بالاستقامة، على آكدِ وجهٍ وأبلَغِه، لأنه جُعِل كالتفسير والبيان له ".
قال الشيخ زاده (^١): " وأنه علم في الاتصاف بها، لأنه لو لم يكن كذلك لما صحَّ جعلُه كالتفسير والبيان للصراط المستقيم، وكالمزيل لما فيه من
الإجمال والإبهام".
أقول: أما النكتة الأولى، فقد يعارضها ما اشتهر عندهم أن البدل على نية الطرح والرمي. وأما الثانية، فيقال لهم: وما فائدة هذا التنصيص هنا؟
والحاصل أنَّ القوم عرفوا أنَّ الظاهرَ هو التفسير والبيان وإزالةُ الإجمال والإبهام، ولكنهم رأوا أن هذا لا يصح في خطاب الله ﷿، فتكلَّفوا ما سمعتَ. وقد علمتَ ما عندي، والله يتولَّى هداك!
هذا، وقد اختلفت عبارات السلف (^٢) في بيان مَن هم المنعَم عليهم.
فعن ابن عباس: أنهم الملائكة والنبيُّون والصدِّيقون والشهداء والصالحون.
وهذا مأخوذ من قول الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٦ ــ ٦٩].
وعن ابن عباس أيضًا: أنهم المؤمنون.
_________________
(١) في "حاشيته" على البيضاوي (١/ ٤٧).
(٢) انظر الأقوال الآتية في "تفسير الطبري" (١/ ١٧٨ ــ ١٧٩).
[ ٧ / ١٢٢ ]
وعن الربيع: النبيون.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنهم النبي - ﵌ - ومَنْ معه.
وقد مرَّ عن أبي العالية والحسن ما يفيد أنهم النبي - ﵌ - وأبو بكر وعمر.
أقول: لا تخالُفَ بحمد الله بين هذه الأقوال. فأما في مقام الدعاء، فهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وكلُّهم مؤمنون مسلمون لربِّهم ﷿. ومن قال: النبيون، فلأنهم الأصل.
وأما في مقام التنبيه على الاتباع والبيان، فعلى التالي أن ينظر من يعرف بسيرتهم من المنعَم عليهم قطعًا، فيتأثرها. فإنه إذا علم أنَّ فلانًا من المنعَم عليهم قطعًا، فلابدَّ أن يكون صراطُه هو صراطَ جميعهِم، وهو الصراط المستقيم. [ل ٦٥/أ] فقد سمَّى الله تعالى لنبيِّه جماعةً ممن قبله من الأنبياء، ثم قال: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وأما أصحابه - ﵌ -، ورضي عنهم، فقد علموا أنَّ النبي - ﵌ - منعَم عليه قطعًا، وأنَّ صراطَه هو صراطُ المنعَم عليهم، وأنه الصراط المستقيم، فكان التنبيه في حقهم والدلالة على اتباعه.
وهكذا من جاء بعدهم. ويزاد في حقِّهم بعد النبي - ﵌ - أصحابُه الذين تحقَّق أنهم منعَم عليهم. فإذا لم يُعرَف الحكم أو السنة أو الأدب أو نحو ذلك من الكتاب والسنة نُظِرَ في إجماع الصحابة. ولذلك خصَّ أبو العالية (^١) أبا بكر وعمر لِتيسُّر معرفةِ إجماع الصحابة في عهدهما. وإذا لم
_________________
(١) في الأصل: "أبا العالية"، سهو، وقد سبق قوله.
[ ٧ / ١٢٣ ]
يكن إجماعٌ فقولُ الواحد من الصحابة، فقولُ الصحابي أولى من غيره، ولاسيَّما من قامت الحجة على أنه بخصوصه من المنعَم عليهم كالخلفاء الأربعة وغيرهم. وقِسْ على هذا.
ومن إجماعهم: تركُهم لكثير من الأمور التي انتشرت بين المسلمين بعدَهم على أنها من الدين. فنقول: هذا الفعل بدعة؛ لأنه لم يكن في عهد النبي - ﵌ -
وأصحابه. ولو كان من الدين لما اتَّفقوا على تركه. والله أعلم.