الأمر الأول: أن هذا المعنى كان بيِّنًا في الجملة عند العرب الذين خوطبوا بالقرآن، إلا أنَّ هناك دقائقَ قد كان يخفى على كثير منهم أنها عبادة وتأليه.
فمن ذلك: الخضوع بالطاعة. فقد روى ابن جرير وغيره (^٢) عن عدي بن حاتم أنه لما سمع قول الله تعالى في أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، قال عدي: قلت: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم. فقال: "أليس يُحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم الله فتُحِلُّونه؟ " قال: قلت: بلى. قال: "فتلك عبادتهم".
وقد ذكرتُ هذا الحديث والكلام عليه وشواهده من كلام الصحابة
_________________
(١) رسالة "العبادة" (ص ٧٣١ وما بعدها).
(٢) "تفسير الطبري" (١٤/ ٢١٠). وأخرجه الترمذي (٣٠٩٥) وقال: "حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث". وحسَّنه الألباني.
[ ٧ / ١٠٣ ]
والتابعين في "رسالة العبادة" (^١). فالقوم أطاعوا أحبارهم ورهبانهم في
التحريم والتحليل، وعدُّوا ذلك دينًا ينفعهم الله تعالى به ويجازيهم بحسبه. فتلك الطاعةُ خضوعٌ يُطلَب به نفعٌ غيبي، ولم ينزل الله تعالى به سلطانًا، فهو عبادة لغيره.
وقد خفي هذا المعنى على عدي بن حاتم ﵁ حتى فسَّره له النبي - ﵌ -. ثم خفي هذا المعنى على بعض رواة هذا الحديث نفسه حسبما رواه الترمذي (^٢) بلفظ: "أما، إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلُّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه".
وأخبر الله تعالى عن المشركين بأنهم يعبدون الشيطان. ولذلك وجهان.
فأما الوجه الأول، فهو طاعتهم إياه فيما يوسوس لهم به من شرع الدين، واتخاذهم ذلك دينًا يرجون به النفع من الله ﷿. وتلك عبادة، ولا سلطان لهم، فهي عبادة لغير الله تعالى.
وقد خفي هذا عن الخوارج، فتوهموا أنَّ طاعة الشيطان شرك مطلقًا، فحكموا على عصاة المسلمين بأنهم مشركون، مع أنَّ عصاة المسلمين وإن أطاعوا الشيطان فلم يتخذوا ما وسوس لهم به دينًا، وإنما أطاعوا لهوى أنفسهم عالمين معترفين بأن ذلك معصية لله ﷿ يخافون عقابه عليها، فلم يطلبوا بتلك الطاعة نفعًا غيبيًّا.
وخفي كذلك على أكثر المفسِّرين، فقالوا: إنَّ ما جاء في القرآن من ذكر
_________________
(١) رسالة "العبادة" (ص ٦٥٤ وما بعدها).
(٢) برقم (٣٠٩٥).
[ ٧ / ١٠٤ ]
عبادة الشيطان والشرك به ليس على حقيقته، وإنما المراد بذلك مطلق الطاعة المذمومة التي لا تكون عبادةً ولا شركًا على الحقيقة.
أما الوجه الثاني، فقد بينته في "رسالة العبادة" (^١)، ولعله يأتي في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
ونحو (^٢) هذا وقع فيما جاء في القرآن من ذكر تأليه الهوى.
ومما كان يخفى على بعض منهم أنه عبادة أو قد يكون عبادة: القسَم بغير الله، والطِّيَرة، وقولهم: ما شاء الله وشاء فلان، والتمائم، والتِّوَلة، وغيرها. وقد بسطت الكلام على ذلك في "رسالة العبادة" (^٣) والحمد لله. وقد كان النبي - ﵌ - يعذرهم فيما يخفى عليهم، ويبيِّنه لهم. وهكذا أصحابه ﵃.
والحاصل أنَّ الخفاء قد يكون في كون الفعل خضوعًا، وقد يكون في كونه يُطلَب به نفع، وقد يكون في كون النفع غيبيًّا، وقد يكون في كونه لا سلطان عليه.
ولهذا جاء عن النبي - ﵌ - أنه قال: "الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل" (^٤). وقد ذكرت هذا الحديث في "رسالة العبادة" بطرقه وشواهده،
_________________
(١) رسالة "العبادة" (ص ٧١٤ وما بعدها).
(٢) في الأصل: "ونحوه"، سبق قلم.
(٣) رسالة "العبادة" (ص ٩٤٧ وما بعدها).
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٣) والطبراني في "الكبير" (١٥٦٧) و"الأوسط" (٣٤٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري. وأخرجه أبو بكر المروزي في "مسند أبي بكر" (١٨) والبخاري في "الأدب المفرد" (٧١٦) وأبو يعلى (٥٨ - ٦٠) من حديث أبي بكر الصديق. وله شواهد أخرى. وانظر "المسند" (١٩٦٠٦) للكلام عليه.
[ ٧ / ١٠٥ ]
والدليل على أنه أراد به الشرك الحقيقي لا مجرد الرياء (^١).
[٦٠/ب] الأمر الثاني: أنه لا يلزم من كون الفعل في نفسه عبادةً لغير الله وشركًا أن يكون الفاعل مشركًا. بل لا يُحكَم بشركه حتى يُعلم أنه ليس له عذر، وأنَّ الحجة قد قامت عليه. وقد بسطتُ هذا حقَّ البسط في "رسالة العبادة" (^٢)، ودلَّلت عليه بالكتاب والسنة وأقوال السلف ومَن بعدهم من أهل العلم. وبيَّنتُ أنه قد يكون الفعل في نفسه شركًا، والفاعلُ من خيار عباد الله تعالى وأوليائه، لعذره في ذلك الفعل وصلاحه في نفسه.
الأمر الثالث: أنَّ البدع في الدين كلها تؤول إلى عبادة غير الله، ولولا العذرُ لكان كلُّ مبتدع مشركًا. وقد بسطتُ هذا في موضعه، ولله الحمد.
الأمر الرابع: أنَّ السلطانَ المذكورَ في تعريف العبادة: المرادُ به البرهانُ المفيدُ للقطع، إما بنفسه، وإما بأصله. فالذي بنفسه فكصريح القرآن والسنة القطعية. وأما بأصله فكالدلائل الظنية التي قام البرهان القطعي على وجوب العمل بجنسها. وذلك كدلالة ظنية من الكتاب، فإنَّ كونَ ظواهِر الكتاب حجةً ثابتٌ قطعًا، وكونَه يلزم العالم العمل بما ظهر له من الكتاب بعد النظر والاجتهاد ثابتٌ قطعًا.
الأمر الخامس: أنَّ هذا التفسير الذي فسرتُ به العبادةَ مقتبَس من نصوص لا تحصى من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم. ومن أقوالهم ما هو
_________________
(١) (ص ١٤٣ وما بعدها).
(٢) رسالة "العبادة" (ص ٩١٤ وما بعدها).
[ ٧ / ١٠٦ ]
صريح فيه أو مستلزم (^١) له حتمًا؛ ولكنها خبايا في الزوايا، وشذَرات في
الفلَوات، قد التقطتُ ما عثرتُ عليه منها في "رسالة العبادة" (^٢).
الأمر السادس: أنني أعترف بأنَّ العقل يستبعد بل يكاد يُحيل أن يكون هذا الأمر الذي هو أسُّ الإسلام وجوهرُه وهو معنى عقد أنه لا إله إلا الله غفل عنه أكثر العلماء، إن لم نقل: كلُّهم، حتى آل إلى ما نراه من الخفاء، فصارت تفسيراتهم للإله والعبادة على ما سمعت، وصار الكلام في التفاسير وشروح الحديث وكتب الفقه على ما يعرفه من طالعها. ولكني لما قام عندي من البراهين مع ما التقطتُه من خبايا الزوايا من كلام العلماء لا أجبُنُ عن إظهار هذا الأمر.
وقد بان لي السببُ المؤدِّي إلى تلك الغفلة. وهي أنَّ السلف من الصحابة وعلماء التابعين كانوا يرون أنَّ معنى الإله والعبادة واضح، فقد كان المشركون أنفسهم يعرفونه. وما خفي من دقائقه يُعذَر مَن جَهِله حتى يبيَّن له.
ثم إنَّ العلماء اصطدموا بالكلام فيما يتعلق بالعقائد في صفات الله تعالى وغيرها من جهة، وبتقديم الرأي والقياس على السنة من جهة أخرى؛ فانصرفت وجوههم إلى دفع ذلك.
ولما حدثت البدع التي هي في نفسها شرك كانوا ربما يفرغون للشيء بعد الشيء منها، فيزجروا عنه ويبيِّنوا (^٣) أنه بدعة، ويرون أن صاحبه لا يُعدُّ مشركًا لعذره.
_________________
(١) في الأصل: "مستلزمًا"، سهو.
(٢) رسالة "العبادة" (ص ٧٣٧ وما بعدها).
(٣) كذا ورد الفعلان في الأصل بحذف النون.
[ ٧ / ١٠٧ ]
ثم انفردت طائفة منهم لحفظ العقائد، وطائفة للفقه، وطائفة لحفظ
الحديث، إلى غير ذلك، فاقتصر أهل العقائد على ما اشتهر فيه الخلاف، فذكروا التوحيد في كتبهم، يعنون أنه ليس مع الله ربٌّ غيره قديم، وأهملوا مسألة العبادة لعدم اشتهار الخلاف فيها. وصرَّح بعضهم كالسعد التفتازاني بأنها مسألة شرعية (^١)، يعني وهُم إنما يبحثون بالعقليات، فاتَّكلوا فيها على الفقهاء. والفقهاء يقولون: هذه أساس العقائد ورأس الإسلام، فيتَّكلون على علماء العقائد. وأما علماء التفسير وشُرَّاح الحديث فاتكالُهم أظهر.
وبعد هذا الاتكال صار من يبحث عن معنى لا إله إلا الله يراجع كتب العقائد، فيجد فيها الكلام على توحيد الربوبية، أي أنه ليس مع الله تعالى ربٌّ قديمٌ غيره. وقد عبَّروا عنها بقولهم: "الإله واحد، هو الله ﷿، ويمتنع وجود إلهين أو أكثر"، أو نحو ذلك. فيظن هذا المسكين أنَّ معنى (لا إله إلا الله): لا واجب الوجود إلا الله، ثم يظن أن العبادة هي الخضوع والطاعة لمن يعتقد أنه واجب الوجود، إلى أمور أخرى قد شرحتُ بعضها في "رسالة العبادة" (^٢).
والحاصل أنَّ ذلك الاستبعاد العقلي [ل ٦١/أ] في محلِّه، ولكن الغفلة واقعة يقينًا. وأظهر شواهدها: عباراتهم في تفسير العبادة، وقد رأيتها، ومن نظر وتدبَّر ازداد يقينًا. والشأن إنما هو في تحقيق ما غفل عنه، وقد ذكرتُ هنا ما تيسَّر، وإذا أذن الله تعالى فسترى كثيرًا من ذلك في مواضعه. وقد استوعبتُ أكثر ذلك في "رسالة العبادة" (^٣)، أسأل الله تعالى من فضله تيسير
_________________
(١) انظر: "شرح المقاصد" (١/ ١٠).
(٢) رسالة "العبادة" (ص ٣٣٢ وما بعدها).
(٣) انظر رسالة "العبادة" (ص ٧٣١ وما بعدها).
[ ٧ / ١٠٨ ]
إتمامها ونشرها. والحمد لله أولًا وآخرًا.
[ل ٦١/ب] وإذ قد اتضح إن شاء الله معنى العبادة، فليتمَّمْ تفسيرُ الجملة. فاعلم أنَّ فيها احتمالات، الصحيح منها أنها إنشائية، أريد بها إنشاء معنى يوجد (^١) بهذه العبارة، وذاك حقيقة الإنشاء. وذلك أن المؤمن إذا تلا من أول السورة إلى هنا متدبِّرًا حق التدبر امتلأ قلبُه بتعظيم ربِّه ﷿، واستغرق في ذلك حتى كأنه يرى الأمر مشاهدةً، وانجلى له حقَّ الانجلاء أنه لا يستحق العبادة غيره تعالى، فيقبل (^٢) القلب إلى الربِّ ﷿ مصدِّقًا ما قام بالقلب وسرى إلى الجوارح، فينشئها بهذه الجملة. فتدل هذه الجملة أولًا وبالذات على العبادة المنشأة بها، ثم تدلُّ بمعونة ما تقدم على العبادة القائمة بالقلب ثم بالجوارح، وتدلُّ بواسطةِ أن المقتضي لما ذكر هو ما تقدَّم من أول السورة إلى هنا، وهي حقائق ثابتة لا تحول ولا تزول، ولا تتغيَّر ولا تتبدَّل= على التزام التالي أن يعبد الله تعالى دون غيره في بقية عمره.
وبعد ما كتبتُ ما تقدَّم، أردتُ أن أنظر في وجه التعبير بلفظ الجمع، فرأيتُ ما قدَّمتُه هنا يرشد إلى نكتة لا بأس بذكرها. وهي أنه ــ كما تقدَّم ــ ورد الخضوعُ أولًا على القلب، ثم سرى إلى الجوارح، ثم تلاها اللسان، فأشير إلى ذلك بصيغة الجمع، حتى كأنَّ اللسان عبَّر عن نفسه وعن القلب والجوارح.
ونكتة أخرى، وهي أنَّ مِن شأن الإنسان المتواضع الذي يعرف قدر نفسه أنه إذا اتفق له ظهورٌ بمظهر يدلُّ على العظمة زاده ذلك خضوعًا في
_________________
(١) تكررت في الأصل.
(٢) قبل هذه الكلمة: "أن تعبد الله كأنك تراه". وقد نسي المؤلف ﵀ أن يضرب عليها ضمن العبارة المضروب عليها.
[ ٧ / ١٠٩ ]
نفسه وتمسكنًا، كما روي أن النبي - ﵌ - لما دخل [مكة] يوم فتحها دخل وذقنُه على
رحله متخشِّعًا (^١). فالتالي الممتلئ خضوعًا وتذللًا إذا جاء إلى قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ ورأى ما في ظاهر الكلمة من مظهر العظمة زاده ذلك خضوعًا وتخشُّعًا، كأنه يقول في نفسه: ومَنْ أنا! ومَنْ أكون!
وهذه وكثير من أمثالها من مُلَح العلم، والذي ينبغي اعتماده أن السورة تعليم من الله ﷿ لعباده، فكأنه قال لهم: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلخ، كما مرَّ عن ابن جرير، فجاء "نعبد ونستعين" على حسب ذلك.
وإذا قال العبد مع ما صار فيه من حال الخضوع والخشوع: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وقد سبق أنها بمعونة المقام تدلُّ على التزام العبادة لله تعالى دون غيره في المستقبل، علِمَ ما هو عليه من الضعف والعجز والظلم والجهل، فاضطُرَّ إلى أن يقول: