لَنَا ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، والرافضي بمعزل عن ذلك. وعليه فالتقدير: ذلك للفقراء إلخ. وإن قلنا: إن التقدير "اعجبوا للفقراء" كما في الجلَالَين وغيره (^١)، فذلك مستأنفٌ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ إلخ في سياق تقسيم الفيء، وإن لم يذكر بعدها.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الإيتاء والأخذ حقيقةٌ في الأشياء المحسوسة، والأصل في الكلام الحقيقة، وإن كان قد وردا في غيرها مجازًا في القرآن وغيره (^٢).
فقال المُحاوِر: أما السياق فلا نسلم دلالته، وأمَّا الإيتاء والأخذ فهما بمعنى الأمر والامتثال، لقوله في مقابل ذلك: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وإنما عَدَل عن لفظ الأمر والامتثال، لوجود ذلك المقابل.
فقلتُ له: أمَّا دلالة السياق فلا يصح إنكارها فإنها لا تخفى، وأمَّا جوابك عن الإيتاء والأخذ فلا يكفي، بل لو وقع ذلك في كلام الناس بالمعنى الذي تقول لربما اختير لفظ الأمر والائتمار [ل ١٦/أ] على الإيتاء والأخذ لأجل المقابلة.
وأيضًا لفظ "الإيتاء والأخذ" هل المقصود به هنا الحقيقة أو المجاز؟
فإن قلتم: الحقيقة، فإمَّا أن يكون خاصًّا بالفيء، وهذا قول؛ وإمَّا عامًّا فيه وفي الغنيمة ونحوه.
وإن قلتم: المجاز، فما هو؟
_________________
(١) "تفسير الجلالين" (٧٣١)، و"التبيان" للعكبري (١٢١٥).
(٢) وانظر: "فوائد المجاميع" للمعلمي (ص ٦٩).
[ ٧ / ٢٤٤ ]
فإن قلتم: الأمر والامتثال، قلنا: فحينئذٍ لا تدل على الأموال التي يصدق فيها الإيتاء والأخذ حقيقةً.
فإن قلتم: دَلَّا على الحقيقة والمجاز معًا، أو على القدر المشترك بين ما يصدق عليه الإيتاء والأخذ حقيقةً وغيره، فقولوا: حتى ننظر (^١).
ثم رأيت في "حاشية العلامة الصاوي على الجلَالَين" ما لفظه: " (قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ إلخ) أي: ما أعطاكم من مال الغنيمة، وما نهاكم عنه من الأخذ والقول فانتهوا. وقيل في تفسيرها: ما آتاكم من طاعتي فافعلوا، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. فالآية محمولةٌ على العموم في جميع أوامره [ونواهيه] (^٢)، لأنَّه لا يأمر إلَاّ بإصلاح، ولا ينهى إلا عن
_________________
(١) علّق المؤلف العبارة الآتية من "قلت" إلى آخر النقل من شرح اللبّ (٤٥ - ٤٦) في وريقة مستقلة، ووضع علامة عليها وهنا في المتن للربط بينهما: قلت: وكلاهما جائز. قال شيخ الإسلام في اللب: "مسألة: الأصح أن المشترك واقع جوازًا وأنه يصح لغةً إطلاقه على معنييه معا مجازًا، وأن جمعه باعتبارهما مبنيٌّ عليه، وأنّ ذلك آت في الحقيقة والمجاز، وفي المجازين فنحو: (افعلوا الخير) يعمُّ الواجب والمندوب". هـ. قال في الشرح بعد المندوب ما لفظه: "حملًا لصيغة افعل على الحقيقة والمجاز في الوجوب والندب بقرينة كون متعلقهما كالخير شاملًا للواجب والمندوب، وقيل: يختص بالواجب بناءً على أنه لا يراد المجاز مع الحقيقة، وقيل: هو للقدر المشترك بين الواجب والمندوب أي: مطلوب الفعل بناءً على القول الآتي إن الصيغة حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب أي: طلب الفعل، وإطلاق الحقيقة والمجاز على المعنى ــ كما هنا ــ مجازي من إطلاق اسم الدالّ على المدلول".هـ.
(٢) زيادة من حاشية الصاوي.
[ ٧ / ٢٤٥ ]
إفساد.
فينتج من هذه الآية أنّ كل ما أمر به النبي - ﵌ - أمرٌ من الله، وأنّ كلَّ ما نهى عنه النبي نهيٌ من الله، فقد جمعت أمور الدين، كما هو معلوم. هـ (^١)
فالقول الأول وهو الذي اعتمده لتقديمه وتضعيف مقابله بـ (قيل) هو القول الثاني المذكور آنفًا، ومراده بالغنيمة ما يشمل الفيء. والثاني هو الأول لأنَّه يعمُّ الفيء الذي السياق فيه، فلم يطرح السياق. وإذا لوحظ أحد الوجهين اللذين نقلنا عليهما كلام "اللُّبِّ" اتّضح الأمر، ولله الحمد.
وقال المحاوِرُ: لو استُدِلَّ بالسياق هنا لزم أن يكون دليلًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ودلالة السياق غير مسلَّمة.
فقلتُ له: إنَّ أمهات المؤمنين داخلاتٌ في أهل البيت قطعًا، فإنَّ السياق أمره واضح، وارتباط الآية المعنوي بما قبلها جهله فاضح، وهذا كلام يأخذ بعضُه برقاب بعض، فكيف يُفصل بينه بجملةٍ لا تعلّق لها به؟
فقال: قد يُفصل بين أجزاء الكلام المترابط، كما إذا كنتُ أكلمك، فناداني رجلٌ، فأجبتُه، ثم أتممتُ كلامي.
فقلتُ: هذا لعارضٍ.
فقال: والآية لعارضٍ.
قلتُ: ما هو؟
قال: لمّا أثنى تعالى على الأزواج أراد أن لا يتوهم [ل ١٦/ب]
أنهنَّ
_________________
(١) "حاشية الصاوي" (٤/ ١٨٩).
[ ٧ / ٢٤٦ ]