آياتها:٧
[ ٢٣٩ ]
سورة الماعون
بسم الله الرحمن الرحيم
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)
[ ٢٤٠ ]
سورةُ الماعون
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ *فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ *وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾؛ أي: أرأيتَ الذي لا يُصدِّق بالجزاءِ من الثواب والعِقاب (١)؟، الذي من صفتِه أنه يدفعُ ويظلمُ الطِّفْلَ الذي ماتَ أبوه وهو دونَ سنِّ البلوغ، فلا يُعطيه حَقَّهُ (٢)، ولا يحثُّ نفسَه ولا غيرَه على إطعامِ المحتاجِ الذي قد بلغ من المَسْكَنَةِ مَبْلَغًا عظيمًا (٣).
٤ - ٧ - قولُه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ *وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: يتوعَّدُ ربُّنا المصلِّينَ الذين يَلهونَ عن الصلاة فيؤخِّرونها عن وقتِها، أو يتركونها أحيانًا فلا
_________________
(١) وردَ عن ابن عباس من طريق العوفي تفسير «الدِّين»، فقال: الذي يكذِّب بحكمِ الله ﷿، وقد سبقَ التعليقُ على هذا التفسير عند قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ من سورة التين. وورد عن ابن جريج تفسيره بالحساب.
(٢) وردت عبارات عن السلف فيها بيانُ معنى دَعِّ اليتيم. الأولى: تفسير لفظي لمعنى «يدُّع»، وهو: يدفعُ اليتيم، ورد ذلك عن ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وسفيان الثوري من طريق مهران. والثانية: بيانٌ للمعنى، وهو: يظلمُه ويقهرُه، ورد ذلك عن قتادة من طريق سعيد ومعمر، والضحَّاك من طريق عبيد، وهذا اختلاف تنوُّع؛ لأنَّ التفسيرَ فيهما يؤولُ إلى معنًى واحد، فالأوَّلونَ عبَّروا عن المعنى اللغوي، والآخِرون عبَّروا عن المعنى المراد به في السياق، والله أعلم.
(٣) يلاحظُ ورود هذه الأوصافِ في المجتمع الكافر، وقد وردت في ثلاثِ سُوَرٍ من هذا الجزء، وهي سورةُ الفجر، وسورةُ البلد، وهذه السورة، كما ورد حثُّ النبي ﷺ على الرفق باليتيم وعدم ردِّ السائل المسكين في سورة الضحى.
[ ٢٤١ ]
يصلُّونها (١)، أولئكَ المصلِّين الذين يقومونَ بأعمالِهم ليراهم الناس، وهمُ المنافقون (٢)، الذين لا يعطونَ الناس ولا يُعينونَهم بشيء: لا بزكاةٍ ولا بغيرِها من المنافعِ التي يُنْتَفَعُ بها؛ كالقِدْرِ، والفأسِ، والدَّلْوِ، وغيرِها (٣).
_________________
(١) اختلفَ السلفُ في هذا الوصفِ على أقوال: الأول: الذين يؤخِّرونها عن وقتها، فلا يصلُّون إلا بعدَه، وهو قولُ سعد بن أبي وقاص من طريق ابنه مصعب، وابن عباس من طريق أبي جمرة الضبعي نصر بن عمران، وابن أبزَى من طريق جعفر، ومسروق من طريق أبي الضحى مسلم بن صبيح. الثاني: يتركونَها فلا يصلُّونَها، وردَ ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة والعوفي، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة من طريق معمر، وابن زيد. قال الطبري: «وأَوْلى الأقوال في ذلك عندي بالصواب بقوله: ﴿سَاهُونَ﴾: لاهونَ يتغافَلونَ عنها، وفي اللهوِ عنها والتشاغُلِ بغيرها تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى، وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ بذلك قول من قال: عنَى بذلك ترك وقتها، وقول من قال: عنَى به تركَها، لما ذكرت من أن في السَّهْوِ عنها المعاني التي ذُكرت». ومن ثَمَّ، فالخلاف يرجع إلى أكثر من معنى، وهما معنيان، وكِلاهما محتمَل؛ لأنَّ الذي إن صلاَّها، لا يصلِّيها إلاَّ رياءً، فهو من المنافقين كما ورد عن جمع من السلف، وهذا الصنف أقرب أن يكون هو المَعْنِيُّ بالآية؛ للأوصاف السابقة واللاحقة، ويكون المتهاوِنُ بوقتها السَّاهي عنها لتركِه إيَّاها في الوقت داخِلًا في حُكم المنافقين، فأشبه المنافقين في تهاونِه بالصلاة، والله أعلم.
(٢) ورد ذلك عن علي من طريق مجاهد، وابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، والضحاك من طريق عبيد، وابن زيد.
(٣) أصلُ الماعونِ من كلِّ شيءٍ منفعتُه، ويكون المعنى: يمنعونَ الناسَ منافعَ ما عندهم، وهذا هو العموم في معنى اللفظ: والوارد عن السلف في تفسيرهم أمثلة لهذا العموم، ومنها: الأول: الماعون: الزكاة، وهي منفعةُ المالِ الواجبة، وبه قال علي بن أبي طالب من طريق مجاهد وأبي صالح، وابن عمر من طريق مجاهد وأبي المغيرة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وسعيد بن جبير من طريق حسَّان بن مخارق، وقتادة من طريق سعيد، والحسن من طريق سعيد ومحمد بن عقبة ومبارك، والضحاك من طريق عبيد وسلمة، وابن زيد، ومحمد بن الحنفية. الثاني: الماعون: عاريَّةُ المتاعِ من الدلوِ والقِدْرِ ونحو ذلك، ورد ذلك عن عبد الله بن مسعود من طريق أبي العبيدين وسعد بن عياض والحارث بن سويد ومالك بن الحارث =
[ ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإبراهيم النخعي وأبي وائل، وابن عباس من طريق سعيد بن جبير ومجاهد وعلي بن أبي طلحة والعوفي، وسعيد بن جبير من طريق حبيب بن أبي ثابت، وأبي مالك غزوان الغفاري من طريق حصين، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح. وورد عن محمد بن كعب من طريق محمد بن رفاعة: الماعون المعروف، وهو يدخلُ في الذي قبلَه إلا إن أرادَ التخصيص. كما وردَ عن سعيد بن المسيب والزهري: أن الماعونَ بلسانِ قريشٍ المال، وهذا يمكن أن يدخل في القول الأول، غير أن مرادَهم أن هذه الدلالة اللغوية كانت عند قريش دون غيرهم من العرب. قال الطبري: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب - إذ كان الماعون هو ما وصفنا قبلُ، وكان الله قد أخبرَ عن هؤلاء القوم، وأنهم يمنعونَه الناس، خبرًا عامًا من غير أن يَخُصَّ من ذلك شيئًا - أن يقال: إنَّ اللَّهَ وصفهُم بأنهم يمنعونَ الناسَ ما يتعاورونه بينهم، ويمنعونَ أهل الحاجةِ والمسْكَنةِ ما أوجبَ الله لهم في أموالهم من الحقوق؛ لأن كل ذلك من المنافعِ التي ينتفعُ بها الناسُ بعضُهم من بعض».
[ ٢٤٣ ]