﴿فَـ﴾ لا تنكحوهن، و﴿انكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ سواهن.
والمعنى الثالث غني عن تلك التقديرات، وإنما تحتاج إلى تفسير يكشف [ص ٨] المعنى، وبيان أن التعليق منحوٌّ به نحو اللازم، فكأنه قيل: ﴿وَإِنْ﴾ ألبس عليكم سبيل الإقساط إلى اليتامى في قضية نكاحهم فَـ ﴿خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَـ﴾ هذا سبيل الإقساط في ذلك وفي النكاح كله ﴿؟ نكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إلى آخر ما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ يفيد أن الأصل في سبيل الإقساط هو الجمع بين اثنتين أو ثلاث أو أربع، ومما يوجَّه به ذلك أن الرجل قد يكون عنده المرأة، ثم تطيب له أخرى، فإذا امتنع، أو مُنِع من الجمع فهو بين أمرين:
إما أن يطلِّق الأولى، فيسيء إليها، وإلى أطفالها، وإلى أهلها، وإلى نفسه. ثم لعل النوبة تصل إلى هذه الأخرى، بأن يطلقها إذا طابت له ثالثة.
وإما أن لا ينكح الأخرى، فتبقى بغير زوج، فتتضرر، وقد تسقط أو تضطر إلى نكاح من لا يطيب لها؛ فيكون المانع من نكاحها قد أساء إليها، وإلى أهلها، وإلى الذي تطيب له، وإلى الذي يتزوجها وهي لا تطيب له.
ثم لعل الرجل امتنع من طلاق الأولى وهي لا تغنيه، وإنما أبقاها لأجل أولادها أو غير ذلك، فيحتاج إلى التعرض للفجور، فيفسد بعض النساء، فيسيء بذلك إليهن، وإلى أهلهن، وإلى المجتمع كله، وإلى المرأة التي عنده أيضًا.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
والمرأة تحيض، وتحمل، وتنفس، وترضع، وتمرض، وتكبر، وتكون (^١)
عاقرًا، ويغيب عنها الزوج، وغير ذلك مما يجعل الزوج بحاجة إلى غيرها. وقد يكون الرجل قويًّا غنيًّا يمكنه أن يعف ويغني أكثر من واحدة، والإقساطُ تمكينُه من ذلك لينتفع جماعة من النساء، وإن نال بعضهن أوكلا منهن بعض الضرر، فذلك أولى من أن تستبدّ به واحدة [ص ٩] ويحرم غيرها من خيره كله، على أن هذه الواحدة معرضة للضرر، كما مرَّ.
ولا ريب أن المرأة تحب أن تستبد بالرجل، لكن كثيرًا منهن ترى مصلحتها في أن ينكحها فلان، وإن كان عنده غيرها: واحدة أو اثنتان أو ثلاث، ولهذا يمكن الجمع، فإن النكاح مشروط فيه رضا المرأة، ولولا رضا الكثيرات بما ذُكِر لم يمكن الجمع.
ولا ريب أن المرأة تكره غالبًا أن يتزوج عليها زوجها، ولكن لو خُيِّرت بين ذلك، وبين أن يطلقها لاختارت البقاء على ما فيه، والعاقلة منهن إذا كانت تحب زوجها، ورأت أنها لا تحمل، تحبُّ أن ينكح زوجها عليها غيرها، لعل الله يرزقه ولدًا (^٢)، كما أنها إذا رأت أنها لا تغنيه لمرضها أو كبرها، أحبّت أن ينكح غيرها عليها، خوفًا من أن يميل إلى الفجور، فيخرب البيت كله.
وبالجملة، إن المرأة التي ينكحها رجل عنده غيرها، إنما ينكحها برضاها وطيب نفسها، فلا وجه لعدِّ ذلك مخالفًا للإقساط إليها. وأما التي تكون عند الرجل فينكح غيرها، فإذا رأت أن ذلك مخالف للإقساط إليها، فإنها تستطيع أن تسأله الطلاق، فإن أبى شاقَّته، ورفعت الأمر إلى الحاكم،
_________________
(١) في الأصل: "يكون"
(٢) في الأصل: "ولد".
[ ٧ / ٢٠٤ ]