم يكن لهم بها سابقة عهد، وسار الفكر الإسلامى حرّا طليقا فى معرفتها حينا، ومقيدا حينا آخر، يحكّم العقل مرة، ويسلس قياده للنص أخرى، ويميل إلى التقليد حين الضعف والانحلال والركود الفكرى.
ولما كان القرآن كتابا سماويا تنزل على قلب أكمل الأنبياء، مشتملا على معارف عالية ومطالب سامية، يجد المنقّب عنها من الهيبة والجلال ما يكاد يحول بينه وبين الوصول إليها- سهل سبحانه الأمر علينا، فلم يطلب منا إلا الفهم والتدبر فى كلامه، لأنه نزّله نورا وهدى للناس، وجعله حاويا للشرائع والأحكام التي لا يمكن العمل بها إلا إذا فهمت حق الفهم، واستوضحت مغازيها، وكشفت أسرارها ومراميها، من حيث هى دين إلهى، وهدى سماوى، ترشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتيهم الدنيوية والأخروية، وما سوى ذلك من وجوه النظر والبحث، فتابع لذلك، ووسيلة إليه فى التحصيل، ولا يعنينا العناية التي نهتم لها اهتمامنا بالمطلب الأول، لكنّ كثيرا من المفسرين، جعلوا عنايتهم تكاد تكون وقفا على الوسائل دون المقاصد:
(١) فمنهم من وجه النظر إلى البحث فى أساليب الكتاب ومعانيه، وبيان ما احتوى عليه من بلاغة وفصاحة، وأطنب فى ذلك وجعل مقصده بيان ميزته عن غيره من الكلام وإظهار إعجازه للناس، ليتبين لهم كيف أعجز مقاويل العرب وفصحاءهم، وكيف استخذوا أمامه ووقفوا وأجمعين؟ وكيف لجئوا إلى السيف والسنان، دون مقابلة البرهان بالبرهان؟ وكيف عمّى عليهم الأمر؟ فلم يجدوا لرد التحدي سبيلا.
وقد سلك هذا المسلك الزمخشري فى كشافه، فألمّ بالكثير من مقاصد البلاغة، وأبدع فيها أيّما إبداع، ونحا نحوه خلق كثير.
(٢) ومنهم من وجه النظر إلى إعرابه وتوسع فى بيان وجوهه، حتى كأن القرآن
[ ١ / ١١ ]
لهذا أنزل، وممن سلك هذا المسلك الزجّاج فى تفسيره معانى القرآن، والواحدي النيسابورى في تفسيره (البسيط) وأبو حيان محمد بن يوسف الأندلسى فى البحر المحيط (٣) ومنهم من وجه النظر إلى القصص والأخبار عمن سلف، وقد نحا هذا النحو أقوام زادوا فى قصص القرآن ما شاءوا من كتب التاريخ والإسرائيليات. وليتهم اقتصروا على النقل من التوراة والإنجيل والكتب المعتمدة لدى أهل الكتاب، لكنهم أخذوا جميع ما سمعوه عنهم من غير تفريق بين غثّ وسمين، ولا تنقيح لما يخالف الشرع ولا يطابق العقل، ومن أشهر هؤلاء الثعلبي، وصاحب الخازن علاء الدين بن محمد البغدادي المتوفى سنة ٧٤١ هـ.
(٤) ومنهم من وجّه همه إلى الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات وكيفية استنباطها من الآيات، وربما استطردوا إلى إقامة الأدلة عليها، والرد على المخالفين مما لا تعلق له بالتفسير كما فعل القرطبي فى تفسيره.
(٥) ومنهم من عنى بالكلام فى أصول العقائد ومقارعة الزائغين، ومحاجة المخالفين وللإمام الرازي المتوفى سنة ٦١٠ هـ فى ذلك القدح المعلّى فى تفسيره الكبير المسمى بمفاتيح الغيب، فقد خرج فيه من باب إلى باب، حتى ليقضى الناظر العجب من صنيعه. ومن ثمّ قال أبو حيان الأندلسى فى البحر المحيط: جمع الرازي فى تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة إليها فى علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: تفسيره فيه كل شىء إلا التفسير اهـ.
(٦) ومنهم من اتجه إلى الوعظ والرقائق ممزوجة بحكايات المتصوفة والعبّاد، وفى بعضها خروج عن حدود الفضائل والآداب التي جرى عليها القرآن.
(٧) ومنهم من سلك طريق التفسير بالإشارة إلى دقائق لا تنكشف إلا لأرباب السلوك، ويمكن إرادتها مع إرادة ظاهر المعنى، وقال إن ذلك من كمال الإيمان ومحض العرفان.
[ ١ / ١٢ ]
ولقد نعلم أن الإكثار فى مقصد من هذه المقاصد يدخل النقص على الغرض الأصلى من تفسير الكتاب الكريم، وهو فهم الكتاب من حيث هو دين وهداية للناس فى دنياهم وآخرتهم.