أحدها: أنَّها نزلت بمكَّة، نُقل عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وأبي هريرة والأكثرين، حتى قال أبو ميسرة: هي أوَّل سورة نزلت من القرآن بمكَّة، وأنَّها ابتدئت بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». خرجه البيهقي في «الدلائل» (١).
وقيل: أول ما نزل: «بسم الله الرحمن الرحيم» منفردة، قال الفخر الخطيب (٢): وهو قول الأكثرين من الذين قالوا: لم تنزل «المدثر» و«اقرأ» أولا (٣). ونقله في موضع آخر عن ابن
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا السياق عند البيهقي، وهو عند غيره، وانظر: «دلائل النبوة» له (٢/ ١٥٨).
(٢) هو الرازي، والمعروف أنه يلقب: (بابن الخطيب) أو (ابن خطيب الري).
(٣) انظر: "مفاتيح الغيب" (١/ ١٤٧).
[ ١٦ ]
عبَّاسٍ (١).
وقيل: أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، كما جاء في حديث جابر الصحيح (٢).
وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهذا هو الصحيح، فإنه لما أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ رجع فتدثر، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
والقول الثاني في موضع نزول الفاتحة: أنها أُنزلت بالمدينة. قاله جماعة، منهم مجاهد، روى منصور عن مجاهد قال: إن إبليس رنَّ أربعَ رنَّاتٍ: حين لُعِنَ، وحين أُهبط من الجنَّة، وحين بُعث النبيُّ - ﷺ -، وحين أُنزلت فاتحة الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة.
وروى الطَّبرانيُّ في «الأوسط»: حدثنا عُبيد بن غنَّام ثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ ثنا أبو الأَحْوَصِ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن أبي هريرة أنَّ إبليسَ رنَّ حين أُنزلت فاتحةُ الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة.
وقال: لم يروه عن منصور إلا أبو الأحوص، تفرّد به أبو بكر بن أبي شيبة (٣).
_________________
(١) انظر: "مفاتيح الغيب" (١/ ١٤٧).
(٢) «صحيح البخاري» (٨/ ٦٧٦ - ٦٧٧ - رقم: ٤٩٢٢).
(٣) «المعجم الأوسط» (٥/ ١٠٠ - رقم: ٤٧٨٨).
[ ١٧ ]
ورواه سفيان وغيره عن منصور ووقفُوه على مجاهدٍ.
والقول الثالث: أنَّها أُنزلت مرَّةً بمكَّة، ومرَّةً بالمدينة، فهي مكِّيَّةٌ مدنيَّةٌ.
وحَكَى أبو الليث أنَّ نصفَهَا نزل بالمدينة، ونصفَهَا بمكَّة (١).
وقيل: نزلت بين مكَّة والمدينة.
والصحيح أنَّها أُنزلت بمكَّة، فإنَّ «سورة الحِجْر» مكِّيَّةٌ بالاتفاق، وقد أنزل الله فيها: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقد فسَّرها النبيُّ - ﷺ - بالفاتحة، فعُلم أنَّ نزولهَا متقدمٌ على نزول «الحِجْر»، وأيضًا فإنَّ الصَّلاةَ فُرضت بمكَّة، ولم يُنقل أنَّ النبيَّ - ﷺ - وأصحابَه صلَّوا صلاةً بغير فاتحة الكتاب أصلًا، فدلَّ على أنَّ نزولهَا كان بمكَّةَ.
وأمَّا الرِّواية بأنَّها أوَّلُ سورةٍ أُنزلت من القرآن فالأحاديث الصَّحيحة تردُّه.
* * *
_________________
(١) "بحر العلوم" (١/ ٣٩).
[ ١٨ ]