آياتها:١٩
[ ٧٥ ]
سورة الانفطار
بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
[ ٧٦ ]
سورةُ الانفِطار
١ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾؛ أي: إذا انشقَّت السماءُ، كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وغيرها.
٢ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾؛ أي: وإذا كواكبُ السماء، وهي نجومها، تساقطت وتفرَّقت (١).
٣ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾؛ أي: وإذا هذه البحارُ العظيمةُ قد فُتِحَ بعضُها على بعضٍ فصارت بحرًا واحدًا ممتلئًا (٢).
_________________
(١) جاء فعل «انفطرت» و«انتثرت» ماضيان مبنيان للفاعل، والحدثُ في المستقبل، للدلالة على تحقُّق الوقوع، كما جاءا على صيغة المطاوعة؛ أي: فَطَرْتُه فانفطر، ونَثَرتُه فانتثر، وفيه دلالةٌ على إيجاد هذا الحدث فيهما ومطاوعتِهما وإجابتِهما لهذا المطلوبِ منهما، فكأنه بقوة صيغة المفعول؛ أي: الذي فُعِلَ به بغير إرادته فاستجاب لذلك، والله أعلم.
(٢) فسَّر السلف التفجير بهذا المذكور، وَرَدَ ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وقتادة من طريق سعيد، والحسن من طريق معمر، والكلبي من طريق معمر. والتفجير: فتحُ بعضها على بعض، وزاد الحسن في تفسيره: «فذهب ماؤها»، وهي تحتمل أنه ذهب من مكانه إلى غيره، وهذا واضح، ويحتمل أنه أراد ذهب الماء بالكليَّة، وهذا المعنى لا تعطيه اللفظة من مدلولها، ولو كان مراده هذا فإنه يمكن أن يُقْبَلَ على باب التوسع في التفسير؛ لأن هذه الحالة التي ذكرها ستصِير للبحار، على ما مرَّ في تفسير التَّسْجير، فيقبَلُ هذا التفسير هنا من باب التجَوّزِ، وتفسير الكلبي بأنها «ملئت» تفسير باللازم؛ أي: من لازم فتح بعضها على بعض أن تمتلئ. والله أعلم. ومما ينبغي الإشارة إليه هنا: أن الكلبيَّ هنا يفسِّر وليس راويًا، فلا يقال: لا يُقْبَلُ تفسيره، لأنه كذاب، فعليكَ أن تفرِّقَ بين رأيه إذ هو مُحْتَمَلٌ مقبولٌ من التفسير، وبين روايته التي فيها التضعيف وعدم القَبول.
[ ٧٧ ]
٤ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾؛ أي: وإذا القبورُ التي دُفِنَ بها الموتى أُثيرت وقُلبت، فجُعِلَ أعلاها أسفلها، فخرجَ ما بها (١).
٥ - قولُه تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾؛ أي: علِمَت كلُّ نفسٍ الذي عملته من أعمال الخير والشر، والذي لم تعمَلْه منهما (٢).
_________________
(١) قال ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: بُحِثَت. وقد ذكر بعض المفسِّرين المتأخِّرين أن هذه اللفظة يجوز أن تكونَ من باب النحت؛ أي: أنَّ أصلها من كلمتين، فنُحِت منهما هذه اللفظة، كالبسملة المنحوتة من «بسم الله»، وقالوا أصلها من: بعث وأثار، وقال آخرون أصلها: بعث، وضُمَّت إليها الراء (انظر: التحرير والتنوير)، وهذه الأقوال لا داعي لها ما دام للفظة معنًى معروف في لغة العرب، وليس لها مستند لغوي سوى التخمين والاشتباه. يلاحظ أنّ الفعلين: «فُجِّرَت» و«بُعثرت» جاءا ماضيين كسابقيهما، غير أنهما اختلفا عنهما بمجيئهما على صيغة المفعول اهتمامًا بالحدث ذاتِه دون فاعله، والله أعلم.
(٢) هذا جوابُ إذا في الآيات الأربع السابقة، والقولُ في هذا الجوابِ كالقول في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ في سورة التكوير. وقد اتفقَ السلف في تفسير المقدَّم والمؤخَّر على أنه العمل، واختلفت عبارتهم فيه على أقوال: الأول: علِمت ما قدَّمت من عمل صالح، وما أخَّرت من سُنَّة يعمل بها بعد موتها، وهو قول محمد بن كعب القرظي. الثاني: ما قدَّمت من الفرائض، وما أخَّرت من الفرائض فضيَّعتها، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وعكرمة من طريق سعيد بن مسروق، وقتادة من طريق معمر وسعيد، وابن زيد. الثالث: ما قدَّمت من خير أو شر، وما أخَّرت من خير أو شر، وهو قول إبراهيم التيمي من طريق العوام. ورجَّح الطبري القول الأول، فقال: «وإنما اخترنا القول الذي ذكرناه؛ لأن كل ما عمل العبد من خير أو شر، فهو مما قدَّمه، وأن ما ضيَّع من حق الله عليه وفرَّط فيه فلم يعمله، فهو مما قد قدَّم من شر، وليس ذلك مما أخَّر من العمل: لأن العمل هو ما عمله، فأما ما لم يعمله، فإنما هو سيئة قدَّمها، فلذلك قلنا: ما أخرَّ هو ما سنَّه من سُنَّةٍ حسنةٍ وسيئة مما إذا عمَل به العامل، كان له مثل أجر العامل بها أو وِزره». ولو حُمل المعنى على العموم، لكان وجهًا أوفق، ويكون المؤخَّر بمعنى المتروك مما =
[ ٧٨ ]
٦ - قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؛ أي: يا أيُّها الإنسانُ الكافرُ (١)، أيُّ شيءٍ سوَّلَ لك وجعلكَ تخالفُ أمرَ ربِّكَ الذي أوجدَكَ وربَّاك بنِعَمِه، ولم يعاجِلْكَ بعقوبته بكَرَمِه؟، سوَّل لك جهلُك، أو شيطانُك (٢)؟!
٧ - قولُه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: ربُّك الكريم: الذي أوجدَك من العدَمِ، فجعلَ خلقك سويًّا قويمًا لا خلَلَ فيه، وجعله متناسبًا في الخلق يدان ورِجلان وعينان إلخ، وكلٌّ في مكانه المناسبِ له.
٨ - قولُه تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾؛ أي: جمعَ خلقكَ في شكلٍ خاصٍّ بك، مائلٍ في الشَبَهِ إلى أمٍّ أو أبٍ أو عمٍّ أو خالٍ أو غيرهم (٣).
٩ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ هذا خطابٌ للكفار، والمعنى: ليس الأمرُ كما تظنُّون يا من اغتررتم بجهلِكم فكفرتُم بربِّكُم، ولكن أنتم تكذِّبون بيوم الجزاء والحساب، ولا تصدِّقون به، فتعملون له (٤).
_________________
(١) = لم يعمل به، وتكون السنَّة التي يعمل بها بعده داخلة فيما قدَّم، وهذا يعني أن هذه التفاسير السَّلَفية أمثلة لعمل مقدَّم وآخر مؤخَّر، وأعمُّها قول إبراهيم التيمي، وليس بين هذه الأقوال على هذا السبيل تعارض، بل هي راجعة إلى معنىً واحدٍ وهو العموم، والله أعلم.
(٢) لفظُ الإنسان في القرآن المكيِّ يُطلق على الكافر في الغالب، والخطابُ في مثلِ هذا يشملُ من اتصف به من المسلمين قياسًا، وإن كان أصلُ نزوله في الكافر، والله أعلم.
(٣) وردَ عن عمر وابنه عبد الله وابن عباس والربيع بن خثيم: غرَّه جهله (تفسير ابن كثير)، وعن قتادة: شيء ما غرَّ ابن آدم: هذا العدو المسلَّط.
(٤) هذا قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقد جعله عكرمة من طريق أبي رجاء، وأبو صالح من طريق إسماعيل على معنى آخر، وهو: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وكأنه على قولهم بيان للطف الله بالعبد أن خلقه مستقيمًا معتدِلًا متناسب الأعضاء، وأبعده عن هذه الصوَر التي هو قادر على أن يخلقَه مثلها.
(٥) في مجيء الفعل «تكذبون» مضارعًا، إشعارٌ بتجدُّد تكذيبهم وتكرُّر وقوعه منهم.
[ ٧٩ ]
١٠ - قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾؛ أي: وإنَّ عليكم حَفَظَةً من الملائكة يرقبون أعمالكم ويسجِّلونها عليكم (١).
١١ - ١٢ - قولُه تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾؛ أي: هؤلاء الحَفَظَةُ من الملائكة شرفاءُ أمناءُ يحفَظونَ بالتدوين والكتابةِ أعمالكم كلها التي يسَّر الله لهم أن يطَّلِعوا عليها، فلا يزيدون فيها، ولا يُنقصون.
١٣ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾؛ أي: إنَّ الذين اتَّصفوا بكثرة الطاعاتِ يحيطُ بهم التنعُّم الدائم الذي لا يزول، وهو نعيم الجنة.
١٤ - قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾؛ أي: وإنَّ الذين شقُّوا سترَ الدينِ بالكفر، وفَجَروا في أعمالهم، وكَفَروا بالبعث، يحيطُ بهم عذابُ النار، ويخلدون فيها بسبب كُفرهم.
١٥ - قولُه تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ أي: يدخلونها فتحرقهم بِحَرِّها وتشوِيهم في ذلك اليوم العظيم: يوم الجزاء والحساب.
١٦ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾؛ أي: هم خالدون فيها أبدَ الآباد (٢)؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [البقرة: ١٦٧].
١٧ - ١٨ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ *ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ تعلمُ عن يوم الجزاء والحساب، ذلك اليوم العظيم (٣)؟،
_________________
(١) أُكِّدت هذه الجملة بثلاث مؤكِّدات: إن، واللام، والجملة الاسمية. وقدَّم الجار والمجرور «عليكم» - الذي يعود إليهم - للاهتمام به؛ لأنهم الذين من أجلهم سيق الكلام. وفي حرف «على» ما يفيد التسلُّط والمراقبة من الحَفَظَة.
(٢) جاءت الجملة الاسمية منفية للدلالة على ثبوت هذا النفي واستمرارِه؛ أي: هم لا يغيبون أبدًا عن النار، بل يلازمونها ملازمةً دائمة. والباء في «بغائبين» فيها تأكيد لهذا النفي، وقدَّم الجار والمجرور للاهتمام بالمصير الذي يصيرونَ إليه، وهو النار.
(٣) روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: يوم الدِّين من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله وحذَّره عبادَه.
[ ٨٠ ]
وكرَّرَ الاستفهامَ لتهويلِ أمرِ هذا اليومِ وتعظيمه (١).
١٩ - قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: هذا بيانٌ لذلك اليوم؛ أي: ذلك اليومُ هو يوم لا يستطيع أن ينفعَ أحدٌ من البشر غيره، فَبَطَلَ كل مُلْكٍ وأمر، وصار الأمر والإذن كله لله وحده (٢)، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٣) [غافر: ١٦].
_________________
(١) روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال: «قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تعظيمًا ليوم القيامة، يوم تُدان فيه الناس بأعمالهم».
(٢) روى معمر عن قتادة، قال: «ليس ثَمَّ أحد يومئذٍ يقضي شيئًا، ولا يصنعُ شيئًا، إلا ربّ العالمين». وعن سعيد بن أبي عروبة عنه، قال: «والأمر - والله - اليوم لله، ولكن يومئذ لا ينازعه أحد».
(٣) هذه الآية من التفسيرات القرآنيةِ الصريحةِ التي وقعت جوابًا لسؤالٍ سابقٍ لها. وهذا النوعُ من تفسيرِ القرآنِ بالقرآن حجَّة بلا إشكال، والله أعلم.
[ ٨١ ]