فقد ورد في فضله، وتعلُّمه، وتعليمه أحاديث كثيرة:
فمنها: ما رواه الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - في «صحيحة» عن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى: خمّا، بين مكّة والمدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثمّ قال: «أمّا بعد: ألا أيّها النّاس! إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب، وإنّي تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله، ورغّب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي». زاد في رواية:
«كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به، وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلّ». وفي رواية: «كتاب الله هو حبل الله من اتّبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة». وفي رواية الترمذي عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي»، أحدهما أعظم من الآخر: وهو كتاب الله؛ «حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل
_________________
(١) الخازن.
[ المقدمة / ٢٠ ]
بيتي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».
ومنها: ما أخرجه مسلم أيضا: عن عمر بن الخطاب قال: أما إنّ نبيّكم ﷺ قال: «إنّ الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين».
ومنها: ما روي عن ابن عبّاس - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن، كالبيت الخرب». أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح.
ومنها: ما أخرجه البخاريّ، عن عثمان بن عفان - ﵁: عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلّم القرآن، وعلّمه».
ومنها: ما روي عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران». متّفق عليه.
(الماهر): الحاذق الكامل الحفظ، الجيّد التلاوة. (يتعتع)؛ أي: يتردّد في تلاوته؛ لضعف حفظه. (له أجران) يعني: أجر بسبب القراءة، وأجر بسبب تعبه فيها والمشقّة فيها، وليس معناه: أنّ له أجرا أكثر من أجر الماهر، بل الماهر أفضل منه، وأكثر أجرا.
ومنها: ما روي عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أنّ النبيّ ﷺ قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن؛ كمثل الأترجّة طعمها طيّب، وريحها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن،
[ المقدمة / ٢١ ]
كمثل التمرة طعمها طيّب، ولا ريح له، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن، كمثل الريحانة ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة طعمها مرّ، ولا ريح لها».
متّفق عليه. فيه دليل على فضيلة حفّاظ القرآن، ومشروعيّة ضرب الأمثال؛ لإيضاح المقاصد.
ومنها: ما روي عن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفا من كتاب الله، فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الم﴾ * حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
ومنها: ما روي عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رجل: يا رسول الله! أيّ الأعمال أحبّ إلى الله تعالى؟ قال:
«الحالّ المرتحل»، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: «الذي يضرب من أوّل القرآن إلى آخره، كلّما حلّ ارتحل». أخرجه الترمذي.
ومنها: ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإنّ منزلك عند الله آخر آية تقرؤها» أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «يجيء القرآن يوم القيامة، فيقول: يا ربّ! حلّه، فيلبس تاج الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ! زده، فيلبس حلّة الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ! ارض
[ المقدمة / ٢٢ ]
عنه، فيرضى عنه، فيقال: اقرأ، وارق، ويزاد بكلّ آية حسنة».
أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.
ومنها: ما روي عن سهل بن معاذ الجهنيّ، عن أبيه، أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قرأ القرآن وعمل به، ألبس والداه يوم القيامة تاجا، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنّكم بالذي عمل بهذا» أخرجه أبو داود.
ومنها: ما روي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ القرآن فاستظهره، فأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، أدخله الله الجنّة، وشفّعه في عشرة من أهل بيته، كلّهم قد وجبت لهم النار». أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وليس له إسناد صحيح.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أذن الله لشيء، كإذنه لنبيّ يتغنّى بالقرآن يجهر به» متّفق عليه. ما أذن الله، أي: استمع لمن يتغنّى بالقرآن، أي: يحسّن صوته به.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن».
ومنها: ما روي عن عقبة بن عامر - ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصدقة» أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والدارميّ، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
[ المقدمة / ٢٣ ]
وفي «مسند أبي داود الطيالسيّ: وهو أوّل مسند ألّف في الإسلام، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ.
قال: «من قام بعشر آيات، لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية، كتب من القانتين، ومن قام بألف آية، كتب من المقنطرين». والآثار في معنى هذا الفصل كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفّق للهداية.
والله أعلم
* * *
[ المقدمة / ٢٤ ]