بالذكر فائدةٌ غير نفي حكم غيره (^١). وهاهنا قد ظهرت فائدةٌ غير نفي حكم غيره، وهي ما قرّره سيّدنا أيَّده الله تعالى.
قال في "شرح اللّبّ" بعد أن حكى بعض الصور لِما يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي حكم غيره ــ ما لفظه:
"والمقصود ممّا مرّ أنه لا مفهوم للمذكور في الأمثلة المذكورة، ونحوها. ويُعْلَم حكم المسكوت فيها من خارجٍ بالمخالفة، كما في الغنم المعلوفة؛ أو بالموافقة كما في آية الرَّبيبة (^٢)، للمعنى، وهو أنَّ الرَّبيبة حرمت لئلا يقع بينها وبين أمّها التباغض لو أبيحت، نظرًا للعادة في مثل ذلك، سواء أكانت في حِجْر الزوج أم لا" (^٣) اهـ.
أي: فقد ظهرت فيه لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي حكم غيره، ودلّ المعنى على موافقة المسكوت للمنطوق في الحكم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، فإنها ظهرت فيها لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي حكم غيره، ودلّ المعنى على موافقة المسكوت للمنطوق؛ إذ المعنى أنَّ المدح تسبَّب عن البذل والإنفاق، ومن المعلوم أنه كلما كثر البذل والإنفاق زاد المدح. بل هو في هذه أوضح منه في آية الربيبة، لأنَّ ذلك مساوٍ، وهو المسمَّى بـ "لحن الخطاب"، وهذا بالأَوْلى، وهو المسمَّى بـ
"فحوى الخطاب" (^٤)، والله أعلم.
_________________
(١) "غاية الوصول شرح لبِّ الأصول" (٣٩).
(٢) النساء: ٢٣.
(٣) "غاية الوصول" (٤٠).
(٤) انظر: "غاية الوصول" (٣٩).
[ ٧ / ٢٢٦ ]
بعد هذا رأيتُ في "حاشية العلامة الصاوي على الجلَالَيْن" (^١) ما لفظه: "قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أي: تتجاوزوا الحدّ بإخراج كلّه للفقراء، أو بعدم الإخراج من أصله، أو بإنفاقه في المعاصي. والأقربُ الأوّل الذي اقتصر عليه المفسِّر؛ لأن سبب نزولها أنَّ ثابت بن قيس صرم خمسمائة نخلة يوم أُحُد، ففرَّقها ولم يترك لأهله شيئًا".
وفي "أسباب النزول" للسيوطي (^٢) ما لفظه: "قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ الآية: أخرج ابن جرير عن أبي العالية، قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة، ثم تسارفوا، فنزلت هذه الآية.
وأخرج عن ابن جريج أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، جَدَّ نخله، فأطعَمَ حتى أمسى وليست له ثمرة".
وعلى صحة هذا، فلا مانع من أن يكون قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ عائد (^٣) إلى قوله: ﴿كُلُوا﴾، كما قررناه. وتكون مناسبة سبب النزول في قوله: ﴿حَقَّهُ﴾، أو يكون ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ عائد (^٤) إليهما معًا: إلى ﴿كُلُوا﴾ وإلى ﴿وَآتُوا﴾ تأكيدًا
لمفهوم ﴿حَقَّهُ﴾.
ويُجْمَع بين هذا وبين أدلَّة الإيثار بأنَّ الإيثار مستحبٌّ إذا كان على النفس،
_________________
(١) (٢/ ٤٥ ــ ٤٦).
(٢) على حاشية "تفسير الجلَالَين" (٢٠٧). وانظر: "تفسير الطبري" (١٢/ ١٧٤).
(٣) كذا في الأصل بدلًا من "عائدًا".
(٤) كذا في الأصل.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
وأمَّا إذا كان على المتصدِّق حقٌّ لأهله فتصدَّق بالكلِّ بغير رضاهم، فإنه حينئذ ظالم لهم. وعلى الأول يُحمَل حال من نزلت فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، ونحوها، وقصَّة الصِّدِّيق، وعلى الثاني تُحَمل هذه الآية ــ على صحّة السبب في حقِّ ثابت بن قيس ــ، وحديث: "لا صدقة إلَّا عن ظهر غنًى، وابدأ بمَن تعول" (^١)، ونحو ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة.
[ ٧ / ٢٢٨ ]