آياتها:٩
[ ٢٢٥ ]
سورة الهمزة
بسم الله الرحمن الرحيم
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)
[ ٢٢٦ ]
سورةُ الهُمَزَة
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ *الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ *يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾: يتوعَّدُ ربُّنا كلَّ من كان خُلُقُهُ أنه يغتابُ الناسَ ويطعنُ فيهم (١)، الذي من صفتِه أنه حريصٌ على جمعِ المالِ والإكثارِ من
_________________
(١) اختلفَ السلف في تفسير هذين الوصفين، فوردَ أن الهُمَزَة: المُغتاب، واللُّمَزَة: الطعَّان، ورد ذلك عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة من طريق سعيد، وورد عن مجاهد من الطريق نفسِها عكس ذلك التأويل، وهو كذلك قول ابن عباس من طريق سعيد بن جبير. ووردَ أن الهُمَزَة: الذي يهمِزُه في وجهه، واللُّمَزَة: الذي يهمزه من خلفِه، ورد ذلك عن أبي العالية من طريق الربيع بن أنس. وورد أن الهُمَزة: باليد، واللُّمَزة: باللِّسان، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح. وقال ابن زيد: «الهُمَزة: الذي يهمِزُ الناسَ ويضربهم بيده، واللُّمَزة: الذي يلمِزهم بلسانه ويعيبهم». والهَمْز: هو عيبُ الناس بالإشارة، سواءٌ أكانت باليد، أم بغيرها، وسواءٌ أكان بحضرة المهْموز، أم بغَيْبته، واللَّمْز: الطعنُ على الناس؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩]؛ أي: يَعيبون عليهم صَدَقَتُهم، والله أعلم. وقد حُكي أنها نزلت في شخصٍ من الكفار، فقيل: نزلت في جميل بن عامر الجُمَحي، وقيل: في الأخْنَسِ بن شريق، وهذا إن كان هو السبب المباشر، فإن الآية تعمُّ من كان بهذا الوصف نظرًا لعموم اللفظ، وإن كان المراد أنهم يدخلونَ في حُكم الآية، فذِكرُهم على سبيل المثال لهامزٍ لامِزٍ، لا أنهما سبب النزول مباشرة، قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عمَّ بالقول كلَّ هُمَزة لُمَزة، كل من كان بالصِّفة التي وُصِفَ هذا الموصوف بها، سبيله سبيله، كائنًا من كان من الناس». والله أعلم.
[ ٢٢٧ ]
عدِّهِ وحسابه؛ ولشدَّة وَلَعِه به، يظنُّ أنَّ مالَه سيُبقيه في هذه الدنيا.
٤ - ٩ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ *نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ *الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ *إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ *فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾؛ أي: ما ذلك كما يظنُّ هذا الهامِز اللاَّمِز، ليس ماله بمُخْلِدِه، ثم أخبرَ تعالى أنه سيعاقبُه على أعمالِه التي عَمِلَها، فَذَكَرَ أنَّه سيقذفُه ويُلقيه في الحُطَمَةِ التي تَحْطِمُهُ وتَدُقُّه وتكسره، ثم استفهمَ عنها على سبيل التهويل، فقال: وما أعلمكَ ما هذه التي تَحْطِمُ ما فيها؟.
ثُمَّ بيَّن أن هذه الحُطَمة هي النارُ التي تشتعِلُ وتلتهِبُ من شدَّة الإيقاد، هذه النارُ التي يبلغُ حَرُّها قلوبهم، وتحرقُ كل قلبٍ بحسب ذنبه، وهذه النارُ مُطْبِقَةٌ (١) على الكفَّار لا يستطيعونَ الخروجَ منها، وهم يعذَّبون فيها في أعمِدَةٍ طويلةٍ من النار (٢)، والله أعلم.
_________________
(١) فسَّرها السلف بمُطْبِقَة، ورد ذلك عن ابن عباس من طريق أبي مالك غزوان الغفاري والعوفي، وعطية العوفي من طريق فضيل بن مرزوق، والحسن من طريق أبي رجاء، والضحَّاك من طريق مضرِّس بن عبد الله، وقتادة من طريق سعيد، وابن زيد.
(٢) وردَ التفسير عن ابن عباس من طريق العوفي، قال: «أدخلَهم في عَمَدٍ، فمُدَّت عليهم بعِماد، وفي أعناقهم السلاسِل، فسدَّت بها الأبواب». وقال ابن زيد: «في عَمَدٍ من حديدٍ مغلولين فيها، وتلك العَمَد من نار قد احترقت من النار، فهي من نارٍ ممدَّدة لهم». وقال قتادة من طريق سعيد: «عَمُودٌ يعذَّبون به في النار». قال الطبري: «وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: معناه: أنهم يعذَّبون بعمَدٍ في النار، والله أعلمُ كيف تعذيبُه إياهُم بها، ولم يأتِ خبرٌ تقومُ به الحجة بصفةِ تعذيبِهم بها، ولا وُضِعَ لنا دليلٌ فندرِكُ به صفةَ ذلك، فلا قولَ فيه - غير الذي قلنا - يصحُّ عندنا».
[ ٢٢٨ ]