بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤)
فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)
قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)
فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)
وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤)
حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)
قالُوا يَا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)
قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤)
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)
قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩)
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)
فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤)
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ مَا يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)
[ ٢ / ٥ ]
سورة الأعراف «١» مكية إلا قوله- تعالى-:
_________________
(١) أهداف سورة الأعراف اشتملت سورة الأعراف مجملا على: تسلية النبيﷺ- فى تكذيب الكفار إياه وذكر وزن الأعمال يوم القيامة، وذكر خلق آدم وإباء إبليس من السجدة لآدم، ووسوسته لهما للأكل من الشجرة، وتحذير بنى آدم من قبول وسوسته، والأمر باتخاذ الزينة، وستر العورة وقت الصلاة والرد على المكذبين، وتحريم الفواحش ظاهرا وباطنا وبيان منزلة الكفار فى النار ومناظرة بعضهم بعضا ويأسهم من دخول الجنة وذكر المنادى بين الجنة والنار، ونداء أصحاب الأعراف لكلا الفريقين وتمنيهم الرجوع إلى الدنيا وحجة التوحيد والبرهان على ذات الله- تعالى- وصفاته. وقصة نوح والطوفان، وذكر هود وهلاك عاد وحديث صالح وقهر ثمود، وخبر لوط وقومه، وخبر شعيب وأهل مدين وتخويف الآمنين من مكر الله وتفصيل أحوال موسى وفرعون واستغاثة بنى إسرائيل، وذكر الآيات المفصلات وحديث خلافة هارون، وميقات موسى وقصة عجل السامري فى غيبة موسى ورجوع موسى إلى قومه ومخاطبته لأخيه هارون وذكر النبي الأمى العربيﷺ- والإشارة إلى ذكر الأسباط وقصة أصحاب السبت، وأهل أيلة وذم علماء أهل الكتاب، وحديث الميثاق، ومعاهدة الله- تعالى- الذرية وطرد بلعام بسبب ميله إلى الدنيا. وتخويف العباد بقرب القيامة، وذم الأصنام وعبادها، وأمر الرسول بمكارم الأخلاق وأمر الخلائق بالإنصات والاستماع لقراءة القرآن وخطبة الخطباء يوم الجمعة، والإخبار عن خضوع الملائكة فى الملكوت وانقيادهم بحضرة الجلال فى قوله: وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ الآية ٢٠٦. وكلماتها ٣٣٢٥ ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة. ومجموع فواصل آياتها (م ن د ل) . (انظر بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي: ٢٠٣) .
[ ٢ / ٢٧ ]
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ «١» إلى قوله «٢»: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «٣»، هَذِهِ الآيات «٤» مدنيات، وهي مائتان وست آيات «٥» .
_________________
(١) الآية: ١٦٣.
(٢) فى أ: فى قوله، ل: إلى قوله. وفى كتاب تاريخ القرآن لأبى عبد الله الزنجاني: سورة الأعراف مكية إلا من آية ١٦٣ إلى آية ١٧٠ فمدنية، وهو موافق لما فى رأس السورة فى المصحف.
(٣) الآية: ١٧٣.
(٤) أى أن بها إحدى عشر آية مدنية من آية ١٦٣ إلى آية ١٧٣، وفى كتاب بصائر ذوى التمييز للفيروزآبادي: هذه السورة نزلت بمكة إجماعا. []
(٥) هذا العدد موافق لما فى كتاب تاريخ القرآن لأبى عبد الله الزنجاني ولما فى رأس السورة فى المصحف الشريف.
[ ٢ / ٢٨ ]
المص- ١- كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعنى القرآن فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ يعني النَّبِيّﷺ حَرَجٌ مِنْهُ يَقُولُ فلا يَكُنْ فِي قلبك شك من القرآن بأنه من اللَّه لِتُنْذِرَ بِهِ «١» بما فِي القرآن من الوعيد وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ- ٢- يعني تذكرة للمصدقين بالقرآن بأنه مِنَ اللَّه﷿- ثُمّ قَالَ لأهل مكة: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني أربابا، ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ- ٣- يعني بالقليل أنهم لا يعقلون فيعتبرون، ثُمّ وعظهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها بالعذاب فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا وهم نائمون يعني ليلا أَوْ جاءهم العذاب هُمْ قائِلُونَ- ٤- يعني بالنهار فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا يَقُولُ فَمَا كان قولهم عِنْد نزول العذاب بهم إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ- ٥- لقولهم فِي حم الْمُؤْمِن «آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ» «٢» . ثم قال: فَلَنَسْئَلَنَّ فى الآخرة الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني الأمم الخالية الَّذِين أهلكوا فِي الدُّنْيَا: ما «٣» أجابوا الرسل فى التوحيد؟ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ- ٦-ماذا أجيبوا فى التوحيد؟
_________________
(١) به: ساقطة من أ.
(٢) يشير إلى الآية ٨٤ من سورة غافر وهي فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ.
(٣) هكذا فى: أ، ل. والمراد: بم.
[ ٢ / ٢٩ ]
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أعمالهم بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ- ٧- عن أعمالهم يعني عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ «يَقُولُ وزن الأعمال يومئذ العدل فِي الآخرة «١»» فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ من الْمُؤْمِنِين وزن ذرة عَلَى سيئاته فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ٨- وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يعنى الكفار فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [١٢٨ أ] يعني غبنوا أنفسهم فصاروا إلى النار بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ- ٩- يعني بالقرآن يجحدون بأنه لَيْسَ من اللَّه وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ يقول ولقد أعطيناكم يا أهل مكة من الخير والتمكين فِي الأرض وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ من الرزق لتشكروه فتوحدوه «٢» فلم تفعلوا، فأخبر عنهم فقال: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ- ١٠- يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هَذِهِ النعم فيوحدونه وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ يعني آدم﵇ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ يعني ذرِّيَّة آدم ذكرا وأنثى وأبيض وأسود سويا وغير سوى ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ الَّذِين هُمْ فِي الأرض ومنهم إبليس عدو الله اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا لَهُ، ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ- ١١- لآدم مَعَ الملائكة قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ- ١٢- والنار تغلب الطين قالَ فَاهْبِطْ مِنْها قَالَ: اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الدمامة. فاخرج من الجنة يا إبليس فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَمَا ينبغي لك أن تتعظم فيها يعني فِي الجنة فَاخْرُجْ منها إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ- ١٣- يعني من المذلين قالَ إبليس لربه أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
_________________
(١) ما بين الأقواس «» من ل، وفى أ: «يقول العدل وزن أعمال يومئذ فى الآخرة» .
(٢) فى أ: فتوحده.
[ ٢ / ٣٠ ]
- ١٤- يعني النفخة الآخرة يوم يبعث آدم﵇- وذريته قالَ اللَّه: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ- ١٥- فلا تموت إلى يوم الوقت المعلوم يعني أجلا معلوما وهي النفخة الأولى قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي قَالَ أما إذ أضللتني لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ- ١٦- يعني لأصدنهم عن دينك المستقيم يعني الْإِسْلام ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من قبل الآخرة فأزين لهم التكذيب بالبعث وبالجنة وبالنار وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني من قبل الدُّنْيَا فأزينها فِي أعينهم وأرغبهم فيها وَلا يعطون فيها حقا وَعَنْ أَيْمانِهِمْ يعنى من قبل دينهم فَإِن كانوا عَلَى هدى شبهته عليهم حَتَّى يشكوا فيها «١» وإن كانوا عَلَى ضلالة زينتها لهم وَعَنْ شَمائِلِهِمْ يعني من قبل الشهوات واللذات من المعاصي وأشهاها إليهم وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ- ١٧- لنعمتك فلا يوحدونك قالَ لَهُ اخْرُجْ مِنْها يعنى من الجنة مَذْؤُمًا منفيا مَدْحُورًا يعني مطرودا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ على دينك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ- ١٨- يعني إبليس وذريته وكفار ذرِّيَّة آدم، منهم جميعًا.
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فِي التقديم فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ وهي السنبلة الحنطة، وقالوا هِيَ الشجرة التي تحتك «٢» بها الملائكة للخلود فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ- ١٩- لأنفسكم فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ يعني إبليس وحده لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما يعنى ما غطى عنهما مِنْ سَوْآتِهِما [١٢٨ ب] يعني ليظهر لهما عورتهما وَقالَ إبليس لهما: إنى
_________________
(١) الأنسب فيه: أى فى الهدى. ولكنه أعاد الضمير على الإيمان.
(٢) فى أ: تحتل، وفى حاشية أ: فى الأصل تحتك. وهي غير واضحة فى ل. وفى م: تحتل. وهو دليل على أن «م» ناقلة «عن أ» .
[ ٢ / ٣١ ]
خلقت قبلكما وإنى أعلم منكما فأطيعاني ترشدا، وقَالَ لهما: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ- ٢٠- يَقُولُ إن لَمْ تكونا ملكين كنتما من الخالدين لا تموتان وَقاسَمَهُما يعني حلف بِاللَّه لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ- ٢١- إنها شجرة الخلد من أكل منها لَمْ يمت فكان إبليس أول من يحلف بِاللَّه كاذبا فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ يعنى زين لهما الباطل لقوله تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين وحلف عَلَى قوله فغرهما بهذه اليمين فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما يعني ظهرت لهما عوراتهما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما يَقُولُ أخذا يغطيان عوراتهما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يعني ورق التين الَّذِي فِي الجنة وَناداهُما رَبُّهُما يَقُولُ: وقَالَ لهما ربهما يوحي إليهما: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما يعني آدم وحواء إِنَّ الشَّيْطانَ يعني إبليس لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ- ٢٢- قَالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ذنوبنا وَتَرْحَمْنا وتتجاوز عنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ- ٢٣- فِي العقوبة فتاب آدم﵇- يوم عاشوراء يوم الجمعة فتاب اللَّه عَلَيْه، وأوحى إليهما: قالَ اهْبِطُوا من الجنة آدم وحواء وإبليس والحية بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يَقُولُ إبليس لهما عدو وهما لإبليس عدو وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ- ٢٤- يعني إلى منتهى آجالكم وإبليس فِي النفخة الأولى قالَ فِيها تَحْيَوْنَ يعني فِي الأرض وَفِيها تَمُوتُونَ عِنْد منتهى آجالكم وَمِنْها تُخْرَجُونَ- ٢٥- يوم الْقِيَامَة.
يَا بَنِي آدَمَ نزلت فِي ثقيف، وبني عامر بن صَعْصَعَة، وخزاعة، وبني مدلج، وعامر والحارث ابني عَبْد مناة، قَالُوا: لا نطوف بالبيت الحرام فِي الثياب التي نقارف فيها الذنوب. وَلا يضربون عَلَى أنفسهم خباء من وبر وَلا صوف وَلا شعر وَلا أدم، فكانوا يطوفون بالبيت عراة، ونساءهم يطفن بالليل فأنزل اللَّه
[ ٢ / ٣٢ ]
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يَقُولُ من أمري كان اللباس فِي الأرض يُوارِي سَوْآتِكُمْ يعني يغطي عوراتكم وَرِيشًا يعني المال وَلِباسُ التَّقْوى يعني من العمل الصالح ذلِكَ خَيْرٌ يَقُولُ العمل الصالح خير من الثياب والمال ثُمّ قَالَ: ذلِكَ الثياب والمال مِنْ آياتِ اللَّهِ ومن صنعه لَعَلَّهُمْ يعنى لكي يَذَّكَّرُونَ- ٢٦- فيعتبروا فِي صنعه فيوحدوه، ثُمّ قَالَ: يَا بَنِي آدَمَ يعنيهم لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ فِي دينكم أمر الثياب فيدعها عنكم فتبدي عوراتكم كَما «أَخْرَجَ «١»» أَبَوَيْكُمْ يعني كَمَا فعل بأبويكم آدم وحواء فأخرجهما مِنَ الْجَنَّةِ وبدت عورتهما، فذلك قوله: يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما يعنى ثيابهما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما يعني عوراتهما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يقول يراكم إبليس وجنوده [١٢٩ أ] من الشياطين من حيث لا ترونهم إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ- ٢٧- يعني لا يصدقون، ثُمّ قَالَ: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني معصية فيما حرموا من الحرث، والأنعام، والثياب، والألبان، فنهوا عن تحريم ذَلِكَ قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها يعني بتحريم ذَلِكَ، ثُمّ قَالَ: قُلْ يا محمد: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ يعني بالمعاصي فيحرم ذَلِكَ، وقل لهم: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ربكم إنَّه حرم عليكم مَا لا تَعْلَمُونَ- ٢٨- أنَّه حرمه وقُلْ لهم: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ يعني بالعدل وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ يعني وأمر ربي أن تقيموا وجوهكم يعني إلى القبلة عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فِي بيعة أَوْ كنيسة، أَوْ غيرها فصلوا قبل الكعبة وأمرهم بالصلاة والتوحيد فذلك قوله: وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ يعنى
_________________
(١) أخرج: ساقطة من أ، ومن حاشية أ، التلاوة «أخرج» .
[ ٢ / ٣٣ ]
موحدين لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ- ٢٩- يعني كَمَا خلقكم سعداء وأشقياء كذلك تعودون فَرِيقًا هَدى لدينه وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ يعني أربابا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ- ٣٠- أنهم على الهدى، ثُمّ قَالَ يعنيهم: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فِي كنيسة، أَوْ بيعة، أَوْ غيرها وَكُلُوا من الحرث والأنعام وَاشْرَبُوا من الألبان وَلا تُسْرِفُوا يَقُولُ: وَلا تشركوا الآلهة فِي تحريم الحرث، والأنعام، والثياب، والألبان، مما «١» هُوَ حل لكم إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ- ٣١- يعني المشركين قُلْ لهم: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ يعنى الثياب الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ يعني الحلال مِنَ الرِّزْقِ يعني الحرث، والأنعام والألبان، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ يَقُولُ أشرك فِي الطيبات فِي الدُّنْيَا الْمُؤْمِن، والكافر، وهي خالصة للمؤمنين يوم الْقِيَامَة كَذلِكَ نُفَصِّلُ يَقُولُ هكذا نبين الْآياتِ يعني أمور ما ذكر فِي هَذِهِ الآية لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- ٣٢- بتوحيد اللَّه، ثُمّ أخبرهم بما حرم اللَّه فَقَالَ: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ يعنى الزنا ما ظَهَرَ مِنْها يعني العلانية وَما بَطَنَ فِي السر وكانوا يتكرمون «عن الزنا فِي «٢»» العلانية ويفعلوه فِي السر، وحرم شرب الخمر وَالْإِثْمَ والمعاصي وَالْبَغْيَ يعني ظلم الناس بِغَيْرِ الْحَقِّ إِلَّا أن يقتص منه بحق وَحرم أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا يعني كتابا فِيهِ حجتكم بأن معه شريكا وَحرم أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ بأنه حرم الحرث والأنعام والألبان والثياب مَا لا تَعْلَمُونَ
_________________
(١) فى أ: ما.
(٢) ما بين الأقواس «» ساقط من: أ، والمثبت فى: ل.
[ ٢ / ٣٤ ]
- ٣٣- أَنَّهُ حرمه ثُمّ خوفهم بالعذاب فَقَالَ: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ العذاب فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ- ٣٤- يَقُولُ لا يتأخرون وَلا يتقدمون حَتَّى يعذبوا وذلك حين سألوا النَّبِيّﷺ- عن العذاب، ثُمّ قَالَ: يَا بَنِي آدَمَ يعني مشركي العرب إِمَّا فَإِن يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ محمدﷺ- وحده يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي [١٢٩ ب] يعني يتلون عليكم القرآن فَمَنِ اتَّقى الشرك وَأَصْلَحَ العمل وآمن بِاللَّه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ٣٥- من الموت وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن أَنَّهُ لَيْسَ من اللَّه وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها وتكبروا عن الْإِيمَان «١» بآيات القرآن أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٣٦- فَمَنْ أَظْلَمُ يعني فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا بأن معه شريكا وأنه أمر بتحريم الحرث، والأنعام، والألبان، والثياب، أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعنى بآيات القرآن أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ يعنى حظهم مِنَ الْكِتابِ وذلك أن اللَّه قَالَ فِي الكتب كلها: إنَّه من افترى عَلَى اللَّه كذبا فَإنَّهُ يسود وجهه، فهذا ينالهم فِي الآخرة- نظيرها فِي الزمر- تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «٢» وقال: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ يعني ملك الموت وحده، ثُمّ قَالَتْ لهم خزنة جَهَنَّم قبل دخول النار فِي الآخرة: قالُوا «٣» أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ يعنى تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة هل يمنعونكم «٤»
_________________
(١) فى الأصل: إيمان.
(٢) سورة الزمر آية ٦٠ وتمامها: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ.
(٣) قالوا: ساقطة من أ. []
(٤) فى أ: يمنعوا.
[ ٢ / ٣٥ ]
من النار قالُوا ضَلُّوا عَنَّا يعني ضلت الآلهة عنا يَقُولُ اللَّه: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ- ٣٧- وذلك حين قالوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فشهدت عليهم الجوارح بما كتمت الألسن من الشرك والكفر- نظيرها فِي الأنعام «١» قالَ أَي قَالَت الخزنة «٢»: ادْخُلُوا النار فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ النار لَعَنَتْ أُخْتَها لعنت أَهْل ملتهم يلعن المشركون المشركين، ويلعن اليهود اليهود، ويلعن النَّصارى النَّصارى، ويلعن المجوس المجوس، ويلعن الصابئون الصابئين، ويلعن الأتباع القادة يقولون:
لعنكم اللَّه أنتم ألقيتمونا فِي هَذَا «٣» الملقى حين أطعناكم يقولون: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها يعني حَتَّى إذا اجتمعوا فِي النار جَمِيعًا القادة، والأتباع وَقَدْ دخلت القادة والأتباع قالَتْ أُخْراهُمْ دخولا النار وهم الأتباع لِأُولاهُمْ دخولا النار وهم القادة رَبَّنا هؤُلاءِ القادة أَضَلُّونا عن الهدى فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا يعني أعطهم عذابا مضاعفا مِنَ النَّارِ «٤» قالَ يَقُولُ اللَّه: لِكُلٍّ يعني الأتباع والقادة ضِعْفٌ يضاعف العذاب وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ- ٣٨- وَقالَتْ أُولاهُمْ دخولا النار وهم القادة لِأُخْراهُمْ دخولا النار وهم الأتباع فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فِي شيء فقد ضللتم كَمَا ضللنا فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ- ٣٩- يعنى تقولون من الشرك والتكذيب
_________________
(١) يشير إلى الآية ٢٣ من سورة الأنعام وهي: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
(٢) فى أ: (وقالت) الخزنة.
(٣) فى أ: هذه، ل: هذا.
(٤) فى أ: فى النار.
[ ٢ / ٣٦ ]
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها يعني وتكبروا عن الإيمان بآيات القرآن لا تُفَتَّحُ لَهُمْ يعني لأرواحهم وَلا لأعمالهم أَبْوابُ السَّماءِ كَمَا تفتح أبواب السماء لأرواح الْمُؤْمِنِين ولأعمالهم إذا ماتوا، ثُمّ قَالَ: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ يقول [١٣٠ أ] حَتَّى يدخل البعير فِي خرق الإبرة وَكَذلِكَ يعني وهكذا نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ- ٤٠- لا يدخلون الجنة، ثُمّ ذكر ما أعد لهم فِي النار فقال: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ يعني فراش من نار وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ يعني لحفا يعني ظللا من النار، وذلك قوله فِي الزمر: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ «١» يقول وَكَذلِكَ يعني وهكذا نَجْزِي الظَّالِمِينَ- ٤١- جَهَنَّم «٢» «وما «٣» فيها من العذاب، ثُمّ ذكر الْمُؤْمِنِين فَقَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها يَقُولُ لا نكلفها من العمل إِلَّا ما تطيق أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٤٢- لا يموتون. ثُمّ أخبر «٤» عَنْهُمْ فَقَالَ: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ يعني ما كان فِي الدُّنْيَا فِي قلوبهم من غش، يعني بعضهم لبعض وذلك أن أَهْل الجنة، إذا هُمْ بشجرة ينبع من ساقها عينان فيميلون إلى أَحَدهمَا فيشربون منها فيخرج اللَّه ما كان فِي أجوافهم من غل أو قذار
_________________
(١) سورة الزمر: ١٦.
(٢) فى أ: سقط من الأصل ورقة، وفى حاشية أ: كتب فى الجانب: سقط من الأصل ورقة وقد أحضرت نسخة من مكتبة كوبريلى بتركيا المرموز لها به (ل)، وسأنقل منها الورقة الساقطة من أ. أى من الآية ٤٢ من سورة الأعراف إلى منتصف الآية ٥٤ من سورة الأعراف.
(٣) هذا أول الورقة الساقطة من أ، وسأنقلها من ل إن شاء الله.
(٤) فى ل: خبر.
[ ٢ / ٣٧ ]
فيطهر اللَّه أجوافهم «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا» «١» ثُمّ يميلون إلى العين الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب اللَّه أجسادهم من كُلّ درن وجرت عليهم النظرة فلا تشعث رءوسهم، وَلا تغبر وجوههم، وَلا تشحب أجسادهم، ثُمّ تتلقاهم خزنة الجنة قبل أن يدخلوا الجنة فينادونهم يعني قَالُوا لهم: «أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها» يَقُولُ: هاكم الجنة: أورثتموها «بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» فَلَمَّا استقروا فِي منازلهم:
«تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ «٢»» وَقالُوا «٣» الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أَي للإسلام ولهذا الخير وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لدينه ما كُنَّا لنهتدي فِي التقديم لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ بأن هَذَا اليوم حق فصدقناهم «وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» «٤» - ٤٣- وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا من الخير والثواب فِي الدُّنْيَا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فِي الدُّنْيَا من العذاب قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ وهو ملك ينادى أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ- ٤٤- يعني عذاب اللَّه عَلَى المشركين، ثُمّ نعت أعمالهم الخبيثة فقال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني دين الإسلام وَيَبْغُونَها عِوَجًا ويريدون بملة الإسلام زيفا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ يعني بالبعث الذي فِيهِ جزاء الأعمال كافِرُونَ- ٤٥- ثُمّ قَالَ: وَبَيْنَهُما حِجابٌ يَقُولُ بين الجنة والنار سور وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ
_________________
(١) سورة الإنسان: ٢١.
(٢) ساقطة من الأصل: ل.
(٣) فى ل: قالوا.
(٤) ما بين القوسين «» ساقط من ل. وقد فسرها سابقا فى غير مكانها واكتفى بذلك.
[ ٢ / ٣٨ ]
يعنى على السور رجال يَعْرِفُونَ كُلًّا «من «١»» الفريقين بِسِيماهُمْ يعرفون أَهْل الجنة ببياض في الوجوه، وأهل النار بسواد الوجوه وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يسلم أصحاب الأعراف على أهل الجنة يَقُولُ اللَّه: لَمْ يَدْخُلُوها يعني أصحاب الأعراف لَمْ يدخلوا الجنة وَهُمْ يَطْمَعُونَ- ٤٦- فِي دخولها وإنما طمعوا فِي دخول الجنة من أجل النور الَّذِي بين أيديهم وعلى أقدامهم مثل السراج ثُمّ قَالَ: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ يعنى قلبت وجوههم تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ يَقُولُ وإذا نظر أصحاب الأعراف قبل أَهْل النار قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ٤٧- يعني مَعَ المشركين فِي النار وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا هُمْ فِي النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني بسواد الوجوه من القادة والكبراء قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ فى الدنيا وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ «٢» - ٤٨- يعني وما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الْإِيمَان، فأقسم أَهْل النار أن أَهْل الأعراف سيدخلون «٣» النار معهم قَالَت الملائكة الَّذِين حبسوا أصحاب الأعراف عَلَى الصراط أَهؤُلاءِ يعني أصحاب الأعراف الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ يا أهل النار أنهم لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، ثُمّ قَالَت الملائكة: يا أصحاب الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ من العذاب وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ- ٤٩- من الموت. فَقَالَ مُقَاتِلٌ: إن أصحاب الأعراف من أمة محمد- صلى الله عليه
_________________
(١) فى ل: («يَعْرِفُونَ كُلًّا» الفريقين)، والتلاوة «كلا»، فزدت «من» لتصير (يَعْرِفُونَ كُلًّا) من الفريقين. []
(٢) أول الصفحة الثانية فى ل، وهي ورقة ٥٦٩ للصورة.
(٣) فى ل: داخلون.
[ ٢ / ٣٩ ]
وَسَلَّمَ- خاصة، وهم الَّذِين استوت حسناتهم وسيئاتهم فحبسوا عَلَى الصراط من أجل ذنوبهم ثُمّ دخلوا الجنة بعد ذَلِكَ بشفاعة محمدﷺ.
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ يَقُولُ:
اسقونا من الماء نشرب أَوْ أطعمونا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الطعام نأكل فَإِن فينا معارفكم وفيكم معارفنا، فرد عليهم أَهْل الجنة قالُوا «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما» يعني الطعام والشراب «عَلَى الْكافِرِينَ» وذلك أن اللَّه﷿- رفع أَهْل الجنة لأهل النار فرأوا ما فيهما من الخير والرزق فنادوا عِنْد ذَلِكَ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله من الشراب والطعام، قَالَ لهم أَهْل الجنة:
إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ- ٥٠- ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الْإِسْلام لَهْوًا وَلَعِبًا يعني لهوا عَنْهُ ولعبا يعني باطلا ودخلوا فِي غَيْر دين الْإِسْلام وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
عن دينهم الْإِسْلام فَالْيَوْمَ فِي الآخرة نَنْساهُمْ كَما نَسُوا يَقُولُ: فاليوم فِي الآخرة نتركهم فِي النار كما تركوا الإيمان لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا يعنى بالبعث وَما كانُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن يَجْحَدُونَ- ٥١- بأنه لَيْسَ من اللَّه وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ يعني بيناه عَلى عِلْمٍ وَهُوَ القرآن هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٥٢- يعني يصدقون. بالقرآن بأنه من اللَّه، ثُمّ رجع فِي التقديم إلى الَّذِين جحدوا بالقرآن فَقَالَ: هَلْ يَنْظُرُونَ يخوفهم إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يعني العاقبة: ما وعد اللَّه فِي القرآن من الوعد والوعيد، والخير والشر، عَلَى ألسنة الرسل يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ يعني يَقُولُ فِي الآخرة: الَّذِين تركوا الْإِيمَان فِي الدُّنْيَا بالبعث، فإذا ذكروه وعاينوا قول الرسل قَالُوا: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ بأن هَذَا اليوم كائن وَهُوَ حق فَهَلْ
[ ٢ / ٤٠ ]
لَنا مِنْ شُفَعاءَ
من الملائكة والنبيين وغيرها فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيَا فَنَعْمَلَ من الخير غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ من الشر يعني الشرك والتكذيب يَقُولُ اللَّه: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يَقُولُ قَدْ غبنوا أنفسهم فساروا إلى النار وَضَلَّ عَنْهُمْ في الآخرة مَا كانُوا يَفْتَرُونَ- ٥٣- فِي الدُّنْيَا من التكذيب إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قبل ذلك «١»» .
[١٣١ أ «٢»] يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَقُولُ يغشى ظلمة الليل ضوء النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثًا يعني سريعا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ لبنى آدم أَلا لَهُ الْخَلْقُ يعني كُلّ شيء خلق وَالْأَمْرُ يعني قضاءه فِي الخلق الَّذِي فِي اللوح المحفوظ فَلَه المشيئة فِي الخلق والأمر تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ- ٥٤- فيخبر بعظمته وقدرته ثُمّ بين كيف يدعونه؟
فقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا يعني مستكينين وَخُفْيَةً يعني في خفض وسكون كقوله: «وَلا تُخافِتْ بِها» «٣» يعني تسر بها فادعوه فِي حاجتكم وَلا تدعوه فيما لا يحل لَكُمْ عَلَى مُؤْمِن أَوْ مؤمنة: تَقُولُ اللَّهُمَّ اخزه والعنه اللَّهُمَّ أهلكه أَوْ افعل به كذا وكذا فذلك عدوان إِنَّهُ الله «٤» لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ- ٥٥-
_________________
(١) هذه نهاية الورقة التي نقلتها من ل، (نسخة كوبريلى) لأنها ساقطة من أ: (نسخة أحمد الثالث) .
(٢) ليست هذه أول الورقة تماما إلا أن هذه الورقة ساقط منها أربعة أسطر من أولها، وهي السطور المكملة للورقة الساقطة.
(٣) سورة الإسراء: ١١٠.
(٤) فى أ: والله، وفى حاشية أ: إنه.
[ ٢ / ٤١ ]
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وذلك أن اللَّه إذا بعث نبيا إلى الناس فأطاعوه صلحت الأرض وصلح أهلها وأن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها يَقُولُ لا تعملوا فِي الأرض بالمعاصي بعد الطاعة وَادْعُوهُ خَوْفًا من عذابه وَطَمَعًا فِي رحمته فَمنْ فعل ذَلِكَ وَهُوَ محسن فذلك قوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ- ٥٦- يعني بالرحمة المطر، يَقُولُ الرحمة لهم وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا «١» بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يَقُولُ الرياح نشرا للسحاب كقوله: يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا «٢» يسير السحاب قدام الرياح حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ يعني إذا حملت الريح سَحابًا ثِقالًا من الماء سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ نبات فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء من الأرض مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ يعني هكذا نُخْرِجُ يُخْرِج اللَّه الْمَوْتى من الأرض بالماء كَمَا أخرج النبات من الأرض بالماء لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَذَكَّرُونَ- ٥٧- فتعتبروا فِي البعث أَنَّهُ كائن- نظيرها فِي الروم «٣» والملائكة «٤» -.
_________________
(١) فى أ: نشرا. وقراءة حفص وعاصم بشرا وهو تخفيف بشر جمع بشير وقد قرئ به. وبشرا بفتح الباء مصدر بشره بمعنى باشرات والبشارة وبشرى. أما نشرا فهو جمع نشور بمعنى ناشر وقرأ ابن عامر نشرا بالتخفيف حيث وقع وحمزة والكسائي نشرا بفتح النون حيث وقع على أنه مصدر فى موضع الحال بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان (انظر البيضاوي) .
(٢) سورة الروم: ٤٨.
(٣) يشير إلى الآية ٢٤ من سورة الروم وهي: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
(٤) الآية ٩ من سورة فاطر وهي: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ.
[ ٢ / ٤٢ ]
ثُمّ ضرب مثلا للمؤمنين والكفار فَقَالَ: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يعني الأرض العذبة إذا مطرت يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ فينتفع به كَمَا ينفع المطر البلد الطيب فينبت، ثم ذكر مثل الكافر فَقَالَ: وَالَّذِي خَبُثَ من البلد يعني من الأرض السبخة أصابها المطر فلم ينبت لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا يعني إلا عسرا رقيقا يبس مكانه فلم ينتفع به- فهكذا الكافر يسمع الْإِيمَان وَلا ينطق به ولا ينفعه [١٣١ ب] .
كَمَا لا «١» ينفع هَذَا النبات الَّذِي يَخْرُج رقيقا فييبس مكانه كَذلِكَ يعني هكذا نُصَرِّفُ الْآياتِ فِي أمور شتى لما ذكره فِي هاتين الآيتين لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ- ٥٨- يعني يوحدون ربهم لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول ليس لكم رب غيره فَإِن لم تعبدوه إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ فى الدنيا عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ٥٩- لشدته قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ وهم القادة والكبراء لنوح إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٦٠- قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- ٦١- إليكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَأَنْصَحُ لَكُمْ فيها وأحذركم من عذابه فِي الدُّنْيَا وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ فِي نزول العذاب بكم مَا لا تَعْلَمُونَ- ٦٢- أنتم وذلك أن قوم نوح لَمْ يسمعوا بقوم قطّ عذبوا وَقَدْ سَمِعَت الأمم بعدهم بنزول العذاب عَلَى قوم نوح.
ألا ترى أن هودا قَالَ لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ «٢»
_________________
(١) فى ل: لم.
(٢) سورة الأعراف: ٦٩.
[ ٢ / ٤٣ ]
وقَالَ صَالِح لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ هلاك عادٍ «١»، وحذر شُعَيْب قومه فَقَالَ: أَنْ يُصِيبَكُمْ من العذاب مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ «٢» . فَمنْ ثُمّ قَالَ نوح لقومه: أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فَقَالَ بعضهم لبعض الكبراء للضعفاء: ما هذا إلا بشر مثلكم أفتتبعونه «٣»؟ فرد عليهم نوح أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بيان من ربكم عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ يعني نفسه لِيُنْذِرَكُمْ العذاب فِي الدُّنْيَا وَلِتَتَّقُوا الشرك وتوحدوا ربكم وَلَعَلَّكُمْ يعنى ولكي تُرْحَمُونَ- ٦٣- فلا تعذبوا «٤» فَكَذَّبُوهُ فِي العذاب أَنَّهُ لَيْسَ بنازل بنا يَقُولُ اللَّه: فَأَنْجَيْناهُ يعني نوحا وَالَّذِينَ مَعَهُ من الْمُؤْمِنِين فِي الْفُلْكِ يعني السفينة من الغرق برحمة مِنَّا وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني نزول العذاب إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ- ٦٤- عموا عن نزول العذاب بهم وَهُوَ الغرق وَأرسلنا إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يَقُولُ ما لَكُمْ رب غيره أَفَلا تَتَّقُونَ- ٦٥- يعني الشرك أفلا توحدون ربكم قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وهم الكبراء لهود
_________________
(١) سورة الأعراف: ٧٤.
(٢) الآية ٨٩ من سورة هود وهي وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ. []
(٣) فى أ: فنتبعونه.
(٤) فى أ: أفلا تعذبوا.
[ ٢ / ٤٤ ]
والقادة: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ يعني في حمق وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ يعني لنحسبك مِنَ الْكاذِبِينَ- ٦٦- فيما تَقُولُ فِي نزول العذاب بنا قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ يعني حمق وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- ٦٧- إليكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ فيما أحذركم من عذابه أَمِينٌ- ٦٨- فيما بيني وبينكم، فَقَالَ الكبراء: للضعفاء ما هَذَا إلا بشر مثلكم أفتتبعونه «١»؟ فرد عليهم هود أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ [١٣٢ أ] يعني بيان من ربكم عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ يعني نفسه لِيُنْذِرَكُمْ العذاب فِي الدُّنْيَا وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ فِي الأرض «٢» مِنْ بَعْدِ هلاك قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً عَلَى غيركم: كان طول كُلّ رَجُل منهم «٣» اثنى عشر ذراعا ونصفا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ يعني نعم اللَّه فوحدوه لَعَلَّكُمْ يعني لكي تُفْلِحُونَ- ٦٩- وَلا تعبدوا غيره قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ عبادة مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ٧٠- إن العذاب نازل بنا قالَ هود: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ يعني إثم وعذاب أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أنها آلهة مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يعني من كتاب لَكُمْ فِيهِ حجة بأن معه شريكا فَانْتَظِرُوا العذاب إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ- ٧١- بكم العذاب فَأَنْجَيْناهُ يعني هودا وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين بِرَحْمَةٍ مِنَّا
_________________
(١) فى أ: فتتبعونه.
(٢) فى أ: الأرض، ل: فى الأرض.
(٣) فى أ: منكم، ل: منهم.
[ ٢ / ٤٥ ]
يعني بنعمة مِنَّا من العذاب وَقَطَعْنا دابِرَ يعنى أصل القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى بنزول العذاب وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ- ٧٢- يعني مصدقين بالعذاب أَنَّهُ نازل بهم وهي الريح.
ثُمّ ذكر اللَّه ثمود قوم صَالِح فَقَالَ: وَأرسلنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يَقُولُ لَيْسَ لَكُمْ رب غيره قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بالبينة الناقة فَقَالَ: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً لتعتبروا فتوحدوا ربكم وكانت «١» من غَيْر نسل وكان الفصيل من نسل فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ يَقُولُ خلوا عَنْهَا فلتأكل حيث شاءت وَلا تكلفكم مؤونة وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ لا تصيبوها بعقر فَيَأْخُذَكُمْ يعني فيصيبكم عَذابٌ أَلِيمٌ- ٧٣- يعني وجيع فِي الدُّنْيَا وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ هلاك عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا يعني تبنون فِي «٢» الجبال من الحجارة بيوتا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ يعني نعم اللَّه فِي القصور والبيوت فتوحدوه وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ- ٧٤- يعني وَلا تسعوا فيها بالمعاصي قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني الَّذِين تكبروا عن الْإِيمَان وهم الكبراء مِنْ قَوْمِهِ أَي من قوم صَالِح «٣» لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ يعني لمن صدق منهم بالتوحيد أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ
_________________
(١) وكانت: ساقطة من ل. ومثبتة فى أ.
(٢) فى: ساقطة من أومثبته فى ل.
(٣) فى أ: (مِنْ قَوْمِهِ) صالح، ل: (من قوم) صالح.
[ ٢ / ٤٦ ]
- ٧٥- قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ يعني صدقتم به من العذاب والتوحيد كافِرُونَ- ٧٦- فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ليلة الأربعاء وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ يعني التوحيد وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ- ٧٧- الصادقين بأن العذاب نازل بنا فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعنى فأصابهم العذاب بكرة يوم السبت من صيحة جبريل [١٣٢ ب]- ﵇- فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ- ٧٨- يعني فِي منازلهم خامدين أمواتا فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني فأعرض عَنْهُمْ حين كذبوا بالعذاب وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَنَصَحْتُ لَكُمْ فيما حذرتكم من عذابه وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ- ٧٩- يعنى نفسه.
وَأرسلنا لُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ «١» أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ يعني المعصية يعني إتيان الرجال وأنتم تبصرون أنها فاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ- ٨٠- فيما مضى قبلكم إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ- ٨١- يعني الذنب العظيم «٢» وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ أَي قوم لوط «٣» حين نهاهم عن الفاحشة إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ- ٨٢- يعني لوطا وحده يعني يتنزهون عن إتيان الرجال فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ من العذاب
_________________
(١) فى أ: (و) أرسلنا (لوطا) إلى (قومه) فقال لقومه. وفى حاشية أ: إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ.
(٢) هكذا فى أ، ل: والمراد أن الإسراف هو الذنب العظيم أى مسرفون فى اقتراف الذنب العظيم وهو اللوط.
(٣) فى أ: (فما كان جواب قوم) لوط.
[ ٢ / ٤٧ ]
إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ- ٨٣- يعني من الباقين فِي العذاب وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ الحجارة من فوقهم مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ «١» يعني فبئس مطر الَّذِين أنذروا العذاب فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ- ٨٤- يعني قوم لوط كان عاقبتهم الخسف والحصب بالحجارة وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ ابْن إِبْرَاهِيم لصلبه. وأرسلنا إلى مدين أَخاهُمْ شُعَيْبًا لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ لَيْسَ لَكُمْ رب غيره قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بيان من ربكم فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يعني لا تنقصوا الناس حقوقهم فِي نقصان الكيل والميزان وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها بعد الطاعة فِي نقصان الكيل والميزان «٢» فَإِن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها ذلِكُمْ يقول وفاء الكيل والميزان خير لَكُمْ من النقصان إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ٨٥- يقول إن كنتم آمنتم كان فِي الآخرة خير لَكُمْ من نقصان الكيل والميزان فِي الدُّنْيَا- نظيرها فِي هود- «٣» .
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ يعني وَلا ترصدوا بكل طريق توعدون أَهْل الإيمان بالقتل وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الإسلام مَنْ آمَنَ بِهِ يعني من صدق بِاللَّه وحده لا شريك لَهُ وَتَبْغُونَها عِوَجًا يعني تريدون بملة الْإِسْلام زيفا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا «٤» عددكم بعد عذاب
_________________
(١) سورة الشعراء: ١٧٣. وسورة النمل: ٥٨.
(٢) أى بعد أن أطعتم فلم تنقصوا المكيال والميزان.
(٣) يشير إلى الآية ٨٥ من سورة هود وهي: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. []
(٤) يشير إلى الآية: ٨٩ من سورة هود.
[ ٢ / ٤٨ ]
الأمم الخالية، ثُمّ ذكرهم النعم فَقَالَ: فَكَثَّرَكُمْ يعني فكثر عددكم ثُمّ وعظهم وخوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية فَقَالَ: وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ- ٨٦- فِي الأرض بالمعاصي بعد عذاب قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، [١٣٣ أ] فِي الدُّنْيَا، نظيرها فِي هود «١»، وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ من العذاب وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا يعني لَمْ يصدقوا بالعذاب فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ حَتَّى يقضي اللَّه بَيْنَنا فِي أمر العذاب وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ- ٨٧- يعني وَهُوَ خير الفاصلين فكان قضاؤه نزول العذاب بهم قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني الَّذِين تكبروا عن الْإِيمَان وهم الكبراء لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يعنون الشرك: أَوْ لتدخلن فِي ملتنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ- ٨٨- ثُمّ قَالَ لهم شُعَيْب: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ الشرك يعني إن دخلنا فِي دينكم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها يَقُولُ بعد إذ لَمْ يجعلنا اللَّه من أَهْل ملتكم الشرك وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها وما ينبغي لنا أن ندخل فِي ملتكم الشرك إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا فيدخلنا فِي ملتكم وَسِعَ يعني ملأ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا فعلمه عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا لقولهم لشعيب: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا ثُمّ قَالَ شُعَيْب: رَبَّنَا افْتَحْ يعني اقض بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ يعني بالعدل فِي نزول العذاب بهم وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ- ٨٩- يعنى القاضين.
_________________
(١) يشير إلى الآية ٨٩ من سورة هود: وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ.
[ ٢ / ٤٩ ]
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله مِنْ قَوْمِهِ وهم الكبراء للضعفاء لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا على دينه إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ- ٩٠- يعني لعجزة، نظيرها فِي يُوسُف لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ «١» يعني لعجزة ظالمون فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني العذاب فَأَصْبَحُوا من صيحة جبريل﵇ فِي دارِهِمْ يعني قريتهم جاثِمِينَ- ٩١- يعني أمواتا خامدين الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني كَأَنّ لَمْ يكونوا فيها قطّ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ- ٩٢- فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني فأعرض عَنْهُمْ حين كذبوا بالعذاب، نظيرها في هود «٢»، وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَنَصَحْتُ لَكُمْ فيما حذرتكم من عذابه فَكَيْفَ آسى يَقُولُ فكيف أحزن بعد الصيحة عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ- ٩٣- إذا عذبوا وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ فكذبوه إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ يعني قحط المطر فأصابهم البؤس وَهُوَ الشدة والضر يعني البلاء لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَضَّرَّعُونَ- ٩٤- إلى ربهم فيوحدونه فيرحمهم ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ يَقُولُ حولنا مكان «٣» الشدة الرخاء حَتَّى عَفَوْا يَقُولُ حموا «٤» وسمتوا فلم يشكروا ربهم فقالوا من غيرتهم وجهلهم وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا يعنى
_________________
(١) سورة يوسف: ١٤.
(٢) يشير إلى الآيتين ٩٤، ٩٥ من سورة هود وهما: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ.
(٣) فى أ: من.
(٤) فى أ، ل، م: حموا، وفى البيضاوي: حَتَّى عَفَوْا حتى كثروا عددا وعددا يقال عفا النبات إذا كثر ومنه أعفاء اللحية.
[ ٢ / ٥٠ ]
أصاب آباءنا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ يعني الشدة والرخاء مثل ما أصابنا فلم يك شيئًا يَقُولُ: فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب بَغْتَةً [١٣٣ ب] فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ٩٥- أعز ما كانوا حتى «١» نزل بهم وَقَدْ أنذرتهم رسلهم العذاب من قبل أن ينزل بهم فذلك قوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ بالشرك وَأَهْلُها غافِلُونَ «٢» ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى التي عذبت آمَنُوا بتوحيد اللَّه وَاتَّقَوْا الشرك ما قحط عليهم المطر ولَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ يعني المطر وَالْأَرْضِ يعني النبات وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- ٩٦- من الشرك والتكذيب أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا يعنى عذابنا ليلا «٣» وَهُمْ نائِمُونَ- ٩٧- أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى يعني عذابنا نهارا وَهُمْ يَلْعَبُونَ- ٩٨- يعني لاهون عَنْهُ، نظيرها فِي طه وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى «٤» يعني نهارا أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ يعنى عذاب اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ- ٩٩- أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ يعني ورثوا الأرض مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بعذاب بِذُنُوبِهِمْ يخوف كفار مكة وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ- ١٠٠- بالإيمان. ثُمّ رجع إلى القرى الخالية التي عذبت، فَقَالَ: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها يعنى حديثها
_________________
(١) فى أ، ل: حتى. ولعل أصلها حين.
(٢) سورة الأنعام: ١٣١.
(٣) فى أ: يعنى عذاب البلاء، ل: يعنى عذابنا ليلا.
(٤) سورة طه الآية ٥٩ وهي: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى.
[ ٢ / ٥١ ]
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بيان العذاب فَإنَّهُ نازل بهم فِي الدُّنْيَا وذلك أن النَّبِيّﷺ- أخبر كفار مكة بأن العذاب نازل بهم فكذبوه بالعذاب فأنزل اللَّه: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ يَقُولُ فَمَا كان كفار مكة ليؤمنوا يعني ليصدقوا أن العذاب نازل بهم فِي الدُّنْيَا بما كذبت به أوائلهم من الأمم الخالية من قبل كفار مكة حين أنذرتهم رسلهم العذاب يقول الله: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني هكذا يختم اللَّه بالكفر عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ- ١٠١- وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وذلك أن اللَّه أَخَذَ ميثاق ذرِّيَّة آدم عَلَى المعرفة فأقروا بِذَلِك فَلَمَّا بلغوا العمل نقضوا العهد وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ- ١٠٢- ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد الرسل «١» مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
يعني اليد والعصا فَظَلَمُوا بِها يعني فجحدوا بالآيات وقالوا ليست من اللَّه فَإِنَّهَا سحر فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ- ١٠٣- فِي الأرض بالمعاصي فكان عاقبتهم الغرق وَقالَ مُوسى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٠٤- حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فَإنَّهُ بعثني رسولا «٢» قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني اليد والعصا بأني رَسُول اللَّهِ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ- ١٠٥- إلى فلسطين قالَ فرعون: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ١٠٦- بأنك رسول رب العالمين وَفِي يد مُوسَى عصا فزعم ابْن عَبَّاس أن ملكا من الملائكة دفعها «٣» إِلَيْهِ حين توجه إلى مدين فقال
_________________
(١) فى أ: يعنى بعد الرسل، ل: يعنى من بعد الرسل.
(٢) فى أ: بأنه يعنى رسولا، ل: فإنه بعثني رسولا.
(٣) فى أ: أنها ملك من الملائكة دفعها إليه، ل: أن ملكا من الملائكة دفعها إليه.
[ ٢ / ٥٢ ]
مُوسَى لفرعون: ما هَذِهِ بيدي؟ قَالَ فرعون عصا: فَأَلْقى مُوسَى عَصاهُ من يده «١» فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ- ١٠٧- يعني حية بينة فَقَالَ فرعون: فهل من آية غيرها. قَالَ: نعم. فأخرج يده، وقَالَ لفرعون «٢»: ما هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ يدك «٣» . فأدخل مُوسَى يده فِي جيبه وعليه مدرعة من صوف مضرية، ثُمّ أخرجها، فذلك قوله: وَنَزَعَ يَدَهُ يعني أخرج يده من جيبه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ- ١٠٨- لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر من شدة بياضها قالَ الْمَلَأُ وهم الكبراء مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا يعني مُوسَى لَساحِرٌ عَلِيمٌ- ١٠٩- يعني عالم بالسحر وذلك أن فرعون بدأ بهذه المقالة فصدقه قومه، نظيرها فِي الشعراء «٤»، ثُمّ قَالَ لهم فرعون: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ وهي مصر فَماذا تَأْمُرُونَ- ١١٠- يعني تشيرون فرد عليه كبراء قومه: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يَقُولُ أرجئ «٥» أمرهم يَقُولُ أوقف أمرهم حَتَّى ننظر فِي أمرهما وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ- ١١١- يَأْتُوكَ يحشرون عليك بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ- ١١٢- يعنون عالم بالسحر وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا يعنى جعلا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ- ١١٣- لموسى قالَ فرعون: نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
_________________
(١) فى أ: «فَأَلْقى مُوسى» العصا من يده. وفى حاشية أ: الآية «عَصاهُ» . []
(٢) فى أ: قال فرعون، ل: قال لفرعون.
(٣) فى أ: يدي، ل: يدك.
(٤) يشير إلى الآية ٣٤ من سورة الشعراء وهي قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ.
(٥) فى أ: أرج.
[ ٢ / ٥٣ ]
- ١١٤- فِي المنزلة «١» سوى العظمة، «كان» هَذَا «٢» يوم السبت فِي المحرم، والسحرة اثنان وسبعون رَجُلا «قالُوا يا مُوسى» «٣» فقالت السحرة لموسى: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ ما فِي يدك يعني عصاه وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ- ١١٥- ما فِي أيدينا من الحبال والعصي قالَ لَهُمْ مُوسَى:
أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا الحبال والعصي سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعنى وخوفوهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ- ١١٦- وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فصارت حية فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ يعني تلقم ما يَأْفِكُونَ- ١١٧- يعني ما جاءوا به من الكذب فَوَقَعَ الْحَقُّ يعني فظهر الحق بأنه لَيْسَ بسحر وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- ١١٨- يعني بطل ما كانوا يعملون من السحر فَغُلِبُوا هُنالِكَ يعني عِنْد ذَلِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ- ١١٩- يعني فرجعوا إلى منازلهم مذلين وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ- ١٢٠- لله قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ- ١٢١- قَالَ السحرة: آمنا ب رَبِّ مُوسى وَهارُونَ- ١٢٢- فبهت فرعون لردهم عَلَيْه «٤» وقالَ فِرْعَوْنُ للسحرة آمَنْتُمْ بِهِ يعني صدقتم بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ يَقُولُ إن هَذَا الْإِيمَان لقول قلتموه فِي المدينة، يعني فِي أَهْل مصر فِي متابعتكم إياه، وذلك أن مُوسَى قَالَ للساحر الأكبر واسمه شمعون: أتؤمن لي إن غلبتك؟ قَالَ: لآتين بسحر لا يغلبه سحرك، ولئن
_________________
(١) فى أ: المنزلة، ل: فى المنزلة.
(٢) فى أ، ل: فهذا يوم السبت فى المحرم.
(٣) «قالُوا يا مُوسى»: ساقطة من أ، ومكتوبة فى حاشيتها.
(٤) فى أ: لربدهم عليه، ل: لردهم عليه.
[ ٢ / ٥٤ ]
غلبتني لأؤمن لك وفرعون ينظر. فَمنْ ثُمّ قال فرعون: لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها من أرض مصر يعني مُوسَى، وهارون، وشمعون، رئيس السحرة: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ- ١٢٣- فأوعدهم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [١٣٤ ب] يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى، أَو الرَّجُل اليمنى واليد اليسرى ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ- ١٢٤- فرد السحرة عَلَى فرعون قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ- ١٢٥- يعني راجعين وَما تَنْقِمُ يعني وما نقمت مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا يعني صدقنا باليد والعصا آيتان من ربنا لَمَّا جاءَتْنا ثُمّ قَالُوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا يعنى ألق علينا صَبْرًا عِنْد القطع والصلب وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ- ١٢٦- يعني مخلصين للَّه حَتَّى لا يردنا البلاء عن ديننا فصلبهم فرعون من يومه فكانوا أول النهار سحرة كفارا وآخر النهار شهداء مسلمين لما آمنت السحرة لموسى وَقالَ الْمَلَأُ يعني الأشراف مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ بني إِسْرَائِيل قَدْ آمنوا بموسى لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني مصر يعني بالفساد: أن يقتل أبناءكم ويستحيى نساءكم، يعني ويترك بناتكم كَمَا فعلتم بقومه يفعله بكم، نظيرها فِي حم الْمُؤْمِن، وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يعني ويترك عبادتك قالَ فرعون عِنْد ذلك سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يعنى بناتهم وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ- ١٢٧- ثُمّ أمرهم أن يقتلوا أبناء الَّذِين معه ويستحيوا «١» نساءهم فمنعهم اللَّه من قتل الأبناء حين أغرقهم «٢» فِي البحر «وكان فرعون قَدْ «٣»» كلفهم من العمل
_________________
(١) فى أ: واستحيوا.
(٢) فى أ: غرقهم.
(٣) زيادة لتصحيح الكلام.
[ ٢ / ٥٥ ]
ما لَمْ يطيقوا فمر بهم مُوسَى﵇- ف قالَ «١» لهم: مُوسى لِقَوْمِهِ فِي التقديم: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ عَلَى فرعون وقومه وَاصْبِرُوا عَلَى البلاء إِنَّ الْأَرْضَ أرض مصر لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ يعني الجنة لِلْمُتَّقِينَ- ١٢٨- يعني للموحدين. ف قالُوا أُوذِينا فِي سببك مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالرسالة يعنون الأذى قتل الأبناء وترك البنات وَأوذينا مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا بالرسالة يعنون حين كلفهم فرعون من العمل ما لَمْ يطيقوا مضارة باتباعهم مُوسَى﵇.
قال موسى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ يعني فرعون وقومه وَيَسْتَخْلِفَكُمْ من بعد هلاكهم فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ- ١٢٩- فَإِنَّمَا قَالَ لهم مُوسَى﵇- ذَلِكَ من قول اللَّه- تَعَالَى- فِي القصص: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
إلى آيتين «٢» ففعل اللَّه ذَلِكَ بهم فأهلك عدوهم واستخلفهم فِي الأرض فاتخذوا العجل وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ يعني أَهْل مصر بِالسِّنِينَ يعني قحط المطر وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ فأصابهم الجوع لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ- ١٣٠- يعني لعلهم يتذكرون فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ يعنى الخير والخصب قالُوا لَنا هذِهِ
_________________
(١) فى أ: فسر جزآ من الآية ١٢٩ الأعراف قبل الآية ١٢٨ ففسر قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا الآية (١٢٩) قبل قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا الآية ١٢٨. وقد أصلحت ذلك: حسب ترتيب المصحف الشريف.
(٢) يشير إلى الآيتين ٥، ٦ من سورة القصص وهما: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ.
[ ٢ / ٥٦ ]
يعنون نحن أحق بهذا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني الجوع والبلاء وقحط المطر، وهلاك الثمار، والمواشي، يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ على دينه تسألوا أصابنا هَذَا الشر من سحر مُوسَى يَقُولُ الله: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَقُولُ إن الَّذِي أصابهم هُوَ من اللَّه وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ [١٣٥ أ] يعني أَهْل مصر لا يَعْلَمُونَ- ١٣١- أَنَّهُ من اللَّه الَّذِي أصابهم «١» وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها يعني الآيات التسع فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ- ١٣٢- يعنى بمصدقين يعنى بأنك رسول من رب العالمين. فَأَرْسَلْنا فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ أرسل اللَّه عَلَيْهِمُ السنين، ونقص من الثمرات، والنبات والطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يعني باينات «٢» بعضها من بعض بين كُلّ آيتين ثلاثين يومًا فَاسْتَكْبَرُوا يعني فتكبروا عن الإيمان وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ- ١٣٣- فأما الطوفان فهو الماء طغى فوق حروثهم وزروعهم مطردا ثمانية أيام فِي ظلمة شديدة لا يرون فيها شمسا وَلا قمرا وَلا يَخْرُج منهم أحد إلى صنعته فخافوا الغرق فصرخوا إلى فرعون فأرسل إلى مُوسَى فَقَالَ: يا أيها الساحر، ادع لنا ربك أن يكشف عنا هَذَا المطر فَإِن يكشفه لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إِسْرَائِيل. فَقَالَ:
لا أفعل ما زعمتم أني ساحر. فقالوا: يا مُوسَى، ادع لنا ربك. فدعا ربه فكشف عَنْهُم المطر، فنبت من الزرع والعشب ما لَمْ ير مثله قطّ. فقالوا:
لقَدْ جزعنا من أمر كان خيرًا لنا. فنكثوا العهد فأرسل اللَّه عليهم الجراد ثمانية أيام، وملئت الأرض حَتَّى كانوا لا يرون الأرض من كثرته، قدر ذراع فأكل
_________________
(١) الأنسب: أن الذي أصابهم من الله. []
(٢) باينات: من البين وهو البعد أى كل آية بعيدة عن الثانية، بمقدار ثلاثين يوما.
[ ٢ / ٥٧ ]
النبات حَتَّى خافوا ألا يبقى لهم شيء. فَقَالَ فرعون: يا مُوسَى، ادع لنا ربك أن يكشف عنا، فنؤمن لك. فدعا مُوسَى ربه، فبعث اللَّه ريحا فاحتملت الجراد فألقته فِي البحر. قَالُوا: قَدْ بقي لنا ما نتبلغ به حَتَّى يدركنا الغيث فنكثوا فأرسل اللَّه عليهم القمل، وَهُوَ الدبَى، فغشي كُلّ شيء منهم، فلم يبق عودا أخضر من الزرع والنبات إِلَّا أكله. قَالَ فرعون لموسى: ادع لنا ربك أن يكشفه عنا، ونؤمن لك. فدعا ربه فأمات القمل وبقي لهم ما يتبلغون. فنكثوا، قَالُوا:
يا مُوسَى، هَلْ يستطيع ربك أن يفعل بنا أشد من هَذَا؟ فأرسل اللَّه عليهم الضفادع فدبت فِي بيوتهم وعلى ظهورهم فكان يستيقظ الرَّجُل من نومه وعليه منهم كثرة. فَقَالَ فرعون لموسى: ادع لنا ربك فيهلكه، فَإنَّهُ لَمْ يعذب أحد قطّ بالضفادع. فدعا مُوسَى ربه فأمات الضفادع، فأرسل اللَّه مطرا جوادا فجرى بهم الماء حَتَّى قذفهم فِي البحر. فقالوا: إِنَّمَا كان هَذَا الضفادع من المطر الَّذِي كان أصابنا فلن يعود إلينا أبدا، فنكثوا فأرسل اللَّه عليهم الدم حَتَّى صارت أنهارهم وركاباهم دما، وأنهار بني إِسْرَائِيل ماء عذبا، فإذا دخل القبطي ليستقي من ماء بني إِسْرَائِيل صار دما ما بين يديه وما خلفه صاف، إذا تحول ليأخذ من الصافي صار دما وخلفه صاف، فمكثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ماء صافيا، فقالوا لفرعون: هلكنا، وهلكت مواشينا [١٣٥ ب] وذرارينا من العطش. فَقَالَ لموسى: ادع لنا ربك ليكشف عنا، ونعطيك ميثاقا لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إِسْرَائِيل، فدعا مُوسَى ربه فكشفه عَنْهُمْ، ولما شربوا الماء نكثوا العهد فذلك قوله: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني العذاب الَّذِي كان نزل بهم قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ يعني هَذَا العذاب كله لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ- ١٣٤-
[ ٢ / ٥٨ ]
إلى فلسطين، يَقُولُ اللَّه «١»: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ يعنى الغرق إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ- ١٣٥- العهد الَّذِي عاهدوا عَلَيْه مُوسَى﵇- لقولهم لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إِسْرَائِيل إلى فلسطين، يَقُولُ الله: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بلسان العبرانية يعني به البحر وَهُوَ نهر بمصر بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى الآيات التسع قالوا: يا أيها الساحر، أَنْت الَّذِي تعمل هَذِهِ الآيات، وإنها سحر، وليست من اللَّه. وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ- ١٣٦- يعني معرضين فلم يتفكروا فيها فيعتبرون. قَالَ فرعون لموسى فى حم الزخرف: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ «٢» فَقَالَ: لا أدعو وأنتم تزعمون أني ساحر، فَقَالَ فِي الأعراف يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ «٣» يعنى سل لنا ربك. ثُمّ قَالَ: وَأَوْرَثْنَا الأرض الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ يعني بني إِسْرَائِيل يعني بالاستضعاف قتل الأبناء واستحياء النّساء بأرض مصر، وورثهم مَشارِقَ الْأَرْضِ المقدسة وَمَغارِبَهَا وهي الأُرْدُنّ، وفلسطين الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني بالبركة الماء، والثمار الكثيرة وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى وهي النعمة عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا حين كلفوا بأرض مصر ما لا يطيقون من استعبادهم إياهم يعني بالكلمة التي فِي القصص من قوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ إلى آيتين «٤» .
_________________
(١) فى أ: بقول الله لموسى﵇.
(٢) سورة الزخرف: ٤٩.
(٣) يشير إلى الآية السابقة وهي الآية: ١٣٤ سورة الأعراف.
(٤) يشير إلى الآيتين ٥، ٦ من سورة القصص.
[ ٢ / ٥٩ ]
وأهلك اللَّه عدوهم ومكن لهم فِي الأرض فهي الكلمة وهي النعمة التي تمت عَلَى بني إِسْرَائِيل.
وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يعني وأهلكنا عمل فرعون وقومه القبط فِي مصر وأهلكنا ما كانُوا يَعْرِشُونَ- ١٣٧- يعني يبنون من البيوت والمنازل وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ يعني النيل: نهر مصر فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ يعني فمروا عَلَى العمالقة يقيمون عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ يعبدونها فقالت بنو إِسْرَائِيل: قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ- ١٣٨- إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ يعني مدمر مَا هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٣٩- قالَ لهم مُوسَى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا يعنى ربا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ- ١٤٠- يعني عالمي أَهْل مصر حين أنجاكم وأهلكهم وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يعنى بنى إسرائيل يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني يعذبونكم أشد العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [١٣٦ أ] يعني قتل الأبناء وترك البنات وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ- ١٤١- يعني بالعظم شدة ما نزل بهم من البلاء وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً من ذِي القعدة «واعدناه» الجبل «١» وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ من ذى الحجة فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ يعني ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وكان مُوسَى ومن معه قَدْ قطعوا البحر فِي عشر «٢» من المحرم يوم عاشوراء ثُمّ أعطي التوراة يوم النحر بينهما أحد عشر شهرا وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي
_________________
(١) أى كان مكان الميعاد الجبل، وقد زدت كلمة «واعدناه» لتوضيح الكلام.
(٢) فى أ: وعشر، ل: فى عشر.
[ ٢ / ٦٠ ]
بني إِسْرَائِيل بخير حين خرج إلى الجبل وَأَصْلِحْ يعني وأرفق بهم- نظيرها فِي القصص وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ «١» يعني الرافقين بك وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ- ١٤٢- منهم وَلَمَّا جاءَ مُوسى الجبل لِمِيقاتِنا يعني لميعادنا لتمام الأربعين يومًا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فَلَمَّا سَمِع كلام ربه استحلاه واشتاق إلى رؤية ربه قالَ: يا رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ له ربه إنك لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اجعل بيني وبينك علما هُوَ أقوى منك يعني الجبل انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإن لَمْ يستقر الجبل مكانه فإنك لن تطيق رؤيتي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا يعني قطعا فصار الجبل دكا «يعني قطعا على» «٢» ستة فرق فوقع ثلاثة بأجبل مكة: بثير، وغار ثَوْر، وحزن. ووقع بالمدينة:
رضوى، وورقان، وجبل أحد، فذلك قوله جَعَلَهُ دَكًّا «٣» وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا
_________________
(١) سورة القصص: ٢٧.
(٢) زيادة من: ل.
(٣) ليس فى نص الآية ما يفيد أن الجبل صار قطعا وأنه كون ستة جبال. وخلاصة الآية: أن الله لما تجلى بعظمته وجلاله للجبل صار ترابا وصعق موسى من هول ما رأى، قال فى تفسير المنار: (وأحسن ما ورد فى التفسير المأثور لهذه الآية مطابقا لمتن اللغة ما رواه ابن جرير وابن أبى حاتم وأبو الشيخ والبيهقي فى الرؤية عن ابن عباس فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قال ترابا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا قال مغشيا عليه وقد ورد فى بعض الآثار والأحاديث المرفوعة أيضا أن الجبل ساخ أى غاص فى الأرض، وهو يتفق مع المعنى الأول، أى أنه رج بالتجلى رجا، وبست حجارته بسا، وساخ فى الأرض كله أو بعضه فى أثناء ذلك حتى صار كما قال بعضهم ربوة دكاء كالرمل المتلبد. والمعنى فلما تجلى ربه للجبل أقل التجلي وأدناه انهد وهبط من شدته وعظمته وصار كالأرض المدكوكة أو الناقة الدكاء (وهي التي لا سنام لها) . قال فى الأساس: دككته دققته، ودك الركبة كبسها، وجمل أدك وناقة دكاء: لا سنام لهما، واندك السنام: افترش على الظهر ونزلنا بدكداك: رمل متلبد بالأرض.
[ ٢ / ٦١ ]
يعني ميتا فَلَمَّا أَفاقَ يعني رد عَلَيْه نفسه قالَ موسى: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من قولي: رب أرنى أنظر إليك وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ- ١٤٣- يعني أول المصدقين بأنك لن تُرى فِي الدُّنْيَا قالَ لَهُ ربه: يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي يَقُولُ اخترتك من بني إِسْرَائِيل بالرسالة وبالكلام من غير وحى فَخُذْ ما آتَيْتُكَ بقوة يَقُولُ: ما أعطيتك من التوراة بالجد، والمواظبة عليه وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ- ١٤٤- للَّه فِي هَذِهِ النعم يعني الرسالة، والكلام من غَيْر وحي. وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ نقرا كنقش الخاتم وهي تسعة ألواح مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ: مَوْعِظَةً من الجهل وَتَفْصِيلًا يعني بيانا لِكُلِّ شَيْءٍ من الأمر، والنهي، والحد، وكتبه اللَّه﷿- بيده «١» فكتب فيها: إني أَنَا اللَّه الَّذِي لا إله إِلَّا أَنَا الرحمن الرحيم،
_________________
(١) وقرا حمزة والكسائي: «جعله دكاء» بالمد والتشديد غير منون أى أرضا مستوية كالناقة التي لا سنام لها والجمهور «جَعَلَهُ دَكًّا» بالمصدر أى مدكوكا، ومثله فى المد من سورة الكهف. - وقد سقط موسى مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة والتجلي إنما كان للجبل دونه فكيف لو كان له. ثم قال السيد رشيد رضا: «وقد روى فى تفسير هذه الآيات من الأخبار والآثار الواهية والموضوعة غرائب وعجائب أكثرها من الإسرائيليات، ومن أنكر هذه الروايات وأوهاها ما روى عن أنس مرفوعا «لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة » . وذكر أسماءها. قال الحافظ ابن كثير وهذا حديث غريب بل منكر. أقول ولا يدخل من ألفاظ الآية ولا معناها فى شيء» . تفسير المنار: ٩/ ١٢٤- ١٢٦.
(٢) عيب على مقاتل أنه أسرف فى التجسيم حتى جعل الله مثل خلقه. ففي قوله: «وكتب الله﷿- بيده» إسراف فى التجسيم يتنزه الله عن مثله. قال صاحب المنار «إسناد الكتابة إليه- تعالى- إما على معنى أن ذلك كان بقدرته- تعالى- وصنعه لا كسب لأحد فيه. وإما على معنى أنها كتبت بأمره ووحيه سواء كان الكاتب لها موسى أو الملك﵉.
[ ٢ / ٦٢ ]
لا تشركوا بي شيئًا، وَلا تقتلوا النَّفْس، وَلا تزنوا، وَلا تقطعوا السبيل، وَلا تسبوا الوالدين، ووعظهم فِي ذَلِكَ، والألواح من زمرد، وياقوت «١»» . يَقُولُ:
فَخُذْها بِقُوَّةٍ يعني التوراة بالجد والمواظبة عَلَيْه وَأْمُرْ قَوْمَكَ بني إِسْرَائِيل:
يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها يعني بأحسن ما فيها، ثُمّ قَالَ قبل ذَلِكَ لبني إِسْرَائِيل:
سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ- ١٤٥- سنة أهل مصر، فزعم ابْن عَبَّاس أن الله حين أغرق فرعون [١٣٦ ب] وقومه أوحى إلى البحر أن يقذف أجسادهم عَلَى الساحل ففعل البحر ذَلِكَ فنظر إليهم بنو إِسْرَائِيل فأراهم سنة الفاسقين، ثُمّ قَالَ: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني يعملون فيها بالمعاصي: الكبرياء والعظمة، يعني أَهْل مصر يَقُولُ: سأصرف عن التفكير فِي خلق السموات والأرض، وما بَيْنَهُمَا من الآيات: الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والرياح، والجبال، والفلك، والبحور، والشجر، والثمار، والنبات، عام بعام «٢» . يعني المتكبرين فلا يتفكرون فتكون لهم عبرة تعني لأهل مصر، ثُمّ قَالَ يعنيهم: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ يعني يروا مرة اليد، ومرة العصا، ثُمّ يرون الطوفان، ثُمّ الجراد، ثُمّ القمل، ثُمّ الضفادع،
_________________
(١) قال صاحب المنار وأما تلك الروايات الكثيرة فى جوهر الألواح ومقدارها وطولها وعرضها وكتابتها وما كتب فيها فكلها من الإسرائيليات الباطلة التي بثها فى المسلمين أمثال كعب الأحبار ووهب ابن منبه فاغتر بها بعض الصحابة والتابعين إن صحت الرواية عنهم وقد لخص السيوطي منها فى الدر المنثور ثلاث ورقات- أى ست صفحات واسعات من القطع الكبير وليس منها شيء يصح أن يسمى درة إن كان منها أن الألواح من الياقوت أو من الزمرد أو من الزبرجد كما أنها من الحجر ومن الخشب وقد أعجبنى من الحافظ ابن كثير أنه لم يذكر من تلك الروايات شيئا على سعة اطلاعه، وقد تبع فى هذا عمدته فى التفسير ابن جرير- رحمهما الله تعالى- ١٠. هـ" تفسير المنار: ٩/ ١٩٠.
(٢) هكذا فى أ، ل. []
[ ٢ / ٦٣ ]
ثُمّ الدم، ثُمّ السنين، ثُمّ الطمس، فرأوا كُلّ آية عَلَى حدة فلم يؤمنوا لا يُؤْمِنُوا بِها يعني لا يصدقون بأنها من اللَّه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ يعنى طريق الهدى لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يعني لا يتخذوه دينا فيتبعونه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يعني طريق الضلالة يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يَقُولُ اتخذوه دينا فيتبعونه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى بالآيات التسع وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ- ١٤٦- يعني معرضين وَلَم يتفكروا فيها وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ وكذبوا بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ التي أرادوا بها وجه اللَّه لأنها كَانَتْ فِي غَيْر إيمان هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٤٧- وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى بني إِسْرَائِيل مِنْ بَعْدِهِ حين انطلقوا إلى الطور مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا يعني صورة عجل جسد يَقُولُ لَيْسَ فِيهِ روح: لَهُ خُوارٌ يعني لَهُ صوت البهائم ثُمّ لَمْ يصوت غَيْر مرة واحدة أَلَمْ يَرَوْا يعني بني إِسْرَائِيل أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ يعني لا يقدر عَلَى أن يكلمهم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا يعني طريقا إلى الهدى يعني العجل اتَّخَذُوهُ العجل إلها وَكانُوا ظالِمِينَ- ١٤٨- يعني مشركين وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ندامة وندموا وَرَأَوْا وعلموا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا عن الهدى قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا يعنى ويتجاوز عنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ- ١٤٩- فِي العقوبة فلم يقبل اللَّه توبتهم إِلَّا بالقتل وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ من الجبل غَضْبانَ أَسِفًا يعني حزينا فِي صنع قومه، فِي عبادة العجل، وكان أخبره اللَّه على الطور بأمر العجل، ثُمّ قَالَ: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يقول استعجلتم
[ ٢ / ٦٤ ]
ميقات ربكم أربعين يوما وَأَلْقَى الْأَلْواحَ من عاتقه فذهب منها خمس وبقيت أربعة وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هارون يَجُرُّهُ إِلَيْهِ يعني إلى نفسه قالَ هَارُون لموسى: ابْنَ أُمَّ «١» إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ١٥٠- قالَ موسى رَبِّ اغْفِرْ لِي يعني تجاوز عني وَلِأَخِي هَارُون وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ- ١٥١- إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ [١٣٧ أ] إلها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ يعنى عذاب مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ يعنى مذلة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فصاروا مقهورين إلى يوم الْقِيَامَة. ثُمّ قَالَ: وَكَذلِكَ يعني وهكذا نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ- ١٥٢- يعني الَّذِين افتروا فزعموا أن هَذَا إلهكم: يعني العجل، وإله مُوسَى، وكان السامري جمع الحلي بعد خمسة وثلاثين يومًا من يوم فارقهم مُوسَى﵇. وكان السامري صائغا فصاغ لهم العجل فِي ثلاثة أيام، وَقَدْ علم السامري أنهم يعبدونه لقولهم لموسى﵇- قبل ذَلِكَ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فعبدوا العجل لتمام تسعة وثلاثين يومًا ثُمّ أتاهم مُوسَى من الغد لتمام الأربعين يومًا وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ يعني الشرك الَّذِين عبدوا العجل ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها أَي بعد الشرك «٢» وَآمَنُوا يعني صدقوا بِاللَّه، أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها يعني من بعد الشرك لَغَفُورٌ رَحِيمٌ- ١٥٣- بهم، قوله: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ يعنى مكن أَخَذَ الْأَلْواحَ بعد ما ألقاها وَفِي نُسْخَتِها فيما بَقِيَ منها هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب
_________________
(١) فى أ: زيادة إلى قوله «الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ولم يذكر بقية الآية.
(٢) فى أ: «ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ» الشرك.
[ ٢ / ٦٥ ]
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ- ١٥٤- يعني يخافون اللَّه، وأعطي «١» مُوسَى التوراة يوم النحر يوم الجمعة فلم يطق حملها، فسجد للَّه وَجَعَل يدعو ربه ويتضرع حَتَّى خففت عَلَيْه فحملها عَلَى عاتقه وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا من اثني عشر سبطا ستة ستة فصاروا اثنين وسبعين رَجُلا، قَالَ مُوسَى: إِنَّمَا أمرني ربي بسبعين رَجُلا فَمنْ قعد عني فلم يجيء فَلَه الجنة فقعد يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا «لِمِيقاتِنا» يعني لميعادنا يعني الأربعين يومًا فانطلق بهم فتركهم فِي أصل الجبل، فَلَمَّا نزل مُوسَى إليهم قَالُوا: أَرِنَا اللَّهَ جهرة، فأخذتهم الرجفة، يعني الموت عقوبة لما قَالُوا، وبقي مُوسَى وحده يبكي فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ ما أقول لبني إِسْرَائِيل إذا رجعت إليهم وَقَدْ أهلكت خيارهم رب: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ يعنى أمتهم «مِنْ قَبْلُ «٢»» وَإِيَّايَ معهم من قبل أن يصحبوني أَتُهْلِكُنا «٣» عقوبة بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا وظن مُوسَى﵇- أنما عوقبوا باتخاذ بني إِسْرَائِيل العجل: فهم السفهاء «٤»، فَقَالَ مُوسَى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ يعني ما هِيَ إِلَّا بلاؤك تُضِلُّ بِها بالفتنة مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي من الفتنة مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ- ١٥٥- قَالَ فلم يعبد العجل منهم إِلَّا اثنا عشر ألفا وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً يعني المغفرة وَفِي الْآخِرَةِ حسنة يعني الجنة إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ
_________________
(١) فى أ: أعطى.
(٢) ما بين القوسين «» ساقطة من أ.
(٣) فى أ: أفتهلكنا.
(٤) هكذا فى أ، ل، والمراد بقوله: فهم السفهاء، أن من اتخذ العجل إلها من بنى إسرائيل هم السفهاء.
[ ٢ / ٦٦ ]
يعني تبنا إليك قالَ اللَّه: عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ يعني ملأت كُلّ شيء، قَالَ إبليس: فأنا من كُلّ شيء.
قَالَ اللَّه- تَعَالَى-: فَسَأَكْتُبُها يعني الرحمة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ فعزل إبليس يعني للذين يوحدون ربهم وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [١٣٧ ب] يعني أمة محمدﷺ- وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ- ١٥٦- يعني بالقرآن، يصدقون أَنَّهُ من اللَّه، قَالَت اليهود: فنحن نتقي اللَّه، ونؤتي الزكاة، فعزل إبليس واليهود، ثُمّ نعتهم فَقَالَ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ عَلَى دينه يعني محمداﷺ- يعني بالأمي الَّذِي لا يقرأ الكتب، وَلا يخطها بيمينه الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعنى بالإيمان وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ يعنى الشرك وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ يعني ما حرم اللَّه من اللحوم، والشحوم، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ محمدﷺ- الْخَبائِثَ يعني الميتة، والدم، ولحم الخنزير وَيَضَعُ محمدﷺ- عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ يعني مما عهد اللَّه إليهم من تحريم اللحوم، والشحوم، ولحم كُلّ ذِي ظفر وَيضع محمدﷺ- الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ واجبة من التغليظ والتشديد، الَّذِي منه أن يقتل قاتل العمد البتة، وَلا يعفى عَنْهُ، وَلا يؤخذ منه الدية، ويقتل قاتل الخطأ إِلَّا أن يشاء وَلِي المقتول فيعفو عَنْهُ ونحوه، ولو صدقوا النَّبِيّﷺ- لوضع ذَلِكَ كله عَنْهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يعني صدقوا النَّبِيّﷺ- وَعَزَّرُوهُ يعني أعانوه عَلَى أمره وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ يعنى القرآن الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ فَمنْ فعل هَذَا ف أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ١٥٧- فَقَالَ مُوسَى عِنْد ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اجعلني
[ ٢ / ٦٧ ]
من أمة محمدﷺ- قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي الأموات وَيُمِيتُ الأحياء فَآمِنُوا يعني فصدقوا بِاللَّهِ أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ وَرَسُولِهِ «١» - ﵇- النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ يعني الَّذِي يصدق بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ، وبآياته، يعني القرآن وَاتَّبِعُوهُ يعني محمدا﵇- لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَهْتَدُونَ- ١٥٨- من الضلالة وَمِنْ قَوْمِ مُوسى يعنى بنى إسرائيل أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني عصابة يدعون إلى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ- ١٥٩- يعني الَّذِين من وراء الصين اليوم «الْقَوْمَ الَّذِينَ» «٢» أسرى بهم تحت الأرض، وأخرج لهم نهرا، من الأُرْدُن، من رمل يسمى أردق، من وراء الصين يجري كجري الماء أسرى اللَّه بهم تحت الأرض سنة ونصفا. فإذا نزول عيسى بن مريم كان معه يوشع بن نون وهم من «٣» آمن من أَهْل الكتاب.
وَقَطَّعْناهُمُ يعني فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا يعني فرقا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ فى التيه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ففعل وكان من الطور فَانْبَجَسَتْ يعني فانفجرت من الحجر مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا ماء باردا فراتا رواء بإذن اللَّه وكان الحجر خفيفا، كُلّ «٤» سِبْط من بني إِسْرَائِيل لهم عين تجري لا يخالطهم غيرهم فيها، فذلك قوله: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
_________________
(١) فى أ: وبرسوله.
(٢) فى أ: الذي، ل: القوم الذين.
(٣) الأنسب: ممن، والكلام السابق من الإسرائيليات.
(٤) فى أ: لكل.
[ ٢ / ٦٨ ]
[١٣٨ ا] يعني كُلّ سِبْط مشربهم وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ بالنهار يعني سحابة بيضاء لَيْسَ فيها ماء، تقيهم من حر الشمس وهم فِي التيه وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ يعنى الترنجبين وَالسَّلْوى طير أحمر يشبه السمان كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ يعني من حلال ما رَزَقْناكُمْ من المن والسلوى وَلا تطغوا فِيهِ يعني لا ترفعوا منه لغد فرفعوا وقددوا فدود عليهم، يَقُولُ اللَّه وَما ظَلَمُونا يعني وما ضرونا يعني وما نقصونا حين رفعوا وقددوا ودود عليهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- ١٦٠- يعنى يضرون وينقصون «١» .
««٢» وَاذكر إِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المَقْدِس وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا أمرنا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ أَيْ باب القرية سُجَّدًا سجود انحناء نَغْفِرْ بالنون والتاء مبنيا للمفعول لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ- ١٦١- بالطاعة ثوابا.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فقالوا حبة فِي شعرة ودخلوا يزحفون عَلَى استاهم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ- ١٦٢- «٣»» .
_________________
(١) سقط فى التفسير آيتان بعد هذه الآية: هما آية ١٦١، ١٦٢، وفى حاشية أ، واسألهم إلى آخر الآية ساقط ولا أعلم سببه وأظنه أحاله على ما فى سورة البقرة. للكاتب. وفى الحاشية خطأ هو أن الآية الساقطة ليست «وَسْئَلْهُمْ» وإنما الساقطة هي: «وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ » آية ١٦١ «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَظْلِمُونَ.» آية ١٦٢. وسبب السقوط هو أن آخر آية ١٦٠ كلمة «يظلمون» آخر آية ١٦٢ كلمة «يظلمون» فحدث سبق نظر للناقل فترك آية ١٦١، ١٦٢ وبدأ من آية «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ » ١٦٣.
(٢) هذه الآية ١٦١، والآية التي بعدها ١٦٢ ساقطتان من تفسير مقاتل وقد نقلتهما من تفسير الجلالين.
(٣) نهاية آية: ١٦١، ١٦٢. الساقطتين من تفسير مقاتل. وقد نقلتهما من تفسير الجلالين.
[ ٢ / ٦٩ ]
وَسْئَلْهُمْ «١» عَنِ الْقَرْيَةِ اسمها أيلة، عَلَى مسيرة يومين من البحر بين المدينة والشام مسخوا عَلَى عهد دَاوُد﵇- قردة، يعني اليهود وإنما أمر اللَّه النَّبِيّﷺ- أن يسألهم أمسخ اللَّه منكم قردة وخنازير؟
لأنهم قَالُوا: إنا أبناء اللَّه وأحباؤه وإن اللَّه لا يعذبنا فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخرة لأنا من سِبْط خليله إِبْرَاهِيم ومن سِبْط إِسْرَائِيل وَهُوَ بَكْر نبيه ومن سِبْط كليم الله موسى، ومن سبط ولده «٢» عزيز فنحن من أولادهم، فَقَالَ اللَّه لنبيهﷺ-: «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ» الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إما عذبهم اللَّه بذنوبهم، ثُمّ أخبر عن ذنوبهم فقال: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعنى يعتدون إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يعنى السمك يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا يعني شارعة من غمرة الماء إلى قريب من الحذاء يعني الشط أمنت أن يصدن «٣» وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ يعني حين لا يَكُون يوم السبت لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ يعني هكذا نَبْلُوهُمْ يعني نبتليهم بتحريم السمك فى السبت بِما كانُوا يَفْسُقُونَ- ١٦٣- جزاء مِنَّا يعني بما كانوا يعصون وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ يعني عصابة منهم وهي الظلمة للواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا وذلك أن الواعظة نهوهم عن الحيتان وخوفوهم فلم ينتبهوا فردت عليهم الواعظة قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ- ولعلهم- يعني ولكي ينتهوا فيؤخروا أَوْ يعذبوا فينجوا «٤» وَلَعَلَّهُمْ يعني ولكي يَتَّقُونَ- ١٦٤- المعاصي فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ
_________________
(١) عود إلى تفسير مقاتل. []
(٢) الضمير راجع إلى الله لأن اليهود يقولون عزير ابن الله. قاتلهم الله.
(٣) أى أمنت الحيتان أن يصدن، فلا تخاف الصيد.
(٤) هكذا فى أ، ل.
[ ٢ / ٧٠ ]
يعني فَلَمَّا تركوا ما وعظوا به من أمر الحيتان أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ يعنى المعاصي وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني وأصبنا الَّذِين ظلموا بِعَذابٍ يعني المسخ بَئِيسٍ يعنى شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ- ١٦٥- يعني يعصون فَلَمَّا عَتَوْا يعني عصوا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ من الحيتان قُلْنا لَهُمْ ليلا كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ- ١٦٦- يعنى صاغرين بعد ما أصابوا الحيتان سنين ثُمّ مسخوا قردة فعاشوا سبعة أيام ثُمّ ماتوا يوم الثامن وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني قَالَ ربك: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ يعني بني إِسْرَائِيل من يسومهم سوء العذاب فبعث اللَّه المسلمين عليهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ما دامت الدُّنْيَا مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ [١٣٨ ب] يعني يعذبهم شدة العذاب يعني القتل والجزية إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ- ١٦٧- وَقَطَّعْناهُمْ يعنى وفرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَمًا يعني فرقا يعني بني إِسْرَائِيل مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ يعنى المؤمنين وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ يعني دون الصالحين فهم الكفار وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يَقُولُ ابتليناهم بالخصب والشدة لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَرْجِعُونَ- ١٦٨- إلى التوبة فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعنى من بعد بنى إسرائيل فَخَلَفَ السوء وهم اليهود وَرِثُوا الْكِتابَ يعني ورثوا التوراة عن أوائلهم وآبائهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وهي الدُّنْيَا لأنها أدنى من الآخرة يعني الرشوة فى الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا فكانوا يرشون بالنهار ويقولون يغفر لنا بالليل وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يعني رشوة مثله ليلا يَأْخُذُوهُ ويقولون يغفر لنا بالنهار يَقُولُ اللَّه: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني بغير ما يقولون لقَدْ أَخَذَ عليهم فى التوراة أن لا يستحلوا محرما
[ ٢ / ٧١ ]
وأَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فِي التوراة وَدَرَسُوا يعني وقرءوا ما فِيهِ ما فِي التوراة وَالدَّارُ الْآخِرَةُ يعني الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ استحلال المحارم أَفَلا تَعْقِلُونَ- ١٦٩- ثُمّ ذكر مؤمنيهم فقال: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني يتمسكون بالتوراة ولا يحرفونه عن مواضعه وَلا يستحلون محرما وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ- ١٧٠- نزلت فِي ابْن سلام وأصحابه.
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ يعني وإذ رفعنا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وذلك أن مُوسَى﵇- حين أتاهم بالتوراة وجدوا فيها القتل، والرجم، والحدود، والتغليظ، أبوا أن يقبلوا التوراة، فأمر اللَّه الجبل عِنْد بيت المَقْدِس فانقطع من مكانه فقام فوق رؤوسهم، فأوحى اللَّه إلى مُوسَى أن قل لهم: إن لَمْ يقروا بالتوراة طرحت عليهم الجبل وأرضخ به رءوسهم، فَلَمَّا رأوا ذَلِكَ أقروا بالتوراة ورجع الجبل إلى مكانه، فذلك قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ يعني وأيقنوا أن الجبل واقع بهم يعني عليهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ
ما أعطيناكم من التوراة بالجد والمواظبة وَاذْكُرُوا ما فِيهِ يقول واحفظوا ما فِيهِ من أمره ونهيه لَعَلَّكُمْ يعنى لكم تَتَّقُونَ- ١٧١- المعاصي وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ يَقُولُ وَقَدْ أَخَذَ ربك من بني آدم بنعمان عِنْد عرفات من ظهورهم ذُرِّيَّتَهُمْ «١» وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ بإقرارهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «٢» أَنْت ربنا وذلك أن اللَّه﷿- مسح صفحة ظهر آدم اليمنى
_________________
(١) فى أ ٤ ذرياتهم، وقراءة حفص ذريتهم.
(٢) فى أ: قدم جزءا من الآية متأخرا ففسرها هكذا «ذريتهم ألست بربكم وأشهدهم على أنفسهم» . وصوابها «ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» .
[ ٢ / ٧٢ ]
فأخرج منه ذرِّيَّة بيضاء كهيئة الذر يتحركون ثُمّ مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرِّيَّة سوداء كهيئة الذر وهم ألف أمة قَالَ: يا آدم هَؤُلاءِ ذريتك أخذنا «١» ميثاقهم [١٣٩ ا] عَلَى أن يعبدوني، وَلا يشركوا بي شيئًا، وعليَّ رزقهم. قَالَ آدم: «نعم» «٢» يا رب «فلما أخرجهم» «٣» قال الله «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ. قالُوا: «بَلى» شَهِدْنا أنك ربنا، قَالَ اللَّه للملائكة: اشهدوا عليهم بالإقرار قَالَت الملائكة قَدْ شهدنا «٤» . يَقُولُ اللَّه في الدُّنْيَا لكفار العرب من هَذِهِ الأمة: أَنْ تَقُولُوا «٥» يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا الميثاق الَّذِي أَخَذَ علينا غافِلِينَ- ١٧٢- وأشهدهم عَلَى أنفسهم أَوْ «٦» تَقُولُوا لئلا تقولوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا ونقضوا الميثاق مِنْ قَبْلُ شركنا، ولئلا تقولوا وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم وبهداهم، لئلا تقولوا أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ- ١٧٣- يعني أفتعذبنا بما فعل المبطلون يعني المكذبين بالتوحيد يعنون آباءهم كقوله «٧»: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ «٨» ثم أفاضهم إفاضة القدح فقال
_________________
(١) فى أ: أخذ، ل: أخذنا.
(٢) من: ل.
(٣) من: ل، وليست فى أ.
(٤) «شهدنا» هذه فوقها خط فى أ. ومعناها أنها قرآن، ويترتب على ذلك أن كلمة شهدنا فى الآية من شهادة الملائكة- وهو خطأ. وقد أصلحت الخطأ ووضعت كلمة شهدنا العائدة على ذرية آدم بين قوسين، فتكون هي القرآن. وتكون الشهادة شهادة الذرية لا شهادة الملائكة.
(٥) فى أ: لأن لا تقولوا.
(٦) فى أ: لئلا وفوقها أو.
(٧) فى أ: وقوله، ل: كقوله.
(٨) سورة الزخرف: ٢٣.
[ ٢ / ٧٣ ]
للبيض: هَؤُلاءِ فِي الجنة برحمتي فهم أصحاب اليمين وأصحاب الميمنة. وقَالَ للسود: هَؤُلاءِ للنار وَلا أبالي فهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثُمّ أعادهم جميعًا فِي صلب آدم﵇. فأهل القبور محبوسون حَتَّى يَخْرُج اللَّه أَهْل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النّساء ثُمّ تقوم الساعة فذلك قوله:
لَقَدْ أَحْصاهُمْ يوم الْقِيَامَة وَعَدَّهُمْ عَدًّا «١» فَمنْ مات منهم صغيرا فَلَه الجنة بمعرفته بربه ومن بلغ منهم العقل أَخَذَ أيضا ميثاقه بمعرفته «لِرَبِّهِ» «٢» والطاعة لَهُ فَمنْ لَمْ يؤمن إذا بلغ العقل لم يغن عَنْهُ «٣» الميثاق الأول شيئًا وكان العهد والميثاق الأول حجة عليهم. وقَالَ فيمن نقض العهد الأول: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ يعني من وفاء يعني أكثر وَلَد آدم ﵇ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ «٤» يعنى لعاصين. وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني هكذا نبين الآيات فِي أمر الميثاق وَلَعَلَّهُمْ يعني لكي يَرْجِعُونَ- ١٧٤- إلى التوبة وَاتْلُ عَلَيْهِمْ يعني أَهْل مكة نَبَأَ يعني حديث الَّذِي آتَيْناهُ «آياتِنا» «٥» يعني أعطيناه الاسم الأعظم يعني بلعام بن باعورا «٦» بن ماث ابن حراز بن آزر من أَهْل عمان وهي البلقاء التي كان فيها الجبارون بالشام فَإِنَّمَا سميت البلقاء من أجل أن «٧» أن ملكها رَجُل اسمه بالق وذلك أن الملك واسمه بانوس
_________________
(١) سورة مريم: ٩٤، وهي لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. []
(٢) «لربه» من ل.
(٣) فى أ: عليه، ل: عنه.
(٤) سورة الأعراف: ١٠٢.
(٥) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
(٦) فى أ: بعون، وفى حاشية أ: باعورا.
(٧) فى الأصل: أنه.
[ ٢ / ٧٤ ]
ابن ستشروث قَالَ لبلعام: ادع عَلَى مُوسَى. فَقَالَ بلعام: إنَّه من أَهْل دين لا ينبغي أن يدعَى عَلَيْه. فأمر الملك أن تنحت «١» خشبة ليصلبه «٢» عَلَيْهَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خرج على أنان لَهُ ليدعو عَلَى مُوسَى﵇- فَلَمَّا عاين عسكره قامت به الأتان فضربها، فقالت الأتان: لَم تضربني، وهذه نار تتوقد قَدْ منعتني، أن أمشي فارجع. فرجع، فأخبر الملك، فَقَالَ لَهُ الملك: إما أن تدعو «٣»، وإما أن أصلبك فدعا عَلَى مُوسَى﵇- باسم اللَّه الأعظم ألا يدخل المدينة، فاستجاب اللَّه لَهُ فبلغ مُوسَى﵇- فدعا اللَّه أن ينزع ذَلِكَ الاسم منه «٤» فنزع منه الاسم الأعظم، فذلك قوله [١٣٩ ب]: فَانْسَلَخَ مِنْها فنزعها اللَّه منه يعني الآيات فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ- ١٧٥- يعنى من الضالين وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ فِي الآخرة بِها بما علمناه من آياتنا يعني الاسم الأعظم فِي الدُّنْيَا وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يعنى رضى بالدنيا وركن إليها وَاتَّبَعَ هَواهُ أَي هوى الملك مَعَ هواه فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ بنفسك ودابتك «٥» تطرده يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ فلا تحمل عَلَيْه شيء يَلْهَثْ إذا أصابه الحر. فهذا مثل الكافر إن وعظته، فهو ضال، وإن تركته، فهو ضال، مثل بلعام والكفار يعني كفار مكة «ذلِكَ» «٦» مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن فَاقْصُصِ الْقَصَصَ يعني القرآن عليهم لَعَلَّهُمْ
_________________
(١) فى أ: ينحت.
(٢) فى أ: يصلبه.
(٣) أى على موسى.
(٤) فى أ: عنه.
(٥) فى أ: ودابتك، وفى الجلالين «إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ» بالطرد والزجر (يلهث) يدلع لسانه.
(٦) «ذلك» ساقطة من: ا، ل.
[ ٢ / ٧٥ ]
يعني لكي يَتَفَكَّرُونَ- ١٧٦- فِي أمثال اللَّه فيعتبروا فيؤمنوا، ثُمّ قَالَ:
ساءَ يعني بئس مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى القرآن يعنى كفارة مكة وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ- ١٧٧- يعني أنفسهم ضروا بتكذيبهم القرآن مَنْ يَهْدِ اللَّهُ لدينه فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ عن دينه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ- ١٧٨- يعنيهم، ثُمّ قَالَ: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ «١» لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها لقَولِ اللَّه: خَتَمَ «اللَّهُ» «٢» عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «٣» فلم تَفْقَه قلوبهم، وَلَم تبصر أعينهم، وَلَم تسمع آذانهم الْإِيمَان، ثُمّ ضرب مثلا فَقَالَ: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ يأكلون، ويشربون، وَلا يلتفتون إلى الآخرة. كَمَا تأكل الأنعام لَيْسَ للأنعام همة غَيْر الأكل والشرب والسفاد «٤» فهي لا تسمع، وَلا تعقل، كذلك الكفار، ثُمّ قَالَ: بَلْ هُمْ يعني كفار مكة أَضَلُّ يعني أضل سبيلا يعني الطريق من الأنعام، ثُمّ قَالَ: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ- ١٧٩- لأن «٥» الأنعام تعرف ربها، وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم، وَلا يوحدونه وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وذلك أن رَجُلا دعا اللَّه فِي الصَّلاة ودعا الرَّحْمَن، فَقَالَ رَجُل من مشركي مكة وَهُوَ أَبُو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين. فأنزل اللَّه:
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني الرَّحْمَن، الرحيم، الملك، القدوس، السَّلام، الْمُؤْمِن،
_________________
(١) فى أ: إلى قوله: آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها.
(٢) «الله» ساقط من: ا، ل. []
(٣) سورة البقرة الآية: ٧ وتمامها وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
(٤) فى أ: السعار.
(٥) فى أ: أن، وفى حاشية أ: إذ، محمد.
[ ٢ / ٧٦ ]
المهيمن، الْعَزِيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، ونحوها.
يَقُولُ: فَادْعُوهُ بِها
فدعا النَّبِيّﷺ- الرَّجُل فَقَالَ:
ادع اللَّه، وادع الرَّحْمَن، ورغما «١» لأنف المشركين فإنك ما دعوت من هَذِهِ الأسماء فَلَه «٢» الأسماء الحسنى.
قال «٣»: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ يعني يميلون فِي أسمائه عن الحق فيسمون الآلهة: اللات، والعزى، وهبل، ونحوها.
وأساف، ونائلة، فمنعهم اللَّه أن يسموا شيئًا من آلهتهم باسم اللَّه ثُمّ قَالَ:
سَيُجْزَوْنَ العذاب فِي الآخرة مَا كانُوا «٤» يَعْمَلُونَ- ١٨٠- وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني عصبة يدعون إِلَى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ- ١٨١-
فَقَالَ النَّبِيّﷺ-: هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أعطى اللَّه مُوسَى﵇-[١٤٠ ا] مثلها
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ- ١٨٢- يعني سنأخذهم بالعذاب من حيث يجهلون نزلت فِي المستهزئين من قريش وَأُمْلِي لَهُمْ يعني لا أعجل عليهم بالعذاب إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ- ١٨٣- يعني إن أخذي شديد قتلهم اللَّه فِي ليلة واحدة.
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني النَّبِيّﷺ- يعني من جنون، وذلك
أن النَّبِيّﷺ- صعد الصفا ليلا فدعا قريشا إلى عبادة اللَّه﷿- قَالَ: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
_________________
(١) فى أ: ورغم، ل: ورغما.
(٢) فى أ: فلله، ل: فله.
(٣) فى أ: فقال، ل: قال.
(٤) فى أ: بما كانوا.
[ ٢ / ٧٧ ]
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ- ١٨٤- يعني ما محمد إِلَّا رسول بيّن، ثُمّ وعظهم ليعتبروا فِي صنيعه فيوحدوه، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ من الآيات التي فيها، فيعتبروا أن الَّذِي خلق ما ترون لرب واحد لا شريك لَهُ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ يعنى يكون قد دنا هلاكهم ببدر فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أَي بعد هَذَا القرآن يُؤْمِنُونَ- ١٨٥- يعني يصدقون مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ- ١٨٦- يعنى فى ضلالتهم يترددون يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ وذلك أن كفار قريش سألوا النَّبِيّﷺ- عن الساعة أَيَّانَ مُرْساها يعني مَتَى حينها قُلْ لهم إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي وما لي بها من علم لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها يعني لا يكشفها إِلَّا هُوَ إذا جاءت ثُمّ أخبر عن شأنها فَقَالَ:
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَقُولُ ثقل عَلَى من فيهما علمها لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يعنى فجأة ثم قال: يَسْئَلُونَكَ عنها «١» فى التقديم كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها يقول كأنك قد استحفيت عنها السؤال حَتَّى علمتها قُلْ وما لي بها من علم إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- ١٨٧- يعني أكثر أَهْل مكة لا يعلمون أنها كائنة قُلْ لهم يا محمد: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا يَقُولُ لا أقدر عَلَى أن أسوق إليها خيرًا، وَلا أدفع عَنْهَا ضرا، يعني سوءا حين ينزل بي فكيف أملك علم الساعة، ثم قال: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فيصيبني ذلك وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ يعنى أعلم غيب الضر والنفع
_________________
(١) فى أ: «يسألونك عنها» وليس فى المصحف «عنها»، فجعلتها أ: قرآنا. وقد نقلتها إلى التفسير.
[ ٢ / ٧٨ ]
إذا جاء لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ يعنى من النفع وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يعني ما أصابني الضر إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ من النار وَبَشِيرٌ بالجنة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ١٨٨- يعني يصدقون قوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني من نفس آدم﵇- وحده وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها «لِيَسْكُنَ إِلَيْها» «١» يعني خلق من ضلع آدم زَوْجَه «٢» حواء، يوم الجمعة وَهُوَ نائم، فاستيقظ آدم وهي عِنْد رأسه فَقَالَ لها: من أَنْت؟ فقالت بالسريانية: أَنَا امرأة. فَقَالَ آدم: فلم خلقت؟
قَالَتْ: لتسكن إليّ. وكان وحده فِي الجنة، قَالَت الملائكة: يا آدم ما اسمها؟
قَالَ: حواء، لأنها خلقت من حي، وسمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض كلها، من العذبة، والسبخة من الطينة السوداء، والبيضاء، والحمراء، كذلك نسله طيب وخبيث، وأبيض، وأسود، وأحمر، فذلك قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها يعني جامعها آدم حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا هان عَلَيْهَا الحمل فَمَرَّتْ بِهِ يعني استمرت به بالولد يَقُولُ: تقوم، وتقعد، وتلعب «٣»، وَلا تكترث، فأتاها إبليس وغير صورته واسمه الْحَارِث فَقَالَ: يا حواء لعل الَّذِي فِي بطنك بهيمة فقالت:
ما أدري ثُمّ انصرف عَنْهَا فَلَمَّا أَثْقَلَتْ يَقُولُ: فَلَمَّا أثقل الولد فِي بطنها رجع إبليس إليها الثانية فَقَالَ: كيف نجدك يا حواء؟ وهي لا تعرفه قَالَتْ: إني أخاف أن يَكُون فِي جوفي الَّذِي خوفتني به. ما أستطيع القيام إذا قعدت. قَالَ:
أفرأيت إن دعوت اللَّه فجعله إنسانا مثلك ومثل آدم. أتسمينه بي؟ قَالَتْ: نعم ثُمّ انصرف عَنْهَا. فقالت لآدم﵇-: لقَدْ أتاني آت فزعم أن الَّذِي فِي بطني بهيمة وإني لأجد لَهُ ثقلا وَقَدْ خفت أن يَكُون مثل ما قَالَ: فلم يكن
_________________
(١) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
(٢) فى أ: زوجها.
(٣) فى أ، ل، م: تعلب.
[ ٢ / ٧٩ ]
لآدم وحواء هَمٌّ غَيْر الَّذِي فِي بطنها فجعلا يدعوان اللَّه «دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما» «١» لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا يَقُولان: لئن أعطيتنا هَذَا الولد سويا صَالِح الخلق لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ- ١٨٩- فى هذه النعمة فولدت سويا صالحا فجاءها إبليس وهي لا تعرفه فَقَالَ: لم لا تسميه بي كَمَا وعدتني. قَالَتْ: عَبْد الحرث فكذبها. فسمته عَبْد الْحَارِث فرضي به آدم، فمات الولد. فذلك قوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا يعني أعطاهما الولد صَالِح الخلق جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني إبليس شريكا فِي الاسم سمته عَبْد الْحَارِث «٢» فكان الشرك فِي الطاعة من غَيْر عبادة وَلَم يَكُنْ شركا فِي عبادة ربهم ثم انقطع الكلام، فذكر كفار مكة فرجع إلى أول الآية فقال الله:
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ- ١٩٠- يَقُولُ ارتفع عظمة اللَّه عما يشرك مشركو مكة ثُمّ قَالَ: أَيُشْرِكُونَ الآلهة مَعَ اللَّه يعني: اللات، والعزى، ومناة، والآلهة. مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا ذبابا وَلا غيره وَهُمْ يُخْلَقُونَ- ١٩١- يعني الآلهة يعني يصنعونها بأيديهم، وينحتونها فهي لا تخلق شيئًا ثُمّ قَالَ: وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا يَقُولُ لا تقدر الآلهة منع السوء إذا نزل بمن يعبدها من كفار مكة وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ- ١٩٢- يَقُولُ وَلا تمنع الآلهة من أراد بها سوءا فكيف تعبدون من هَذِهِ منزلته وتتركون عبادة ربكم ثُمّ قَالَ- للنَّبِيّ ﷺ-: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ يعني كفار مكة إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ يعني النبيﷺ- وحده سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ إلى الهدى أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ- ١٩٣- يعني ساكتون يعني النَّبِيّﷺ- لأنهم لا يتبعوكم ثُمّ أخبر عن الآلهة [١٤١ ا] فقال قل لكفار مكة:
_________________
(١) ما بين الأقواس «» ساقط من أ، ل.
(٢) فى اعبد الحرث.
[ ٢ / ٨٠ ]
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ يعني تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة إنهم عِبادٌ أَمْثالُكُمْ وليسوا بآلهة فَادْعُوهُمْ يعني فاسألوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ بأنهم آلهة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ١٩٤- بأنها آلهة ثُمّ أخبر عن الآلهة فَقَالَ:
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ «١» يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ثُمّ قَالَ لكفار مكة: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعنى الآلهة ثُمَّ كِيدُونِ أنتم الآلهة جميعًا «٢» بشر فَلا تُنْظِرُونِ- ١٩٥- إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ يعنى القرآن وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ- ١٩٦- ثُمّ قَالَ لكفار مكة: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ يعني يعبدون مِنْ دُونِهِ من الآلهة لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ يقدر الآلهة منع السوء إذا نزل بكم وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ- ١٩٧- يَقُولُ وَلا تمنع الآلهة من أرادها بسوء ثم قال للنبيﷺ-: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني كفار مكة لا يَسْمَعُوا الهدى وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ- ١٩٨- الهدى قوله: خُذِ الْعَفْوَ يَقُولُ للنبيﷺ-:
خُذْ ما أعطوك من الصدقة وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ يعني بالمعروف وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ- ١٩٩- يعني أبا جهل حين جهل عَلَى النَّبِيّﷺ- فنسخت العفو «٣» الآية التي فى براءة آية الصدقات «٤» .
_________________
(١) فى أ: «أَلَهُمْ أَرْجُلٌ » إلى قوله: « يَسْمَعُونَ بِها» . []
(٢) فى: (جميعا) على أنها قرآن.
(٣) المراد بالعفو الصدقة.
(٤) المراد بالصدقات هنا الزكاة، وهو يشير الى الآية ٦٠ من سورة التوبة وتمامها: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ولا نسخ هنا فالزكاة فريضة والصدقة سنة ولا تعارض بينهما. ويحتمل أن يكون الإشارة إلى الآية ١٠٣ من سورة التوبة وهي خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها الآية.
[ ٢ / ٨١ ]
ونسخ الإعراض آية السيف «١» قوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ يعني وإما يفتننك من الشَّيْطَان فتنة فِي أمر أَبِي جهل فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ بالاستعاذة عَلِيمٌ- ٢٠٠- بها- نظيرها فِي حم السجدة «٢» -.
ثُمّ وعظ النَّبِيّﷺ- فِي أمر أَبِي جهل فأخبر عن مصير المؤمنين والكفار فقال: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ- ٢٠١- يَقُولُ إن المتقين إذا أصابهم نزغ من الشَّيْطَان تذكروا وعرفوا أنها معصية ففزعوا منها من مخافة اللَّه ثُمّ ذكر الكافر فَقَالَ: وَإِخْوانُهُمْ يعني وأصحابهم يعني إخوان كفار مكة هم الشياطين فى التقديم يَمُدُّونَهُمْ يعنى يلجونهم فِي الغَيِّ يعني الشرك والضلالة والمعاصي ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ- ٢٠٢- عَنْهَا وَلا يبصرونها كَمَا قصر المتقون عَنْهَا حين أبصروها وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ يعني بحديث من القرآن، وذلك حين أبطأ التنزيل بمكة قالُوا «٣» قَالَ «٤» كفار مكة: لَوْلا اجْتَبَيْتَها يعنى هلا
_________________
(١) مفهوم النسخ كما هو عند الأصوليين غير متحقق هنا أيضا، فقد كان الإعراض فى مرحلة والسيف فى مرحلة أخرى. لكن مقاتلا فى ذلك صنو عصره فقد كانوا يطلقون النسخ على كل تقييد أو تخصيص.. حتى سمى الاستثناء نسخا. كان آية السيف حددت الإعراض بوقت معين، فنسخته فى إطلاق القدماء. أما النسخ عند الأصوليين فهو إزالة الشارع حكما شرعيا سابقا بحكم شرعي لاحق بحيث لا يمكن الجمع بينهما. وهو غير منطبق على ما ذكره مقاتل.
(٢) يشير الآية ٢٦ من سورة حم السجدة (فصلت) وتمامها: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
(٣) (قالوا) ليست فى ا.
(٤) فى أ: فقال.
[ ٢ / ٨٢ ]
ابتدعتها من تلقاء نفسك يا محمد لقولهم: - ائت بقرآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بدله- من تلقاء نفسك قُلْ لكفار مكة: إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي إذا أمرت بأمر اتبعته هَذَا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يعني برهان يعني هَذَا القرآن بيان من ربكم وَالقرآن هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٢٠٣- يعني يصدقون بأن القرآن من اللَّه وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ «١» فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ- ٢٠٤- وَاذْكُرْ رَبَّكَ يعنى بالذكر القراءة [١٤١ ب] فى الصلاة فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا مستكينا وَخِيفَةً يعني وخوفا من عذابه وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ يعني دون العلانية بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني بالغداة والعشى وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ- ٢٠٥- عن القراءة فِي الصَّلاة إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ من الملائكة، وذلك حين قَالَ كفار مكة: «وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا» «٢» واستكبروا عن السجود، فأخبر اللَّه أن الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ يعني لا يتكبرون عَنْ عِبادَتِهِ كفعل كفار مكة وأخبر عن الملائكة فَقَالَ: وَيُسَبِّحُونَهُ يعني يذكرون ربهم وَلَهُ يَسْجُدُونَ- ٢٠٦- يَقُولُ يصلون.
_________________
(١) أ: «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ » إلى قوله: « تُرْحَمُونَ» .
(٢) سورة الفرقان الآية ٦٠ وتمامها: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا» .
[ ٢ / ٨٣ ]