بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)
[ ٢ / ٨٧ ]
[سورة الأنفال] مدنية كلها غير آية واحدة «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا » الآية «١» .
وهي خمس وسبعون آية كوفية «٢»
_________________
(١) الآية ٣٠ من سورة الأنفال وتمامها: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» . وفى المصحف: سورة الأنفال مدنية إلا من آية ٣٠ إلى آية ٣٦ فمكية وآياتها ٧٥ آية نزلت بعد سورة البقرة. وفى كتاب بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي ص ٢٢٢: اعلم أن هذه السورة مدنية بالإجماع وعدد آياتها خمس وسبعون عند الكوفيين. وعدد كلماتها (١١٩٥) كلمة.
(٢) أهداف سورة الأنفال ومقاصدها مقصود سورة الأنفال مجملا هو: قطع الأطماع الفاسدة من الغنيمة التي هي حق لله ورسوله ومدح الخائفين وقت سماع القرآن والإشارة إلى ابتداء حرب بدر وإمداد الله- تعالى- صحابة نبيه بالملائكة المقربين والنهى عن الفرار عند الزحف، ووصية الله المؤمنين بالثبات فى صف القتال، وأمر المؤمنين بإجابة الله ورسوله، والتحذير من الفتنة والنهى عن خيانة الله ورسوله، وذكر مكر كفار مكة فى حق النبيﷺ- وتجاسر قوم منهم باستعجال العذاب، وذكر إضاعة نفقاتهم فى الضلال والباطل، وبيان قسمة الغنائم وتلاقى عسكر الإسلام وعسكر المشركين. وذم المنافقين فى خذلانهم لأهل الإيمان ونكال ناقضي العهد، ليعتبر بهم آخرون، والميل إلى الصلح عند الدعوة إليه، والمن على المؤمنين بتأليف قلوبهم وبيان عدد عسكر الإسلام، وعسكر الشرك وحكم أسرى بدر ونصرة المعاهدين لأهل الإسلام وتخصيص الأقارب وذوى الأرحام بالميراث فى قوله: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ » إلى آخر السورة. فواصل آيات سورة الأنفال: (ن د م ق ط ر ب) . يجمعها ندم قطرب. تفسير مقاتل- ٧
[ ٢ / ٩٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ وذلك
أن رسول اللهﷺ- قال يوم بدر: إن الله وعدني النصر أو الغنيمة، فمن قتل قتيلا، أو أسر أسيرا» فله من عسكرهم كذا وكذا، إن شاء الله، ومن جاء برأس فله غرة فلما تواقعوا «١» انهزم المشركون وأتباعهم «٢» سرعان الناس فجاءوا بسبعين أسيرا وقتلوا سبعين رجلا، فقال أبو اليسر الأنصاري: أعطنا ما وعدتنا من الغنيمة. وكان قتل رجلين وأسر رجلين العباس بن عبد المطلب، وأبا عزة بن عمير بن هشام بن عبد الدار، وكان معه لواء المشركين يوم بدر، قال سعد بن عبادة الأنصاري- من بنى ساعدة- للنبيﷺ-: ما مَنَعَنا أن نطلب المشركين كما طلب هؤلاء زهادةٌ فى الآخرة ولا جبنا عن العدو «٣» ولكن خفنا أن نعري «٤» صفك فتعطف عليك خيل المشركين أو رجالاتهم فتصاب «٥» بمصيبة، فإن تعط «٦» هؤلاء ما ذكرت لهم لم يبق لسائر أصحابك كبير شيء، فأنزل الله﷿-: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ»
يعني النافلة التي وعدتهم يعني أبا اليسر اسمه كعب بن عمرو-
_________________
(١) فى أ: توافقوا، ل: تواقعوا.
(٢) فى أ: واتبعوهم.
(٣) فى أ: عدوه، ل: العدو. []
(٤) فى أ: نغرر، ل: نعرى.
(٥) فى أ: فنصاب، ل: فتصاب.
(٦) فى أ: تعطى.
[ ٢ / ٩٩ ]
الأنصاري من بني سلمة بن جشم بن مالك، ومالك بن دخشم الأنصاري- من بني عوف بن الخزرج، فأنزل الله﷿-: قُلِ لهم يا محمد:
الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ «١» يقول: ليرد بعضكم على بعض الغنيمة وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى أمر الصلح إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ١- يعنى مصدقين بالتوحيد، فأصلحوا، ثم نعتهم فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ في أمر الصلح زادَتْهُمْ إِيمانًا يعني تصديقا مع إيمانهم مع تصديقهم بما أنزل الله عليهم قبل ذلك من القرآن وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ- ٢- يعنى وبه يثقون [١٤٢ أ]، ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني يتمون الصلاة:
ركوعها، وسجودها في مواقيتها. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال يُنْفِقُونَ- ٣- في طاعة ربهم أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لا شك في إيمانهم كشك المنافقين لَهُمْ بذلك دَرَجاتٌ يعني فضائل عِنْدَ رَبِّهِمْ في الآخرة في الجنة وَمَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ- ٤- يعني حسن في الجنة.
فلما نزلت هؤلاء الآيات قالوا: سمعنا وأطعنا لرسول اللهﷺ- فلم تقسم الغنيمة حتى رجع رسول اللهﷺ- إلى المدينة فقسم بينهم بالسوية ورفع الخمس منه، قوله: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وذلك
أن عير كفار قريش جاءت من الشام تريد مكة فيها أبو سفيان بن حرب، وعمرو بن العاص، وعمرو بن هشام، ومخرمة بن نوفل الزهري، في العير فبلغهم أن رسول اللهﷺ- يريدهم
_________________
(١) ورد ذلك فى أسباب النزول للسيوطي: ١٠٤، ١٠٥، كما ورد فى أسباب النزول للواحدي: ١٣٢.
[ ٢ / ١٠٠ ]
فبعثوا عمرو بن ضمضم الغفاري إلى مكة مستغيثا فخرجت قريش، وبعث «١» النبيﷺ- عدي بن أبي الزغفاء عينا على العير ليعلم أمرهم، ونزل جبريل﵇- فأخبر النبيﷺ- بعير أهل مكة فقال النبيﷺ- لأصحابه: «إن الله يعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما النصر والغنيمة، فما ترون؟» فأشاروا عليه بل نسير إلى العير وكرهوا القتال، وقالوا: إنا لم نأخذ أهبة القتال وإنما نفرنا إلى العير. ثم أعاد النبيﷺ- المشورة: فأشاروا عليه بالعير. فقال سعد بن عبادة الأنصاري: يا رسول الله، انظر أمرك فامض له فو الله لو سرت بنا إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار. ففرح النبيﷺ- حتى عرف السرور في وجهه فقال المقداد بن الأسود الكندي: إنا معك. فضحك النبيﷺ-، وقال لهم: معروفا. فأنزل الله﷿- «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ» «٢»
وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ- ٥- للقتال، فلذلك «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» في أمر الغنيمة، فيها تقديم، ثم قال: يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ- ٦- وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ العير أو هزيمة المشركين وعسكرهم «٣» «أَنَّها لَكُمْ» وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ
_________________
(١) فى أ: فبعث.
(٢) فى أ: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ » إلى قوله « لَكارِهُونَ»، وقد ورد ما ذكره مقاتل فى أسباب النزول للسيوطي: ١٠٥.
(٣) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
[ ٢ / ١٠١ ]
يعني العير «تَكُونُ لَكُمْ «١»» وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ يقول يحقق الإسلام بما أنزل إليك وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ- ٧- يعني أصل الكافرين ببدر لِيُحِقَّ الْحَقَّ يعني الإسلام وَيُبْطِلَ الْباطِلَ يعني الشرك يعني عبادة الشيطان «وَلَوْ «٢»» كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ- ٨- يعنى كفار مكة، قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ وذلك
أن النبيﷺ- لما رأى «٣» المشركين يوم بدر وعلم أنه لا قوة له بهم إلا بالله «٤» دعا ربه [١٤٢ ب] فقال: اللهم إنك أمرتنى بالقتال ووعدتني النصر وإنك لا تخلف الميعاد. فاستجاب له ربه، فأنزل الله «إذ يستغيثون»
في النصر فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ يوم بدر مُرْدِفِينَ- ٩- يعني متتابعين كقوله في المؤمنين: «رُسُلَنا تَتْرا» «٥» وقوله: «طَيْرًا أَبابِيلَ» «٦» وقوله:
«يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا» «٧» يعني متتابع قطرها، فنزل جبريل﵇- في ألف من الملائكة، فقام جبريل﵇- فى خمسمائة ملك عن ميمنة الناس معهم أبو بكر، ونزل ميكائيل﵇- فى خمسمائة على ميسرة
_________________
(١) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
(٢) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
(٣) فى أ: زرا.
(٤) ورد ذلك فى لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي: ١٠٦.
(٥) سورة المؤمنون: ٤٤.
(٦) سورة الفيل: ٣.
(٧) سورة هود: ٥٢. []
[ ٢ / ١٠٢ ]
الناس، معهم عمر في صور الرجال عليهم البياض وعمائم البيض قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم فقاتلت الملائكة يوم بدر «١» .
ولم يقاتلوا يوم الأحزاب، ولا يوم خيبر، ثم قال: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ يعني مدد الملائكة إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ يعني لتسكن إليه قلوبكم وَمَا النَّصْرُ وليس النصر إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وليس النصر بقلة العدد ولا بكثرته.
ولكن النصر من عند الله إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٢» - ١٠- «عزيز» يعني منيع «حكيم» في أمره حكم النصر. وقوله: إِذْ يُغَشِّيكُمُ «٣» النُّعاسَ وذلك أن كفار مكة سبقوا النبيﷺ- إلى ماء بدر، فخلفوا «٤» الماء وراء ظهورهم، ونزل المسلمون حيالهم على غير ماء، وبينهم وبين عدوهم بطن واد فيه رمل، فمكث المسلمون يوما وليلة يصلون محدثين مجنبين، فأتاهم إبليس- لعنه الله- فقال لهم: أليس قد زعمتم أنكم أولياء الله على دينه، وقد غلبتم على الماء تصلون على غير طهور وما يمنع القوم من قتالكم إلا ما أنتم فيه من العطش والبلاء، حتى إذا انقطعت رقابكم من العطش قاموا إليكم فلا يبصر بعضكم بعضا، فيقرنونكم بالحبال فيقتلون منكم من شاءوا، ثم ينطلقون بكم إلى مكة، فحزن المسلمون وخافوا «٥» وامتنع منهم النوم، فعلم الله ما في قلوب المؤمنين من الحزن،
_________________
(١) ذهب أستاذنا الدكتور مصطفى زيد فى كتابه «تفسير سورة الأنفال» إلى أن نزول الملائكة فى غزوة بدر كان لتثبيت المؤمنين وتكثير سوادهم، وإرهاب الكافرين وإلقاء الرعب فى قلوبهم واستبعد أن يكون قتالهم قتالا حسيا.
(٢) فى أ: العزيز الحكيم. وفى حاشية أ: الآية التي هنا «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» .
(٣) فى أ: إذ يغشاكم.
(٤) خلفوا الماء وراء ظهورهم: أى جعل الكفار الماء خلفهم حتى لا يستطيع المسلمون الوصول إليه، وبذلك يهلكهم العطش.
(٥) فى أ: فخافوا.
[ ٢ / ١٠٣ ]
فألقى الله عليهم النعاس أمنة من الله ليذهب همهم، وأرسل السماء عليهم ليلا فأمطرت مطرا جوادا حتى سالت الأودية، وملؤوا الأسقية، وسقوا الإبل، واتخذوا الحياض، واشتدت الرملة، وكانت تأخذ إلى كعبي الرجال وكانت «بماعة» «١» المؤمنين رجال لم يكن معهم إلا فارسان: المقداد بن الأسود، وأبو مرثد الغنوي، وكان معهم ستة أدرع «٢»، فأنزل الله «إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ» أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ من الأحداث، والجنابة وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ يعني الوسوسة التي ألقاها في قلوبكم والحزن وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ بالإيمان من تخويف الشيطان وَيُثَبِّتَ بِهِ يعني بالمطر الْأَقْدامَ- ١١- «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ» «٣» ولما صف القوم أوحى الله﷿- إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا فبشروا الَّذِينَ آمَنُوا بالنصر فكان الملك في صورة بشر في الصف الأول فيقول أبشروا فإنكم كثير وعددهم قليل فالله ناصركم [١٤٣ أ] . فيرى الناس أنه منهم، ثم قال: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بتوحيد الله﷿- يوم بدر، ثم علمهم كيف يصنعون فقال: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ يعني الرقاب تقول العرب لأضربن فوق رأسك يعني الرقاب وَاضْرِبُوا بالسيف مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ- ١٢- يعنى الأطراف لِكَ
الذي نزل بهم أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
يعنى عادوا الله ورسوله مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ
يعنى ومن يعاد الله
_________________
(١) فى أ: وكانت المؤمنين رجال، وبما أن المؤمنين اسم كان فيجب أن يكون مرفوعا فوجوده منصوبا أو مخفوضا دليل على أن مضافا كان هنا وسقط فزدت كلمة «جماعة» ليستقيم الكلام.
(٢) فى أ: أدع، أهـ: وأدرع جمع درع.
(٣) ساقطة من أ.
[ ٢ / ١٠٤ ]
رَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
- ١٣- إذا عاقب ذلِكُمْ القتل فَذُوقُوهُ يوم بدر في الدنيا ثم قال: وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ بتوحيد الله﷿- مع القتل، وضرب الملائكة الوجوه، والأدبار أيضا- لهم في الآخرة عَذابَ النَّارِ- ١٤- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله﷿- يوم بدر زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ- ١٥- وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ يعني مستطردا يريد الكرة للقتال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ يقول أو ينحاز إلى صف «١» النبيﷺ- فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يقول فقد استوجب من الله الغضب وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ يعني ومصيره جهنم وَبِئْسَ الْمَصِيرُ- ١٦- فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ يعنى ما قتلتموهم وذلك أن الرجل من المؤمنين كان يقول: فعلت وقتلت فنزلت «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ» وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وذلك
أن النبيﷺ- حين صاف «٢» المشركين، دعا بثلاث قبضات من حصى الوادي، ورمله، فناوله علي بن أبي طالب فرمى بها في وجوه العدو «٣» وقال: اللهم ارعب «٤» قلوبهم، وزلزل أقدامهم، فملأ الله وجوههم وأبصارهم من الرمية فانهزموا عند الرمية «٥» الثالثة وتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم «٦»،
فذلك قوله:
_________________
(١) فى أ: الصف.
(٢) هكذا فى أ، ل، م: والمواد وقف أمام صفوف المشركين.
(٣) فى أ: العدو، ل: القوم.
(٤) فى أ: ارعب، ل: أرعد.
(٥) فى أ: فانهزموا من الرمية، وفى ل: فانهزموا عند الرمية.
(٦) ورد ذلك فى أسباب النزول للواحدي: ١٣٣، وفى لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي: ١٠٦. []
[ ٢ / ١٠٥ ]
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا يعني القتل والأسر إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لدعاء النبيﷺ- عَلِيمٌ- ١٧- به ذلِكُمْ النصر وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ يعني مضعف كَيْدِ الْكافِرِينَ
- ١٨- إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وذلك أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت في المنام، كأن فارسا دخل المسجد الحرام، فنادى: يا آل فهو من قريش انفروا في ليلة أو ليلتين، ثم صعد فوق الكعبة، فنادى «١» مثلها، ثم صعد أبا قبيس فنادى مثلها. ثم نقض صخرة من الجبل فرفعها المنادى فضرب بها الجبل فانفلقت فلم يبق بيت «٢» بمكة إلا دخلت قطعة منه فيه فلما أصبحت أخبرت أخاها العباس وجلا «٣» وعنده أبو جهل بن هشام فقال أبو جهل: يا آل قريش ألا تعذرونا من بني عبد المطلب، إنهم لا يرضون أن تنبأ رجالهم حتى تنبأت نساؤهم، ثم قال أبو جهل للعباس: تنبأت رجالكم وتنبأت «٤» نساؤكم والله لتنتهن، وأوعدهم «٥»، فقال العباس: إن شئتم ناجزناكم الساعة [١٤٣ ب] . فلما قدم ضمضم بن عمرو الغفاري قال: أدركوا العير أولا، تدركوا. فعمد أبو جهل وأصحابه فأخذوا بأستار الكعبة، ثم قال أبو جهل:
اللهم انصر أعلى الجندين «٦» وأكرم القبيلتين. ثم خرجوا على كل صعب وذلول ليعينوا
_________________
(١) فى أ: ثم صعد فوق الكعبة فنادى، وفى ل: ثم صعد فوق الكعبة فنادى مثلها.
(٢) فى أ: بيتا، ل: بيت.
(٣) فى ل: رجلا، أ، م: وجلا.
(٤) فى أ: حتى تنبأت، ل: وتنبأت.
(٥) فى أ: ما وعده، ل: فأوعدهم.
(٦) فى أ: اللهم انصرنا على الجندين، وقد أصلحته من كتاب أسباب النزول للواحدي: ١٣٤. وقد ورد نحوه فى كتاب لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي.
[ ٢ / ١٠٦ ]
أبا سفيان فترك أبو سفيان الطريق وأغز «١» على ساحل البحر فقدم مكة وسبق أبو جهل النَّبِيُّﷺ- وَمَنْ مَعَهُ من المشركين إلى ماء بدر، فلما التقوا قال أبو جهل: اللهم اقض بيننا وبين محمد «٢»، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك فانصره. ففعل الله﷿- ذلك، وهزم المشركين، وقتلهم، ونصر المؤمنين فأنزل الله في قول أبي جهل: «إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ» يقول إن تستنصروا فقد جاءكم النصر فقد نصرت من قلتم «٣» وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من القتال وَإِنْ تَعُودُوا لقتالهم نَعُدْ عليكم بالقتل والهزيمة بما فعلنا ببدر وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا يعني جماعتكم شيئا وَلَوْ كَثُرَتْ فئتكم وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ- ١٩- فى النصر لهم قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله﷿- أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى أمر الغنيمة وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ يعني ولا تعرضوا عنه يعني أمر الرسولﷺ- وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ- ٢٠- المواعظ ثم وعظ المؤمنين فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا الإيمان وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ- ٢١- يعني المنافقين ثم قال:
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ عن الإيمان الْبُكْمُ يعني الخرس لا يتكلمون بالإيمان ولا يعقلون الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ- ٢٢- يعني ابن عبد الدار بن قصي، وأبو الحارث «٤» بن علقمة، وطلحة بن عثمان، وعثمان، وشافع، وأبو الجلاس،
_________________
(١) فى أ: وأخذ، ل: وأحز: أى أمعن السير وأسرع فيه من على ساحل البحر، وأغز على ساحل البحر بمعنى أسرع السير أيضا.
(٢) فى أ: زيادة (ﷺ) وليس ذلك فى: ل.
(٣) فى أ: قاتلتم، ل: قلتم.
(٤) فى أ: الحرث.
[ ٢ / ١٠٧ ]
وأبو سعد، والحارث «١»، والقاسط بن شريح، وأرطاة بن شرحبيل، ثم أخبر عنهم فقال: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ يعني لأعطاهم الإيمان وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ يقول ولو أعطاهم الإيمان لَتَوَلَّوْا يقول لأعرضوا عنه وَهُمْ مُعْرِضُونَ- ٢٣- لما سبق لهم في علم الله من الشقاء وفيهم نزلت «وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً » إلى آخر الآية «٢» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ في الطاعة في أمر القتال إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ يعني الحرب التي وعدكم الله يقول: أحياكم بعد الذل، وقواكم بعد الضعف فكان ذلك لكم حياة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يقول يحول بين قلب المؤمن، وبين الكفر وبين قلب الكافر وبين الإيمان «وَأَنَّهُ» «٣» إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- ٢٤- في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم وَاتَّقُوا فِتْنَةً تكون من بعدكم، يحذركم «الله» «٤»، تكون مع علي بن أبي طالب لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً فقد أصابتهم يوم الجمل منهم طلحة، والزبير، ثم حذرهم فقال:
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ- ٢٥-[١٤٤ أ] إذا عاقب ثم ذكرهم النعم فقال: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ يعنى المهاجرين خاصة مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ يعني أهل مكة تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ يعني كفار مكة نزلت هذه الآية بعد قتال بدر يقول فَآواكُمْ إلى المدينة والأنصار وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ يعني وقواكم بنصره يوم بدر وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
_________________
(١) فى أ: والحرث.
(٢) الآية ٣٥ من سورة الأنفال وتمامها: «وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ، بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» .
(٣) فى أ: «وَأَنَّكُمْ» .
(٤) من ل. []
[ ٢ / ١٠٨ ]
يعني الحلال من الرزق وغنيمة بدر لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَشْكُرُونَ- ٢٦- ربكم فِي هَذِهِ النعم التي ذكرها فى هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ يعني أبا لبابة وفيه نزلت هذه الآية «١» نظيرها فى المتحرم «٢» «فَخانَتاهُما» يعني فخالفتاهما في الدين ولم يكن في الفرج، واسمه «٣» مروان ابن عبد المنذر الأنصاري من بني عمرو بن عوف وذلك أن النبيﷺ- حاصر يهود قريظة، إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح على مثل صلح أهل النضير على أن يسيروا إلى إخوتهم إلى أذرعات، وأريحا في أرض الشام، وأبى النبيﷺ- أن ينزلوا إلا على الحكم فأبوا، وقالوا «٤» أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحهم وهو حليف لهم فبعثه النبيﷺ- إليهم فلما أتاهم قالوا: يا أبا لبابة أننزل على حكم محمدﷺ- فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: إنه الذبح فلا تنزلوا على الحكم. فأطاعوه، وكان أبو لبابة وولده معهم فغش المسلمين، وخان فنزلت في أبي لبابة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ» وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ٢٧- أنها خيانة، ثم حذرهم فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
_________________
(١) وردت قصة هذه الآية فى أسباب النزول للواحدي، وفى لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي، وكلاهما متفق مع ما أورده مقاتل هنا.
(٢) يقصد سورة التحريم الآية ١٠ وتمامها «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ» .
(٣) أى اسم أبى لبابة.
(٤) فى أ: فقالوا.
[ ٢ / ١٠٩ ]
يعني بلاء لأنه ما نصحهم إلا من أجل «١» ماله وولده لأنه كان في أيديهم «٢» وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ
يعنى جزاء عَظِيمٌ
- ٢٨- يعنى الجنة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ فلا تعصوه يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا يعني مخرجا من الشبهات وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني ويمحو «٣» عنكم خطاياكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ يقول ويتجاوز عنكم وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ- ٢٩- وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذلك أن نفرا من قريش منهم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وهشام بن عمرو وأبو البختري بن هشام، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبى معيط، عيينة بن حصن الفزاري، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأبي بن خلف، اجتمعوا في دار الندوة بمكة يوم وهو يوم السبت ليمكروا بالنبيﷺ- فأتاهم إبليس في صورة رجل شيخ كبير فجلس معهم. فقالوا: ما أدخلك في جماعتنا بغير إذننا.
قال: إنما أنا رجل من أهل نجد، ولست من أهل تهامة، قدمت مكة فرأيتكم حسنة وجوهكم، طيبة ريحكم، نقية ثيابكم، فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأستر عليكم، فإن كرهتم مجلسي [١٤٤ ب] خرجت من عندكم. فقالوا: هذا رجل من أهل نجد، وليس من أهل تهامة فلا بأس عليكم منه، فتعملوا بالمكر بمحمد «٤» فقال أبو البختري بن هشام من بني أسد بن عبد العزى: أما أنا «فرأيى» «٥»
_________________
(١) فى أ: من أجل، وفى حاشية أ: يحتمل: ما تصحهم إلا من أجل.
(٢) ورد فى أسباب النزول للواحدي: ١٣٤ وفى لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي: ١٠٧. سبب نزول هذه الآية وهو كما ذكره مقاتل.
(٣) فى أ: ويمحا.
(٤) فى أ: زيادة ﷺ، وليس ذلك فى ل.
(٥) ساقطة من أ، ومثبتة فى ل.
[ ٢ / ١١٠ ]
أن تأخذوا محمدا فتجعلوه في بيت، وتسدوا بابه، وتدعوا له، كوة، يدخل منها طعامه وشرابه حتى يموت، قال إبليس: بئس والله الرأي رأيتم تعمدون إلى رجل له فيكم صغو قد سمع به من حولكم فتحبسونه، فتطعمونه، وتسقونه، فيوشك الصغو الذي له فيكم أن يقاتلكم عليه فيفسد جماعتكم ويسفك دماءكم فقالوا: صدق والله الشيخ.
فقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي: أما أنا فرأيي أن تحملوا محمدا «١» على بعير فيخرج من أرضكم فيذهب حيث شاء ويليه غيركم قال: إبليس بئس والله الرأي رأيتم تعمدون إلى رجل قد شتت وأفسد جماعتكم واتبعه منكم طائفة فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم كما أفسدكم فيوشك والله أن يقبل بهم عليكم ويتولى الصغو «٢»
الذي له فيكم، قالوا صدق والله الشيخ.
فقال أبو جهل بن هشام المخزومي: أما أنا فرأيي أن تعمدوا إلى كل بطن من قريش فتأخذوا من كل بطن رجلا ثم تعطوا كل رجل منهم سيفا فيضربونه جميعا بأسيافهم فلا يدري قومه من يأخذون به وتؤدي قريش ديته «٣» قال: إبليس صدق والله الشاب، إن الأمر لكما قال فتفرقوا على قول أبي جهل فنزل جبريل﵇- فأخبره بما ائتمر به القوم وأمره بالخروج فخروج النبيﷺ- من ليلته إلى الغار وأنزل الله﷿- «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا» «٤» من قريش لِيُثْبِتُوكَ يعني ليحبسوك في بيت يعنى أبا البختري
_________________
(١) فى أ: محمدا ﷺ، فى ل: محمدا.
(٢) المراد به من يصغون إلى كلامه ويتبعون دينه وهم المسلمون بمكة.
(٣) أى أن قريشا تشترك جميعها فى دفع دية محمد إلى بنى عبد مناف.
(٤) جاء فى كتاب لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي: ١٠٨ اما ذكوه مقاتل بتمامه فى قوله- تعالى-: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا » الآية.
[ ٢ / ١١١ ]
ابن هشام أَوْ يَقْتُلُوكَ يعني أبا جهل أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة يعنى به هشام ابن عمرو وَيَمْكُرُونَ بالنبيﷺ- الشر وَيَمْكُرُ اللَّهُ بهم حين أخرجهم من مكة فقتلهم ببدر فذلك قوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ- ٣٠- أفضل مكرا منهم وأنزل الله «أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا» يقول أم أجمعوا على أمر «فَإِنَّا مُبْرِمُونَ» «١» يقول لنخرجنهم إلى بدر فنقتلهم أو نعجل أرواحهم إلى النار قوله:
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا يعني القرآن قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا القرآن، قال ذلك النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار بن قصي. ثم قال: إِنْ هذا الذي يقول محمد من القرآن: إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ- ٣١- يعني أحاديث الأولين يعني محمداﷺ- يحدث عن الأمم الخالية، وأنا أحدثكم عن رستم، وأسفندباز، كما يحدث محمد «٢» فقال: عثمان ابن مظعون الجمحي: اتق الله يا نضر فإن محمدا يقول الحق، قال: وأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدا يقول: لا إله إلا الله. قال: وأنا أقول لا إله إلا الله. [١٤٥ أ] ولكن الملائكة بنات الرحمن «٣» فأنزل الله ﷿ في- حم الزخرف- فقال: «قُلْ» يا محمد «إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ» «٤» أول الموحدين من أهل مكة فقال عند ذلك: ألا ترون قد صدقني «٥» - إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ قال الوليد بن المغيرة: لا والله ما صدقك ولكنه قال:
_________________
(١) سورة الزخرف: ٧٩. []
(٢) فى أ: محمد ﷺ، ل. محمد.
(٣) ورد ذلك لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي، ١٠٩.
(٤) سورة الزخرف آية: ٨١.
(٥) فى أ: صدقتم.
[ ٢ / ١١٢ ]
ما كان للرحمن «١» ولد ففطن لها النضر فقال: «وَإِذْ قالُوا» «٢» اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا ما يقول محمد هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ يعني القرآن فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ- ٣٢- يعني وجيع فأنزل الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ يعني أن يعذبهم وَأَنْتَ فِيهِمْ بين أظهرهم حتى يخرجك عنهم كما أخرجت الأنبياء عن قومهم وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ- ٣٣- يعني يصلون لله كقوله: «وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» «٣» يعني يصلون، وذلك أن نفرا من بني عبد الدار قالوا: إنا نصلي عند البيت فلم يكن الله ليعذبنا ونحن نصلي، له ثم قال: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ إذ لم يكن نبى ولا مؤمن بعد ما خرج النبيﷺ- إلى المدينة من أهل مكة وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ المؤمنين وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ يعني أولياء الله إِنْ أَوْلِياؤُهُ يعني ما أولياء الله إِلَّا الْمُتَّقُونَ الشرك يعني المؤمنين أصحاب النبيﷺ- وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ- ٣٤- يقول أكثر أهل مكة لا يعلمون توحيد الله﷿- وأنزل الله﷿- في قول النضر أيضا حين قال: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» يعنى وجيع. «أنزل «٤»»
_________________
(١) أراد النضر أن يجعل إن شرطية. فقال له الوليد بن المغيرة إنها نافية بمعن «ما كان للرحمن ولد فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ لله» .
(٢) «وَإِذْ قالُوا»: ساقطة من أ، ل.
(٣) سورة الذاريات: ١٨.
(٤) زيارة لتوضيح المعنى: لأن المعنى أنزل الله فى قول النضر: «اللهم »، «سَأَلَ سائِلٌ » . تفسير مقاتل-
[ ٢ / ١١٣ ]
«سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ » إلى آيات منها «١» . ثم أخبر عن صلاتهم عند البيت فقال: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ يعني عند الكعبة الحرام إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً يعني بالتصدية الصفير والتصفية، وذلك أن النبيﷺ- كان إذا صلى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار ابن قصي من المشركين عن يمين النبيﷺ- فيصفران كما يصفر المكاء، يعني به طيرا اسمه المكاء، ورجلان عن يسار النبيﷺ- فيصفقان بأيديهما ليخلطا على النبيﷺ- صلاته وقراءته فقتلهم الله ببدر هؤلاء الأربعة ولهم يقول الله ولبقية بنى عبد الدار:
فَذُوقُوا الْعَذابَ يعني القتل ببدر بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ- ٣٥- بتوحيد الله﷿- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ وذلك أن رؤوس كفار قريش استأجروا رجالا من قبائل العرب أعوانا لهم على قتال النبيﷺ- فأطعموا أصحابهم كل يوم عشر جزائر «٢» ويوما تسعة «٣» . فنزلت:
«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ» لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الله فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يعني ندامة ثُمَّ يُغْلَبُونَ يقول تكون عليهم أموالهم التي أنفقوها ندامة على إنفاقهم ثم يهزمون [١٤٥ ب] ثم أخبر بمنزلتهم في الآخرة فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله إِلى جَهَنَّمَ
_________________
(١) يشير إلى الآيات الأولى من سورة المعارج وهي «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ، مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا» الآيات من ١- ٧ سورة المعارج.
(٢) جمع جزور، ويجمع جزور على جزر أيضا.
(٣) وفى أ: ويوم تسعة، ل: ويوما تسعة، والمقصود أن كفار مكة كانوا يطعمون الجيش يوما عشر جزر ويوما تسعة جزر.
[ ٢ / ١١٤ ]
في الآخرة يُحْشَرُونَ- ٣٦- لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ يعني يميز الكافر من المؤمن ثم قال: وَيَجْعَلَ في الآخرة الْخَبِيثَ أنفسهم بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ- ٣٧- يعني المطعمين في غزوة بدر أبا جهل والحارث ابنا هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبا البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، والحكم بن حزام «١»، وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث «٢» ابن عامر بن نوفل. كلهم من قريش قُلْ يا محمد: لِلَّذِينَ كَفَرُوا بالتوحيد إِنْ يَنْتَهُوا عن الشرك ويتوبوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ من شركهم قبل الإسلام وَإِنْ يَعُودُوا لقتال النبيﷺ- ولم يتوبوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ- ٣٨- يعني القتل ببدر فحذرهم العقوبة لئلا يعودوا فيصيبهم مثل ما أصابهم ببدر، ثم قال للمؤمنين: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ يعني شركا ويوحدوا ربهم وَيَكُونَ يعني ويقوم الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ولا يعبد غيره فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك فوحدوا ربهم فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- ٣٩- وَإِنْ تَوَلَّوْا يقول وإن أبوا أن يتوبوا من الشرك فَاعْلَمُوا يا معشر المؤمنين أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ يعني وليكم نِعْمَ الْمَوْلى حين نصركم وَنِعْمَ النَّصِيرُ- ٤٠- يعني ونعم النصير لكم.
كما نصركم ببدر وكانت وقعة بدر ليلة الجمعة في سبع عشرة ليلة «٣» خلت من
_________________
(١) فى أ: وحكم بن حزام.
(٢) فى أ: والحرث.
(٣) فى أ: فى سبعة عشر ليلة. []
[ ٢ / ١١٥ ]
رمضان. وكانت وقعة أحد في عشر ليال «١» خلت من شوال يوم السبت بينهما سنة. وَاعْلَمُوا يخبر المؤمنين أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ يوم بدر فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى يعني قرابة النبيﷺ- وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ يعني الضيف نازل عليك إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ «بِاللَّهِ» «٢» يعني «٣» صدقتم بتوحيد الله وصدقتم ب «وَما «٤»» أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا من القرآن يَوْمَ الْفُرْقانِ يعني يوم النصر فرق بين الحق والباطل فنصر النبيﷺ- وهزم المشركين ببدر يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يعني جمع النبيﷺ- ببدر وجمع المشركين فأقروا الحكم لله في أمر الغنيمة والخمس وأصلحوا ذات بينكم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ٤١- يعني قادر فيما حكم من الغنيمة والخمس ثم أخبر المؤمنين عن حالهم التي كانوا عليها فقال: أرأيتم معشر المؤمنين إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا يعني من دون الوادي على شاطئ «٥» مما يلي المدينة وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى من الجانب الآخر مما يلي مكة يعني مشركي مكة فقال: وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعنى على ساحل البحر أصحاب العير أربعين راكبا أقبلوا من الشام إلى مكة فيهم أبو سفيان، وعمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل، وعمرو بن هشام: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ [١٤٦ أ] أنتم والمشركون لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ الله
_________________
(١) فى أ: عشرة ليلة، ل: عشر ليلة.
(٢) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
(٣) فى أ: زيادة يعنى.
(٤) فى أ: بما.
(٥) هكذا: أ، ل. ولعل أصلها على شاطئ الماء.
[ ٢ / ١١٦ ]
جمع بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد أنتم ومشركو مكة لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا في علمه كانَ مَفْعُولًا يقول: أمرا لا بد كائنا ليعز الإسلام وأهله، ويذل الشرك وأهله لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى بالإيمان مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ- ٤٢- إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ يا محمد في التقديم فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وذلك أن النبيﷺ- رأى في المنام أن العدو قليل قبل أن يلتقوا فأخبر النبيﷺ- أصحابه بما رأى، فقالوا «١»:
رؤيا النبيﷺ- حق والقوم قليل فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين الناس، لتصديق رؤيا النبيﷺ- ثم قال: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا حين عاينتموهم لَفَشِلْتُمْ يعني لجبنتم وتركتم الصف وَلَتَنازَعْتُمْ يعني واختلفتم فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ يقول أتم المسلمون أمرهم على عدوهم فهزموهم ببدر إِنَّهُ الله عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- ٤٣- عليم بما في قلوب المؤمنين من أمر عدوهم وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ يا معشر المسلمين فِي أَعْيُنِهِمْ يعني في أعين المشركين وذلك حين التقوا ببدر قلل الله العدو في أعين المؤمنين وقلل المؤمنين في أعين المشركين ليجترئ بعضهم على بعض فى القتال لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا في علمه كانَ مَفْعُولًا ليقضي الله أمرا لا بد كائنا ليعز الإسلام بالنصر ويذل أهل الشرك بالقتل والهزيمة وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ- ٤٤- يقول مصير الخلائق إلى الله﷿- فلما رأى عدو الله- أبو جهل- قلة المؤمنين ببدر قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم فكذبه الله﷿-
_________________
(١) فى أ: قالوا.
[ ٢ / ١١٧ ]
وقتله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله﷿- إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً يعني كفار مكة ببدر فَاثْبُتُوا لهم وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ يعنى لكي تُفْلِحُونَ- ٤٥- وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما أمركم به في أمر القتال وَلا تَنازَعُوا يقول ولا تختلفوا عند القتال فَتَفْشَلُوا يعني فتجبنوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ يعني الصبا
لأن النبيﷺ- قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»
وَاصْبِرُوا لقتال عدوكم إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ- ٤٦- يعني في النصر للمؤمنين على الكافرين بذنوبهم وبعملهم، ثم وعظ المؤمنين فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ ليذكروا بمسيرهم يعني ابن أمية، وابن المغيرة المخزومي، وذلك أنهم كانوا رءوس المشركين في غزوهم بدر فقال أبو جهل حين نجت العير وسارت إلى مكة فأشاروا عليه بالرجعة قال «١»: لا نرجع حتى ننزل على بدر فننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان «٢»، فتسمع العرب بمسيرنا.
فذلك قوله [١٤٦ ب] «بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ» ليذكروا بمسيرهم وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول ويمنعون أهل مكة عن دين الإسلام وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ- ٤٧- أحاط علمه بأعمالهم وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وذلك أنه بلغهم أن العير قد نجت فأرادوا الرجوع إلى مكة فأتاهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكناني من بني مدلج بن الحارث «٣» . فقال: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم فإنكم كثير وعدوكم
_________________
(١) فى أ: فقال.
(٢) فى أ: القبائل، ل: القيان.
(٣) فى أ: الحرث، ل: الحارث.
[ ٢ / ١١٨ ]
قليل فتأمن عيركم ويسير «١» ضعيفكم وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ على بني كنانة أنكم لا تمرون بحي منهم إلا أمدكم بالخيل، والسلاح، والرجال، فأطاعوه ومضوا إلى بدر لما أراد الله من هلاكهم فلما التقوا نزلت ملائكة ببدر مدد للمؤمنين عليهم جبريل﵇- ولما رأى إبليس ذلك نكص على عقبيه يقول استأخر وراءه، فذلك قوله فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ فئة المشركين نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ يقول استأخر وراءه وعلم أنه لا طاقة له بالملائكة فأخذ الحارث بن هشام بيده، فقال: يا سراقة على هذا الحال تخذلنا؟ وَقالَ «٢» إبليس: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ فقال الحارث: والله ما نرى إلا خفافيش يثرب. فقال إبليس: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ- ٤٨- وكذب عدو الله ما كان به الخوف ولكن خذلهم عند الشدة فقال الحارث لإبليس، وهو في صورة سراقة: فهلا كان هذا أمس. فدفع إبليس في صدر الحارث فوقع الحارث وذهب إبليس هاربا فلما انهزم المشركون قالوا: انهزم بالناس سراقة وهو بعض الصف. فلما بلغ سراقة سار إلى مكة، فقال: بلغني أنكم تزعمون بأنى انهزمت بالناس فو الذي يحلف به ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم. قالوا له:
ما أتيتنا يوم كذا وكذا ويوم كذا وكذا. فحلف بالله لهم أنه لم يفعل فلما أسلموا علموا أنما ذلك الشيطان إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني الكفر نزلت في قيس بن الفاكه ولم يتجمع جمع قط منذ يوم كانت الهزيمة أكثر من يوم بدر وذلك أن إبليس جاء بنفسه وجاء كل شيطان موكل بالدنيا إلا شيطان موكل بآدمي، وكفار الجن كلهم، وسبعمائة من المشركين عليهم
_________________
(١) فى أ: ويسسل، ل: وسبيل، م: ويسأل.
(٢) فى أ: فقال.
[ ٢ / ١١٩ ]
أبو جهل بن هشام وكان قبل ذلك في ألف رجل فرد منهم أبي بن شريق ثلاثمائة من بني زهرة، وذلك أن أبي بن شريق خلا بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم أكذاب محمدﷺ-؟ فقال: والله ما يكذب محمدﷺ- على الناس، فكيف يكذب على الله وكان يسمى قبل النبوة الأمين لأنه لم يكذب قط. فقال أبو جهل: ولكن إذا كانت السقاية في بني عبد مناف والحجابة والمشورة والولاية حتى النبوة أيضا. فلما سمع أبي بن شريق قول أبي جهل [١٤٧ أ]: إن محمدا لم يكذب، رد أصحابه عن قتال محمد﵇- فخنس فسمي الأخنس بن شريق لأنه خنس بثلاثمائة «١» رجل من بني زهرة يوم بدر عن قتال محمد﵇- وبقي سبعمائة «٢» عليهم أبو جهل ابن هشام، والنبيﷺ- يومئذ فى ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وسبعين من مؤمني الجن وألف من الملائكة عليهم جبريل﵇-، فكان جبريل على خمسمائة على ميمنة الناس وميكائيل على خمسمائة في ميسرة الناس ولم تقاتل الملائكة قتالا قط إلا يوم بدر وكانوا يومئذ على صور الرجال وعلى قوة الرجال على خيول بلق وكان جبريل﵇- يسير أمام صف المسلمين، ويقول: أبشروا فإن النصر لكم وما يرى المسلمون إلا أنه رجل منهم «إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» يعني الكفر نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، والعلاء بن أمية بن خلف الجمحي، وعمرو بن أمية ابن سفيان بن أمية، كان هؤلاء المسلمون بمكة ثم أقاموا بمكة مع المشركين
_________________
(١) فى ل: بثلاثمائة.
(٢) فى أ، ل: سبع مائة.
[ ٢ / ١٢٠ ]
فلم يهاجروا إلى المدينة فلما خرج كفار مكة إلى قتال بدر خرج هؤلاء النفر معهم فلما عاينوا قلة المؤمنين شكوا في دينهم وارتابوا فقالوا: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ يعنون أصحاب محمدﷺ- يقول الله﷿-:
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يعني المؤمنين، يعني يثق به في النصر فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ يعني منيع في ملكه حَكِيمٌ- ٤٩- في أمره حكم النصر فلما قتل هؤلاء النفر من المشركين ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فذلك قوله﷿-:
وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وحده يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ في الدنيا، ثم انقطع الكلام فلما كان يوم القيامة دخلوا النار، تقول لهم خزنة جهنم وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ- ٥٠- ذلِكَ العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من الكفر والتكذيب وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ- ٥١- يقول ليس يعذبهم على غير ذنب ثم نعتهم فقال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ يقول كأشباه آل فرعون في التكذيب والجحود وَكأشباه الَّذِينَ «مِنْ قَبْلِهِمْ» «١» أي من قبل فرعون وقومه من الأمم الخالية قوم نوح، وعاد، وثمود، وإبراهيم، وقوم شعيب، كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني بعذاب الله بأنه ليس بنازل بهم في الدنيا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ يعني فأهلكهم الله بِذُنُوبِهِمْ يعني بالكفر والتكذيب إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ في أمره حين عذبهم شَدِيدُ الْعِقابِ- ٥٢- إذا عاقب ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ على أهل مكة أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، ثم بعث فيهم محمدا رسوله [١٤٧ ب]- ﷺ-، فهذه النعمة التي غيروها فلم يعرفوا ربها فغير الله ما بهم من النعم
_________________
(١) فى أ: «من قبل»، وفى حاشية أ: الآية «قبلهم» . []
[ ٢ / ١٢١ ]
فذلك قوله: حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ- ٥٣- ثم قال:
كَدَأْبِ يعني كأشباه آلِ فِرْعَوْنَ وقومه في الهلاك ببدر وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني الذين قبل آل فرعون من الأمم الخالية كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني بعذاب ربهم في الدنيا بأنه غير نازل بهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يقول:
فعذبناهم بذنوبهم في الدنيا وبكفرهم وبتكذيبهم وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ يعني آل فرعون والأمم الخالية الذين كذبوا في الدنيا كانُوا ظالِمِينَ- ٥٤- يعني مشركين إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني بتوحيد الله فَهُمْ يعني بأنهم لا يُؤْمِنُونَ- ٥٥- وهم يهود قريظة فمنهم حيى ابن أخطب اليهودي، وإخوته، ومالك بن الضيف، ثم أخبر عنهم فقال:
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ يا محمد ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وذلك أن اليهود نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبيﷺ- وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال النبيﷺ- وأصحابه ثم يقولون نسينا وأخطأنا، ثم يعاهدهم الثانية فينقضون العهد فذلك قوله:
«ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ» يعني «فِي كُلِّ «١»» عام مرة وَهُمْ لا يَتَّقُونَ- ٥٦- نقض العهد فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ يقول فإن أدركتهم في الحرب يعني القتال فأسرتهم فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ يقول نكل بهم لمن بعدهم من العدو وأهل عهدك لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ- ٥٧- يقول لكي يذكروا النكال فلا ينقضون العهد، ثم قال: وَإِمَّا تَخافَنَّ يقول وإن تخافن «٢» مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً يعني بالخيانة نقض العهد فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ
_________________
(١) «فِي كُلِّ»: زيادة من ل، وليست فى أ.
(٢) فى ل: «وإن ما تخافن»، أ: «وإن تخافن» .
[ ٢ / ١٢٢ ]
يقول على أمر بين فارم إليهم بعهدهم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ- ٥٨- يعنى اليهود وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله يعني كفار العرب سَبَقُوا سابقي الله بأعمالهم الخبيثة إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ- ٥٩- يقول إنهم لن يفوقوا الله بأعمالهم الخبيثة حتى يعاقبهم الله بما يقولون، ثم قال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ يعني السلاح وهو الرمي وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ يعني كفار العرب وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ يقول لا تعرفهم يا محمد، يقول وترهبون فيما استعددتم «١» به آخرين من دون كفار العرب يعني اليهود لا تعرفهم يا محمد اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ يقول الله يعرفهم يعني اليهود، ثم قال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ من أمر السلاح والخيل «فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٢»» يُوَفَّ إِلَيْكُمْ يقول يوفر لكم ثواب النفقة وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ- ٦٠- يقول وأنتم لا تنقصون يوم القيامة، ثم ذكر يهود قريظة، فقال: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ «لَها» «٣» [١٤٨ أ] يقول إن أرادوا الصلح فأرده، ثم نسختها الآية التي فى سورة محمدﷺ-: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ «٤» ثم قال للنبيﷺ-: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يقول وثق بالله فإنه معك في النصر إن نقضوا الصلح إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما أرادوا من الصلح الْعَلِيمُ- ٦١- به، ثم قال وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ
_________________
(١) فى أ: استعدتم.
(٢) ما بين القوسين «» من الأصل.
(٣) «لها»: ساقطة من الأصل.
(٤) سورة محمد: ٣٥، وتمامها « وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ» والحق أن القول بالنسخ هنا تجن على روح القرآن ودعواته المتكررة إلى الصلح وإجارة المستجير وقبول السلم عند الدعوة إليه. وعلى هذا فآية «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها» محكمة وليست بمنسوخة.
[ ٢ / ١٢٣ ]
يا محمد بالصلح لتكف عنهم حتى إذا «جاء «١»» مشركو العرب أعانوهم عليك يعني يهود قريظة فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ يعنى هو الذي قواك بِنَصْرِهِ يعنى بجبريل «٢» - ﵇- وبمن معه وَبِالْمُؤْمِنِينَ- ٦٢- من الأنصار يوم بدر وهو فاعل ذلك أيضا وأيدك على يهود قريظة، ثم ذكر الأنصار فقال: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بعد العداوة التي كانت بينهم في أمر شمير، وحاطب، فقال: لَوْ أَنْفَقْتَ يا محمد على أن تؤلف بين قلوبهم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بعد العداوة في دم شمير، وحاطب بالإسلام إِنَّهُ عَزِيزٌ يعني منيع في ملكه حَكِيمٌ- ٦٣- في أمره حكم الألفة بين الأنصار بعد العداوة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَوحسب مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ٦٤- بالله﷿-، نزلت بالبيداء في غزاة بدر قبل القتال وفيها تقديم يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ يعني حضض المؤمنين على القتال ببدر إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا يعني يقاتلوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا يعنى يقاتلوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالتوحيد كفار مكة ببدر بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ- ٦٥- الخبر فجعل الرجل من المؤمنين يقاتل عشرة من المشركين، فلم يكن فرضه الله لا بد منه ولكن تحريض من الله ليقاتل الواحد عشرة فلم يطق المؤمنون ذلك فخفف الله عنهم بعد قتال بدر فأنزل الله الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ يعني بعد قتال بدر وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عدة مِائَةٌ رجل صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ يعنى يقاتلوا مائتين
_________________
(١) من: ل، وساقطة من أ.
(٢) فى أ: جبريل.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ رجل يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ- ٦٦- في النصر لهم على عدوهم فأمر الله أن يقاتل الرجل المسلم وحده رجلين من المشركين فمن أسره المشركون بعد التخفيف فإنه لا يفادى من بيت المال إذا كان المشركون مثل المؤمنين، وإن كان المشركون أكثر من الضعف فإنه يفادى من بيت المال. فينبغي للمسلمين أن يقاتلوا الضعف من المشركين إلى أن تقوم الساعة «١»، وكانت المنزلة قبل التخفيف، لا يفتدى الأسير إلا على نحو ذلك.
ما كانَ لِنَبِيٍّ من قبلك يا محمد أَنْ يَكُونَ «٢» لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ عدوه فِي الْأَرْضِ ويظهر عليهم تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا يعني المال وهو الفداء من المشركين نزلت بعد قتال بدر وَاللَّهُ يُرِيدُ لكم الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ يعني منيع في ملكه حَكِيمٌ- ٦٧- في أمره وذلك [١٤٨ ب]
_________________
(١) أرى أن هذا يكون عند المساواة فى السلاح أو تقارب المساواة عند الفئتين أما إذا كان سلاح العدو أقوى من سلاح المسلمين فلا يجب على المسلمين أن يقاتلوا الضعف، هذا لأن الشريعة معقولة المعنى، - ولأن فحوى الآية وجوب قتال الضعف عند تعادل الأسلحة أو قربها من التعادل، قارن بتفسير المنار: ١٠/ ٨٩ ط ٢ مطبعة دار المنار، حيث يقول: «والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وارتقاء الأمم وإن حرمان الكفار من هذا العلم- علم الحقائق المتعلقة بالحرب من مادية وروحية- هو السبب فى كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين. وهكذا كان المسلمون فى قرونهم الأولى والوسطى يعملون بهداية دينهم على تفاوت علمائهم وحكامهم فى ذلك حتى إذا ما فسدوا- بترك هذه الهداية التي سعدوا بها فى دنياهم فكانوا أصحاب ملك واسع وسيادة عظيمة دانث لهم بها الشعوب الكثيرة- زال ذلك المجد والسؤدد، ونزع منهم أكثر ذلك الملك، وما بقي منه فهو على شفا جرف هار.
(٢) فى أ: تكون.
[ ٢ / ١٢٥ ]
أن الغنائم لم تحل لأحد من الأنبياء ولا المؤمنين قبل محمدﷺ «١» -، وأخبر الله الأمم «إني أحللت الغنائم للمجاهدين من أمة «٢»» محمدﷺ- وكان «٣» المؤمنون إذا أصابوا الغنائم جمعوها ثم أحرقوها «٤» بالنيران وقتلوا «الناس «٥»» والأسارى والدواب وهذا «٦» في الأمم الخالية، فذلك قوله:
لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في تحليل الغنائم لأمة محمدﷺ- في علمه في اللوح المحفوظ، ثم خالفتم المؤمنين من قبلكم لَمَسَّكُمْ يعني لأصابكم فِيما أَخَذْتُمْ من الغنيمة عَذابٌ عَظِيمٌ- ٦٨- ثم طيبها لهم «٧» وأحلها فقال: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ببدر حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تعصوه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ذو تجاوز لما أخذتم من الغنيمة قبل حلها رَحِيمٌ- ٦٩- بكم إذ أحلها لكم وكان النبيﷺ- جعل عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت، أولياء القبض يوم بدر وقسمها النبيﷺ- بالمدينة وانطلق بالأسارى فيهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وذلك
أن العباس بن عبد المطلب يوم أسر أخذ منه عشرين أوقية من ذهب فلم تحسب له من الفداء «٨» وكان
_________________
(١) فى أ: ﵇، ل: ﷺ.
(٢) بياض فى أ، وفى ل: أنى أحللت الغنائم للمجاهدين لأمة.
(٣) فى أ: فكان، ل: وكان.
(٤) فى أ، ل: جمعوه ثم أحرقوه. []
(٥) «الناس»: زيادة من: ل.
(٦) فى أ: ل: وهذه.
(٧) فى أ: لكم.
(٨) فى أ: الفدى.
[ ٢ / ١٢٦ ]
فداء كل أسير من المشركين أربعين أوقية من ذهب وكان أول من فدى نفسه أبو وديعة ضمرة بن صبيرة «١» السهمي، وسهيل بن عمرو «٢» - من بني عامر بن لؤي القرشيان-. فقال النبيﷺ-: أضعفوا الفداء «٣» على العباس وكلف أن يفتدي ابني «٤» أخيه فأدى عنهما ثمانين أوقية من ذهب وكان فداء العباس بثمانين أوقية، وأخذ منه عشرون أوقية، فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون «٥» أوقية، فقال العباس للنبيﷺ-: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي. وقال لهﷺ- أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أم الفضل فقال العباس: أي الذهب؟ فقال له رسول اللهﷺ-: إنك قلت لها إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي ما حدث فهو لك ولولدك فقال: يا بن أخى من أخبرك؟ قال: الله أخبرنى. قال العباس: أشهد أنك صادق وما علمت أنك رسول قط قبل اليوم قد علمت أنه لم يطلعك عليه إلا عالم السرائر، وأشهد ألا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله وكفرت بما سواه «وأمر ابني أخيه فأسلما ففيهما «٦»» نزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى «٧»
يعني العباس وابني أخيه إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يعني إيمانا كقوله: «لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا» يعنى إيمانا
_________________
(١) فى أ: ضمرة، ل: ضمرة أو صبيرة السهمي.
(٢) فى أ: عمر، ل: عمرو.
(٣) فى أ: الفدى، ل: الفداء.
(٤) فى أ: ابن، ل: ابني.
(٥) فى أ: وثمانين، ل: وثمانين أوقية. والسطور السابقة من ل، وهي فى أبتقديم وتأخير.
(٦) فى أ: «وأمر ابن أخيه فأسلم ففيهما» .
(٧) فى أ: الأسارى.
[ ٢ / ١٢٧ ]
وهذا في هود «١» يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ من الفداء فوعدهم الله أن يخلف لهم أفضل ما أخذ منهم وَيَغْفِرْ «لَكُمْ» «٢» ذنوبكم «٣» وَاللَّهُ غَفُورٌ «لما كان منهم «٤»» من الشرك من ذنوبهم ذو تجاوز رَحِيمٌ- ٧٠- بهم في الإسلام وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ يعني الكفر بعد إسلامهم واستحيائك «٥» إياهم فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ [١٤٩ أ] يقول فقد كفروا بالله من قبل هذا الذي نزل بهم ببدر فَأَمْكَنَ الله مِنْهُمْ النبي﵇- يقول: إن خانوا أمكنتك منهم فقتلتهم وأسرتهم كما فعلت بهم ببدر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ- ٧١- في أمره حكم أن يمكنه «٦» منهم.
فقال العباس بعد ذلك: لقد أعطاني الله خصلتين ما من شيء هو أفضل منهما أما أحدهما فالذهب الذي أخذ مني فآتاني الله «خَيْرًا «٧» مِنْهُ» عشرين عبدا، وأما الثانية فتنجيز «٨» موعود «٩» الله الصادق وهو المغفرة، فليس أحد أفضل من هذا،
_________________
(١) سورة هود الآية ٣١: «وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا» .
(٢) فى أ: لهم. وفى حاشية أ: الآية «لكم» .
(٣) فى أ: ذنوبهم. []
(٤) «لما كان منهم»: زيادة من: ل، وليست فى: أ.
(٥) فى ل: واستحيابك، أ: واستحبائك.
(٦) هكذا فى أ، ل: «يمكنه» والضمير عائد إلى رسوله أى حكم أن يمكن رسوله منهم.
(٧) فى أ: منها.
(٨) فى أ: فينجز.
(٩) فى أ: موعد، ل: موعود.
[ ٢ / ١٢٨ ]
ومن كان من أسارى بدر وليس له فدى فإنه يدفع إليه عشرة غلمان يعلمهم الكتاب «١» فإذا حذقوا برئ الأسير من الفداء وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون.
وكان النبيﷺ- قد استشار أصحابه في أسارى بدر فقال عمر بن الخطاب للنبيﷺ-: اقتلهم فإنهم رءوس الكفر وأئمة الضلال. وقال أبو بكر: لا تقتلهم فقد شفى الله الصدور وقتل المشركين وهزمهم فآدهم «٢» أنفسهم وليكن «٣» ما نأخذ منهم في قوة المسلمين وعونا «٤» على حرب المشركين وعسى الله أن يجعلهم أعوانا لأهل الإسلام فيسلموا. فأعجب النبيﷺ- بقول أبي بكر الصديق «وكان النبيﷺ- رحيما، وأبو بكر أيضا رحيما، وكان عمر ماضيا «٥»» فأخذ النبيﷺ- بقول أبي بكر: ففاداهم فأنزل الله﷿- «توفيقا «٦»» لقول عمر «مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» فقال النبيﷺ- لعمر: احمد الله إن ربك واتاك على قولك. فقال عمر: الحمد لله الذي واتاني على قولي «٧» في أسارى بدر.
وقال النبيﷺ-: لو نزل عذاب من السماء ما نجا منا أحد
_________________
(١) المراد: الكتابة.
(٢) فى أ: فآدهم، ل: وأدى. ومعنى فآدهم اقبل منهم دية أنفسهم.
(٣) فى أ: وليكون، ل: وليكن.
(٤) فى أ: وعون، ل: وعونا.
(٥) ما بين القوسين «» زيادة من: ل، وليست فى: أ.
(٦) «توفيقا»: زيادة من: ل، وليست فى: أ.
(٧) فى السطرين السابقين اضطراب فى أ، ل. والقصة فى كتب السيرة، وهي فى كتاب أسباب النزول للواحدي بعدة روايات طوال فى: ١٣٦، ١٣٧، ١٣٨. وفى لباب النقول للسيوطي. تفسير مقاتل- ٩
[ ٢ / ١٢٩ ]
إلا عمر بن الخطاب إنه نهاني فأبيت
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد اللَّه وَهاجَرُوا إلى المدينة وَجاهَدُوا العدو بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فهؤلاء المهاجرون، ثم ذكر الأنصار، فقَالَ: وَالَّذِينَ آوَوْا النبيﷺ- وَنَصَرُوا النبيﷺ- ثم جمع المهاجرين والأنصار فقال: أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في الميراث ليرغبهم بذلك في الهجرة فقال الزبير بن العوام ونفر معه:
كيف يرثنا غير أوليائنا، وأولياؤنا على ديننا فمن أجل أنهم لم يهاجروا لا ميراث بيننا، فقال الله بعد ذلك وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله وَلَمْ يُهاجِرُوا إلى المدينة مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ في الميراث حَتَّى يُهاجِرُوا إلى المدينة، ثم قال: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ يا معشر المهاجرين إخوانكم الذين لم يهاجروا إليكم، فأتاهم عدوهم من المشركين فقاتلوهم ليردوهم عن الإسلام فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ فانصروهم، ثم استثنى فقال: إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يقول إن استنصر الذين لم يهاجروا إلى المدينة على أهل عهدكم فلا تنصروهم وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- ٧٢-[١٤٩ ب] .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في الميراث «والنصرة «١»» إِلَّا تَفْعَلُوهُ «٢» أي إن لم تنصروهم على غير أهل عهدكم من المشركين في الدين تَكُنْ فِتْنَةٌ يعني كفر فِي الْأَرْضِ وَيكن
_________________
(١) «والنصرة»: زيادة من الجلالين. []
(٢) «إِلَّا تَفْعَلُوهُ»: ساقطة من: أ، ل.
[ ٢ / ١٣٠ ]
فَسادٌ كَبِيرٌ- ٧٣- في الأرض «١» . وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله وَهاجَرُوا من مكة إلى المدينة وَجاهَدُوا العدو فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في طاعة الله فهؤلاء المهاجرون وإنما سموا «٢» المهاجرين لأنهم هجروا قومهم من المشركين وفارقوهم إذ لم يكونوا على دينهم، قال وَالَّذِينَ آوَوْا يعني ضموا النبيﷺ- إلى أنفسهم بالمدينة وَنَصَرُوا النبيﷺ- فهؤلاء الأنصار.
ثم جمع المهاجرين والأنصار فقال: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يعني المصدقين حَقًّا لَهُمْ بذلك مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ- ٧٤- يعني رزقا حسنا في الآخرة وهي الجنة، ثم قال بعد ذلك: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ هؤلاء المهاجرين والأنصار وَهاجَرُوا من ديارهم إلى المدينة وَجاهَدُوا العدو مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ في الميراث.
ثم نسخ هؤلاء الآيات بعد هذه الآية: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في الميراث فورث المسلمون بعضهم بعضا من هاجر ومن لم يهاجر في الرحم والقرابة فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- ٧٥- في أمر المواريث حين حرمهم «٣» الميراث وحين أشركهم بعد ذلك «٤» .
_________________
(١) فى الجلالين «إِلَّا تَفْعَلُوهُ» أى تولى المسلمين وقمع الكفار «تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ» بقوة الكفر وضعف الإسلام.
(٢) سموا: أنسب ولكنها فى: أ، ل: سمى.
(٣) فى أ: أحرمهم، ل: حرمهم.
(٤) فى أ: زيادة «قال من بعد» وليس ذلك فى: ل.
[ ٢ / ١٣١ ]
حدثنا «١» عُبَيْدُ اللَّهِ قال: حدثني أبي قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: إِنَّ الْخُمُسَ: كَانَ يُقْسَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّﷺ- خَمْسَةَ أَسْهُمٍ: للَّهِ وَلِرَسُولِهِ سَهْمٌ، وَلِذِي الْقُرْبَى سَهْمٌ، وَلِلْيَتَامَى سَهْمٌ، وَلِلْمَسَاكِينِ سَهْمٌ، وَلابْنِ السَّبِيلِ سَهْمٌ. قَالَ: وَقَسَمَهُ عُمَرُ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، عَلَى ثَلاثَةِ أَسْهُمٍ أَسْقَطُوا «٢» سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى، وَقُسِّمَ عَلَى ثَلاثَةِ أَسْهُمٍ، وَإِنَّمَا يُوضَعُ مِنْ أُولَئِكَ فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ لَيْسَ يُعْطَى الأَغْنِيَاءُ شَيْئًا فَهَذَا عَلَى مَوْضِعِ الصَّدَقَةِ.
حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ قال: حدثني أبي قال: حدثنا الْهُذَيْلُ، عن محمد بن عبد الحق عن أبي جعفر محمد بن علي﵇- قال: قلت له: ما كان رأي علي﵇- في الخمس. قال: رأي أهل بيته. قال: قلت: فكيف لم يمضه على ذلك حين ولي؟ قال: كره أن يخالف أبا بكر وعمر.
حَدَّثَنَا «٣» عبيد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا الْهُذَيْلُ، عَنْ مُقَاتِلٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّﷺ- يَأْخُذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ صَفِيًّا لِنَفْسِهِ، وَيَأْخُذُ مَعَ ذَوِي الْقُرْبَى، وَيَأْخُذُ سَهْمَ اللَّهِ- تَعَالَى- وَرَسُولِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَعَ الْمُقَاتِلةِ فَكَانَ يَأْخُذُ مِنْ أَرَبْعَةِ وجوهﷺ «٤» -.
_________________
(١) «حدثنا» ساقطة من أ، وهي فى: ل.
(٢) فى أ: استقلوا، ل: اسقطوا.
(٣) من: ل، وليست فى: أ.
(٤) فى ل: ﷺ، أ: ﵇.
[ ٢ / ١٣٢ ]