إذا ثبت هذا، فاعلم: أنّ المعجزات على ضربين:
الأول: ما اشتهر نقله، وانقرض عصره بموت النبيّ ﷺ.
والثاني: ما تواترت الأخبار بصحّته، وحصوله، واستفاضت بثبوته، ووجوده، ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة.
ومن شرطه: أن يكون الناقلون خلقا كثيرا، وجمّا غفيرا، وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علما ضروريّا، وأن يستوي في النقل، أوّلهم، وآخرهم، ووسطهم في كثرة العدد، حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب، وهذه صفة نقل القرآن، ونقل وجود النبي ﷺ؛ لأنّ الأمّة - ﵂ - لم تزل تنقل القرآن خلفا عن سلف، والسلف عن سلفه، إلى أن يتصل ذلك بالنبي ﷺ، المعلوم وجوده بالضرورة، وصدقه بالأدلّة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل ﵇، وجبريل عن ربّه جلّ وعزّ، فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة، والنقصان، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر، الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه، ويسمعونه؛ لكثرة العدد، ولذلك وقع لنا العلم الضروريّ بصدقهم، فيما نقلوه من وجود محمد ﷺ، ومن ظهور القرآن على
[ المقدمة / ١٥٠ ]
يديه وتحدّيه به، ونظير ذلك من علم الدنيا، علم الإنسان ما نقل إليه من وجود البلدان، كالبصرة والشام، والعراق، وخراسان، والمدينة، ومكة، وأشباه ذلك من الأخبار الكثيرة، الظاهرة، المتواترة. فالقرآن: معجزة نبيّنا محمد ﷺ، الباقية بعده إلى يوم القيامة، ومعجزة كلّ نبيّ انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل، والتغيير، كالتوارة، والإنجيل.
ووجوه إعجاز القرآن الكريم عشرة:
منها: النّظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب، وفي غيرها؛ لأنّ نظمه ليس من نظم الشيء في شيء، وكذلك قال ربّ العزّة الذي تولّى نظمه: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾. وفي «صحيح مسلم»: أن أنيسا أخا أبي ذرّ قال لأبي ذرّ: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله تعالى أرسله، قلت: فما يقول الناس قال: يقولون شاعر كاهن ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أفراء الشعر، فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنّه شعر. والله، إنّه لصادق، وإنّهم لكاذبون، وكذلك أقرّ عتبة بن ربيعة، أنّه ليس بسحر، ولا شعر، لمّا قرأ عليه رسول الله ﷺ: (حم فُصِّلت) على ما يأتي بيانه هناك، فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان، وموضعه من الفصاحة، والبلاغة، بأنّه ما سمع مثل هذا القرآن قطّ، كان في هذا القول مقرًّا له، ولضربائه من المتحققين بالفصاحة، والقدرة على التكلم بجميع أجناس
[ المقدمة / ١٥١ ]
القول، وأنواعه.
ومنها: الأسلوب المخالف أساليب العرب.
ومنها: الجزالة التي لا تصحّ من مخلوق بحال، وتأمّل ذلك في سورة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إلى آخرها، وقوله سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إلى آخر السورة، وكذلك قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى آخر السورة. قال ابن الحصار فمن علم أنّ الله ﷾ هو الحقّ، علم أنّ مثل هذه الجزالة لا تصحّ في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، ولا أن يقول: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾.
قال ابن الحصار: وهذه الثلاثة من النظم، والأسلوب، والجزالة، لازمة كلّ سورة، بل هي لازمة كل آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميّز مسموع كلّ آية، وكلّ سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدّي، والتعجيز، ومع هذا، فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة من غير أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة، فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين.
أحدهما: الإخبار عن الكوثر، وعظمه، وسعته، وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أنّ المصدّقين به أكثر من أتباع سائر الرسل.
والثاني: الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول
[ المقدمة / ١٥٢ ]
الآية ذا مال، وولد على ما يقتضيه قوله الحقّ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾ ثمّ أهلك الله سبحانه ماله، وولده، وانقطع نسله.
ومنها: التصرّف في لسان العرب على وجه لا يستقلّ به عربيّ، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه.
ومنها: الإخبار عن الأمور التي تقدّمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله، من أمّيّ ما كان يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدّوه به من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين، فجاءهم وهو أميّ من أمّة أميّة ليس لها بذلك علم بما عرفوا، من الكتب السالفة صحّته، فتحقّقوا صدقه. قال القاضي ابن الطيب: ونحن نعلم ضرورة أنّ هذا ممّا لا سبيل إليه إلّا عن تعلّم، وإذا كان معروفا أنّه لم يكن ملابسا لأهل الآثار، وحملة الأخبار، ولا متردّدا إلى المعلّم منهم، ولا كان ممّن يقرأ، فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، علم أنّه لا يصل إلى علم ذلك، إلّا بتأييد من جهة الوحي.
ومنها: الوفاء بالوعد المدرك بالحسّ في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله ﷺ، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، وإلى وعد مقيّد،
[ المقدمة / ١٥٣ ]
بشرط قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وشبه ذلك.
ومنها: الإخبار عن المغيّبات في المستقبل التي لا يطّلع عليها إلا بالوحي، فمن ذلك: ما وعد الله سبحانه رسوله ﷺ، أنّه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية، ففعل ذلك، وكان أبو بكر - ﵁ - إذا أغزى جيوشه عرّفهم ما وعدهم الله تعالى في إظهار دينه، ليثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقا، وغربا، برّا، وبحرا. قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ﴾ وقال: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ فهذه كلّها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلّا ربّ العالمين، أو من أوقفه عليها ربّ العالمين، فدلّ على أنّ الله تعالى قد أوقف عليها رسوله؛ لتكون دلالة على صدقه.
ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وفي سائر الأحكام.
ومنها: الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في
[ المقدمة / ١٥٤ ]
كثرتها، وشرفها من آدميّ.
ومنها: التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرا، وباطنا من غير اختلاف. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾.
قلت: فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا - رحمهم الله تعالى -، وزاد النظام، وبعض القدرية حادي عشرها، وهو: أنّ وجه الإعجاز: هو المنع من معارضته، والصّرفة عند التحدّي بمثله، وأنّ المنع، والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن، وذلك أنّ الله تعالى صرف هممهم عن معارضته، مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله، وهذا فاسد؛ لأنّ إجماع الأمة قبل حدوث المخالف، على أنّ القرآن هو المعجز. فلو قلنا: إن المنع، والصرفة هو المعجز، لخرج القرآن عن أن يكون معجزا، وذلك خلاف الإجماع، وإذا كان كذلك، علم أنّ نفس القرآن هو المعجز؛ لأن فصاحته، وبلاغته أمر خارق للعادة، إذ لم يوجد قطّ كلام على هذا الوجه، فلمّا لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم، دلّ على أنّ المنع، والصرفة لم يكن معجزا. واختلف من قال بهذه الصرفة على قولين:
أحدهما: أنّهم صرفوا عن القدرة، ولو تعرضوا له لعجزوا عنه.
الثاني: أنّهم صرفوا عن التعرّض له مع كونه في مقدورهم، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه. قال: ابن عطيّة: وجه
[ المقدمة / ١٥٥ ]
التحدّي في القرآن، إنّما هو بنظمه، وصحة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه. ووجه إعجازه: أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما، وأحاط بالكلام كلّه علما، فعلم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأولى، وتبيّن المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أوّل القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل، والنسيان، والذهول. ومعلوم ضرورة: أنّ بشرا لم يكن محيطا قطّ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا النظر يبطل قول من قال: أن العرب كان في قدرتها، أن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، فلمّا جاء محمد ﷺ صرفوا عن ذلك، وعجزوا عنه.
والصحيح: أنّ الإتيان بمثل القرآن، لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر، في أنّ الفصيح منهم يضع خطبة، أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر بعده، فيأخذها بقريحة جامّة، فيبدل فيها وينقح، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضع للنظر، والبدل. وكتاب الله تعالى، لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب، أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ومن فصاحة القرآن: أنّ الله جلّ ذكره، وثناؤه، ذكر في آية واحدة: أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية، وكذلك فاتحة سورة المائدة أمر بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلّل تحليلا عامّا، ثم استنثى استثناء بعد استثناء ثمّ أخبر عن حكمته، وقدرته، وذلك مما لا يقدر عليه إلّا الله ﷾. وأنبأ سبحانه: عن الموت، وحسرة الفوت، والدار الآخرة، وثوابها، وعقابها، وفوز
[ المقدمة / ١٥٦ ]
الفائزين، وتردّي المجرمين، والتحذير عن الاغترار بالدنيا، ووصفها بالقلّة، بالإضافة إلى دار البقاء، بقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ الآية، وأنبأ أيضا:
عن قصص الأوّلين، والآخرين، ومآل المفترين، وعواقب المهلكين في شطر آية، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ وأنبأ جلّ وعزّ: عن أمر السفينة، وإجرائها، وإهلاك الكفرة، واستقرار السفينة، واستوائها، وتوجيه أوامر التسخير إلى الأرض، والسماء بقوله ﷿: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ إلى قوله: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ إلى غير ذلك، فلمّا عجزت قريش عن الإتيان بمثله، وقالت: إنّ النبي ﷺ تقوّله، أنزل الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)﴾ ثم أنزل تعجيزا أبلغ من ذلك، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ فلما عجزوا، حطّهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من السور القصار، فقال جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ فأفحموا عن الجواب، وتقطّعت بهم الأسباب، وعدلوا إلى الحروب، والعناد، وآثروا سبي الحريم، والأولاد، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا، وأبلغ في الحجة، وأشدّ تأثيرا، هذا مع كونهم أرباب البلاغة، واللّحن، وعنهم تؤخذ الفصاحة، واللّسن، فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان، وأرفع درجات الإيجاز، والبيان، بل تجاوزت حدّ الإحسان،
[ المقدمة / ١٥٧ ]
والإجادة إلى حيز الإرباء، والزيادة. هذا رسول الله ﷺ مع ما أوتي من جوامع الكلم، واختصّ به من غرائب الحكم، إذا تأملت قوله ﷺ في صفة الجنان، وإن كان في نهاية الإحسان، وجدته منحطّا عن رتبة القرآن، وذلك في قوله ﵇: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» فأين ذلك من قوله ﷿: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ وقوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. هذا أعدل وزنا، وأحسن تركيبا، وأعذب لفظا، وأقلّ حروفا، على أنه لا يعتبر إلّا في مقدار سورة، أو أطول آية؛ لأنّ الكلام كلّما طال اتسع فيه مجال المتصرّف، وضاق المقال على القاصر المتكلّف، وبهذا قامت الحجة على العرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة، ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة عيسى ﵇ على الأطباء، ومعجزة موسى ﵇ على السحرة، فإنّ الله سبحانه؛ إنّما جعل معجزات الأنبياء ﵈ بالوجه الشهير، أبرع ما يكون في زمان النبيّ، الذي أراد إظهاره، فكان السحر في زمان موسى ﵇ قد انتهى إلى غايته، وكذلك الطبّ في زمان عيسى ﵇، والفصاحة في زمان محمد ﷺ.
والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، ومنه نرتجي قبول المتاب، عن كل ما وقع في السّطور، والكتاب، والحمد لله على ما حبانا، والشكر له على ما أولانا، وأسأله أن يديم نفعه بين عباده، ويردّ عنه جدل منكره، وجاحده،
[ المقدمة / ١٥٨ ]
ويطمس عنه عين كائده، وحاسده، والمرجو ممّن اطّلع عليه، وصرف وجهه إليه، بعين القبول، والرغبة لديه، أن يصلح خطأه، وسقطته، ويزيل زلله، وهفوته، بعد التأمّل، والإمعان، لا بمجرّد النظر، والعيان؛ لأنّ الإنسان مركز الجهل، والنسيان، لا سيما حليف البلاهة والتوان؛ ليكون ممن يدفع السيئة بالحسنة، لا ممنّ يجازي الحسنة بالسيّئة، علّمنا الله وإيّاكم علوم السالفين، وجنّبنا وإيّاكم بدع الخالفين، وأدّبنا وإيّاكم بآداب الأخيار، وأذاقنا وإيّاكم كؤوس المعارف والأسرار.
اللهمّ ربّنا! يا ربّنا! تقبّل منّا أعمالنا، وأصلح أقوالنا وأفعالنا إنّك أنت السميع العليم! وتب علينا يا مولانا إنّك أنت التوّاب الرحيم! وجد علينا ببحار فيضك إنّك أنت الجواد الكريم! وصلى الله وسلّم على سيّدنا ومولانا، محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين (١).
_________________
(١) قال مؤلّفه: لاح بدر تمامه، وفاح مِسْك ختامه، أوائل الساعة العاشرة، وقت السحر، من ليلة السبت المبارك، ليلة عيد الفطر الليلة الأولى، من شهر شوال من شهور سنة: ألف، وأربع مائة، وسبع عشرة من الهجرة النبويّة، على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة، آمين آمين، وسلام على المرسلين وجميع الأنبياء، والملائكة المقرّبين، والحمد لله ربّ العالمين. تمّ تصحيح هذه النسخة بيد مؤلفه قبيل العشاء من الليلة الخامسة من شهر ربيع الآخر في تاريخ ٥/ ٤/ ١٤٢٠ هـ.
[ المقدمة / ١٥٩ ]
شعرٌ
وما من كاتبٍ إلّا سيفنى ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفّك غير شيء يسرّك في القيامة أن تراه
آخر
أجلّ ما كسبت يد الفتى قلم وخير ما جمعت يداه الكتب
إلى هنا جفّت الأقلام، وكلّت اللّجام بيد الفقير إلى رحمة ربه القدير، سُمّي محمد الأمين، الهرري، نزيل مكة المكرّمة، جوار الحرم الشريف، أدام الله سبحانه شرفها، وشرّف من شرّفها، من جميع الخدم، والزائرين، آمين يا ربّ العالمين.
* * *
[ المقدمة / ١٦٠ ]
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الأول»
[ ١ / ١٦٨ ]
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
[ ١ / ٢ ]
[ ١ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ١ / ٤ ]
شعر
بورك حدائق الرّوح والريحان كما بورك جنا الزّيتون والرمّان
كتاب حوى من جنا التّفسير أفنانا فالحمد للمولى على ما قد حبانا
كتاب لو يباع بوزنه ذهبا لقد كان البائع فيه المغبونا
آخر
بلاد الله واسعة فضاء ورزق الله في الدّنيا فسيح
فقل للقاعدين على هوان إذا ضاقت بكم الأرض فسيحوا
آخر
سافر تجد عوضا عمن تفارقه وانصب فإن اكتساب المجد في النصب
فالأسد لولا فراق الخيس ما افترست والسّهم لولا فراق القوس لم يصب
آخر
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام
المجلد الأول، من تفسير حدائق الروح والريحان، على الحزب الأول من القرآن الكريم ولعل مؤلفه قصد أوّلا: أن يخص كل حزب من الأحزاب الستين بمجلد، فيكون الكتاب إحدى وستين جلدة مع المقدمة.
فائدة: قال مؤلفه وكان التاريخ الشروعى لتفسيرنا هذا مع التوائق والمعائق بتاريخ ٢/ ١/ ١٤٠٦ هـ وكان التاريخ الانتهائي منه مع المقدمة بتاريخ ١/ ١٠/ ١٤١٧ هـ
فلله الحمد ما أسدى وأولى ونعم المولي ونعم المولى
[ ١ / ٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
نحمدك يا فارق الفرقان، ومنزل القرآن بالحكمة والبيان، على عبده محمد ﷺ ليكون للعالمين نذيرا، ولطريق الحق سراجا منيرا، كتابا كافلا ببيان الأحكام، متوشّحا ببيان الحلال من الحرام، قاطعا للخصام، شافيا لصنوف السقام، مرهما مجربا لكل الأوهام، العروة الوثقى لمن تمسك بها، والجادة الواضحة لمن سلكها، فأي كلام يستحق من التعظيم، ما يستحقه كلام الرب الحكيم، كتاب أعجز الفصحاء، وأفحم عن دركه البلغاء، فإن فصاحتهم وإن طالت ذيولها، وبلاغتهم وإن سالت سيولها، فإنها تتقاصر عن درك أوصافه، وبلوغ أدنى أطرافه، فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقّه من التقدير والإعظام، أولى وأحرى لجميع الأنام، وأوفق بما يقتضيه الحال والمقام، وكيف لا، فإنه كلام من لا تدركه الأوهام، ولا تحيط بوصفه الأفهام.
ولقد صدق رسول الله ﷺ حيث قال: فيما أخرجه الترمذي، وحسّنه من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل كلام الله على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه» فإنه كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
أمر فيه وزجر، وبشر فيه وأنذر، ذكر فيه المواعظ لمن يتذكر، وضرب الأمثال لمن يتدبر، وقص فيه القصص لمن يعتبر، وذكر فيه دلائل التوحيد لمن يتفكر، ثم لم يرض منا بسرد حروفه، بدون حفظ حدوده، ولا بتجويد كلماته،
[ ١ / ٧ ]
بدون العمل بمحكماته، ولا بتلاوته بلا تدبر قراءته، ولا بمجرد دراسته، بلا تعلم حقائقه، وتفهم دقائقه، ولا وصول إلى هذه المقاصد منه، إلا بدراية تفسيره وأحكامه، ومعرفة حلاله وحرامه، وتناسق آياته، وأسباب نزوله وأقسامه، والوقوف على ناسخه ومنسوخه، والتطلّع على خاصه وعامّه، فإنه أرسخ العلوم أصلا، وأسبغها فرعا وفصلا، وأكرمها نتاجا، وأنورها سراجا، فلا شرف إلا وهو السبيل إليه، ولا خير إلا وهو الدالّ عليه، وقد قيض الله ﷾ له رجالا موفقين، وبالحق ناطقين، وللبدع قامعين، وللسنن ناشرين، وللتفسير متقنين، حتى صنفوا في سائر علمه المصنفات، وجمعوا شوارد فنونه المتفرقات، كلّ على قدر فهمه، ومبلغ علمه فشكر الله تعالى سعيهم، ورحم أسلافهم وأخلافهم، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة من أقر بربوبيته، وصمم بوحدانيته، وصدق بكتابه، واقتدى بمحكمه، وآمن بمتشابهه، وقال بما قال الراسخون منا، آمنا به كل من عند ربنا.
وأشهد أن سيدنا محمدا ﷺ عبده ورسوله، وصفيه وخليله. أرسله رحمة للعالمين، ومبيدا للعدا والكافرين، أنزل عليه الكتاب المستبين، والفرقان المبين، نورا هدى به من الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، حكم بالرضوان لمن اتبعه، وبالخسران لمن أعرض عنه بعد ما سمعه، عجز الخلائق عن معارضته، حين تحداهم على أن يأتوا بسورة من مثله.
اللهم يا ذا الجود والإنعام، ويا ذا الجلال والإكرام، صلّ وسلم أفضل الصلاة وأزكى السلام، على سيدنا ومولانا محمد من أرسلته رحمة للأنام، وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته وأهل بيته السادات الكرام، صلاة وسلاما أرقى بهما مراقي الإخلاص،
وأنال بهما غاية الخلاص، دائمين بدوامك، باقيين ببقائك، عدد ما أحاط به علمك، وجرى به قلمك.
أما بعد: فإن علم التفسير، لما كان أعظم العلوم مقدارا، وأرفعها شرفا ومنارا، ورئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، عالي القصور والبنيان، وسيع الرحب والميدان، طالما رغبت في الدخول من أبوابه،
[ ١ / ٨ ]
متطفلا للقعود في محرابه، لأكون متشبها بالفرسان من أحزابه، وممتصّا من بقية شرابه، وإن لم أكن من فرسان ميدانه، متمثلا بما قال الأول:
إن لم تكونوا مثلهم فتشبّهوا إن التشبّه بالكرام فلاح
ومتسرّقا بما قال الآخر:
تطالبني بخدمة القرآن نفسي وفيها قرّتا بصري وسمعي
فقلت لها: التفاسير ليس تحصى وما رمتيه يقصر عنه وسعي
على أنه لا يليق لتعاطيه، والتصدّي للتكلم فيه، إلا من برع في العلوم الدينية كلها، أصولها وفروعها، وفاق في الصناعات العربية، والفنون الأدبية، بأنواعها وأسرها، فتردّدت في ذلك زمانا طويلا خوفا من الدخول في قوله ﷺ:
«من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار» وفي رواية: «من قال في القرآن برأيه» أخرجه الترمذي.
وفي قوله ﷺ: «من قال في كتاب الله ﷿ برأيه فأصاب فقد أخطأ» أخرجه أبو داود والترمذي. فلما اشتد عزمي، وغلب سهري على نومي، ناداني منادي القلم، شاربا من مداد الكرم، أما تسمح أيها المهين، ويا سمي محمد الأمين، بخدمة كتاب ربك المتين، بما عندك من قطرات الفنون، فأجبته بالشروع فيها مشمّرا عن ساق الجد والاجتهاد، راجيا من الله ﷾ المعونة والإمداد، من الفتوحات الإلهية، والفيضات الربانية، والمعارف الصمدانية، فتصديت لها بشرح يذكر تناسبه، وينقل أسبابه، ويفك تراكيبه، ويحل معانيه، ويعرّف مبانيه، ويبيّن تصاريفه، ويفصح بلاغته وفصاحته، ويكشف محاسنه وبداعته، وسميته «حدائق الرّوح والرّيحان، في روابي علوم القرآن».
والله الكريم أسأل طوله وفضله، والتوفيق لما هو المعنى عنده، وأن يجعل في عمري البركة إلى أن أكمّله، لأنه قد مضى منه معظمه، ونونه وواوه، فلم يبق منه إلا درديّه وعلله، ويصرف عني العوائق والمعائق إلى أن أتممه، إنه وليّ التوفيق، والهادي إلى أصوب الطريق.
[ ١ / ٩ ]
والمرجو ممن اطلع عليه، وصرف وجهه إليه، أن يصلح خلله، ويزيل زلله، بعد التأمل والإمعان، بقلم الإنصاف والإحسان؛ لأن الإنسان مركز الجهل والنسيان، لا سيما حليف البله والبلاهة والتوان، وأسأل الله الكريم، أن ينفع به النفع العميم، لكل من تلقاه بقلب سليم، وأن يفتح على آخذه، وقاصده، باب فيضه وإمداده، وأن يطمس عنه عين حاسده، ويخرس عنه لسان كائده، إنه هو المولى الرقيب، والرب القريب المجيب، والمنعم الجواد الكريم، والبر الرحمن الرحيم، ولنبدأ قبل الشروع في المقصود، بذكر مبادىء الفن والحدود، ليكون الطالب بها بصيرا، وفيما بصدده خبيرا، وها أنا أستمد من الله التوفيق، والهداية لأقوم الطريق، في كتابة هذا الشرح والتعليق، فأقول وقولي هذا: هذه مقدّمة، رب أكرمني بالنهاية كما وفقتني بالبداية.
والله أعلم
* * *
[ ١ / ١٠ ]
مقدمة في مبادىء فن التفسير
ينبغي لكل شارع في فن، أن يعرف المبادىء العشرة ليكون على بصيرة فيه، وإلا صار كمن ركب متن عمياء، وخبط خبط ناقة عشواء، وتلك العشرة هي المجموعة في قول بعضهم:
إنّ مبادىء كلّ فن عشره الحدّ والموضوع ثمّ الثمره
وفضله ونسبة والواضع والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومن درى الجميع حاز الشرفا
فالآن نشرع في فنّ التفسير فنقول:
١ - حدّه لغة: الكشف والبيان، واصطلاحا: علم يعرف به معاني كلام الله بحسب الطاقة البشرية.
٢ - وموضوعه: آيات القرآن من حيث فهم معانيها.
٣ - وثمرته: أي فائدته: معرفة معاني كلام الله تعالى على الوجه الأكمل.
٤ - وفضله: فوقانه على سائر العلوم؛ لأنه أصل العلوم الشرعيّة.
٥ - ونسبته: تباينه لسائر العلوم.
٦ - وواضعه: الراسخون في العلم، من عهد النبي ﷺ إلى الآن على التحقيق، كما شهد الله بذلك بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ الآية.
٧ - واسمه: علم التفسير.
٨ - واستمداده: من الكتاب والسنة والآثار وكلام الفصحاء من العرب العرباء.
٩ - وحكمه: الوجوب الكفائيّ.
[ ١ / ١١ ]
١٠ - ومسائله: قضاياه من حيث الأمر والنهي والموعظة إلى غير ذلك.
١١ - وغايته: الفوز بسعادة الدارين، أمّا في الدنيا: فبامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأما في الآخرة: فبالجنة ونعيمها، ولذلك يقال له: «اقرأ وارق» كما في الحديث.
والله أعلم
* * *
[ ١ / ١٢ ]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
فصل في مباحث الاستعاذة
في الاستعاذة مباحث:
الأول في لفظها: فالمختار في لفظها عند الجمهور (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) لموافقة قوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أحمد: الأولى أن يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) جمعا بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقال الثوري والأوزاعي: الأولى أن يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنّ الله هو السميع). ويؤيّد قول الجمهور: ما روي (١) عن ابن مسعود أنه قال: قلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي النبي ﷺ: «يا ابن أمّ عبد (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، هكذا أقرأني جبريل عن اللوح عن القلم».
والثاني في حكمها: وأمّا حكمها: فقد (٢) اتفق الجمهور على أنّ الاستعاذة سنّة في الصلاة، فلو تركها لم تبطل صلاته، سواء تركها عمدا أو سهوا، ويستحبّ لقارىء القرآن خارج الصلاة أن يتعوذ أيضا. وفي «القرطبي»: وحكى النقاش، عن عطاء: أنّ الاستعاذة واجبة في صدر كلّ قراءة في الصلاة وغيرها، واختلفوا في الاستعاذة في الصلاة، وكان ابن سيرين والنخعيّ وقوم يتعوّذون في الصلاة في كلّ ركعة، ويمتثلون أمر الله في الاستعاذة على العموم، وأبو حنيفة والشافعيّ يتعوذّان في الركعة الأولى من الصلاة، ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة
_________________
(١) الخازن.
(٢) القرطبي.
[ ١ / ١٣ ]
واحدة، ومالك لا يرى التعوّذ في الصلاة المفروضة، ويراه في قيام رمضان بعد القراءة. انتهى. وفي «الخازن» دليل الوجوب ظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، والأمر للوجوب، وأنّ النبي ﷺ واظب على التعوذ فيكون واجبا. ودليل الجمهور: أنّ النبي ﷺ لم يعلّم الأعرابيّ الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة، وتأخير البيان عن وقته غير جائز. وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ بأنّ معناه عند جماهير العلماء: إذا أردت القراءة فاستعذ، كقوله: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة. وأجابوا أيضا، عن مواظبة النبي ﷺ: بأنّه ﷺ واظب على أشياء كثيرة من أفعال الصلاة ليست بواجبة، كتكبيرات الانتقالات والتسبيحات في الصلاة، فكان التعوّذ مثلها، وأجمع العلماء قاطبة على أنّ التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه.
والثالث في وقتها: وأمّا وقتها: فهو قبل القراءة عند الجمهور، سواء كان في الصلاة أو خارجها. وحكي عن النخعيّ: أنّه بعد القراءة؛ لظاهر قوله تعالى:
﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: إذا فرغت من قراءة القرآن فاستعذ بالله، وهو قول داود وإحدى الروايتين عن ابن سيرين. حجة (١) الجمهور: ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبّر ثمّ يقول:
«سبحانك اللهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك»، ثمّ يقول:
«لا إله إلّا الله ثلاثا»، ثمّ يقول: «الله أكبر كبيرا ثلاثا، أعوذ بالله السميع العليم؟
من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه». همزه: وسوسته. نفخه: كبره. نفثه:
شعره. رواه أبو داود. وهذا الحديث: نصّ في أنّ التعوذ قبل القراءة.
والرابع في معناها: وأما معناها: فالاستعاذة لغة: الالتجاء إلى الغير والاعتصام به، وشرعا: الالتجاء إلى الله والالتصاق بجانبه من شرّ كل ذي شرّ، انتهى من «الخازن» و«ابن كثير» بتصرف. وقال ابن كثير: ومعنى: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أي: أستجير (٢) بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرّني في
_________________
(١) الخازن.
(٢) ابن كثير.
[ ١ / ١٤ ]
ديني أو دنياي أو يصدّني عن فعل ما أمرت به أو يحثّني على فعل ما نهيت عنه، فإنّ الشيطان لا يكفّه عن الإنسان إلّا الله تعالى، انتهى منه. ومعنى: (أعوذ بالله) ألتجىء إليه، وأمتنع به مما أخشاه، أو أستجير، أو أستغيث، من شرّ الشيطان، أي: من ضرر الشخص المبعد من رحمة الله، (الرجيم) أي: المطرود الملعون عند الله والملائكة والناس أجمعين. وإنما (١) لم يقيّد المستعاذ منه بشيء من قبائحه ومضارّه، كالهمز، واللمز، واللمس، والوسوسة، والنزعة، وغيرها؛ لتذهب الهمّة كلّ مذهب ليستعاذ من شرّه عموما.
والخامس في إعرابها: وأما إعراب هذه الجملة فتقول فيه: (أعوذ): فعل مضارع مرفوع بالضمّة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا لإسناده إلى المتكلم، تقديره: أنا، يعود على المستجير، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا نحويّا، لا محلّ لها من الإعراب. (بالله): جار ومجرور، متعلّق بأعوذ، (من الشيطان): جار ومجرور، متعلّق بأعوذ أيضا، وجوّز ذلك: اختلاف لفظهما ومعناهما، (الرجيم): صفة ذمّ للشيطان، مجرور بالكسرة الظاهرة.
والسادس في مفرداتها وتصاريفها: وأمّا مفرداتها وتصاريفها فتقول في بيانهما: الاستعاذة مصدر قياسيّ لاستعوذ، معناه: الالتجاء والاعتصام، كما مرّ آنفا. يقال: استعاذ يستعيذ استعاذة إذا تحصّن بشيء من شيء. وأصل الاستعاذة استعواذ، نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها فقلبت الواو ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فالتقى ساكنان، وهما: ألف عين الكلمة وألف الاستفعال فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين، وعوضوا عنها التاء فصار استعاذة بوزن استفعالة، وهو أجوف واويّ؛ لأنّه من عاذ، يعوذ، عوذا، كقال:
يقول، قولا. والعوذ (٢) والعياذ: مصدران كاللّوذ واللّياذ والصوم والصيام. وقول القائل: (أعوذ): إخبار عن فعله، وهو في التقدير سؤال الله ﷿ من فضله،
_________________
(١) روح البيان.
(٢) روح البيان.
[ ١ / ١٥ ]
وفي العدول إلى لفظ الخبر فائدة التفاؤل بالوقوع، كأنّه وقع الإعاذة فيخبر عن مطاوعه. (بالله): مذهب أهل الحقائق في لفظ الجلالة عدم الاشتقاق؛ لأنه لا سبيل إلى كنه معرفته، ولذا قال السعد التفتازاني في حواشي الكشاف: اعلم أنّه كما تحيّرت الأوهام في ذاته وصفاته، فكذا في اللفظ الدالّ عليه من أنّه اسم أو صفة، مشتقّ أو غير مشتقّ، علم أو غير علم، إلى غير ذلك، وسيأتي بسط الكلام فيه في مبحث البسملة إن شاء الله تعالى. (من الشيطان) أي: (١) المبعد من رحمة الله تعالى، وعن ابن عباس - ﵄ -: لمّا عصى لعن وصار شيطانا، فدلّ على أنّه؛ إنّما سمّي بهذا الاسم، بعد لعن الله له. وأمّا قبله فاسمه: عزازيل أو نائل. والشيطان: من شطن إذا تباعد من الرحمة، وقيل: من شاط يشيط، إذا هلك واحترق غضبا، وهو اسم لكلّ عات متمرد من الجنّ والإنس.
وعبارة «القرطبي» هنا (٢): الشياطين واحد الشيطان: على التكسير، والنون أصليّة؛ لأنّه من شطن إذا بعد عن الخير، وشطنت داره أي: بعدت. قال الشاعر:
نأت بسعاد عنك نوى شطون فبانت والفؤاد بها رهين
وبئر شطون أي: بعيدة القعر، والشطن: الحبل، سمّي به لبعد طرفيه وامتداده، وسمّي الشيطان شيطانا: لبعده عن الحقّ وتمردّه، وذلك أنّ كلّ عات متمرد من الجنّ والإنس والدّواب شيطان. قال جرير:
أيّام يدعونني الشّيطان في غزل وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا
وقيل: الشيطان مأخوذ من شاط يشيط إذا بطل، فالنون زائدة، وشاط إذا احترق، وشيّطت اللحم إذا دخنته، ولم تنضجه، واشتاط الرجل إذا احتدّ غضبا،
_________________
(١) روح البيان.
(٢) القرطبي.
[ ١ / ١٦ ]
وناقة مشياط الّتي يطير فيها السمن، واشتاط إذا هلك. قال الأعشى:
قد نخضب العير من مكنون فائله وقد يشيط على أرماحنا البطل
أي: يهلك. ويردّ على صاحب هذا القول: أنّ سيبويه حكى أنّ العرب تقول: تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن أنّه تفيعل من شطن، ولو كان من شاط لقالوا: تشيّط، ويردّ عليه أيضا بيت أمية بن أبي الصلت:
أيّما شاطن عصاه عكاه ورماه في السجن والأغلال
فهذا شاطن من شطن لا شكّ. والظاهر: أنّ المراد بالشيطان إبليس وأعوانه، وقيل: عام في كلّ متمرد عات مضلّ عن الجادّة المستقيمة من جنّ وإنس، كما قال تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾.
(الرجيم)؛ أي (١): المرميّ من السموات بإلقاء الملائكة حين لعن. أي:
المرميّ بشهب السماء إذا قصدها، وهذه صفة للشيطان، وله في القرآن أسماء مشؤومة وصفات مذمومة، فأجمع مساويه هو الرجيم؛ لأنه جامع لجميع ما يقع عليه من العقوبات، فلذلك خصّ به الابتداء من بين تلك الأسماء والصفات.
وفي القرطبي: (الرجيم) أي: المبعد (٢) من الخير، المهان، وأصل الرجم:
الرمي بالحجارة، وقد رجمته أرجمه فهو رجيم ومرجوم، والرّجم: القتل واللّعن والطرد والشتم، وقد قيل: هذا كلّه في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ وقول أبي إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. وسيأتي إن شاء الله تعالى، انتهى. وعلى ما قاله القرطبي: يكون الرجيم صفة كاشفة للشيطان، ويحتمل كونه مؤسّسة، وعلى كلّ من هذه المعاني: فالرجيم فعيل إما بمعنى:
فاعل؛ لأنّه يرجم بالوسوسة والشرّ، أو بمعنى: مفعول أي: مرجوم بمعنى:
مطرود عن الرحمة وعن الخيرات وعن منازل الملأ الأعلى، أو مرجوم بالشّهب عند استراق السمع أو مرجوم بالعذاب.
_________________
(١) روح البيان.
(٢) القرطبي.
[ ١ / ١٧ ]
والسابع في بلاغتها: ومن بلاغتها: العدول (١) من صيغة الإنشاء الذي هو المقصود من الكلام إلى صيغة الإخبار؛ لفائدة التفاؤل بالوقوع، كأنّه وقع الإعاذة، فيخبر عن مطاوعه؛ لأنّ مقتضى ظاهر السؤال أن يقال: أعذني يا ربّ من الشيطان الرجيم.
ومنها: الالتفات من الخطاب بقوله: أعوذ بك، إلى الغيبة بقوله: أعوذ بالله؛ لأنّ اسم الظاهر من قبيل الغيبة؛ لغرض التبرّك والتّلذّذ بلفظ الجلالة، ومنها: الإتيان بالصفة الكاشفة في قوله: (الرجيم)؛ لتأكيد معنى الموصوف.
والثامن في بيان لطيفة هذه الجملة: ومن (٢) لطائف الاستعاذة أنّ قوله:
(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) إقرار من العبد بالعجز والضعف، واعتراف من العبد بقدرة البارىء ﷿، وأنّه هو الغنيّ القادر على دفع جميع المضرّات والآفات، واعتراف من العبد أيضا، بأنّ الشيطان عدوّ مبين، ففي الاستعاذة:
التجاء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر، وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلّا الله تعالى. والله أعلم.
[فائدتان من الاستعاذه]
فائدتان:
الأولى: فإن قلت: ما الحكمة في الأمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، حيث قال تعالى في سورة النحل ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾؟.
قلت: الحكمة في الاستعاذة عندها الاستئذان، وقرع الباب؛ لأنّ من أتى باب ملك من الملوك لا يدخل إلا بإذنه، كذلك من أراد قراءة القرآن؛ إنّما يريد الدخول في المناجاة مع الحبيب، فيحتاج إلى طهارة اللسان؛ لأنّه قد تنجّس بفضول الكلام والبهتان، فيطهّره بالتعوذّ.
_________________
(١) روح البيان بتصرف.
(٢) الخازن.
[ ١ / ١٨ ]
الثانية: في بيان حقيقة الشيطان، قال في (١) روضة الأخيار: الشياطين:
ذكور وإناث، يتوالدون ولا يموتون إلى النفخة الأولى، والجنّ: ذكور وإناث يتوالدون ويموتون، والملائكة: ليسوا بذكور ولا إناث، لا يموتون ولا يتوالدون، ولا يأكلون ولا يشربون، فثبت بهذا أنّ للشيطان، والجنّ حقيقة ووجودا، ولم ينكر وجود الجن إلّا شرذمة قليلة من جهّال الفلاسفة والأطبّاء ونحوهم.
حكي (٢): أنّ الإمام الغزاليّ محيي السنة كان مفتي الثقلين، فسألهم يوما عن الحوادث، قالوا: إنّ الزمخشري صنّف كتابا في التفسير وبلغ إلى النصف، فطلب منهم أن يأتوا به، فأتوه، فكتب جميع ما ألفه، ثمّ وضعوا النسخة في مكانها، فلمّا جاء الزمخشري إليه أراه إيّاه، فتعجّب الزمخشري وتحيّر وقال: إن قلت: هو لي وأنا خبّأته وما اطّلع عليه أحد غيري، فمن أين جاء هذا؟ وإن هو لغيري؛ فالتوارد في اللفظ والمعنى والوضع والترتيب في هذا القدر من الكتاب لا يقبله العقل، قال الإمام الغزالي: هو لك، وقد وصل إلينا من أيدي الجنّ، وكان الزمخشري ينكر الجن فاعترف في مجلسه.
ولا يلزم من هذا علم الجنّ بالغيب كما لا يخفى، قال تعالى: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾. ثمّ حقيقتهم عند من لم يقل بالمجردات: أجسام هوائية، وقيل: نارية قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة، كصور الحيّات والعقارب والكلاب والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير والطير وبني آدم، لها عقول وأفهام تقدم على الأعمال الشاقّة، كما كانوا يعملون لسليمان ﵇ المحاريب والتماثيل والجفان والقدور. وعند من قال بالمجرّدات: فهم قسم من الملائكة، والمجرّدات: الموجودات الغير المتحيّزة، ولا الحالّة في المتحيز، والمراد بالشيطان هنا: إبليس وأعوانه كما مرّ.
ومما يدّل على تشكّلها (٣): ما روى الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله
_________________
(١) روح البيان.
(٢) روح البيان.
(٣) القرطبي.
[ ١ / ١٩ ]
قال، قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: رأيت النبي ﷺ عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل، وهو يلعنه، قلت: ومن هذا الذي تلعنه يا رسول الله؟ قال: «هذا الشيطان الرجيم»، فقلت: يا عدوّ الله، والله لأقتلنّك ولأريحنّ الأمّة منك، قال: ما هذا جزائي منك، قلت: وما جزاؤك منّي يا عدوّ الله؟ قال: والله ما أبغضك أحد قطّ، إلّا شركت أباه في رحم أمّه.
وعن ابن عباس - ﵄ - (١) قال: خرج النبي ﷺ ذات يوم من المسجد، فإذا هو بإبليس، فقال له النبي ﷺ: «ما الذي جاء بك إلى باب مسجدي؟» قال: يا محمد، جاء بي الله، قال: «فلم ذا؟» قال: لتسألني عمّا شئت، فقال ابن عباس: فكان أوّل شيء سأله النبي ﷺ الصلاة، فقال له: «يا ملعون، لم تمنع أمتي عن الصلاة بالجماعة؟» قال: يا محمد، إذا خرجت أمّتك إلى الصلاة، تأخذني الحمّى الحارّة، فلا تندفع حتى يتفرّقوا،» وقال ﵇: «لم تمنع أمّتي عن العلم والدعاء؟» قال: عند دعائهم يأخذني الصمم والعمى، فلا يندفع حتى يتفرّقوا، وقال ﵇: «لم تمنع أمّتي عن القرآن»؟
قال: عند قراءتهم أذوب كالرصاص، قال: «لم تمنع أمتي عن الجهاد»؟ قال: إذا خرجوا إلى الجهاد يوضع على قدمي قيد حتى يرجعوا، وإذا خرجوا إلى الحج أسلسل وأغلل حتى يرجعوا، وإذا همّوا بالصدقة توضع على رأسي المناشير فتنشرني كما ينشر الخشب.
وقال عليّ بن أبي طالب - ﵁: - (الفرق بين صلاتنا وصلاة أهل الكتاب: وسوسة الشيطان؛ لأنّه فرغ من عمل الكفار، لأنّهم وافقوه والمؤمنون يخالفونه ويحاربونه، والمحاربة تكون مع المخالفة). وقال الحسن: من استعاذ بالله على وجه الحقيقة وهو ما يكون بحضور القلب، جعل الله بينه وبين الشيطان ثلاثمائة حجاب، كلّ حجاب كما بين السماء والأرض.
وفي «التفسير الكبير» للإمام الرازي: أنّ (أعوذ بالله): رجوع من الخلق إلى
_________________
(١) روح البيان.
[ ١ / ٢٠ ]
الخالق، ومن الحاجة التّامّة لنفسه، إلى الغنى التام بالحق في تحصيل كلّ الخيرات ودفع كلّ الآفات، ففيه سرّ قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، وفيه دلالة:
على أن لا وسيلة إلى القرب من حضرة الربّ إلّا بالعجز. والعجز منتهى المقامات، انتهى.
فائدة: وفي الأثر: وأوّل ما نزل به جبريل ﵇، على النبي ﷺ الاستعاذة، ثمّ البسملة، ثمّ قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآيات، هكذا ذكره صاحب «روح البيان».
والله أعلم
* * *
[ ١ / ٢١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ولمّا فرغنا من مباحث الاستعاذة شرعنا في مباحث البسملة، وقلنا:
قال الله سبحانه جلّ وعلا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. (١)
وحكمة تأخيرها عن الاستعاذة (١): الإشعار بأنّ باب التحلية (بالمهملة)، مؤخرّ عن باب التخلية (بالمعجمة)، وبأنّ الإقبال على الله سبحانه، والتوجه إليه، مؤخر عن الإعراض عمّا سوى الله تعالى، والأصحّ المقبول عند متأخري الحنفية: أنّ البسملة آية فذّة ليست جزءا من السورة، أنزلت للفصل بين السور والتبرّك بالابتداء بها، كما بدىء بذكرها في كلّ أمر ذي بال، وهي: مفتاح القرآن، وأول ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ، وأول ما نزل على آدم ﵇.
وحكمة الابتداء بها (٢): أنّه كانت الكفّار يبدؤون بأسماء آلهتهم، فيقولون:
باسم اللات والعزّى، فوجب أن يقصد الموحّد معنى اختصاص اسم الله ﷿ بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل، فلذلك قدّر المحذوف متأخرا؛ أي:
باسم الله أقرأ، أو أتلو، أو آكل، أو أشرب، أو غير ذلك مما جعلت التسمية مبدأ له.
_________________
(١) روح البيان.
(٢) روح البيان.
[ ١ / ٢٢ ]
فصل
وفي البسملة أبحاث:
[البحث الأول: في اختلاف العلماء في كون البسملة من (الفاتحة)، وغيرها]
الأول منها: في اختلاف العلماء في كون البسملة من (الفاتحة)، وغيرها، سوى (سورة براءة). فذهب أبو هريرة (١)، وعليّ، وابن عباس، وابن عمر، وبعض التابعين، كسعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، وابن المبارك، وبعض فقهاء مكة، وقرّائها، ومنهم: ابن كثير، وبعض قرّاء الكوفة، وفقهائها، ومنهم:
عاصم، والكسائي، والشافعيّ، وأحمد، إلى أنّ البسملة آية من كلّ سورة من سور القرآن الكريم، ومن أدلّتهم على ذلك:
- إجماع الصحابة ومن بعدهم، على إثباتها في المصحف أوّل كل سورة عدا (سورة براءة)، مع الأمر بتجريد القرآن عن كلّ ما ليس منه، ومن ثمّ لم يكتبوا (آمين) في آخر (الفاتحة).
- وما ورد في ذلك من الأحاديث، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» عن أنس - ﵁ - أنّه قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذا أغفى إغفاءة، ثمّ رفع رأسه متبسّما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: «نزلت عليّ آنفا سورة»، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾، وذكر الحديث، وسيأتي بكماله في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى. وروى أبو داود عن ابن عباس: (أنّ رسول الله ﷺ، كان لا يعرف إنقضاء السورة حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. وروى الدارقطنيّ عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا قرأتم «الْحَمْدُ لِلَّهِ» فاقرؤوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، فإنها أمّ القرآن وأمّ الكتاب والسبع المثاني، و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إحدى آياتها».
- وإجماع المسلمين على أنّ ما بين الدفّتين كلام الله تعالى، والبسملة
_________________
(١) المراغي.
[ ١ / ٢٣ ]
بينهما، فوجب جعلها منه.
- وقول أمّ سلمة ﵂: (قرأ رسول الله ﷺ (الفاتحة)، وعدّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ آية)، ومن أجل قولها اختلف في أنها آية برأسها، أم بما بعدها. وذهب مالك وغيره من علماء المدينة، والأوزاعي، وجماعة من علماء الشام، وأبو عمرو، ويعقوب من قرّاء البصرة - وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة - إلى أنّها آية مفردة من القرآن، أنزلت لبيان رؤوس السور والفصل بينها، فليست بآية من (الفاتحة) ولا من غيرها، ولم يختلفوا في أنها بعض آية في (سورة النمل). وذهب عبد الله بن مسعود أنها ليست من القرآن أصلا، وهو رأي بعض الحنفية، ومن أدلّتهم على ذلك: حديث أنس ﵁، قال: صلّيت خلف رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وكانوا يستفتحون بالحمد لله ربّ العالمين، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوّل قراءة، ولا في آخرها.
وعبارة الشوكاني هنا: اختلف أهل العلم، هل هي آية مستقلة في أول كلّ سورة كتبت في أولها؟ أو هي بعض آية من أول كلّ سورة، أو هي كذلك في (الفاتحة) دون غيرها، أو أنّها ليست بآية في الجميع، وإنّما كتبت للفصل، والأقوال وأدّلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك.
وقد اتفقوا على أنّها بعض آية في (سورة النمل)، وقد جزم قرّاء مكة والكوفة بأنها آية من (الفاتحة)، ومن كلّ سورة، وخالفهم قرّاء المدينة، والبصرة، والشام، فلم يجعلوها آية لا من (الفاتحة)، ولا من غيرها من السور. قالوا: وإنّما كتبت للفصل، والتبرّك. وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس: (أنّ رسول الله ﷺ، كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، وأخرجه الحاكم في المستدرك. وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أمّ سلمة: (أنّ رسول الله، قرأ البسملة في أول (الفاتحة) في الصلاة وغيرها آية)، وفي إسناده عمرو بن هارون البلخيّ، وفيه ضعف. وروى نحوه الدارقطنّي مرفوعا عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٤ ]
وكما وقع الخلاف في إثباتها، وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة، وقد أخرج النسائي في «سننه»، وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما»، والحاكم في «المستدرك»، عن أبي هريرة: (أنّه صلّى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ: إنّي لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ)، وصحّحه الدارقطني، والخطيب، والبيهقي، وغيرهم.
وروى أبو داود، والترمذي، عن ابن عباس: (أنّ رسول الله ﷺ، كان يفتح الصلاة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قال الترمذي: وليس إسناده بذاك، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك، عن ابن عباس بلفظ، كان رسول الله ﷺ، يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم قال: صحيح.
وأخرج البخاريّ في صحيحه، عن أنس، أنّه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ، فقال: (كانت قراءته مدّا، ثمّ قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ يمدّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويمدّ ﴿الرَّحْمنِ﴾، ويمدّ ﴿الرَّحِيمِ﴾.
وأخرج أحمد في «المسند»، وأبو داود في «السنن»، وابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» عن أمّ سلمة أنّها قالت: (كان رسول الله ﷺ يقطّع قراءته ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، وقال الدارقطني: إسناده صحيح. واحتجّ من قال: بأنّه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، بما في «صحيح مسلم» عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ، يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين).
وفي «الصحيحين»، عن أنس قال: (صليت خلف رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله ربّ العالمين)، ولمسلم لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوّل قراءة، ولا في آخرها.
وأخرج أهل السنن نحوه، عن عبد الله بن مغفّل، وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة.
وأحاديث الترك وإن كانت أصحّ، ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجا من
[ ١ / ٢٥ ]
مخرج صحيح، فالأخذ به أولى، ولا سيّما مع إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي، أعني: كونها قرآنا، والوصفي أعني: الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة. انتهى من الشوكاني.
والبحث الثاني في فضلها:
وورد في فضلها أحاديث.
منها: ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، وابن خزيمة في كتاب البسملة، والبيهقي، عن ابن عباس قال: (استرق الشيطان من الناس، أعظم آية من القرآن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾).
وأخرج نحوه أبو عبيد، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضا.
وأخرج الدارقطني بسند ضعيف، عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «كان جبريل إذا جاءني بالوحي، أوّل ما يلقي عليّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره»، والحاكم في «المستدرك»، وصحّحه، والبيهقي في «شعب الإيمان»، عن ابن عباس أنّ عثمان بن عفّان، سأل النبي ﷺ، عن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾؟ فقال: «هو اسم من أسماء الله تعالى، وما بينه وبين اسم الله الأكبر، إلّا كما بين سواد العين وبياضها من القرب».
ومنها: ما أخرجه ابن مردويه، والثعلبيّ، عن جابر قال: (لمّا نزلت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الريح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله بعزّته، وجلاله أن لا تسمّى على شيء، إلّا بارك الله فيه).
ومنها: ما أخرجه أبو نعيم، والديلمي، عن عائشة قالت: لمّا نزلت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ضجّت الجبال، حتى سمع أهل مكة دويّها، فقالوا: سحر محمد الجبال، فبعث الله دخانا، حتى أظلّ على أهل مكة، فقال رسول الله ﷺ: «من قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ موقنا، سبّحت معه الجبال، إلّا أنّه لا يسمع ذلك منها».
[ ١ / ٢٦ ]
ومنها: ما أخرجه الديلميّ، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ كتب الله له بكلّ حرف أربعة آلاف حسنة، ومحا عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة».
ومنها: ما أخرجه الخطيب في الجامع، عن أبي جعفر، محمد بن عليّ قال:
قال رسول الله ﷺ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ مفتاح كلّ كتاب. اه. من «الشوكاني».
ومنها: ما أخرجه ابن العربي بسنده، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: بالله العظيم، لقد حدّثني محمد المصطفى، وقال: «بالله العظيم، لقد حدّثني جبريل»، وقال: بالله العظيم، لقد حدّثني إسرافيل، وقال: قال الله تعالى: يا إسرافيل! بعزّتي، وجلالي، وجودي، وكرمي، من قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، متصلة بفاتحة الكتاب مرّة واحدة؛ فاشهدوا أنّي غفرت له، وقبلت منه الحسنات، وتجاوزت عنه السيئات، ولا أحرق لسانه في النار، وأجيره من عذاب القبر وعذاب النار والفزع الأكبر، ويلقاني قبل الأنبياء، والأولياء أجمعين. اه. من المناوي على «الجامع الصغير».
وهذه الأحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها، والكلام عليها، بما يتبيّن به حكمها بعد البحث عنها إن شاء الله تعالى. وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع.
منها: عند الوضوء، وعند الذبح، وعند الأكل، والشرب، وعند الجماع، وغير ذلك.
وهذا كلّه مما يدلّ على فضلها، ومما ورد في فضلها أيضا.
حديث: «من رفع قرطاسا من الأرض مكتوبا عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إجلالا له ولاسمه عن أن يدنّس، كان عند الله من الصديقين، وخفّف عن والديه وإن كانا مشركين».
ومما ورد في فضلها:
[ ١ / ٢٧ ]
ما روي عن ابن مسعود قال: (من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر؛ فليقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾؛ ليجعل الله له بكلّ حرف منها جنّة من كلّ واحد منهم، فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار، الذين قال الله فيهم: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ، وهم يقولون في كلّ أفعالهم: بِسْمِ اللَّهِ إلخ. فمن هنالك قوتهم.
والبحث الثالث في تفسيرها ومعناها:
والأحسن أن يقدر متعلّق الباء هنا (قولوا): لأنّ هذا المقام مقام تعليم، وهذا كلام صادر عن حضرة الربّ تعالى. اه. «جمل». وقال الطبري: إنّ الله ﷾، أدّب نبيه محمدا ﷺ، بتعليمه ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وجعل
ذلك لجميع خلقه سنّة يستنّون بها، وسبيلا يتّبعونه عليها. اه.
فمعنى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾؛ أي: اقرأ يا محمد أنت وأمّتك كتابي، حالة كونكم متبركين باسم الله الواجب الوجود، المستحقّ لجميع المحامد.
الرَّحْمنِ؛ أي: كثير الرحمة لعباده بجلائل النعم، كنعمتي الإيجاد والإيمان.
الرَّحِيمِ؛ أي: كثير الرحمة لعباده بدقائقها، كالزيادة في الجمال، والعلم، وقوّة السمع، وحدّة البصر. وقال البيضاوي: والرحمن الرحيم: اسمان بنيا للمبالغة، كالغضبان من غضب، والعليم من علم. والرحمة في اللغة: رقّة القلب، وانعطاف يقتضي التفضّل والإحسان، ومنه: الرحم لانعطافها على ما فيه.
والحكمة في تخصيص التسمية بهذه الأسماء الثلاثة؛ ليعلم العارف أنّ المستحق لأن يستعان به في جميع الأمور، هو المعبود الحقيقي الذي هو مولي النعم كلها عاجلها، وآجلها، جليلها، وحقيرها، فيتوجه بشراشره إلى جناب القدس، ويتمسّك بحبل التوفيق، ويشغل سرّه بذكره والاستغناء به عن غيره. اه. منه.
والبحث الرابع في حكم الجهر بها والإسرار:
إذا ثبت بما تقدم من الأدّلة؛ أنّ البسملة آية من (الفاتحة)، ومن غيرها من
[ ١ / ٢٨ ]
السور، حيث كتبت، كان حكمها في الجهر، والإسرار حكم (الفاتحة)، فيجهر بها مع (الفاتحة) في الصلاة الجهريّة، ويسرّ بها مع الفاتحة في الصلاة السريّة.
وممن قال بالجهر بالبسملة من الصحابة: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ومن التابعين فمن بعدهم: سعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهري، وعكرمة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعليّ بن الحسين، وسالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، وابن سيرين، وابن المنكدر، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن أسلم، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، ومسلم بن خالد، وإليه ذهب الشافعي، وهو أحد قولي ابن وهب صاحب مالك، ويحكى أيضا عن ابن المبارك، وأبي ثور. وممن ذهب إلى الإسرار بها من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن مغفّل، وغيرهم، ومن التابعين فمن بعدهم: الحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والأعمش، والثوري، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وغيرهم.
وأما حجة من قال بالجهر: فقد روى جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وابن عباس، وأنس، وعلي بن أبي طالب، وسمرة بن جندب، وأمّ سلمة أنّ النبي ﷺ، جهر بالبسملة، فمنهم من صرّح بذلك، ومنهم من فهم ذلك من عبارته.
ولم يرد في صريح الإسرار بها، عن النبي ﷺ إلّا روايتان:
إحداهما: ضعيفة، وهي رواية عبد الله بن مغفّل.
والأخرى: عن أنس، وهي في «الصحيح»، وهي معلّلة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها.
وروى نعيم بن عبد الله المجمر قال: صلّيت وراء أبي هريرة فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، ثمّ قرأ بأمّ القرآن، وذكر الحديث. وفيه ثم يقول إذا سلّم: (إنّي لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ)، أخرجه النسائي، وابن خزيمة في صحيحه. وقال: أما الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقد ثبت وصحّ عن النبي ﷺ.
[ ١ / ٢٩ ]
وروى الدارقطني بسنده، عن أبي هريرة. عن النبي ﷺ: (كان إذا قرأ وهو يؤمّ الناس، افتتح ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وذكر الحديث. قال الدارقطني: إسناده كلّهم ثقات. وعن ابن عباس - ﵄ - قال: (كان النبي ﷺ، يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، أخرجه الدارقطني، وقال: ليس في رواته مجروح.
وأخرجه الحاكم، أبو عبد الله، وقال: إسناده صحيح، وليس له علّة. وفي رواية عن ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ، يفتتح الصلاة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، أخرجه الدارقطني، وقال: صحيح ليس في إسناده مجروح. وأخرجه الترمذي وقال: ليس إسناده بذاك. قال الشيخ أبو شامة؛ أي: لا يماثل إسناده ما في الصحيح، ولكن إذا انضمّ إلى ما تقدم من الأدلة، رجح على ما في الصحيح.
وعن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ، يجهر بالقراءة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، أخرجه الدارقطني وقال: إسناده صحيح. وفيه عن محمد بن أبي السريّ العسقلاني قال: صلّيت خلف المعتمر بن سليمان، ما لا أحصي صلاة الصبح، وصلاة المغرب، فكان يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قبل فاتحة الكتاب، وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما ألوي أن أقتدي، بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس بن مالك: (ما ألوي أن أقتدي، بصلاة رسول الله ﷺ)، أخرجه الدارقطني وقال: كلهم ثقات. وأخرجه الحاكم، أبو عبد الله، وقال: رواة هذا الحديث عن آخرهم كلّهم ثقات.
قلت: وفي الباب أحاديث وأدلّة وإيرادات وأجوبة من الجانبين يطول ذكرها، وفي هذا القدر كفاية، وبالله التوفيق. اه. من «الخازن».
البحث الخامس في مفرداتها، وتصاريفها:
فمنه البحث في الباء: فإن قلت (١): ما الحكمة والسر في أنّ الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء، واختارها على سائر الحروف لا سيّما على
_________________
(١) روح البيان.
[ ١ / ٣٠ ]
الألف، فإنّه أسقط الألف من الاسم وأثبت مكانه الباء في ﴿بِسْمِ﴾؟.
فالجواب: إنّ الحكمة في افتتاح الله بالباء عشرة معان:
أحدها: أنّ في الألف ترفّعا وتكبّرا وتطاولا، وفي الباء انكسارا وتواضعا وتساقطا، فمن تواضع لله رفعه الله.
وثانيها: أنّ الباء مخصوصة بالإلصاق بخلاف أكثر الحروف خصوصا الألف من حروف القطع.
وثالثها: أنّ الباء مكسورة أبدا، فلمّا كانت فيها كسرة، وانكسار في الصورة، والمعنى: وجدت شرف العندية من الله تعالى، كما قال تعالى: (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي).
ورابعها: أنّ في الباء تساقطا وتكسّرا في الظاهر، ولكن رفعة درجة، وعلوّ همة في الحقيقة، وهي من صفات الصدّيقين، وفي الألف ضدّها. أمّا رفعة درجتها: فبأنّها أعطيت نقطة، وليست للألف هذه الدرجة. وأمّا علوّ الهمة: فإنه لمّا عرضت عليها النقط ما قبلت إلّا واحدة؛ ليكون حالها كحال محبّ لا يقبل إلّا محبوبا واحدا.
وخامسها: أنّ في الباء صدقا في طلب قربة الحق؛ لأنها لما وجدت درجة حصول النقطة وضعتها تحت قدمها، وما تفاخرت بها، ولا يناقضه الجيم، والياء؛ لأنّ نقطتها في وضع الحروف ليست تحتهما؛ بل في وسطهما، وإنّما موضع النقط تحتهما عند اتصالهما بحرف آخر؛ لئلا يشتبها بالخاء، والتاء، بخلاف الباء؛ فإنّ نقطتها موضوعة تحتها سواء كانت مفردة، أو متصلة بحرف آخر.
سادسها: أنّ الألف حرف علّة بخلاف الباء.
وسابعها: أنّ الباء حرف تامّ متبوع في المعنى، وإن كان تابعا صورة، من حيث إنّ موضعه بعد الألف في وضع الحروف؛ وذلك لأنّ الألف في لفظ الباء يتبعه بخلاف لفظ الألف، فإنّ الباء لا يتبعه، والمتبوع في المعنى أقوى.
[ ١ / ٣١ ]
وثامنها: أنّ الباء حرف عامل ومتصرف في غيره، فظهر لها من هذا الوجه قدر وقدرة، فصلحت للابتداء بخلاف الألف؛ فإنّه ليس بعامل.
وتاسعها: أنّ الباء حرف كامل في صفات نفسه؛ بأنّه للإلصاق والاستعانة والإضافة، مكمّل لغيره؛ بأن يخفض الاسم التابع له، ويجعله مكسورا متصفا بصفات نفسه، وله علوّ وقدرة في تكميل الغير بالتوحيد والإرشاد، كما أشار إليه عليّ بن أبي طالب - ﵁ - بقوله: (أنا النقطة تحت الباء). فالباء له مرتبة الإرشاد والدلالة على التوحيد.
وعاشرها: أنّ الباء حرف شفوي، تنفتح الشفة به ما لا تنفتح بغيره من الحروف الشفوية؛ ولذلك كان أول انفتاح فم الذرة الإنسانية، في عهد ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ بالباء في جواب ﴿بَلى﴾، فلمّا كان الباء أول حرف نطق به الإنسان، وفتح به فمه، وكان مخصوصا بهذه المعاني، اقتضت الحكمة الإلهيّة اختياره من سائر الحروف، فاختارها ورفع قدرها، وأظهر برهانها، وجعلها مفتاح كتابه ومبتدأ لكلامه وخطابه تعالى وتقدس، كذا في التأويلات النجمية.
وأما الباء: فلا بحث فيها من جهة التصريف، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
حرف وشبهه من الصّرف بري وما سواهما بتصريف حري
(اسم): اختلف علماء اللغة في اشتقاق الاسم، فذهب البصريون إلى أنّه من السموّ، وهو العلوّ؛ لأنه من سما يسمو سموا. وذهب الكوفيّون (١) إلى أنّه مشتق من السمة؛ لأنه من وسم يسم، وسما، وسمة، وهي العلامة؛ لأنه علامة على مسماه، وكلاهما صحيح من جهة المعنى. وفيه خمس لغات: اسم بكسر الهمزة، واسم بضمّها بوزن أفع، والذاهب من الواو لام الكلمة؛ لأنه من سموت، وجمعه: أسماء، وتصغيره: سميّ. قال الجوهري: وأسماء يكون جمعا
_________________
(١) القرطبي.
[ ١ / ٣٢ ]
لهذا الوزن، وهو مثل: جذع، وأجذاع، وقفل، وأقفال. وسم بكسر السين، وسم بضمّها، وسمى بوزن هدى.
والاسم: هو واحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة توصّلا للابتداء بالساكن؛ لسلامة لغتهم من كلّ لكنة، وإذا وقعت في درج الكلام لم تفتقر إلى شيء.
وذهب أبو عبيدة، معمر بن المثنى؛ إلى أنّ لفظ (اسم) هنا صلة زائدة، واستشهدوا بقول لبيد:
إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
فذكر اسم زيادة؛ وإنّما أراد ثمّ السلام عليكما. واختلفوا في معنى زيادة (اسم) هنا، فقال قطرب: زيدت؛ لإجلال ذكره تعالى
وتعظيمه. وقال الأخفش:
زيدت؛ ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرّك؛ لأنّ أصل الكلام: بالله.
واختلفوا أيضا في معنى دخول الباء عليه: هل دخلت على معنى الأمر، والتقدير: ابدأ بسم الله؟ أو معنى الخبر، والتقدير: ابتدأت بسم الله، قولان:
الأول للفرّاء، والثاني للزّجّاج؛ فبسم في موضع نصب على التأويلين. وقيل:
المعنى ابتدائي بسم الله؛ فبسم في موضع رفع خبر الابتداء. وقيل: الخبر محذوف؛ أي: ابتدائي مستقر، أو ثابت بسم الله، وإذا قلت: بسم الله يكتب بغير ألف، استغناء عنها بباء الإلصاق في الخطّ واللفظ؛ لكثرة الاستعمال، بخلاف قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، فإنّها لم تحذف؛ لقلّة الاستعمال.
وعبارة البيضاوي هنا: والاسم عند أصحابنا البصريين، من الأسماء التي حذفت أعجازها؛ لكثرة استعمالها، وبنيت أوائلها على السكون، وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل؛ لأنّ من دأبهم أن يبتدؤا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن، ويشهد له تصريفه على أسماء وأسامي وسمي، ومجيء سمى، كهدى لغة فيه، قال:
والله أسماك سمى مباركا آثرك الله به إيثاركا
[ ١ / ٣٣ ]
والقلب بعيد غير مطرد، واشتقاقه من السمو عند البصريين؛ لأنّه رفعة للمسمّى وشعار له، ومن السمة عند الكوفيين، وأصله: وسم حذفت الواو، وعوضت عنها همزة الوصل؛ ليقلّ إعلاله، وردّ: بأنّ الهمزة لم تعهد داخلة على ما حذف صدره في كلامهم، ومن لغاته: سم، وسم، قال:
بسم الّذي في كلّ سورة سمه
والاسم إن أريد به اللفظ؛ فغير المسمّى؛ لأنّه يتألّف من أصوات مقطّعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدّد تارة ويتحد أخرى، والمسمّى لا يكون كذلك. وإن أريد به ذات الشيء؛ فهو عين المسمّى، لكنّه لم يشتهر بهذا المعنى. وقوله تعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ المراد به اللفظ؛ لأنّه كما يجب تنزيه ذاته ﷾، وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها، عن الرفث وسوء الأدب، أو الاسم مقحم، كما في قول الشاعر:
إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما
كما مرّ.
وإنما قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: بالله؛ لأنّ التبرّك والاستعانة بذكر اسمه، أو للفرق بين اليمين والتيمّن، ولم تكتب الألف على ما هو وضع الخط؛ لكثرة الاستعمال، وطوّلت الباء عوضا عنها.
ولفظ ﴿اللَّهِ﴾ أصله: إله على وزن فعال، فحذفت الهمزة، وعوّض عنها الألف واللام؛ ولذلك قيل: يا آلله بالقطع، إلا أنّه يختص بالمعبود بالحق. والإله في أصله يطلق على كل معبود، سواء بحق، أم لا، ثم غلب على المعبود بالحق. واشتقاقه من أله الرجل إلهة، وألوهة، وألوهيّة بمعنى: عبد عبادة، ومنه تألّه، واستأله. وقيل: من أله إذا تحيّر؛ لأنّ العقول تتحير في معرفته، أو من ألهت إلى فلان؛ أي: سكنت إليه؛ لأن القلوب تطمئن بذكره، والأرواح تسكن إلى معرفته، أو من أله إذا فزع من أمر نزل عليه، وألهه غيره: أجاره، إذا العائذ يفزع إليه، وهو يجيره حقيقة، أو بزعمه، أو من أله الفصيل، إذا أولع بأمه، إذ
[ ١ / ٣٤ ]
العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد، أو من وله، إذا تحير وتخبط عقله، وكان أصله: ولاه، فقلبت الواو همزة؛ لاستثقال الكسرة عليها استثقال الضمة في وجوه، فقيل: إله كإعاء، وإشاح، وإسادة في وعاء، ووشاح، ووسادة، ويرده الجمع على آلهة دون أولهاء، وقيل؛ أصله لاه من لاه يليه ليها ولاها، إذا احتجب وارتفع؛ لأنّه ﷾ محجوب عن إدراك الأبصار، ومرتفع عن كل شيء مما لا يليق به، ويشهد له قول الشاعر:
كحلفة من أبي رباح يشهدها لاهه الكبّار
فكأنه سبحانه يسمى بذلك؛ لاستتاره، واحتجابه عن إدراك الأبصار، وما أجمل قول الشريف الرضي الشاعر: تاهت العقلاء في ذاته تعالى وصفاته، لاحتجابها بأنوار العظمة وتحيروا أيضا في لفظ الجلالة، كأنه انعكس إليه من تلك الأنوار أشعة بهر أعين المستبصرين، فاختلفوا: أسريانيّ هو أو عربي؟
أإسم، أو صفة؟ مشتق؟ وممّ اشتقاقه؟ وما أصله؟، أو غير مشتق؟ علم، أو غير علم؟.
وقيل: هو علم مرتجل غير مشتق عند الأكثرين، وإليه ذهب سيبويه في أحد قوليه، فهو علم لذاته خاصة؛ لأنه يوصف ولا يوصف به؛ ولأنه لا بد من اسم تجري عليه صفاته، ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه؛ ولأنه لو كان وصفا لم يكن قول: لا إله إلّا الله توحيدا، مثل: «لا إله إلا الرحمن»، فإنه لا يمنع الشركة.
والأظهر: أنه وصف في أصله، لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره، وصار له كالعلم، مثل: الثريا والصعق، أجري مجراه في إجراء الأوصاف عليه وامتناع الوصف به، وعدم تطرّق احتمال إليه؛ لأنّ ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي، أو غيره غير معقول للبشر، فلا يمكن أن يدل عليه بلفظ، ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوص، لما أفاد ظاهر قوله ﷾:
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ﴾ معنى صحيحا؛ ولأنّ معنى الاشتقاق: هو كون أحد اللفظين مشاركا للآخر في المعنى والتركيب، وهو حاصل بينه وبين الأصول
[ ١ / ٣٥ ]
المذكورة. وقيل: أصله: لاها بالسريانية، فعرّب بحذف الألف الأخيرة، وإدخال اللام عليه، وتفخيم لامه إذا انفتح ما قبله، أو انضم، وقيل: مطلقا. وحذف ألفه لحن تفسد به الصلاة، ولا ينعقد به صريح اليمين. وقد جاء لضرورة الشعر:
ألا لا بارك لاه في سهيل إذا ما الله بارك في الرجال
﴿الرَّحْمنِ﴾: صيغة فعلان في اللغة، تدل على وصف فعلي، فيه معنى المبالغة للصفات الطارئة، كعطشان، وغرثان.
﴿الرَّحِيمِ﴾: صيغة فعيل، تدلّ على وصف فعلي، فيه معنى المبالغة للصفات الدائمة الثابتة؛ ولهذا لا يستغني بأحد الوصفين عن الآخر.
والرحمن أبلغ من الرحيم؛ لأنّ زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبا، كما في قطّع، وقطع، وكبّار، وكبار، وخرج بقولنا غالبا نحو: حذر، وحاذر، وتلك المبالغة تارة تؤخذ باعتبار الكميّة، وأخرى باعتبار الكيفية، فعلى الأول قيل: يا رحمن الدنيا؛ لأنّه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة؛ لأنّه يخص المؤمن. وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الآخرة؛ لأن النعم الأخروية كلّها جسام، وأما النعم الدنيوية؛ فجليلة وحقيرة. وإنما قدم الرحمن، والقياس يقتضي الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، لتقدم رحمة الدنيا؛ ولأنّه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره تعالى؛ لأنّ معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره تعالى، فإن من عداه فهو مستفيض بلطفه، وإنعامه، يريد به جزيل ثواب، أو جميل ثناء، أو يزيح رقة الجنسية، أو حب المال عن القلب، ثم إنه كالواسطة في ذلك؛ لأنّ ذات النعم، ووجودها، والقدرة على إيصالها، والداعية الباعثة عليه، والتمكن من الانتقام بها، والقوى التي بها يحصل الانتفاع، إلى غير ذلك من خلقه لا يقدر عليها أحد. أو لأنّ الرحمن
لما دل على جلائل النعم، وأصولها، ذكر الرحيم؛ ليتناول ما خرج منها، فيكون كالتتمة والرديف له، أو للمحافظة على رؤوس الآي.
وأمّا وصف أهل اليمامة مسيلمة الكذاب به مضافا، فقالوا: رحمن اليمامة، فمن تعنّتهم، قال شاعرهم يمدح مسيلمة الكذاب:
[ ١ / ٣٦ ]
سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
وقد هجاه بعض المؤمنين فقال:
سموت بالخبث يا ابن الأخبثين أبا وأنت شرّ الورى لا زلت شيطانا
والبحث السادس في بلاغتها:
فمن بلاغتها: مجاز بالحذف في متعلّق ﴿﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾﴾، والأولى تقديره:
فعلا خاصّا مؤخرا على مذهب الكوفيين؛ لأنّ الأصل في العمل أن يكون للأفعال، ولوقوعه في القرآن، والحديث، كقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وكقوله ﷺ: «باسم ربّي وضعت جنبي»، والتمسّك بالأصل أولى؛ ولأنه يفيد التجدد الاستمراري، وتقديره: اسما خاصا مؤخرا على مذهب البصريين، لأنّه يفيد الديموميّة والثبوت، كأنّما الابتداء باسم الله، حتم دائم في كل ما تمارسه من عمل، وتردّده من قول. وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا «الباكورة الجنية في إعراب الآجرومية».
ومنها: الإيجاز بإضافة العام إلى الخاصّ في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويسمى إيجاز قصر.
ومنها: الاستعارة المكنية التبعية، إذا جعلنا الباء للاستعانة؛ لتشبيهها بارتباط يحصل بين المستعين، والمستعان به، وإذا جعلنا الباء للإلصاق يكون في الكلام مجاز مرسل، علاقته المحليّة، نحو: مررت بزيد؛ أي: ألصقت مروري بمكان يقرب إلى زيد، لا بزيد نفسه.
والبحث السابع في إعرابها:
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ الباء: حرف جرّ واستعانة، أو تبرّك، (اسم): مجرور بالباء، وعلامة جرّه كسرة ظاهرة في آخره. (اسم): مضاف، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾: مضاف إليه، مجرور على التعظيم، وعلامة جرّه كسرة ظاهرة في آخره.
﴿الرَّحْمنِ﴾: صفة أولى للجلالة، مجرور بكسرة ظاهرة في آخره. ﴿الرَّحِيمِ﴾:
[ ١ / ٣٧ ]
صفة ثانية له، والجار والمجرور متعلّق بواجب الحذف؛ لشبهه بالمثل. قدّره البصريّون اسما خاصّا مؤخّرا، تقديره هنا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قراءتكم كتابي، أي: حاصلة ببسم الله الخ. وقدّره الكوفيون فعلا خاصّا مؤخرا، تقديره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ اقرؤوا كتابي وقد بسطنا الكلام في إعراب البسملة، وما يتعلّق به من العلل، والتقسيمات في كتابنا المذكور، فراجعه إن شئت الخوض فيه.
البحث الثامن في فوائد تتعلّق بالبسملة:
الأولى: يقال لمن قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ مبسمل، وهو ضرب من النحت اللغوي.
وهو لغة: مطلق الاختصار.
واصطلاحا: أن يختصر حرف، أو حرفان، أو أكثر من كلمة، أو كلمتين، أو أكثر، ك: ح، من التحويل، و: اه، من انتهى، وإلخ: من إلى آخره.
وبسمل: من البسملة وغير ذلك مما سيأتي، وقد ورد ذلك في شعر لعمر بن أبي ربيعة، حيث قال:
لقد بسملت ليلى غداة لقيتها فيا حبّذا ذاك الحبيب المبسمل
قال الماورديّ: ويقال لمن قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ مبسمل، وهي لغة:
مولّدة (١). قلت: المشهور عن أهل اللغة: بسمل، قال يعقوب بن السكيت، والمطرّزي، والثعالبيّ، وغيرهم من أهل اللغة: بسمل الرجل إذا قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. ويقال: قد أكثرت من البسملة؛ أي: من قول بسم الله، ومثله: حوقل الرجل إذا قال: لا حول ولا قوة إلّا بالله، وهلّل إذا قال: لا إله إلا الله، وسبحل إذا قال: سبحان الله، وحمدل إذا قال: الحمد لله، وحيصل إذا قال:
حيّ على الصلاة، وجعفل إذا قال: جعلت فداك، وطبقل إذا قال: أطال الله
_________________
(١) القرطبي.
[ ١ / ٣٨ ]
بقاءك، ودمعز إذا قال: أدام الله عزك، وحيفل إذا قال: حيّ على الفلاح، ولم يذكر المطرّزيّ الحيصلة إذا قال: حيّ على الصلاة.
وهذا كله من النحت المولد، والنحت عند العرب خاصّ بالنسبة، أي:
إنّهم يأخذون اسمين، فينحتون منهما اسما واحدا فينسبون إليه، كقولهم:
حضرميّ، وعبقسيّ، وعبشسيّ: نسبة إلى حضرموت، وعبد القيس، وعبد شمس، على أنّ الفراء ذكر عن بعض العرب معنى: عشرة فأحدهنّ لي: صيّرهن لي أحد عشر. وقال الفرّاء: معنى اللهم: يا الله أمّنا بخير؛ أي: اقصدنا بخير، فكثرت في كلام العرب. ونحت العرب من اسمين، فقيل عن الصّلدم: إنه من الصّلد والصّدم، ومنه: بلحارث لبني الحارث، ولعلّ الحقلد: وهو السّيّء الخلق، والثقيل الروح منحوت من الحقد، والثقل. ونحتوا من اسم وحرف، فقالوا: من لا شيء: تلاشي، ونحتوا من حرفين، فقال الخليل: إنّ كلمة (لن) منحوتة من (لا) و(أن)، وإنها تضمنت بعد تركيبها، معنى لم يكن في أصليها مجتمعين.
وإنما أوردنا هذه الأقوال؛ لا لأنها قاطعة فهي موضع خلاف، كما رأيت، ولكننا استأنسنا بها؛ لتتوافر همّ المشتغلين باللغة على النحت، ففيه ثروة جديدة للغتنا، وتسهيل لكثير من التعابير الحديثة التي نفتقر إليها.
والثانية: كانت (١) قريش قبل البعثة تكتب في أوّل كتابها باسمك اللهمّ، وكان أميّة بن أبي الصلت، أوّل من كتب باسمك اللهمّ، إلى أن جاء الإسلام، ونزلت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. وروى محمد بن سعد في طبقاته: أنّ رسول الله ﷺ؛ كان يكتب كما تكتب قريش باسمك اللهمّ، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ فكتب باسم الله، حتى نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾، فكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ، حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، فكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾.
_________________
(١) الدرويش.
[ ١ / ٣٩ ]
والثالثة: افتتح (١) الله ﷾ كتابه الكريم بالبسملة؛ إرشادا لعباده أن يفتتحوا أعمالهم بها، وقد ورد في الحديث:
«كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر»؛ أي: مقطوع الذّنب ناقص. وقد كان العرب قبل الإسلام، يبدؤون أعمالهم بأسماء آلهتهم، فيقولون: باسم اللات، أو باسم العزّى، وكذلك كان يفعل غيرهم من الأمم، فإذا أراد امرؤ منهم أن يفعل أمرا؛ مرضاة لملك، أو أمير يقول: أعمله باسم فلان، إنّ ذلك العمل لا وجود له، لولا ذلك الملك، أو الأمير.
وإذا: فمعنى ابتدىء عملي باسم الله الرحمن الرحيم: أنني أعمله بأمر الله، ولله، لا لحظّ نفسي وشهواتها، ويمكن أن يكون المراد: أنّ القدرة التي أنشأت بها العمل هي من الله، ولولا ما أعطاني من القدرة لم أفعل شيئا، فأنا أبرأ من أن يكون عملي باسمي بل هو باسمه تعالى، لأنني أستمدّ القوة والعون منه، ولولا ذلك لم أقدر على عمله. وإذا فمعنى البسملة التي جاءت أول الكتاب الكريم: أنّ جميع ما في القرآن من الأحكام، والشرائع، والأخلاق، والآداب، والمواعظ هو لله، ومن الله، ليس لأحد غيره فيه شيء.
وكأنّه قال: اقرأ يا محمد! هذه السورة ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾؛ أي: اقرأها على أنّها من الله لا منك، فإنّه أنزلها عليك؛ لتهديهم بها إلى ما فيه خيرهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وكذلك كان النبي ﷺ، يقصد من تلاوتها على أمّته؛ أنه يقرأ عليهم هذه السورة باسم الله لا باسمه؛ أي: أنّها من الله لا منه، فإنّما هو مبلّغ عنه ﵎، كما جاء في قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.
والرابعة: ندب (٢) الشرع إلى ذكر البسملة في أوّل كلّ فعل، كالأكل،
_________________
(١) المراغي.
(٢) القرطبي.
[ ١ / ٤٠ ]
والشرب، والنحر، والجماع، والطهارة، وركوب البحر، إلى غير ذلك من الأفعال. قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾. وقال رسول الله ﷺ: «أغلق بابك، واذكر اسم الله، واطفىء مصباحك، واذكر اسم الله، وخمّر إناءك، واذكر اسم الله، وأوك سقاءك، واذكر اسم الله»، وقال: «لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا، فإنّه إن يقدّر بينهما ولد في ذلك لم يضرّه شيطان أبدا».
وقال لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، وقال: «إنّ الشيطان ليستحلّ الطعام إلّا أن يذكر اسم الله عليه»، وقال:
«من لم يذبح باسم الله». وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ: «ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرّات: أعوذ بعزّة الله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر»، هذا كلّه ثابت في الصحيح.
وروى ابن ماجه، والترمذي عن النبي ﷺ قال: «ستر ما بين ما أعين الجنّ وعورات بني آدم إذا دخل أحد الكنيف أن يقول: بسم الله». وروى الدارقطني عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ، إذا مسّ طهوره سمّى الله تعالى ثمّ يفرغ الماء على يديه».
الخامسة: روي عن عليّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه (١) -: أنه قال: في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ شفاء من كلّ داء، وعون على كلّ دواء، وأمّا الرحمن: فهو عون لكلّ من آمن به، وهو اسم لم يسمّ به غيره تعالى، وأمّا الرحيم: فهو لمن تاب، وآمن، وعمل صالحا.
وقد فسّره بعضهم على الحروف. فروي عن عثمان بن عفّان - ﵁ -: أنّه سأل رسول الله ﷺ، عن تفسير ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾؟ فقال:
_________________
(١) قرطبي.
[ ١ / ٤١ ]
أمّا الباء: فبلاء الله، وروحه، ونصره، وبهاؤه، وأمّا السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله، وأمّا الله: فلا إله غيره. وأما الرحمن: فالعاطف على البرّ والفاجر من خلقه. وأمّا الرحيم: فالرفيق بالمؤمنين خاصّة. وروي عن كعب الأحبار: أنّه قال: الباء: بهاء الله، والسين: سناؤه، فلا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وهو على كلّ شيء قدير، فلا شيء يعازّه.
وقد قيل: إنّ كلّ حرف هو افتتاح اسم من أسمائه، فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه مليك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء:
مفتاح اسمه رازق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور، ومعنى هذا كلّه: دعاء الله تعالى عند افتتاح كلّ شيء.
إلى هنا انتهى ما يتعلّق بالاستعاذة، والبسملة في تاريخ: ٢٨/ ٢/ ١٤١٧ هـ.
والآن نريد الشروع في تفسير (الفاتحة) بعون الله سبحانه، وتوفيقه، إن شاء الله تعالى، وصلّى الله وسلّم، على سيدّنا محمد، خاتم النبيين، وعلى آله، وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين. آمين.
والله أعلم
* * *
[ ١ / ٤٢ ]