وبعد ذلك العصر جاء تبع التابعين، فصرفوا هممهم في جمع ما روي في تفسير الايات عن رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والصحابة والتابعين، ولم يفرقوا بين المدارس الثلاث التي كانت امتازت في عصر التابعين بروايات مخصوصة، فدونوا علم التفسير في الكتب الصغار والكبار.
وصارت كتبهم أجمع للعلم من الكتب السابقة، واشتهر من بينهم شعبة بن الحجاج (م ١٦٠ هـ)، وسفيان بن سعيد الثوري (م ١٦١ هـ)، ووكيع بن الجراح (م ١٩٧ هـ)، وسفيان بن عيينة (م ١٩٨ هـ)، ويزيد بن هارون (م ٢٠٦ هـ)، واسحق بن راهوية (م ٢٣٨ هـ) .
_________________
(١) الحاج خليفة ١ / ٤٢٧ إلى آخر عنوان التفسير.
(٢) الاستيعاب ١ / ٣٧٢ وقال: " في بعض الروايات: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وفي حديث آخر: اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين، وفي حديث آخر: اللهم زده علما وفقها - وهي كلها أحاديث صحاح ".
(٣) الاستيعاب ١ / ٣٦٠. (*)
[ ٥ ]
مزية تفاسيرهم ولما كانت كتبهم جامعة لما روي عن الصحابة والتابعين في تفسير القرآن، وكانوا يرجحون المشي في النار على القول بالرأي في كتاب الله، لا لعدم البصيرة فيه ولا لغفلة عن خدمته، بل لانه تعالى قد نهى عنه بقوله (لا تقف مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، ولانه، ﷺ، قد قال: " من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ "، و" من قال في القرآن بغير علم، فليتبوا مقعده من النار "، ولان أبا بكر الصديق ﵁، قال: " أي سماء تظلني، وإي أرض تقلني، لو قلت في القرآن برأيي ".
فصار تفسير كل واحد من هذه الطائفة منبع الهداية الى ما فهمته الصحابة والتابعتون، ومخزن الدلالة على المنهاج الذي سههل لهم الخوض في مطالبه التي هي الوسيلة الكبري لنهضة العالم المستقيمة.
وبالاسف لم يكن عندنا كتاب في تفسير القرآن لاحد من هذه الطبقة العالية أيضا.
بيد أن أبا جعفر ابن جرير الطبري (م ٣١٠ هـ) قد جمع في تفسيره اكثر مروياتهم، ولعبت بباقيها ايدي الزمان.
لكن الله تعالى قد من علي منة عظمة، وفتح لي بابا واسعا من أبواب الفخر - أعني وجدت في مكتبة رضا برامبور كتابا صغيرا في تفسير القرآن لسفيان الثوري، الذي كان يقول: " سلوني عن المناسك والقرآن، فإني بهما عالم " (١) .
فحمدت الله على هذا الفوز العظيم، وأخذت في تصحيحه وترتيبه وتحشيته، على منوال علمائنا المحققين، وبعد الجهد الطويل المتعب وفقت لان أقدم الى علماء الامة المعاصرين نتائج بحثي وفحصي، فأرجوهم ان يستقبلوه بعين العناية ووجه القبول، والله تعالى هو الموفق والمعين، وهو بالاجابة واعطاء الاجر جدير.