بيته، ومحمدًا من أهل
بيته، كما سبق البرهان على ذلك (^١).
وممَّا يدلّ عليه: حديث "الصحيحين" (^٢) عن كعب بن عجرة قال: سألنا رسول الله - ﵌ - فقلنا: كيف الصلاة عليكم أهل البيت الحديث، وحديث أبي هريرة عند أبي داود (^٣) قال: قال رسول الله - ﵌ -: "مَن سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلَّى علينا أهلَ البيت فليقلْ: اللهم صلِّ على محمد النبي الأمِّي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد".
وقوله: "وأهل بيته" مِن عطف العام على الخاص إذْ قد قام الدليل على أنَّه وذريته من أهل بيته داخلون بالاتفاق، وأزواجه كذلك.
وكأنَّ حكمةَ تقديمه لهنَّ على الذرية وأهل البيت هي أنهنَّ أول مَنْ تدلُّ عليه الآية، مع كونهنّ موردَ الخطاب.
ثم ظهر لي أنَّ قوله في حديث أبي هريرة: "وأهل بيته" [ل ١٧/ب] هو بالاستعمال الذي بمعنى القرابة، فيشمل من حرُمت عليه الزكاة. وهذا أولى ممَّا مرَّ.
وهو بهذا الاستعمال في حديث الترمذي (^٤) عن زيد بن أرقم قال: قال
_________________
(١) وقد كثر في كلام العرب مخاطبة المرأة الواحدة بضمير الجمع المذكر. انظر شواهده في "مفردات القرآن" للفراهي (ص ٢٦٠).
(٢) سبق تخريجه آنفًا.
(٣) كتاب الصلاة، باب ما يقول بعد التشهد (٩٨٢).
(٤) في أبواب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي - ﵌ - (٤٠٤٠).
[ ٧ / ٢٥٠ ]
رسول الله - ﵌ -: "إني تارك فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوضَ فانظروا كيف تخلفوني فيهما".
ثم رأيت أصله في "صحيح مسلم" (^١) عن زيد بن أرقم، وفيه: قال: قام رسول الله - ﵌ - يومًا فينا خطيبًا بماءٍ يُدعى خُمًّا ــ بين مكة والمدينة ــ فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ، وذكَّر، ثم قال: "أمَّا بعد، ألا أيُّها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسولُ ربِّي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَين: أولهما كتابُ الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به". فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكِّركم اللهُ في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي". فقال له حصين: ومَن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته مَنْ حُرم الصدقة بعده. قال: ومَن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كلُّ هؤلاء حُرِمَ الصدقةَ؟ قال: نعم".
وفي رواية: "كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومَن أخطأه ضلَّ".
وفي رواية: "ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومَن تركه كان على ضلالة". وفيه: "فقلنا: مَن أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا، وأيمُ الله إن المرأة تكون مع الرجل العصرَ من الدهر، ثم يطلِّقها، فترجع إلى أبيها وقومها. أهلُ بيته أصلُه وعُصْبَتُه الذين حُرموا الصدقة بعده".
_________________
(١) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي ﵁ (٢٤٠٨).
[ ٧ / ٢٥١ ]
فقوله: "نساؤه من أهل بيته" [ل ١٨/أ] أي: يطلق عليهم "أهل بيتٍ" في الجملة. وقوله: "ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده"، أي المراد بأهل البيت في هذا الحديث [مَنْ] (^١) حُرِمَ الصدقة بعده.
فاتَّضح من هذا الحديث أنَّ لأهل البيت استعمالين:
أحدهما: بمعنى أهل بيت السكنى، فتدخل فيه الأزواج، بل هنَّ أول من يدخل فيه بعد الزوج. وليس مرادًا في حديث زيد، ولذا أثبت دخول الأزواج في "أهل البيت" في الجملة، ثم نفى ذلك باعتبار حديثه.
وفي الرواية الأخرى نفاه، واقتصر الراوي على النفي لأنَّ زيدًا إنما سئل عن لفظ "أهل البيت" الذي ذُكِرَ، فيكفي في الجواب نفي دخولهن فيه؛ إذْ لا يلزم من نفي دخولهن فيه نفيُ دخولهن في لفظ "أهل البيت" باستعمال آخر، فافهم.
فقد اتضح ما قلناه، ولله الحمدُ، وبه يُردُّ ما قاله التُّورِبِشْتي: "إنَّ العترة تستعمل على أنحاء كثيرة، وقد بيَّنها - ﵌ - بقوله: "أهل بيتي" ليُعلم أنَّه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه" (^٢).
_________________
(١) تأكلت في طرف الورقة.
(٢) انظر "مرقاة المفاتيح" (١١/ ٣٠٧).
[ ٧ / ٢٥٢ ]