آياتها:٨
[ ١٧٣ ]
سورة الشرح
بسم الله الرحمن الرحيم
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)
[ ١٧٤ ]
سورةُ الشَّرح
١ - قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: يقولُ الله مُمْتَنًّا على نبيِّه ﷺ: لقد وسَّعْتُ لكَ صدرَكَ، فجعلتُه منبسِطًا راضيًا، وجعلتُه محلًّا لوحيي، ومتحمِّلًا لأعباء حَمْلِهِ وتبليغِه للناس، ومتحمِّلًا أخلاقَهم، وغير ذلك مما يدلُّ على سَعَةِ الصَّدْرِ وعَدمِ ضِيقِه (١).
٢ - ٤ - قولُه تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ *وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: ويمتنُّ عليه بأنه قد حطَّ عنه الإثمَ (٢) الذي أتعَبَهُ وصارَ
_________________
(١) في هذا الشرحِ المعنويِّ إشارةٌ إلى الشرح الحسِّي، وهو شَقُّ صدرِ الرسول ﷺ وإخراجُ ما في قلبِه من النُكْتَةِ السوداء، وملءُ قلبه إيمانًا وحِكْمَة. وقد كان هذا ممهِّدًا لذلك الشرحِ الذي ذكر الله في الآية، والله أعلم.
(٢) أشارَ السلفُ إلى ذلك، فقال: مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: «ذنبُك»، قال قتادة من طريق سعيد ومعمر: «كانت على النبي ﷺ ذنوبٌ قد أثقلته، فغفَرها الله له»، وكذا قال ابن زيد. وهذه مسألةٌ تتعلقُ بالعِصْمَة، وللناسِ فيها كلامٌ كثير، وأغلبُ الكلامِ فيها عقليٌّ لا يَعْتَمِدُ على النصوص، وهذا النص صريحٌ في وقوع الرسول ﷺ في شيء من الذنوب التي قد غفرَها الله له، ولكن لم يبيِّن الله نوعَ هذه الذنوب، ولذا فلا تتعدَّ ما أجملَهُ الله في هذا النصِّ، وقُلْ به تَسْلَم. ولا تفترض مصطَلَحًا للعِصْمة من عقلِكَ تحمِل عليه أفعالَ الرسول ﷺ، فتدخُل بذلك في التأويلاتِ السَمِجَةِ التي لا دليلَ عليها من الكتاب ولا السنة؛ كما وقع من بعضِهم في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، قال: «ما تقدَّم: ذنبُ أبيك آدم، وما تأخَّر: ذنوبُ أمَّتِك»، وانظر الشَبَهَ بين هذا القولِ وبين قولِ النصارى في الخطيئة، فالله يقول: ليغفرَ لكَ اللَّهُ ما تقدَّم من ذنبِكَ، وهذا يقول هو =
[ ١٧٥ ]
ثقيلًا عليه كأنه يحمِلُه على ظهرِه. وأنه قد جعلَ له الثناءَ الحسنَ، فصارَ لا يُذكرُ إلاَّ بخيرٍ، ومِنْ أعظمِ ذلك أنه قُرِنَ ذِكْرُه بِذِكْرِ الله؛ كما في الشهادتين (١).
٥ - ٦ - قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾؛ أي: فإذا علمتَ هذا (٢)، فاعلم أنَّه يعقبُ الشِّدَّةَ فرجٌ ومخرجٌ، ثمَّ أكَّد هذا
_________________
(١) = ذنبُ غيرِه! والله المستعان. واعلم أن في الرسولِ جانبين: جانبٌ بشري، وجانبٌ نَبَوي. أما الجانب البشري فهو فيه كالبشر: يحبُّ ويكرَه، ويرضى ويغضَب، ويأكلُ ويشرب، ويقومُ وينام إلخ، مع ما ميَّزَهُ الله به في هذا الجانب في بعض الأشياء؛ كسلامةِ الصدر، والقوةِ في النكاح، وعدمِ نومِ القلب، وغيرِها من الخصوصيات التي تتعلقُ بالجانب البشري. ومن هذا الجانبِ قد يقعُ من النبي بعضُ الأخطاء التي يعاتبُه الله عليها، ولكَ أن تنظُرَ في جملةِ المعاتَبَاتِ الإلهية للنبي ﷺ؛ كعِتابه بشأن أسرَى بدر، وعتابِه بشأن زواجِه من زينب، وعتابِه في عبد الله بن أم مكتوم، وغيرِها، وقد نصَّ اللَّهُ على هذا الجانبِ في الرُّسُلِ جميعِهم صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم، ومن الآيات في ذلك: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، ومن الأحاديثِ قوله ﷺ: «إنما أنا بَشَرٌ، وإنكم تختصِمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضكم يكون ألحن بحجَّتِه من بعض، فأقضي له بنَحْوِ ما أسمع، فمن قضيتُ له بحقِّ أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له من النار» (رواه البخاري). وتكمُنُ العِصمةُ في هذا الجانب في أنَّ الله يُنَبِّهُ نبيَّه ﷺ على ما وقعَ منه من خطأ، وهذا ما يتأتَّى لأحدٍ من البشر غيره، فتأمله فإنه من جوانب العِصمة المُغْفَلَةِ. وأما الجانب النَّبَوِيُّ، وهو جانب التبليغ، فإنه لم يرِد البتةَ أن النبيَّ ﷺ خالفَ فيه أمرَ الله؛ كأن يقولَ الله له: قل لعبادي يفعلوا كذا، فلا يقولُ لهم، أو يقولُ لهم خلافَ هذا الأمر، وهذا لو وقعَ فإنه مخالِفٌ للنبوَّة، ولذا لما سُحِرَ النبي ﷺ لم يؤثِّر هذا السحر في الجانب النبوي، بل أثَّرَ في الجانب البشري، ومن ثمَّ فجانب التبليغ في النبيِّ معصومٌ، ويدلُّ على هذا الجانب قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، والله أعلم.
(٢) كذا فسَّرَ السلف الرفعَ في الذكر بأنه في الشهادة، قال مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: «لا أُذكر إلا ذُكِرْتَ معي: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله». وقال قتادة من طريق سعيد: «رفعَ الله ذِكْرَهُ في الدنيا والآخرة، فليس خطيبٌ، ولا متشهِّدٌ، ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله».
(٣) هذا تفسير للفاء في قوله: ﴿فَإِنْ﴾، وتسمَّى فاء الفصيحة، وهي تدل على كلامٍ محذوف =
[ ١٧٦ ]
بتَكرارِ الجملة؛ للدلالةِ على أنَّ اليُسْرَ يَلْحَقُ العُسْرَ ويَغْلِبُه (١).
٧ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ *وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾؛ أي: لمَّا تقرَّرَ ما وهبَ اللَّهُ لك، فإنَّ عليكَ إذا فرغتَ من عملٍ أن تَنْصَبَ في عملٍ آخرَ من أعمالِ الخير (٢)، وهذا المعنى كالمعنى في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. وأن تكونَ أيُّ رغبةٍ لك - وهي طلبُ حصولِ ما هو محبوبٌ - مطلوبةً من الله لا من غيرِه، والله أعلم.
_________________
(١) = يُقَدَّرُ حسبَ السياق، وهي تربطُ بين الجملة السابقة واللاحقة. (انظر: التحرير والتنوير).
(٢) وردَ في حديثٍ من مُرْسَلِ الحسن وقتادة عن النبي ﷺ: «لن يغلبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ»، وقد شرحَ بعض العلماء ذلك، على أن العسرَ في الآيتين معرَّف، واليسر مُنَكَّر، فالتعريف دليلُ التوحُّدِ والانفراد، والتنكيرُ دليلُ التعدُّد، والله أعلم. (انظر: تفسير ابن كثير).
(٣) ذكرَ السلف أمثِلةً لما يَفرغُ منه وينصبُ فيه من الأعمال، ومنها:
(٤) إذا فرغتَ من صلاتِك، فانصبْ إلى ربِّك في الدعاء، وردَ ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة والعوفي، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، والضحاك من طريق عبيد، وقتادة من طريق سعيد ومعمر.
(٥) إذا فرغتَ من جهادِ عدوِكَ فانصبْ في عبادة ربِّك، وردَ ذلك عن الحسن من طريق قتادة، وابن زيد.
(٦) إذا فرغتَ من أمرِ دُنياكَ، فانصبْ في عبادة ربِّك، وردَ ذلك عن مجاهد من طريق منصور. قال ابن جرير: «وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذِكرُه أمرَ نبيَّهُ أن يجعلَ فراغَهُ من كلِّ ما كان به مشتغِلًا من أمر دُنياه وآخرتِه، مما أدَّى له الشغل به، وأمره بالشغلِ به إلى النَّصْبِ في عبادته، والاشتغالِ فيما قرَّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصِّص بذلك حالًا من أحوالِ فراغِه دون حال، فسواءٌ كل أحوال فراغه: من صلاته كان فراغه، أو جهاد، أو أمرِ دنيا كان به مشتغلًا لعمومِ الشرط في ذلك من غير خصوصِ حالِ فراغ دون حال أخرى». وهذا يعني أن لفظ الفراغِ والنَّصَبِ عامٌّ، وما ذُكِرَ من التفسير أمثلةٌ لهذا العام، ولذا وردَ عن مجاهد في التفسير قولان مختلفان، وكلاهما من قبيلِ الأمثلة لهذا العموم، والله أعلم.
[ ١٧٧ ]