والبحث عن قواعدها ينحصر في خمسة مطالب:
الأوّل: تعريف النزول: وهو منحصر في أمرين:
أحدهما: أن تحدث حادثة، فينزل القرآن بشأنها، كما في سبب نزول: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ كما سيأتي في محلّه.
وثانيها: أن يسأل الرسول ﷺ عن شيء، فينزل القرآن ببيان الحكم فيه، كما في سبب نزول آية اللّعان.
والثاني: طريق معرفته، أمّا طريق معرفته: فالعلماء يعتمدون في معرفة سبب النزول، على صحة الرواية عن رسول الله ﷺ، أو عن الصحابيّ، فإن إخبار الصحابي عن مثل هذا له حكم الرفع. قال ابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث»: وما قيل: إنّ تفسير الصحابي حديث مسند، فإنما ذلك في تفسير يتعلّق بسبب نزول الآية يخبر به الصحابيّ، كقول جابر - ﵁: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله ﷿: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، فأمّا سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة الشيء، إلى رسول الله ﷺ، فمعدود في الموقوفات. اه. ص (٤٦).
وأمّا قول التابعيّ نزلت في كذا: فهو مرسل، فإن تعدّدت
[ المقدمة / ١٢٩ ]
طرقه قبل، وإلا فلا على الراجح عند المحدّثين.
والثالث: (٣): العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والدليل على ذلك: أن الأنصاري الذي قبّل الأجنبية، ونزلت فيه: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ الآية، قال للنبي ﷺ: ألي هذا وحدي يا رسول الله!. ومعنى هذا: هل حكم هذه الآية يختصّ بي، لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي ﷺ: بأنّ العبرة بعموم اللفظ، فقال: (بل لأمتي كلهم). أما صورة السبب: فجمهور أهل الأصول أنها قطعية الدخول في العام، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، وهو التحقيق. وروي عن مالك: أنها ظنية الدخول، كغيرها من أفراد العامّ.
والرابع: قد تتعدّد الأسباب، والنازل واحد، كما في آية اللعان، وغيرها من الآيات، كما ستجده إن شاء الله تعالى في مواضعه، وكذا قد تتعدّد الآيات النازلة، والسبب واحد، كما في حديث المسيب - ﵁ -: في شأن وفاة أبي طالب، وقول النبي ﷺ: «لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه» فأنزل الله سبحانه: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ ونزل في أبي طالب أيضا: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، ستمرّ بك إن شاء الله تعالى في مواضعها.
والخامس: صيغة سبب النزول: إمّا أن تكون صريحة في السببية، وإمّا أن تكون محتملة فتكون نصّا صريحا، إذا قال
[ المقدمة / ١٣٠ ]
الراوي: سبب نزول هذه الآية كذا، أو إذا أتى بفاء التعقيب داخلة على مادّة النزول، بعد ذكر الحادثة، أو السؤال، كما إذا قال: حدث كذا، أو سئل رسول الله ﷺ عن كذا فنزلت.
فهاتان صيغتان صريحتان في السببيّة، وسيأتي لهما أمثلة إن شاء الله تعالى، وتكون الآية محتملة للسببيّة، ولما تضمّنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي: نزلت هذه الآية في كذا، فذلك يراد به تارة: أنه سبب النزول، وتارة: أنه داخل في معنى الآية. وكذا إذا قال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، أو ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في كذا، فإن الراوي بهذه الصيغة لا يقطع بالسبب، فهاتان صيغتان تحتملان السببية، وغيرها، وسيأتي لهما أمثلة إن شاء الله تعالى. اه. مختصر من كتاب «مباحث في علوم القرآن» لمنّاع القطّان.
واعلم: أنّ من القرآن ما نزل لسبب، ومنه: ما نزل ابتداء بعقائد الإيمان، وشرائع الإسلام، وليس لكل آية، أو لكل حديث سبب، بل منهما ما له سبب خاصّ، ومنهما ما ليس له سبب، فانتبه لهذه المسألة.
والله أعلم
* * *
[ المقدمة / ١٣١ ]