آياتها:٨
[ ١٩٩ ]
سورة البينة
بسم الله الرحمن الرحيم
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)
[ ٢٠٠ ]
سورةُ البِّينة
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ *رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً *فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾: يقولُ الله تعالى: لم يكن هذان الصِّنْفانِ من الذين كَفروا، وهُم أهلُ الكتابِ من اليهودِ والنصارى، ومشرِكو العرب منفصلينَ عن كُفرِهم وتاركيه (١) حتى تأتيَهُم العلامةُ الواضحةُ من الله، وهي إرسالُ الرسولِ الخاتَمِ ﷺ الذي يقرأُ عن ظهرِ قلبٍ ما في الصُّحُفِ المطهَّرة من المكتوبِ المستقيمِ فيها الذي لا خطأَ فيه، وهو القرآن.
وهذا حكايةٌ لحالِهم في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا ينتظرونَ بَعْثَ نَبِيِّ آخِر الزمان، ولكنهم لما بُعِثَ افترقوا فيه، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾.
٤ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾؛ أي: لم يتفرَّق أهلُ الكتابِ (٢) في أمرِ النبي ﷺ إلاَّ بعدَ أن جاءَهم
_________________
(١) قال ذلك مجاهدٌ من طريق ابن أبي نجيح وقتادة من طريق معمر وسعيد، وابن زيد. ولكنهم لم يبيِّنوا أن ذلك الخبر كان حكاية لحالِ أولئك القوم، ولا بدَّ من تقدير ذلك وإلاَّ كان في الخبر تخلُّفٌ؛ لأنهم لم ينفكُّوا جميعهم عن الكفر، بل بقِيَ عليه كثير منهم بعد مجيء البينة. (انظر: التحرير والتنوير). وقد ذكرَ شيخ الإسلام ابن تيمية تأويلًا آخر، وهو أنَّ الله لا يخلِّيهم ولا يترُكهم سُدى، فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة: ٣٦]. (انظر: دقائق التفسير: ٦/ ٢٩٣). واعلم أن هذه الآية من أصعبِ الآيات في التفسير، والله المستعان.
(٢) لم يذكرِ المشركينَ لأنهم كانوا في هذه المسألة تبعٌ لأهل الكتاب، فلم يكن عندَهم من =
[ ٢٠١ ]
وبُعِثَ إليهم، وهُم قد عرَفوه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، فكفروا به جُحودًا، وآمنَ به بعضُهم، وقد كانوا قبلَ أن يُبعثَ غيرَ متفرِّقينَ فيه، فهم يعرفونَ صِفتَه.
٥ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾؛ أي: وما أمَرَ الله اليهودَ والنصارى في القرآنِ إلاَّ بما هو في كُتبهم: من عبادةِ الله وحدَهُ والمَيلِ عن الشِّرك، وإقامةِ الصلاة، وإخراجِ زكاةِ أموالهم، وذلك المأمورُ به هو الدينُ المستقيمُ الذي لا اعوِجاجَ فيه، وذلك مما يدلُّ على صِدقِ هذا الرسولِ المرسَلِ إليهم.
٦ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾؛ أي: إنَّ هذين الفريقين من الذين كفروا فجَحَدوا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ سيدخلونَ نارَ جهنَّمَ ويمكثونَ فيها أبدَ الآباد، لا يخرُجونَ منها، ولا يموتونَ فيها، ثُمَّ وصفَهُم بأنهم شَرُّ مَنْ بَرَأَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ.
٧ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ *جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾؛ لما ذكرَ الصِّنْفَ الأولَ من الذين تفرَّقوا في البيِّنة، وهم الذين لم يؤمنوا، أعقبَهُم بذكرِ الصِّنْفِ الثاني، وهم الذين آمنوا بالبيِّنة وعملوا الأعمال الصالحات التي تقرِّبهم إلى الله، وهؤلاء هُم خيرُ من بَرَأَهُ الله وخلَقَهُ، وسيكون ثوابهم منه تلك البساتين التي هي محلُّ إقامةٍ لا تَحَوُّلَ عنها، وهي التي تسمَّى جنَّاتِ عدن، التي تجري أنهارها على سطح أرضِها بدون أخاديد تحدُّها، وهؤلاء هُم الذين ﵃ بما أطاعوه في الدنيا، ورضوا عنه بما أعطاهُم من النعيم الذي لا يحصَلُ إلاَّ لمن خافَ ربَّه في الدنيا وأحبَّه وعظَّمه، والله أعلم.
_________________
(١) = خبرِه شيءٌ، وكانوا يتلقَّفونَ ذلك منهم، ومن ذلك ما كان يتهدَّدُ به يهودُ المدينةِ الأنصارَ، فيقولون لهم: «إذا خرجَ نبي آخِر الزمان، قتلناكُم قتلَ عادٍ». والله أعلم.
[ ٢٠٢ ]