بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥)
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)
وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)
وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥)
أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)
[ ٢ / ١٣٥ ]
سورة التوبة «١» [١٥٠ أ] سورة براءة مدنية كلها غير آيتين هما قوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ »
_________________
(١) «مقصود السورة إجمالا» وسم قلوب الكافرين بالبراءة من الله ورسوله، ورد العهد عليهم وأمان مستمع القرآن، وقهر أئمة الكفر وقتلهم، ومنع الأجانب من عمارة المسجد الحرام، وتخصيصها بأهل الإسلام، والنهى عن موالاة الكفار، والإشارة إلى وقعة حرب حنين ومنع المشركين من دخول الكعبة، والحرم، وحضور الموسم، والأمر بقتل كفرة أهل الكتاب، وضرب الجز عليهم وتقبيح قول اليهود والنصارى فى حق عزيز وعيسى﵉، وتأكيد رسالة الرسول الصادق المحق وعيب أحبار اليهود فى أكلهم الأموال بالباطل، وعذاب مانعي الزكاة، وتخصيص الأشهر الحرم من أشهر السنة، وتقديم الكفار شهر المحرم، وتأخيرهم إياه، والأمر بغزوة تبوك، وذم المتخلفين عن الغزو، وخروج النبيﷺ- مع الصديقرضي الله عنه- من مكة إلى الغار بجبل ثور، واحتراز المنافقين من غزوة تبوك، وترصدهم وانتظارهم نكبة المسلمين، ورد نفقاتهم عليهم، وقسم الصدقات على المستحقين، واستهزاء المنافقين بالنبيﷺ-، وبالقرآن، وموافقة المؤمنين بعضهم بعضا، ونيلهم الرضوان الأكثر بسبب موافقتهم، وتكذيب الحق للمنافقين فى أيمانهم، ونهى النبي عن الاستغفار لأحيائهم، وعن الصلاة على أمواتهم. وعيب المقصرين على اعتذارهم بالأعذار الباطلة، وذم الأعراب فى صلابتهم وتمسكهم بالباطل، ومدح بعضهم بصلابتهم فى دين الحق، وذكر السابقين من المهاجرين والأنصار، وذكر المعترفين بتقصيرهم وقبول الصدقات من الفقراء، وقبول توبة التائبين، وذكر بناء مسجد ضرار للغرض الفاسد، وبناء مسجد قباء على الطاعة والتقوى، ومبايعة الحق- تعالى- عبيده باشتراء أنفسهم وأموالهم ومعاوضتهم على ذلك بالجنة، ونهى إبراهيم الخليل من استغفار المشركين، وقبول توبة المتخلف المخلص عن غزوة تبوك، وأمر ناس بطلب العلم والفقه فى الدين، وفضيحة المنافقين، وفتنتهم فى كل وقت، ورأفة الرسولﷺ- ورحمته لأمته، وأمر الله نبيه بالتوكل عليه فى جميع أحواله بقوله: «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» .
[ ٢ / ١٥٣ ]
إلى آخر السورة «١»، فإنهما مكيتان وهي مائة وسبع «٢» وعشرون آية «٣» كوفية «٤» .
لما نزلت براءة بعث النبيﷺ- أبا بكر الصديق على حج الناس وبعث معه ببراءة، من أول السورة «٥» إلى تسع آيات. فنزل جبريل فقال:
_________________
(١) ومجموع فواصل آيات سورة التوبة هي (ل م ن ر ب) يجمعها (لم نرب) وكل آية منها آخرها راء فما قبل الراء ياء. ولهذه السورة عدة أسماء: الأول: براءة لافتتاحها بها. الثاني: سورة التوبة لكثرة ذكر التوبة فيها «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا»، «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ» . الثالث: الفاضحة، لأن المنافقين افتضحوا عند نزولها. الرابع: المبعثرة، لأنها تبعثر أسرار المنافقين، وهذان رويا عن ابن عباس. «مقتبس من كتاب بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز، للفيروزآبادي، تحقيق الأستاذ محمد على النجار: ٢٢٧- ٢٣٧.
(٢) يشير إلى الآيتين: ١٢٨، ١٢٩ من سورة التوبة وتمامها «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» . وفى المصحف: سورة التوبة مدنية إلا الآيتين الأخيرتين فمكيتان.
(٣) فى أ: وسبعة.
(٤) فى المصحف: وآياتها ١٢٩ نزلت بعد المائدة. []
(٥) فى كتاب بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي تحقيق الأستاذ محمد على النجار: ٢٢٧: وعدد آياتها مائة وتسع وعشرون عند الكوفيين وثلاثون عند الباقين وليس فى ل: بيان لعدد الآيات. وأرى أن فى: أتحريف بدل أن يكتب «مائة وتسع وعشرون» كتب: «مائة وسبع وعشرون» .
(٦) فى أ: من أول سورة براءة.
[ ٢ / ١٥٤ ]
يا محمد، إنه لا يؤدي عنك إلا رجل منك، ثم اتبعه علي بن أبي طالب فأدركه بذي الحليفة على ناقة رسول اللهﷺ- فأخذها منه، ثم رجع أبو بكر إلى النبيﷺ-، فقال له «١»: بأبي أنت، وأمي هل أنزل الله في من شيء؟ قال: لا، ولكن لا يبلغ عني إلا رجل منى، أما ترضى يا أبا بكر أنك صاحبي في الغار وأنك أخي في الإسلام وأنك ترد علي الحوض يوم القيامة. قال:
بلى يا رسول الله. فمضى أبو بكر على الناس ومضى على ببراءة من أول السورة إلى تسع آيات فقام علي يوم النحر بمنى فقرأها «٢» على الناس.
_________________
(١) فى أ: فقال للنبيﷺ.
(٢) فى الأصل: فقرأ.
[ ٢ / ١٥٥ ]
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ من العهد غير أربعة أشهر إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ١- نزلت في ثلاثة أحياء من العرب منهم خزاعة ومنهم هلال بن عويمر، وفي مدلج منهم سراقة بن مالك «١» بن خثعم الكناني، وفي بني خزيمة بن عامر وهما حيان من كنانة. كان النبيﷺ- عاهدهم «٢» بالحديبية سنتين صالح عليهم المخش بن خويلد ابن عمارة بن المخش، فجعل الله﷿- للذين كانوا في العهد أجلهم أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر فقال: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ يقول سيروا في الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ آمنين حيث شئتم ثم خوفهم فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ- ٢- فلم يعاهد النبيﷺ- بعد هذه الآية أحدا «٣» من الناس ثم ذكر مشركي مكة الذين لا عهد لهم، فقال: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يعني يوم النحر وإنما سمي الحج الأكبر لأن العمرة هي الحج الأصغر، وقال: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ من العهد فَإِنْ تُبْتُمْ يا معشر المشركين من الشرك فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من الشرك وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يقول إن أبيتم التوبة فلم تتوبوا فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ
_________________
(١) فى أ: ملك.
(٢) فى أ: عاهد، ل: عاهدهم.
(٣) فى أ: أحد.
[ ٢ / ١٥٦ ]
خوفهم كما خوف أهل العهد: أنكم أيضا غير سابقي الله بأعمالكم:
الخبيثة حتى يجزيكم بها. ثم قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله [١٥٠ ب] بِعَذابٍ أَلِيمٍ- ٣- يعني وجيع ثم جعل من لا عهد له أجله خمسين يوما من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، ثم رجع إلى خزاعة، وبني مدلج، وبني خزيمة- في التقديم- فاستثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فلم «١» يبين الله ورسوله من عهدهم في الأشهر الأربعة ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا في الأشهر الأربعة وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا يعني ولم يعينوا على قتالكم أحدا من المشركين يقول الله إن لم يفعلوا ذلك فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ يعني الأشهر الأربعة إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ- ٤- الذين يتقون نقض العهد، ثم ذكر من لم يكن له عهد غير خمسين يوما فقال: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ يعني عشرين من ذي الحجة وثلاثين يوما من المحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ يعني هؤلاء- الذين لا عهد لهم إلا خمسين يوما- أين أدركتموهم في الحل والحرم وَخُذُوهُمْ يعني وأسروهم وَاحْصُرُوهُمْ يعني والتمسوهم «٢» وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ يقول وأرصدوهم بكل طريق وهم كفار فَإِنْ تابُوا من الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ يقول فاتركوا طريقهم فلا تظلموهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذنوب ما كان في الشرك رَحِيمٌ- ٥- بهم فى الإسلام.
ثم قال يعني هؤلاء الكفار من أهل مكة وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ يقول فإن استأمنك أحد من المشركين بعد خمسين يوما فأمنه من القتل
_________________
(١) أى: فلم يبرأ، وفى أ: يبين.
(٢) فى أ: والتمسوهم، وفى حاشية أ: واحبسوهم محمد. وفى ل والتمسوهم.
[ ٢ / ١٥٧ ]
حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ يعني القرآن فإن كره أن يقبل ما فى القرآن ثُمَّ أَبْلِغْهُ «١» مَأْمَنَهُ يقول رده من حيث أتاك فإن قاتلك بعد ذلك فقدرت عليه فاقتله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ- ٦- بتوحيد الله، ثم ذكرهم أيضا مشركي مكة فقال: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ثم استثنى خزاعة، وبني مدلج، وبني خزيمة «٢»، الذين أجلهم أربعة أشهر. فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بالحديبية فلهم العهد فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ بالوفاء إلى مدتهم يعني تمام هذه أربعة الأشهر من يوم النحر فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ بالوفاء إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ- ٧- ثم حرض المؤمنين على قتال كفار مكة الذين لا عهد لهم لأنهم نقضوا العهد فقال: كَيْفَ لا تقاتلونهم وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يقول لا يحفظوا فيكم قرابة «٣» ولا عهدا يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ يعني بألسنتهم وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وكانوا يحسنون القول للمؤمنين فيرضونهم وفي قلوبهم غير ذلك فأخبر عن قولهم فذلك قوله:
«يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ» يعني بألسنتهم «وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ» وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ- ٨-، ثم أخبر عنهم فقال: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا يعني باعوا إيمانا بالقرآن بعرض من الدنيا يسيرا وذلك أن أبا سفيان كان يعطي الناقة والطعام والشيء ليصد «٤» بذلك الناس [١٥١ أ] عن متابعة النبيﷺ- فذلك قوله: فَصَدُّوا «٥» الناس عَنْ سَبِيلِهِ «٦» أي عن سبيل الله
_________________
(١) فى أ: بأبلغه، وفى حاشية أ: التلاوة: ثم أبلغه.
(٢) فى أ: جذيمة، ل: تقرأ جذيمة ويمكن أن تقرأ خزيمة.
(٣) إلا: قرابة. (الجلالين) .
(٤) فى أ، ل: ليصدوا.
(٥) فى أ: وصدوا. []
(٦) فى أ: «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» .
[ ٢ / ١٥٨ ]
يعني عن دين الله وهو الإسلام إِنَّهُمْ ساءَ يعني بئس ما كانُوا يَعْمَلُونَ- ٩- يعني بئس ما عملوا بصدهم عن الإسلام، ثم أخبر أيضا عنهم فقال:
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا «١» وَلا ذِمَّةً يعني لا يحفظون في مؤمن قرابة ولا عهدا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ- ١٠- يقول: فَإِنْ تابُوا من الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ أي أقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ ونبين الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- ١١- بتوحيد الله وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ يعني نقضوا عهدهم وذلك أن النبيﷺ- واعد كفار مكة سنتين، وأنهم عمدوا فأعانوا كنانة بالسلاح على قتال خزاعة، وخزاعة صلح النبيﷺ- فكان في ذلك نكث للعهد فاستحل النبيﷺ- قتالهم فذلك قوله «وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ» وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فقالوا: ليس دين محمد بشيء فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ يعني قادة الكفر كفار قريش: أبا سفيان «٢» بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو «٣»، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لأنهم نقضوا العهد الذي كان بالحديبية، يقول: لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَنْتَهُونَ- ١٢- عن نقض العهد، ولا ينقضون «٤»، ثم حرض المؤمنين على قتالهم فقال: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يعني نقضوا عهدهم حين أعانوا كنانة بالسلاح على خزاعة وهم صلح النبيﷺ- وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ يعني النبيﷺ- مِنْ
_________________
(١) إلا: قرابة.
(٢) فى أ: أبو سفيان، وهي مفعول به يجب أن تكون منصوبة.
(٣) فى أ: عمر، ل: عمرو.
(٤) المراد: ولا ينقضون عهودهم مع المسلمين.
[ ٢ / ١٥٩ ]
مكة حين هموا في دار الندوة بقتل النبيﷺ- أو بوثاقه «١» أو بإخراجه وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بالقتال حين ساروا إلى قتالكم ببدر أَتَخْشَوْنَهُمْ فلا تقاتلونهم فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ فى ترك أمره إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٣- به يعني إن كنتم مصدقين بتوحيد الله﷿-، ثم وعدهم النصر فقال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ بالقتل وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ- ١٤- «وذلك أن بني كعب قاتلوا خزاعة» «٢» فهزموهم وقتلوا منهم وخزاعة صلح النبيﷺ-، وأعانهم كفار مكة بالسلاح على خزاعة فاستحل النبيﷺ- قتال كفار مكة بذلك. «وقد «٣»» ركب عمرو بن عبد مناة الخزاعي إلى النبيﷺ- بالمدينة «٤» مستعينا به فقال «٥» له:
اللهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كان لنا أبا وكنا ولدا نحن ولدناكم فكنتم ولدا
ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا أيدا
وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا
فى فيلق كالبحر يجري مزيدا إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكد ونصبوا لي في الطريق مرصدا «٦»
_________________
(١) أى: أن يلبسوه الوثائق وهو القيد والمراد حبسه.
(٢) ما بين القوسين «» زيادة، لتصحيح الكلام وليست فى: أ، ولا فى: ل.
(٣) وقد: زيادة لتصحيح الكلام.
(٤) فى أ: إلى المدينة وهي ساقطة من: ل ومثبتة فى أ.
(٥) فى ل: فقال مستغيثا.
(٦) فى أ: مرصدا، ل: رصدا.
[ ٢ / ١٦٠ ]
[١٥١ ب] وبيتونا بالوتين هجدا وقتلونا ركعا وسجدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا
قال: فدمعت عينا «١» النبيﷺ- ونظر إلى سحابة قد بعثها الله﷿- فقال: والذي نفسي بيده، إن هذه السحابة لتستهل بنصر خزاعة على بني ليث بن بكر ثم خرج النبيﷺ- من المدينة فعسكر- وكتب حاطب إلى أهل مكة بالعسكر، وسار النبيﷺ- إلى مكة فافتتحها وقال لأصحابه: كفوا السلاح إلا عن بني بكر إلى صلاة العصر،
«وقال لخزاعة أيضا كفوا إلا عن بني بكر» «٢» فأنزل الله تعالى «وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» يعني قلوب قوم مؤمنين يعني خزاعة «٣» وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وشفى الله قلوب خزاعة من بني ليث بن بكر وأذهب غيظ قلوبهم، ثم قال: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ فيهديهم لدينه «٤» وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ- ١٥- في أمره.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا على الإيمان ولا تبتلوا بالقتل وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ يعني ولما يرى الله الَّذِينَ جاهَدُوا العدو مِنْكُمْ فى سبيله يقول لا يرى
_________________
(١) فى أ: عيني.
(٢) ما بين القوسين «»: ساقط من ل.
(٣) سبعة الأسطر السابقة مضطربة فى أ. وقد قومت الاضطراب اعتمادا على كتب السيرة. []
(٤) فى أ: زيادة (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) يعنى من بعد القتل والهزيمة وليس فى هذه الآية (من بعد ذلك)، وإنما هي فى الآية ٢٧ من سورة التوبة وهي «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . أما الآية ١٥ من سورة التوبة فليس فيها مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وتمامها وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. تفسير مقاتل- ١١
[ ٢ / ١٦١ ]
جهادكم حتى «١» تجاهدوا وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا من دون رَسُولِهِ وَلَا من دون الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً يتولجها يعني البطانة من الولاية للمشركين وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- ١٦- مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ يعني مشركي مكة أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ «٢» اللَّهِ يعني المسجد الحرام شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ نزلت في العباس بن عبد المطلب، وفي بني أبي طلحة، منهم شيبة بن عثمان صاحب الكعبة، وذلك أن العباس وشيبة وغيرهم أسروا يوم بدر فأقبل عليهم نفر من المهاجرين فيهم علي بن أبي طالب والأنصار وغيرهم فسبوهم وعيروهم بالشرك وجعل علي بن أبى طالب يونج العباس بقتال النبيﷺ- وبقطيعته «٣» الرحم وأغلظ له القول، فقال له العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا. قالوا: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم لنحن أفضل منكم أجرا، إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب «٤» الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني- يعني الأسير-، فافتخروا على المسلمين بذلك، فأنزل الله «مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ» أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [١٥٢ أ] يعني ما ذكروا من محاسنهم يعني بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة يقول ليس لهم ثواب في الدنيا ولا في الآخرة لأنها كانت في غير إيمان ولو آمنوا لأصابوا الثواب في الدنيا والآخرة كما قال نوح، وهود، لقومه:
_________________
(١) هكذا فى: أ، ل.
(٢) فى أ: مسجد الله.
(٣) فى أ: ويقطعه، وهي تحريف ل (وبقطعه) وفى ل: وبقطيعته.
(٤) أى: نكون حجابا لها، كالحاجب على باب مدير أو وزير.
[ ٢ / ١٦٢ ]
«اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ» بالمطر «مِدْرارًا «١»» يعني متتابعا «وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا «٢»» فهذا في الدنيا لو آمنوا. ثم قال: وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ- ١٧- لا يموتون إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يعني صدق بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني من صدق بتوحيد الله والبعث الذي فيه جزاء الأعمال وَأَقامَ الصَّلاةَ لوقتها: أتم ركوعها وسجودها وَآتَى الزَّكاةَ يعني وأعطى زكاة ماله وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يعني ولم يعبد إلا الله فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ- ١٨- من الضلالة، ثم قال يعنيهم: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ يعنى العباس وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني شيبة كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني صدق بتوحيد الله واليوم الآخر وصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال يعني عليا ومن معه وَجاهَدَ العدو فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ في الفضل هؤلاء أفضل وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ١٩- يعني المشركين إلى الحجة فما لهم حجة ثم نعت المهاجرين عليا وأصحابه فقال: الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله وَهاجَرُوا إلى المدينة وَجاهَدُوا العدو فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني طاعة الله بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً يعني فضيلة عِنْدَ اللَّهِ من الذين افتخروا فى عمران
_________________
(١) هذه مقالة هود لقومه: فى الآية ٥٢ من سورة هود.
(٢) وهذه من سورة نوح: الآية ١٢، وهي مقالة نوح. وقد جمعهما على أنهما آية واحدة ولكني وضحت أن الجزء الأول من سورة هود والجزء الآخر من سورة نوح وجمع بينهما وحدة المعنى ووحدة الموقف، فخلط الناسخ بينهما.
[ ٢ / ١٦٣ ]
البيت وسقاية الحاج وهم كفار، ثم أخبر عن ثواب المهاجرين فقال: وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ- ٢٠- يعني الناجون من النار يوم القيامة يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وهي الجنة وَرِضْوانٍ يعني ورضي الرب عنهم وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ- ٢١- يعنى لا يزول خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يموتون إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ يعني عند الله أَجْرٌ يعني جزاء عَظِيمٌ- ٢٢- وهي الجنة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ يعني اختاروا الكفر على الإيمان يعني التوحيد، نزلت في السبعة الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بمكة من المدينة فنهى الله عن ولايتهم فقال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ يا معشر المؤمنين فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ- ٢٣- وهو منهم قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها يعني كسبتموها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها يعني ومنازل ترضونها يعني تفرحون بها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [١٥٢ ب] في فتح مكة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ- ٢٤- لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ يعني يوم بدر، ويوم قريظة، ويوم النضير «١»، ويوم خيبر، ويوم الحديبية، ويوم فتح مكة، ثم قال: وَنصركم يَوْمَ حُنَيْنٍ وهو واد بين الطائف ومكة إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ يعنى برحبها وسعتها ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ- ٢٥-
_________________
(١) فى أ: النضر.
[ ٢ / ١٦٤ ]
لا تلوون على شيء وذلك أن المسلمين كانوا يومئذ أحد عشر ألفا وخمس مائة والمشركون أربعة آلاف، وهوازن، وثقيف، ومالك بن عوف النضري على هوازن، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من كثرتنا على عدونا ولم يستثن في قوله، فكره النبيﷺ- قوله لأنه كان قال «١» ولم يستثن في قوله فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم المشركون وجلوا عن الذراري، ثم نادى المشركون تجاه النساء اذكروا الفضائح فتراجعوا وانكشف المسلمون فنادى العباس بن عبد المطلب، وكان رجلا صبيا ثباتا: يا أنصار الله وأنصار رسوله الذين آووا ونصروا، يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة هذا رسول الله (ص) فمن كان له فيه حاجة فليأته فتراجع المسلمون ونزلت الملائكة- عليهم البياض على خيول بلق- فوقفوا ولم يقاتلوا فانهزم المشركون، فذلك قوله: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها يعنى الملائكة وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والهزيمة وَذلِكَ العذاب جَزاءُ الْكافِرِينَ- ٢٦- ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ يعني بعد القتل والهزيمة فيهديه لدينه وَاللَّهُ غَفُورٌ لما كان في الشرك رَحِيمٌ- ٢٧- بهم فى الإسلام يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ يعني مشركي العرب والنجس الذي ليس بطاهر، الأنجاس: الأخباث فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ يعنى أرض مكة بَعْدَ عامِهِمْ هذا يعني بعد عام كان أبو بكر على الموسم. قال ابن ثابت «٢»: قال أبي: في السنة التاسعة من هجرة
_________________
(١) فى أ: يتعالى، ل: قال.
(٢) هو عبد الله بن ثابت.
[ ٢ / ١٦٥ ]
النبيﷺ «١» - ثم قال: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، وذلك أن الله﷿- أنزل بعد غزاة تبوك: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ » إلى قوله:
« كُلَّ مَرْصَدٍ «٢»» فوسوس الشيطان إلى أهل مكة فقال: من أين تجدون ما تأكلون، وقد أمر أنه من لم يكن مسلما «٣» أن يقتل ويؤخذ الغنم ويقتل من فيها «٤» فقال الله تعالى، امضوا «٥» لأمري وأمر رسولي فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ ففرحوا بذلك فكفاهم الله ما كانوا يتخوفون «٦» فأسلم أهل نجد، وجرش «٧»، وأهل صنعاء، فحملوا الطعام إلى مكة على الظهر فذلك قوله [١٥٣ أ] «وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً» يعني الفقر «فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ» إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- ٢٨- قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني الذين لا يصدقون بتوحيد الله، ولا بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يعني الخمر، ولحم الخنزير وقد بين أمرهما فى القرآن «٨» .
_________________
(١) أى أن النهى عن حج المشركين إلى البيت الحرام كان فى السنة التاسعة من الهجرة، فأبيح لهم الحج فى السنة التي كان فيها أبو بكر على الموسم، وبلغهم على أنه لا يحج بعد العام مشرك.
(٢) الآية ٥ من سورة التوبة: «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .
(٣) فى ل: مسلما، أ: مسلم.
(٤) فى أ: ومن فيها، ل: ويقتل من فيها. []
(٥) فى أ: لمضوا، وهو تحريف (ليمضوا) .
(٦) أى: يتخوفون منه.
(٧) فى أ: جرش، ل: حرس.
(٨) فى أ: يعنى الخمر والخمر بين فى القرآن. ل: يعنى الخمر ولحم الخنزير فى القرآن.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ: الإسلام لأن غير دين الإسلام باطل مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود، والنصارى حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ يعني عن أنفسهم وَهُمْ صاغِرُونَ- ٢٩- يعني مذلون إن أعطوا عفوا لم يؤجروا وإن أخذوا منهم كرها لم يثابوا وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وذلك أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى، فرفع الله عنهم التوراة، ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير يسيح في الأرض، فأتاه جبريل﵇- فقال له: أين تذهب؟ قال: لطلب العلم، فعلمه جبريل التوراة كلها فجاء عزير بالتوراة غضا «١» إلى بني إسرائيل فعلمهم، فقالوا: لم يعلم عزير هذا العلم إلا لأنه «٢» ابن الله. فذلك قوله: «وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ» .
ثم قال: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ يعنون عيسى بن مريم ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يقول هم يقولون بألسنتهم من غير علم يعلمونه يُضاهِؤُنَ يعنى يشبهون قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني قول اليهود مِنْ قَبْلُ قول النصارى لعيسى إنه ابن الله- كما قالت اليهود عزير ابن الله فضاهأت «٣» يعني أشبه قول النصارى في عيسى قول اليهود في عزير «٤» قاتَلَهُمُ اللَّهُ يعني لعنهم الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ- ٣٠- يعني النصارى من أين يكذبون بتوحيد الله، ثم أخبر عن النصارى فقال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ يعني علماءهم وَرُهْبانَهُمْ يعني المجتهدين في دينهم: أصحاب الصوامع أَرْبابًا يعنى
_________________
(١) هكذا: غضا على أنه حال من عزير- ولو كان من التوراة لقال غضة.
(٢) فى أ: أنه.
(٣) فى أ: فضاهت، ل: فضاهأت.
(٤) فى أ: فضاهت: شبهت قول النصارى فى عيسى كقول اليهود فى عزير.
[ ٢ / ١٦٧ ]
أطاعوهم مِنْ دُونِ اللَّهِ وَاتخذوا الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ربا يقول وَما أُمِرُوا يعني وما أمرهم عيسى إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا. وذلك أن عيسى قال لبني إسرائيل- في سورة مريم «١» - وفي حم الزخرف «٢» -: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» «٣» .
فهذا قول عيسى لبني إسرائيل، ثم قال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ- ٣١- نزه نفسه عما قالوا من البهتان، ثم أخبر عنهم فقال: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ يعني دين الإسلام بألسنتهم بالكتمان وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ يعني يظهر دينه الإسلام وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ- ٣٢- أهل الكتاب: بالتوحيد هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ يعني محمداﷺ- بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ يعني دين الإسلام لأن غير دين الإسلام باطل لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يقول ليعلو بدين الإسلام على كل دين [١٥٣ ب] وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ- ٣٣- يعنى مشركي العرب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ يعني اليهود وَالرُّهْبانِ يعني مجتهدي النصارى لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ يعنى أهل ملتهم وذلك أنهم
_________________
(١) يشير إلى الآية ٣٦ من سورة مريم وتمامها «وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» .
(٢) يشير إلى الآية ٦٤ من سورة الزخرف وتمامها «إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» .
(٣) هذه الآية ٦٤ من سورة الزخرف- أما آية مريم: ٣٦ فتبدأ بقوله «وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» والثابت فى أ: «اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ» إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مستقيم.
[ ٢ / ١٦٨ ]
كانت لهم مأكلة كل عام من سفلتهم من الطعام والثمار على تكذيبهم بمحمدﷺ- ولو أنهم آمنوا بمحمدﷺ- لذهبت تلك المأكلة، ثم قال: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول يمنعون أهل دينهم عن دين الإسلام وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يعني بالكنز منع الزكاة وَلا يُنْفِقُونَها يعني الكنوز فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في طاعة الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ- ٣٤- يعني وجيع في الآخرة، ثم قال: «يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ «١»» فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ- ٣٥- إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ وذلك أن المؤمنين ساروا من المدينة إلى مكة قبل أن يفتح الله على النبيﷺ- فقالوا: إنا نخاف أن يقاتلنا كفار مكة في الشهر الحرام فأنزل الله ﷿:
«إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ» اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ «اللَّهِ» «٢» يعنى اللوح المحفوظ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعنى الحساب فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ يعني في الأشهر الحرام يعني بالظلم ألا تقتلوا فيهن أحدا «٣» من مشركي العرب إلا أن يبدءوا بالقتل «ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» يعنى بالدين الحساب المستقيم «٤»، ثم قال: قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ يعني كفار مكة كَافَّةً يعني جميعا كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً يقول إن قاتلوكم في الشهر الحرام فاقتلوهم جميعا
_________________
(١) فى أ: زيادة إلى قوله: « يكنزون» .
(٢) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
(٣) فى أ: أحد. []
(٤) الأنسب يعنى بالدين: الحساب والقيم: والمستقيم، أو يعنى بالدين القيم: الحساب المستقيم.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ فِي النصر مَعَ الْمُتَّقِينَ- ٣٦- الشرك إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ يعني به في المحرم زيادة فِي الْكُفْرِ وذلك أن أبا ثمامة الكناني:
اسمه جبارة بن عوف بن أمية بن فقيم بن الحارث «١» وهو أول من ذبح لغير الله الصفرة في رجب، كان يقف بالموسم ثم ينادي إن آلهتكم قد حرمت صفر العام «٢» فيحرمون فيه الدماء والأموال ويستحلون ذلك في المحرم، فإذا كان من قابل نادى إن آلهتكم قد حرمت المحرم العام فيحرمون فيه الدماء والأموال فيأخذ «٣» به هوازن، وغطفان، وسليم، وثقيف، وكنانة، فذلك قوله «إِنَّمَا النَّسِيءُ» يعني ترك المحرم «زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ» يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا يقول «يستحلون المحرم «٤»» عاما فيصيبون فيه الدماء والأموال «وَيُحَرِّمُونَهُ عاما» فلا يصيبون فيه الدماء والأموال «ولا يستحلونها فيه «٥»» لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا فى المحرم ما حَرَّمَ اللَّهُ فيه من الدماء والأموال زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ- ٣٧- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ نزلت في المؤمنين وذلك أن النبيﷺ- أمر الناس بالسير إلى غزوة تبوك في حر شديد اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [١٥٤ أ] فتثاقلوا عنها أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ- ٣٨- يعنى إلا ساعة من ساعات
_________________
(١) فى أ: الحرث.
(٢) فى أ: الحام. ل: العام.
(٣) فى أ: فأخذ، وفى ل: فيأخذ.
(٤) زيادة من: ل.
(٥) فى أ: ولا يستحلون عاما.
[ ٢ / ١٧٠ ]
الدنيا، ثم خوفهم إِلَّا تَنْفِرُوا في غزاة تبوك إلى عدوكم يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا يعنى وجيعا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ أمثل منكم، وأطوع لله منكم، وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا يعني ولا تنقصوا من ملكه شيئا بمعصيتكم إياه إنما تنقصون أنفسكم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ أراده قَدِيرٌ- ٣٩- إن شاء عذبكم «واستبدل بكم قوما غيركم «١»» .
ثم قال للمؤمنين: إِلَّا تَنْصُرُوهُ يعني النبيﷺ- فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ هذه أول آية نزلت من براءة، وكانت تسمى الفاضحة لما ذكر الله «فيها» «٢» من عيوب المنافقين إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله من مكة ثانِيَ اثْنَيْنِ فهو النبيﷺ- وأبو بكر إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ وذلك أن النبيﷺ- قال لأبي بكر «لا تَحْزَنْ» إِنَّ اللَّهَ مَعَنا في الدفع عنا وذلك
حين خاف «٣» القافة حول الغار، فقال أبو بكر: أتينا يا نبي الله. وحزن «٤» أبو بكر فقال: إنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت تهلك هذه الأمة. فقال النبيﷺ-:
لا تحزن. ثم قال النبيﷺ-: اللهم اعم أبصارهم عنا.
ففعل الله ذلك بهم فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ يعني النبيﷺ- وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها يعني الملائكة يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم خيبر، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى دعوة الشرك السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ
_________________
(١) فى أ: كتب هذه الجملة على أنها قرآن.
(٢) زيادة: لتوضيح الكلام.
(٣) فى أ: حات، ل: خاف.
(٤) فى أ: فحزن.
[ ٢ / ١٧١ ]
يعني دعوة الإخلاص هِيَ الْعُلْيا يعني العالية وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ- ٤٠- حكم إطفاء دعوة المشركين وإظهار التوحيد انْفِرُوا إلى غزاة تبوك خِفافًا وَثِقالًا يعني نشاطا وغير نشاط وَجاهِدُوا العدو بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعنى الجهاد ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ من القعود إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ٤١- لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا يعني غنيمة قريبة وَسَفَرًا قاصِدًا يعني هينا لَاتَّبَعُوكَ في غزاتك وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا يعني لو وجدنا سعة في المال لَخَرَجْنا مَعَكُمْ في غزاتكم يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ- ٤٢- بأن لهم سعة في الخروج ولكنهم لم يريدوا الخروج منهم جد بن قيس، ومعتب ابن قشير، وهما من الأنصار، ثم قال للنبيﷺ-: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ في القعود يعني في التخلف حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في قولهم يعني أهل العذر منهم المقداد بن الأسود الكندي وكان سمينا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ- ٤٣- في قولهم يعني من لا قدر لهم لا يَسْتَأْذِنُكَ في القعود الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني الذين يصدقون بتوحيد الله، وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن أَنْ يُجاهِدُوا العدو من غير عذر بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [١٥٤ ب] كراهية الجهاد وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ- ٤٤- الشرك، ثم ذكر المنافقين فقال: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في الجهاد وبعد الشقة الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لا يصدقون بالله، ولا باليوم الآخر يعني لا يصدقون بالله، ولا بتوحيده، ولا بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وَارْتابَتْ يعني شكت قُلُوبُهُمْ فى الدين فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يعني في شكهم يَتَرَدَّدُونَ- ٤٥- وهم تسعة وثلاثون رجلا، ثم أخبر عن المنافقين فقال:
[ ٢ / ١٧٢ ]
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ إلى العدو لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً يعني به النية وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ يعني خروجهم فَثَبَّطَهُمْ عن غزاة تبوك وَقِيلَ اقْعُدُوا وحيا إلى قلوبهم مَعَ الْقاعِدِينَ- ٤٦- ألهموا ذلك، يعني مع المتخلفين لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ «١» يعني معكم إلى العدو مَا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا يعني عيا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يتخلل الراكب الرجلين حتى يدخل بينهما «٢» فيقول ما لا ينبغي يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يعني الكفر وَفِيكُمْ معشر المؤمنين سَمَّاعُونَ لَهُمْ من غير المنافقين «اتخذهم المنافقون «٣»» عيونا لهم يحدّثونهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ- ٤٧- منهم عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبيل، وجد بن قيس» ورفاعة بن التابوت، وأو ليس بن قيظي، ثم أخبر عن المنافقين فقال: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ يعني الكفر في غزوة تبوك وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ظهرا لبطن كيف يصنعون حَتَّى جاءَ الْحَقُّ يعنى الإسلام وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ يعني دين الإسلام وَهُمْ كارِهُونَ- ٤٨- للإسلام وَمِنْهُمْ يعني من المنافقين مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي وذلك أن النبيﷺ- أمر الناس بالجهاد إلى غزاة تبوك وذكر بنات الأصفر لقوم وقال: لعلكم تصيبون منهن. قال «٤» ذلك ليرغبهم في الغزو، وكان الأصفر رجلا من الحبش، فقضى الله له أن ملك الروم، فاتخذ من نسائهم لنفسه، وولدن له نساءً كنَّ مثلا في الحسن «٥»، فقال جد بن قيس الأنمارى
_________________
(١) فى أ: ولو خرجوا فيكم.
(٢) فى أ: بينهم.
(٣) فى أ: هم المنافقين.
(٤) فى أ: فقال. []
(٥) فى أ: الحسن، وفى حاشية أ: فى الأصل الحبشي.
[ ٢ / ١٧٣ ]
- من بني سلمة بن جشم-: يا رسول الله قد علمت الأنصار حرصي على النساء وإعجابي بهن وإني أخاف أن أفتتن بهن فأذن لي ولا تفتني ببنات الأصفر وإنما اعتلَّ بذلك كراهية الغزو فأنزل الله﷿ «وَمِنْهُمْ» يعني من المنافقين «مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي» يقول الله: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا يقول ألا في الكفر وقعوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ- ٤٩- ثم أخبر عنهم وعن المتخلفين بغير عذر فقال: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ يعني: الغنيمة في غزاتك يوم بدر تسوءهم وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ بلاء من العدو يوم أحد، وهزيمة، وشدة، يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا في القعود مِنْ قَبْلُ أن تصبك «١» مصيبة وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ- ٥٠- لما أصابك من شدة يقول الله لنبيهﷺ-: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا من شدة أو رخاء هُوَ مَوْلانا يعني ولينا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ- ٥١- يعنى وبالله [١٥٥ أ] فليثق الواثقون قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إما الفتح والغنيمة في الدنيا، وإما شهادة فيها الجنة في الآخرة والرزق وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ العذاب والقتل أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ عذاب بِأَيْدِينا فنقتلكم فَتَرَبَّصُوا بنا الشر إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ- ٥٢- بكم العذاب قُلْ يا محمد للمنافقين أَنْفِقُوا طَوْعًا من قبل أنفسكم أَوْ كَرْهًا مخافة القتل لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ النفقة إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ- ٥٣- يعني عصاة وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ بالتوحيد وَكفروا «بِرَسُولِهِ» «٢»
_________________
(١) فى أ: تصبيك.
(٢) ساقطة من أومثبتة فى حاشية أ.
[ ٢ / ١٧٤ ]
بمحمدﷺ- أنه ليس برسول وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى يعنى متناقلين ولا يرونها واجبة عليهم وَلا يُنْفِقُونَ يعني المنافقين الأموال إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ- ٥٤- غير محتسبين فَلا تُعْجِبْكَ يا محمد أَمْوالُهُمْ «وَلا أَوْلادُهُمْ يعني المنافقين إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» «١» بما يلقون في جمعها من المشقة وفيها من المصائب «٢»» وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ يعني ويريد أن تذهب أنفسهم على الكفر فيميتهم كفارا فذلك قوله: وَهُمْ كافِرُونَ- ٥٥- بتوحيد الله ومصيرهم إلى النار وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يعنيهم إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ معشر المؤمنين على دينكم يقول الله:
وَما هُمْ مِنْكُمْ على دينكم وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ- ٥٦- القتل فيظهرون الإيمان، ثم أخبر عنهم فقال: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً يعنى حرزا «٣» يلجأون إليه أَوْ مَغاراتٍ يعني الغيران في الجبال أَوْ مُدَّخَلًا يعني سربا في الأرض لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وتركوك يا محمد وَهُمْ يَجْمَحُونَ- ٥٧- يعني يستبقون إلى الحرز وَمِنْهُمْ يعني المنافقين مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ يعني يطعن عليك- نظيرها «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» «٤» وذلك
أن النبيﷺ- قسم الصدقة وأعطى بعض المنافقين ومنع بعضا وتعرض له أبو الخواص فلم يعطه شيئا فقال أبو الخواص: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاء الغنم وهو يزعم أنه يعدل فقال النبيﷺ-: لا أبالك، أما كان
_________________
(١) فى أ: «وَلا أَوْلادُهُمْ» يعنى المنافقين «فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» فيها تقديم «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها» يعنى أن يعذبهم بها فى الآخرة «وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ» .
(٢) ما بين الأقواس «» زيادة من الجلالين.
(٣) فى أ: حورا، ل: حرزا.
(٤) سورة الهمزة: الآية الأولى.
[ ٢ / ١٧٥ ]
موسى راعيا، أما كان داود راعيا. فذهب أبو الخواص فقال النبيﷺ-: احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون، فأنزل الله «وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ»
يعنى يطعن عليك بأنك لم تعدل في القسمة فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ- ٥٨- وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتاهُمُ يعني ما أعطاهم اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ يعنى سيغنينا الله مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ فيها تقديم إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ- ٥٩- ثم أخبر عن أبي الخواص أن غير أبي الخواص أحق منه بالصدقة وبين أهلها فقال:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ الذين [١٥٥ ب] لا يسألون الناس وَالْمَساكِينِ الذين يسألون الناس وَالْعامِلِينَ عَلَيْها يعطون مما جبوا من الصدقات على قدر ما جبوا من الصدقات وعلى قدر ما شغلوا به أنفسهم عن حاجتهم وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ يتألفهم بالصدقة يعطيهم منها منهم أبو سفيان، وعيينة بن حصن، وسهل ابن عمرو، وقد انقطع حتى المؤلفة اليوم إلا أن ينزل قوم منزلة أولئك فإن أسلموا أعطوا من الصدقات تتألفهم «١» بذلك ليكونوا دعاة إلى الدين وَفِي الرِّقابِ يعني وفي فك الرقاب يعني أعطوا المكاتبين وَالْغارِمِينَ وهو الرجل يصيبه غرم في ماله من غير فساد ولا معصية وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في الجهاد يعطى على قدر ما يبلغه في غزاته وَابْنِ السَّبِيلِ يعني المسافر المجتاز وبه حاجة يقول: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ لهم هذه القسمة لأنهم أهلها وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأهلها حَكِيمٌ- ٦٠- حكم قسمتها
وقال النبيﷺ- لا تحل الصدقة لمحمد، ولا لأهله، ولا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي: يعني القوي الصحيح.
وكان المؤلفة قلوبهم: ثلاثة عشر رجلا، منهم أبو سيفان بن حرب بن أمية،
_________________
(١) فى أ: تألفهم.
[ ٢ / ١٧٦ ]
والأقرع بن حابس المجاشعي، وعيينة بن حصن الفزاري، وحويطب بن عبد العزى القرشي من بني عامر بن لؤي، والحارث بن هشام المخزومي، وحكيم ابن حزام من بني أسد بن عبد العزى، ومالك بن عوف النضري، وصفوان ابن أمية القرشي، وعبد الرحمن بن يربوع، وقيس بن عدى السهمي، وعمرو ابن مرداس، والعلاء بن الحارث الثقفي، أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل ليرغبهم في الإسلام ويناصحون الله ورسوله غير أنه أعطى عبد الرحمن بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزى القرشي خمسين من الإبل، وكان أعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا نبى الله، ما كانت أرى أن أحدا من المسلمين أحق بعطائك مني فزاده النبيﷺ- فكره ثم زاده عشرة فكره «١» فأتمها له مائة من الإبل فقال حكيم: يا رسول الله، عطيتك الأولى التي رغبت عنها أهي خير أم التي قنعت بها؟ فقال النبيﷺ- الإبل التي رغبت عنها. فقال: والله لا آخذ غيرها. فأخذ السبعين فمات وهو أكثر قريش مالا، فشق «٢» النبيﷺ- تلك العطايا، فقال النبيﷺ-: إني لأعطي رجلا وأترك آخر، وإن الذي أترك أحب إلي من الذي أعطي، ولكن أتألف هؤلاء بالعطية وأوكل «٣» المؤمن إلى إيمانه
_________________
(١) فى أ، ل زيادة: فزاده النبيﷺ- عشرة فكر. وهو خطا سببه سبق النظر: فقد أخذ سبعين ثم زاده النبي عشرة ثم عشرة فصارت تسعين، ثم أتمها مائة. أما لو سرنا على ما هو مكتوب لكان معناه أعطاه سبعين ثم زاده عشرة ثم زاده عشرة فكره- أى أذكره ٣ ٧ ١٠٠ فلا بد أن هناك جملة من ثم زاده عشرة فكره زائدة بسبب سبق النظر.
(٢) هكذا فى: أ، ل والأنسب: وقد شق.
(٣) فى أ: وأوكل، ل: وأكل.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وَمِنْهُمُ يعني من المنافقين الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّﷺ- منهم الجلاس بن سويد، وشماس بن قيس، والمخش بن حمير، وسماك بن يزيد، وعبيد بن الحارث، ورفاعة بن زيد، ورفاعة بن عبد المنذر، قالوا: ما لا ينبغي. فقال «١» رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمدا، فيقع بنا. فقال الجلاس: نقول ما شئنا فإنما محمد أذن «٢» [١٥٦ أ] سامعة فنأتيه بما نقول فنزلت في الجلاس وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ يعني النبيﷺ- قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني يصدق بالله، ويصدق المؤمنين وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ يقول محمد رحمة للمؤمنين كقوله: «رَؤُفٌ رَحِيمٌ» «٣» يعنى للمصدقين بتوحيد الله رءوف رحيم وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٦١- يعنى وجيع يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ بعد اليوم منهم عبد الله ابن أبي حلف «٤» ألا نتخلف عنك ولنكونن معك على عدوك وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ فيها تقديم إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ- ٦٢- يعني مصدقين بتوحيد الله﷿- أَلَمْ يَعْلَمُوا يعني المنافقين أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني يعادي الله ورسوله فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها لا يموت ذلِكَ العذاب الْخِزْيُ الْعَظِيمُ- ٦٣- قوله: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ نزلت فى الجلاس ابن سويد، وسماك بن عمر، ووداعة بن ثابت، والمخش بن حمير الأشجعى، وذلك أن المخش قال لهم: والله لا أدري إني أشر خليفة الله والله لوددت أني جلدت مائة جلدة
_________________
(١) فى أ: قال.
(٢) فى أ: فإنما محمد أذن، ل: فإنما محمدا أذن.
(٣) سورة التوبة: ١٢٨. []
(٤) فى أ: بن خلف أن لا يتخلف.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وأنه لا ينزل فينا ما يفضحنا فنزل «يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ» أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ يعنى براءة تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق وكانت تسمى الفاضحة قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مبين ما تَحْذَرُونَ- ٦٤- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ وذلك
حين انصرف النبيﷺ- من غزاة تبوك إلى المدينة وبين يديه هؤلاء النفر الأربعة يسيرون ويقولون إن محمدا يقول أنه نزل في إخواننا الذين تخلفوا في المدينة كذا وكذا وهم يضحكون ويستهزءون. فأتاه جبريل فأخبره بقولهم، فبعث النبيﷺ- عمار بن ياسر وأخبر النبيﷺ- عمارا أنهم يستهزءون ويضحكون من كتاب الله ورسولهﷺ وإنك إذا سألتهم ليقولن لك إنما كنا «١» نخوض ونلعب فيما يخوض فيه الركب إذا ساروا قال: فأدركهم قبل أن يحترقوا فأدركهم فقال: ما تقولون؟ قالوا: فيما يخوض فيه الركب إذا ساروا. قال عمار: صدق الله ورسوله، وبلغ الرسول﵇- عليكم غضب الله هلكتم أهلككم الله. ثم انصرف إلى النبيﷺ- فجاء القوم إلى النبيﷺ- يعتذرون إليه، فقال المخش: كنت أسايرهم والذي أنزل عليك الكتاب ما تكلمت بشيء مما قالوا.
فقال «٢» النبيﷺ- ولم ينههم عن شيء مما قالوا وقبل العذر، فأنزل الله﷿- «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ»
يعني ونتلهى قُلْ يا محمد أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ- ٦٥-[١٥٦ ب] إذا استهزءوا بمحمدﷺ- وبالقرآن فقد
_________________
(١) فى أ: كن.
(٢) فى أ، ل: فقال.
[ ٢ / ١٧٩ ]
استهزءوا بالله لأنهما من الله﷿- لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ يعنى المخش الذي لم يخض معهم نُعَذِّبْ طائِفَةً يعني الثلاثة الذين خاضوا واستهزءوا بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ- ٦٦-
«فقال المخش للنبيﷺ- وكيف لا أكون منافقا واسمي وأسمائي أخبث الأسماء، فقال له النبيﷺ- ما اسمك «١»» قال:
المخش بن حمير الأشجعي حليف الأنصار لبني سلمة بن جشم فقال النبيﷺ-: أنت عبد الله بن عبد الرحمن فقتل يوم اليمامة، ثم أخبر عن المنافقين فقال: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
يعني أولياء بعض في النفاق يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ يعني بالتكذيب بمحمدﷺ- وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ يعني الإيمان بمحمدﷺ- وبما جاء به وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ يعني يمسكون عن النفقة في خير نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ يقول تركوا العمل بأمر الله فتركهم الله﷿- من ذكره إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ- ٦٧- وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ يعني مشركي العرب نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها لا يموتون هِيَ حَسْبُهُمْ يقول حسبهم بجهنم شدة العذاب وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ- ٦٨- يعني دائم، هؤلاء المنافقون والكفار كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني من الأمم الخالية كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً يعني بطشا وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ يعني بنصيبهم من الدنيا فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ يعني بنصيبكم من الدنيا كقوله:
«لا خَلاقَ لَهُمْ» «٢» يعني لا نصيب لهم ثم قال: كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
_________________
(١) ما بين الأقواس «» ساقط من أ، ومثبت من ل.
(٢) سورة آل عمران: ٧٧، وتمامها: «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» .
[ ٢ / ١٨٠ ]
من الأمم الخالية بِخَلاقِهِمْ يعني بنصيبهم وَخُضْتُمْ أنتم في الباطل والتكذيب كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يعني بطلت أعمالهم فلا ثواب لهم فِي الدُّنْيا وَولا في الْآخِرَةِ لأنها كانت في غير إيمان وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ- ٦٩- ثم خوفهم فقال: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ يعنى حديث الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني عذاب قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ يعني قوم شعيب وَالْمُؤْتَفِكاتِ يعني المكذبات يعني قوم لوط القرى الأربعة أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ تخبرهم أن العذاب نازل بهم في الدنيا فكذبوهم فأهلكوا «١» فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ يعني أن يعذبهم على غير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- ٧٠- ثم ذكر المؤمنين وتقاهم، فقال:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ يعنى المصدقين بتوحيد الله «الْمُؤْمِناتُ» يعني المصدقات بالتوحيد، يعني أصحاب رسول اللهﷺ- منهم علي بن أبي طالب﵁- «٢» بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في الدين يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ يعني الإيمان بمحمدﷺ- «وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» «٣» وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني ويتمون الصلوات «٤» الخمس وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني ويعطون الزكاة وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ [١٥٧ أ] فى ملكه حَكِيمٌ- ٧١- فى أمره قوله: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ «خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ»
_________________
(١) فى أ، ل: يعنى بخبر العذاب فى الدنيا بأنه نازل بهم فكذبوهم فأهلكوا.
(٢) فى ل: يعنى المصدقات، يعنى على بن أبى طالب، والمثبت من أ.
(٣) ما بين القوسين «» ساقطة من: أ، ل.
(٤) فى أ: الصلاة.
[ ٢ / ١٨١ ]
«١» يعني قصور الياقوت والدر فتهب ريح طيبة من تحت العرش بكثبان المسك الأبيض- نظيرها فى «هل أتى»: «نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا» «٢» عاليهم «٣» كثبان المسك الأبيض، ثم قال: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ يعني ورضوان الله عنهم أَكْبَرُ يعني أعظم مما أعطوا في الجنة من الخير ذلِكَ الثواب هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ٧٢- وذلك أن الملك من الملائكة يأتي باب ولي الله فلا يدخل عليه إلا بإذنه والقصة فى «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ» قوله:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ يعني كفار العرب بالسيف وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ على المنافقين باللسان ثم ذكر مستقرهم في الآخرة فقال:
وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني مصيرهم جهنم يعني كلا الفريقين وَبِئْسَ الْمَصِيرُ- ٧٣- يعني حين يصيرون إليها يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وذلك
أن النبيﷺ- أقام في غزاة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين، جعلهم رجسا فسمع من غزا مع النبيﷺ- من المنافقين، فغضبوا لإخوانهم المتخلفين فقال جلاس بن سويد بن الصامت «٤»:
وقد سمع عامر بن قيس الأنصاري من بني عمرو بن عوف، الجلاس يقول:
والله لئن كان ما يقول محمد حقا لإخواننا الذين خلفناهم وهم سراتنا وأشرافنا لنحن أشر من الحمير. فقال عامر بن قيس للجلاس: أجل والله، إن محمدا لصادق
_________________
(١) «خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ»: ساقطة من أ، ل.
(٢) سورة الإنسان: ٢٠.
(٣) فى ل: عليهم، أ: عاليهم.
(٤) ورد ذلك فى لباب النقول للسيوطي: ١١٩، كما ورد فى أسباب النزول للواحدي: ١٤٤.
[ ٢ / ١٨٢ ]
مصدق، ولأنت أشر من الحمار. فلما قدم النبيﷺ- المدينة أخبر عاصم بن عدي الأنصاري عن قول عامر بما قال الجلاس. فأرسل النبيﷺ- إلى عامر والجلاس، فذكر النبيﷺ- للجلاس ما قال، فحلف الجلاس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: لقد قاله وأعظم منه فقال النبيﷺ-: ما هو؟ قال: أرادوا قتلك فنفر الجلاس وأصحابه من ذلك، فقال النبيﷺ-:
قوما فاحلفا فقاما عند المنبر فحلف الجلاس ما قال ذلك، وأن عامرا كذب ثم حلف عامر بالله إنه لصادق ولقد سمع قوله «١» . ثم رفع عامر يده فقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تكذيب الكاذب وصدق الصادق فقال النبيﷺ-: آمين، فأنزل في الجلاس «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا»
وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ يعني بعد إقرارهم بالإيمان وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا من قتل النبيﷺ- بالعقبة وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ فقال الجلاس:
فقد عرض الله على التوبة، أجل والله لقد قلته فصدق عامرا وتاب «٢» الجلاس.
وحسنت توبته، ثم قال: «وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا» من قتل النبيﷺ- يعني المنافقين أصحاب العقبة ليلة هموا بقتل النبيﷺ- بالعقبة بغزوة تبوك منهم عبد الله بن أبى [١٥٧ ب]، رأس «٣» المنافقين، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، والجلاس بن سويد، ومجمع
_________________
(١) أى: سمع قول الجلاس. []
(٢) فى أ: فتاب.
(٣) فى أ: أشر، ل: رأس.
[ ٢ / ١٨٣ ]
ابن حارثة «١»، وأبو عامر بن النعمان، وأبو الخواص، ومرارة بن ربيعة، وعامر ابن الطفيل، وعبد الله بن عتيبة، ومليح التميمي، وحصن بن نمير، ورجل آخر، هؤلاء اثنا عشر رجلا. وتاب أبو لبابة بن عبد المنذر، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك الشاعر، وكانوا خمسة عشر رجلا.
«وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ» وَإِنْ يَتَوَلَّوْا عن التوبة يُعَذِّبْهُمُ «اللَّهُ» «٢» عَذابًا أَلِيمًا يعني شديدا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ يمنعهم وَلا نَصِيرٍ- ٧٤- يعني مانع من العذاب وَمِنْهُمْ يعني من المنافقين مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ «٣» ولنصلن رحمي وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ «٤» - ٧٥- يعني من المؤمنين بتوحيد الله لأن المنافقين لا يخلصون بتوحيد الله﷿- فأتاه الله برزقه وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلا من المنافقين خطأ وكان حميما لحاطب فدفع النبيﷺ- دينه إلى ثعلبة بن حاطب «فبخل ومنع حق الله وكان المقتول قرابة «٥» بن ثعلبة بن حاطب «٦»» يقول الله:
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني أعطاهم من فضله «٧» بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا «وَهُمْ «٨»» مُعْرِضُونَ
_________________
(١) فى أ: جارية، ل: حارثة. (٢، ٣) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
(٢) فى أ: «لأصدقن» ولأصلن رحمي ولأكونن وفى حاشية أ: التلاوة «لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ» .
(٣) فى أ: من.
(٤) ما بين الأقواس «» ساقط من: ل، مثبت من: أ.
(٥) فى أ: إلى قوله « يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ» فذكرت نص القرآن.
(٦) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
[ ٢ / ١٨٤ ]
- ٧٦- فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ يعني إلى يوم القيامة بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ- ٧٧- لقوله «لئن آتانا الله» يعني أعطاني الله، لأصدقن ولأفعلن، ثم لم يفعل»
. ثم ذكر أصحاب العقبة فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ يعني الذي أجمعوا عليه من قتل النبيﷺ- وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ- ٧٨- ثم نعت المنافقين فقال: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وذلك
أن النبيﷺ- أمر الناس بالصدقة وهو يريد غزاة تبوك وهي غزاة العسرة فجاء عبد الرحمن بن عوف الزهري بأربعة آلاف درهم كل درهم مثقال، فقال النبيﷺ-: أكثرت يا عبد الرحمن بن عوف، هل تركت لأهلك شيئا؟ قال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف أما أربعة آلاف فأقرضتها ربي، وأما أربعة آلاف «٢» الأخرى فأمسكتها لنفسي، فقال له النبيﷺ-: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت، فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى أنه يوم مات بلغ ثمن ماله لامرأتيه ثمانين ومائة ألف، لكل امرأة تسعون ألفا،
وجاء أصم بن عدي الأنصاري من بني عمرو بن عوف بسبعين وسقا من تمر وهو حمل بعير فنثره في الصدقة واعتذر إلى النبيﷺ- من قلته وجاء أبو عقيل [١٥٨ أ] بن قيس الأنصاري من بني عمرو «٣» بصاع فنثره في الصدقة، فقال: يا نبي الله، بت ليلتي أعمل
_________________
(١) ورد ذلك فى لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي: ١٢٠- ١٢١، كما ورد فى أسباب النزول للواحدي: ١٤٥- ١٤٦.
(٢) فى أ: الألف.
(٣) فى أ: عمر، ل: عمرو.
[ ٢ / ١٨٥ ]
في النخل أجر بالجرين على صاعين، فصاع أقرضته ربي، وصاع تركته لأهلي، فأحببت أن يكون لي نصيب في الصدقة، ونفر من المنافقين جلوس فمن جاء بشيء كثير، قالوا: مراء «١» . ومن جاء بقليل، قالوا: كان هذا أفقر إلى ماله. وقالوا لعبد الرحمن، وعاصم: ما أنفقتم إلا رياء وسمعة. وقالوا لأبي عقيل: لقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أبي عقيل. فسخروا وضحكوا منهم فأنزل الله﷿- «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ» يعني يطعنون، يعني معتب بن قيس، وحكيم بن زيد «٢» «الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ» يعني عبد الرحمن بن عوف، وعاصم وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ يعني أبا عقيل فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ يعني من المؤمنين سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ يعني سخر الله من المنافقين في الآخرة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٧٩- يعني وجيع نظيرها «إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ» «٣» يعني سخر الله من المنافقين «٤»، اسْتَغْفِرْ لَهُمْ يعني المنافقين أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ- ٨٠-
قال عمر بن الخطاب:
لا تستغفر لهم بعد ما نهاك الله عنه. فقال النبيﷺ-:
يا عمر أفلا أستغفر لهم إحدى وسبعين مرة، فأنزل الله﷿- سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ «٥»
من شدة غضبه عليهم فصارت الآية التي
_________________
(١) فى أ: مرأى.
(٢) ورد ذلك فى أسباب النزول للواحدي: ١٤٦- ١٤٧ كما ورد فى لباب النقول للسيوطي: ١٢١. []
(٣) سورة هود: ٣٨.
(٤) فى أ: كرر هذه الجملة مرتين ولعل أحدهما زائدة.
(٥) سورة المنافقون: ٦.
[ ٢ / ١٨٦ ]
في براءة «١» منسوخة نسختها التي في المنافقين: «أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ «٢»» فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ عن غزاة تبوك خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وهم بضع وثمانون رجلا منهم من اعتل بالعسرة وبغير ذلك وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا «٣» بعضهم لبعض لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ مع محمدﷺ- إلى غزاة تبوك في سبعة نفر أبو لبابة وأصحابه، قالوا: بأن الحر شديد والسفر بعيد «٤» قُلْ يا محمد نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ- ٨١- في قراءة ابن مسعود «لو كانوا يعلمون» فَلْيَضْحَكُوا في الدنيا قَلِيلًا يعني بالقليل الاستهزاء فإن ضحكهم ينقطع وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا في الآخرة في النار ندامةً والكثير الذي لا ينقطع جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- ٨٢- فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ من غزاة تبوك إلى المدينة إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا في غزاة وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني من تخلف من المنافقين وهي طائفة «٥» وليس كل من تخلف عن غزاة تبوك منافق فَاقْعُدُوا عن الغزو مَعَ الْخالِفِينَ- ٨٣-[١٥٨ ب] منهم عبد الله بن أبي، وجد بن قيس، ومعتب بن قشير، وذلك أن عبد الله بن أبي رأس المنافقين توفي فجاء ابنه إلى
_________________
(١) يشير إلى الآية: ٨٠ من سورة التوبة.
(٢) ليس هنا نسخ كما ترى فكلتا الآيتين تفيدان معنى واحدا هو عدم المغفرة للمنافقين، وإن تنوع الأسلوب.
(٣) فى أ: وقال. وفى حاشية أ: التلاوة: وقالوا.
(٤) ورد فى لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي: ١٢١.
(٥) الأنسب: وهم طائفة.
[ ٢ / ١٨٧ ]
النبيﷺ- فقال: أنشدك بالله أن تشمت بي الأعداء «١» .
فطلب إلى النبيﷺ- أن يصلي على أبيه فأراد النبيﷺ- أن يفعل فنزلت فيه وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ يعني من المنافقين ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ يعنى بتوحيد الله وَكفروا ب رَسُولِهِ بأنه ليس برسول وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ- ٨٤- فانصرف النبيﷺ- فلم يصل عليه «٢» وأمر أصحابه فصلوا عليه وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا «٣»» وَتَزْهَقَ يقول وتذهب أَنْفُسُهُمْ كفارا يعني يموتون على الكفر فذلك قوله: وَهُمْ كافِرُونَ- ٨٥- وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يعنى براءة فيها أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ يعني أن صدقوا بالله وبتوحيده وَجاهِدُوا العدو مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ يا محمد أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ يعني أهل السعة من المال منهم يعني من المنافقين وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ- ٨٦- يعني مع المتخلفين عن الغزو منهم جد بن قيس، ومعتب بن قشير، يقول الله: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ يعني مع النساء وَطُبِعَ يعني وختم عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ- ٨٧- التوحيد ثم نعت المؤمنين فقال:
لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا العدو بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
_________________
(١) هكذا فى: أ، ل. والأنسب: ألا تشمت بى الأعداء.
(٢) ورد ذلك فى لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي: ١٢٢ كما ورد فى أسباب النزول للواحدي: ١٤٧.
(٣) فى أ: «وأولادهم فى الدنيا إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا» فِي الآخرة فيها تقديم، وقد صوبت الآية كما وردت.
[ ٢ / ١٨٨ ]
في سبيل الله يعني في طاعة الله وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ٨٨- أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها لا يموتون ذلِكَ الثواب الذي ذكر هو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ٨٩- وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ إلى النبيﷺ- لِيُؤْذَنَ لَهُمْ «القعود» «١» وهم خمسون رجلا منهم أبو الخواص الأعرابي وَقَعَدَ عن الغزو الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ يعنى بتوحيد الله وَكذبوا ب رَسُولَهُ أنه ليس برسول سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ يعني المنافقين عَذابٌ أَلِيمٌ- ٩٠- يعني وجيع، ثم رخص فقال: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ يعني الزمنى والشيخ الكبير وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ في القعود إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ لتخلفهم عن الغزو رَحِيمٌ- ٩١- بهم يعني جهينة، ومزينة، وبني عذرة وَلا حرج عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لهم، يا محمد:
لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا يعني انصرفوا عنك وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ- ٩٢- فى غزاتهم نزلت فى سبع نفر منهم عمرو بن عبسة «٢» من بني عمرو بن يزيد بن عوف، وعلقمة بن يزيد «٣»، والحارث «٤» من بنى وافد «٥»، وعمرو «٦» بن حزام من بني سلمة، وسالم بن عمير من عمرو بن عوف، [١٥٩ أ]
_________________
(١) بياض فى أ، وفى ل: القعود.
(٢) فى أ: غنمة، ل: عبسة.
(٣) فى أ: يزيد، ل: زيد. []
(٤) فى أ: والحرث، ل: والحارث.
(٥) فى أ: واقف، ل: وافد.
(٦) فى أ: وعمر، ل: وعمرو.
[ ٢ / ١٨٩ ]
وعبد الرحمن بن كعب من بني النجار «١»، هؤلاء الستة «٢» من الأنصار وعبد الله بن معقل «٣» المزني ويكنى أبا ليلى «٤» عبد الله. وذلك
أنهم أتوا النبيﷺ- فقالوا: احملنا فإنا لا نجد ما نخرج عليه. فقال النبيﷺ-: لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ «تَوَلَّوْا» انصرفوا من عنده وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، ثم عاب أهل السعة فقال: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ
يعني مع النساء بالمدينة وهم المنافقون وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني وختم على قلوبهم بالكفر يعني المنافقين فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ- ٩٣- ثم أخبر عنهم فقال:
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ من غزاتكم يعني عبد الله بن أبي قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ يعني لن نصدقكم بما تعتذرون قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ يقول قد أخبرنا الله عنكم وعن ما قلتم حين قال لنا: «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا» يعني إلا عيا «وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ» «٥» فهذا الذي نبأنا الله من أخباركم، ثم قال: وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ فيما تستأذنون ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني شهادة كل نجوى فَيُنَبِّئُكُمْ في الآخرة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٩٤- في الدنيا سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ يعنى إذا رجعتم إِلَيْهِمْ إلى المدينة
_________________
(١) فى أ: الحارث، ل: النجار.
(٢) فى أ: سبعة، والمذكور سنة فقط غير أنه فى ل ذكر مع الستة كلمة، والحارثة، بدون إعجام.
(٣) فى أ: مفضل، ل: معقل.
(٤) فى أ: أبا الليل، ل: أبا ليلى.
(٥) سورة التوبة: ٤٧.
[ ٢ / ١٩٠ ]
لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ في التخلف فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- ٩٥- فحلف منهم بضع وثمانون رجلا منهم جد بن قيس، ومعتب بن قشير، وأبو لبابة، وأصحابه يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ وذلك أن عبد الله بن أبي حلف للنبيﷺ- بالله الذي لا إله إلا هو: لا نتخلف عنك ولنكونن معك على عدوك وطلب إلى النبيﷺ- «بأن يرضى عنه «١»» وأصحابه يقول الله: فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ يعني عن المنافقين المتخلفين «٢» فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ- ٩٦- يعنى العاصين،
وقال النبيﷺ- حين قدموا المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم. ثم قال: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ
يعني سنن ما أنزل الله على رسوله في كتابه يقول: هم أقل فهما بالسنن «٣» من غيرهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- ٩٧- وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ في سبيل الله مَغْرَمًا لا يحتسبها: كأن «٤» نفقته غرم يغرمها وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ يعني يتربص بمحمد الموت يقول يموت فنستريح منه ولا نعطيه أموالنا، ثم قال: عَلَيْهِمْ بمقالتهم دائِرَةُ السَّوْءِ نزلت في أعراب مزينة وَاللَّهُ سَمِيعٌ لمقالتهم عَلِيمٌ- ٩٨- بها وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [١٥٩ ب] وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يصدق بالله أنه واحد لا شريك له واليوم الآخر يعني يصدق بالتوحيد وبالبعث
_________________
(١) ما بين القوسين «» ساقطة من: أومثبتة فى: ل.
(٢) فى أ: المخلفين، ل: المتخلفين.
(٣) هكذا فى: أ، ل: والأنسب: السنن.
(٤) فى ل: لكأن، أ: كأن.
[ ٢ / ١٩١ ]
الذي فيه جزاء الأعمال وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ في سبيل الله قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ يعني واستغفار النبيﷺ-، ويتخذ النفقة والاستغفار قربات يعني زلفى «١» عند الله فيها تقديم يقول أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ عند الله، ثم أخبر بثوابهم فقال: سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ يعني جنته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ- ٩٩- بهم. نزلت في مقرن المزني»
، ثم قال:
وَالسَّابِقُونَ إلى الإسلام الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الذين صلوا إلى القبلتين علي بن أبي طالب﵇- وعشر نفر من أهل بدر وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ على دينهم الإسلام بِإِحْسانٍ ﵃ بالطاعة وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب وَأَعَدَّ لَهُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتَهَا الْأَنْهارُ يعني بساتين تجري تحتها الأنهار خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يموتون ذلِكَ الثواب الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ١٠٠- وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ يعنى جهينة، مزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، كانت منازلهم حول المدينة وهم منافقون، ثم قال: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ منافقون مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ يعني حذقوا منهم عبد الله بن أبي، وجد بن قيس، والجلاس، ومعتب بن قشير «٣»، ووحوج بن الأسلت، وأبو عامر بن النعمان الراهب- الذي سماه النبيﷺ- الفاسق «٤» وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة- لا تَعْلَمُهُمْ يا محمد نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ يقول
_________________
(١) فى أ: زلفة.
(٢) ورد ذلك أيضا فى لباب النقول للسيوطي: ١٢٣. []
(٣) فى أ: قيس، ل: قشير.
(٤) فى أ: الراهب، ل: الفاسق.
[ ٢ / ١٩٢ ]
للنبيﷺ- لا تعرف نفاقهم نحن نعرف نفاقهم سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ عند الموت تضرب الملائكة الوجوه والأدبار وفي القبر منكر ونكير ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ- ١٠١- يعني عذاب جهنم وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا يعني غزاة قبل غزاة تبوك مع النبيﷺ- وَآخَرَ سَيِّئًا تخلفهم عن غزاة تبوك نزلت في أبي لبابة: اسمه مروان بن عبد المنذر، وأوس بن حزام «١»، ووديعة بن ثعلبة، كلهم من الأنصار وذلك حين بلغهم أن النبيﷺ- قد أقبل راجعا من غزاة تبوك وبلغهم ما أنزل الله﷿- في المتخلفين أوثقوا أنفسهم هؤلاء الثلاثة إلى سواري المسجد «٢»
وكان النبيﷺ- إذا قدم من غزاة صلى في المسجد ركعتين قبل أن يدخل إلى أهله وإذا خرج إلى غزاة صلى ركعتين فلما رآهم موثقين سأل عنهم قيل هذا أبو لبابة وأصحابه ندموا على التخلف وأقسموا ألا يحلوا «٣» أنفسهم حتى يحلهم النبيﷺ-، فقال النبيﷺ-: وأنا أحلف لا أطلق «٤» عنهم حتى أومر ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله﷿- فأنزل الله فى أبى لبابة [١٦٠ أ] وأصحابه وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا
يعني غزوتهم قبل ذلك وَآخَرَ سَيِّئًا يعني تخلفهم بغير إذن عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
_________________
(١) فى أ: حزام، ل: حزام.
(٢) ورد ذلك فى لباب النقول للسيوطي: ١٢٣، كما ورد فى أسباب النزول للواحدي: ١٤٨- ١٤٩.
(٣) فى أ: أن لا يحلوا.
(٤) فى أ: لأطلق. تفسير مقاتل- ١٣
[ ٢ / ١٩٣ ]
لتخلفهم رَحِيمٌ- ١٠٢- بهم. قال مُقَاتِل: العسى من الله واجب فلما نزلت هذه الآية حلهم النبي﵇- فرجعوا إلى منازلهم ثم جاءوا بأموالهم إلى النبيﷺ- فقالوا: هذه أموالنا التي تخلفنا من أجلها عنك فتصدق بها فكره النبيﷺ- «أن «١» يأخذها» فأنزل الله خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ من تخلقهم وَتُزَكِّيهِمْ يعنى وتصلحهم بِها وَصَلِّ «٢» عَلَيْهِمْ يعني واستغفر لهم إِنَّ صَلاتَكَ «٣» سَكَنٌ لَهُمْ يعني إن استغفارك لهم، سكن لقلوبهم وطمأنينة لهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم خذ أموالنا فتصدق بها عَلِيمٌ- ١٠٣- بما قالوا «٤» .
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ يعني ويقبل الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ- ١٠٤- فأخذ النبيﷺ- من أموالهم التي جاءوا بها للثلث، وترك الثلثين لأن الله﷿- قال: خذ من أموالهم، ولم يقل خذ أموالهم. فلذلك لم يأخذها كلها، فتصدق بها عنهم وَقُلِ لهم يا محمد اعْمَلُوا فيما تستأنفون فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٥» وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
_________________
(١) أن يأخذها من: ل وليست فى: أ.
(٢) فى أ: «تطهرهم بها وتزكيهم،» والآية تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها.
(٣) فى أ: صلواتك وهي كذلك فى المصحف وتنطق صلاتك.
(٤) وردت قصة الآيتين السابقين: ١٠٢، ١٠٣ فى كتاب لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطي: ١٢٣، ١٢٤، وفى كتاب أسباب النزول للواحدي: ١٤٩.
(٥) فى أ: إلى قوله: «تعملون» .
[ ٢ / ١٩٤ ]
- ١٠٥- وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ يعني التوبة عن أمر الله نظيرها «أَرْجِهْ وَأَخاهُ» «١» يعني أوقفه «٢» وأخاه حتى ننظر في أمرهما، «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ» يعني موقوفون للتوبة عن أمر الله مرارة بن ربيعة من بني زيد، وهلال بن أمية من الأنصار من أهل قباء من بني واقب، «٣» وكعب بن مالك الشاعر من بني سلمة كلهم من الأنصار من أهل قباء، لم يفعلوا كفعل أبي لبابة لم يذكروا بالتوبة ولا بالعقوبة فذلك قوله: إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ فيتجاوز عنهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- ١٠٦- في قراءة ابن مسعود «والله غفور رحيم» ثم قال: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا يعني مسجد المنافقين وَكُفْرًا في قلوبهم يعني النفاق وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ نزلت في اثني عشر رجلا من المنافقين وهم من الأنصار كلهم من بني عمرو «٤» بن عوف منهم: حرح «٥» بن خشف، وحارثة بن عمرو «٦»، وابنه زيد بن حارثة، ونفيل بن الحرث «٧»، ووديعة بن ثابت، وحزام «٨» بن خالد «٩»، ومجمع بن حارثة، قالوا: نبني مسجدا نتحدث فيه وتخلوا فيه فإذا رجع أبو عامر الراهب «١٠»
_________________
(١) سورة الأعراف: ١١١، سورة الشعراء: ٣٦.
(٢) فى أ: قفه، ل: أوقفه.
(٣) فى أ: واقف وفى ل: من بنى واقد ثم أصلحها فصارت واقب. []
(٤) فى أ: عمر، ل: عمرو.
(٥) هكذا فى: أ، ل: بدون إعجام.
(٦) فى أ: عمر، ل: عمرو.
(٧) هكذا: الحرث فى: أ، ل.
(٨) فى أ: حزام، ل: حرام.
(٩) فى ل: خلد.
(١٠) فى ل: الزاهد، وليست فى: أ، وفى السيوطي: الراهب.
[ ٢ / ١٩٥ ]
اليهودي من الشام أبو حنظلة- غسيل الملائكة، قلنا له: بنيناه لتكون إمامنا فيه فذلك قوله: وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ يعني أبا عامر الذي كان يسمى الراهب لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا بقنسرين لدعوة النبيﷺ-،
وأنهم أتوا النبيﷺ- فقالوا: يبعد علينا المشي [١٦٠ ب] إلى الصلاة «فأذن لنا في بناء مسجد فأذن لهم «١» ففرغوا» منه يوم الجمعة فقالوا للنبيﷺ-: من يؤمهم؟
قال رجل منهم. فأمر مجمع بن حارثة أن يؤمهم فنزلت هذه الآية
وحلف مجمع ما أردنا ببناء المسجد إلا الخير فأنزل الله﷿- في مجمع وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ- ١٠٧- فيما يحلفون لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا يعني في مسجد المنافقين، إلى الصلاة أبدا فكان النبيﷺ- لا يصلي فيه ولا يمر عليه ويأخذ غير ذلك الطريق وكان قبل ذلك يصلي فيه ثم قال: لَمَسْجِدٌ يعني مسجد قباء وهو أول مسجد بني بالمدينة أُسِّسَ يعني بني عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يعني أول مرة أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ إلى الصلاة لأنه كان بني من قبل مسجد المنافقين، ثم قال: فِيهِ رِجالٌ يعني فى مسجد قباء يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا من الأحداث والجنابة وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ- ١٠٨- نزلت في الأنصار
فلما نزلت هذه الآية انطلق النبيﷺ- حتى قام على باب مسجد قباء وفيه المهاجرون والأنصار. فقال النبيﷺ- لأهل المسجد:
أمؤمنون أنتم؟ فسكتوا فلم يجيبوه. ثم قال ثانية: أمؤمنون أنتم؟ قال عمر
_________________
(١) فى أ: «إلى الصلاة فأذن لنا فأذن لهم فى بناء المسجد»، ل: «إلى الصلاة فأذن لنا في بناء مسجد، ففرغوا » .
[ ٢ / ١٩٦ ]
ابن الخطاب: نعم. فقال النبيﷺ-: أتؤمنون بالقضاء؟
قال عمر: نعم. فقال النبيﷺ-: أتصبرون على البلاء؟
قال عمر: نعم. فقال النبيﷺ-: أتشكرون على الرخاء؟
فقال عمر: نعم. فقال النبيﷺ-: أنتم مؤمنون ورب الكعبة. وقال النبيﷺ- للأنصار: إن الله﷿- قد أثنى عليكم في أمر الطهور. فماذا تصنعون؟ قالوا: نمر الماء على أثر البول والغائط فقرأ النبيﷺ- هذه الآية: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
ثم إن مجمع بن حارثة «١» حسن إسلامه فبعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة يعلمهم القرآن وهو علم عبد الله بن مسعود لقنه «٢» القرآن أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ يعني مسجد قباء عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ يقول مما يراد فيه من الخير ورضى الرب خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ أصل بنيانه عَلى شَفا جُرُفٍ يعني على حرف ليس له أصل هارٍ يعني وقع فَانْهارَ بِهِ
فجر به القواعد فِي نارِ جَهَنَّمَ يقول صار البناء إلى نار جهنم وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ١٠٩- فلما فرغ القوم من بناء المسجد استأذنوا النبيﷺ- في القيام في ذلك المسجد، وجاء أهل مسجد قباء. فقالوا: يا رسول الله، إنا نحب أن تأتى مسجدنا فتصلي فيه حتى نقتدي بصلاتك فمشى رسول اللهﷺ- في نفر من أصحابه وهو يريد مسجد قباء فبلغ ذلك المنافقون فخرجوا يتلقونه فلما بلغ المنتصف «٣»
_________________
(١) فى أ: جارية.
(٢) فى ل: وهو علم ابن مسعود.
(٣) فى أ، ل: المنصف.
[ ٢ / ١٩٧ ]
نزل جبريل بهذه الآية أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ [١٦١ أ] يعني أهل مسجد قباء أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ فلما قالها جرف نظر النبيﷺ- إلى المسجد «حتى تهور «١»» في السابعة فكاد يغشى على النبيﷺ- وأسرع الرجوع إلى موضعه وجاء المنافقون يعتذرون بعد ذلك فقبل علانيتهم ووكل سر أثرهم إلى الله﷿- فقال الله: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ يعني حسرة وحزازة في قلوبهم لأنهم ندموا على بنائه إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ يعني حتى الممات وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- ١١٠- فبعث النبيﷺ- عمار بن ياسر، ووحشي مولى المطعم بن عدى فخرفاه فخسف به في نار جهنم وأمر أن يتخذ كناسة ويلقي فيه الجيف، وكان مسجد قباء في بني سالم، وبني بعد هجرة النبيﷺ- بأيام، ثم رغب الله في الجهاد فقال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ يعني بقية آجالهم وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ العدو وَيُقْتَلُونَ ثم يقتلهم العدو وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا حتى ينجز لهم ما وعدهم يعني ما ذكر من وعدهم في هذه الآية وذلك أن الله عهد إلى عباده أن من قتل في سبيل الله فله الجنة ثم قال: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فليس أحدا أوفى منه عهدا، ثم قال: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ الرب بإقراركم وَذلِكَ الثواب هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ١١١- يعني النجاء العظيم يعني الجنة، ثم نعت أعمالهم فقال: التَّائِبُونَ من الذنوب
_________________
(١) فى ل، حتى يلوى.
[ ٢ / ١٩٨ ]
الْعابِدُونَ يعني الموحدين الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ يعني الصائمين الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ في الصلاة المكتوبة الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ يعني بالإيمان بتوحيد الله وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعنى عن الشرك وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ يعني ما ذكر في هذه الآية لأهل الجهاد وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ- ١١٢- يعني الصادقين بهذا الشرط بالجنة مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ إلى آخر الآية، وذلك
أن النبيﷺ- سأل بعد ما افتتح مكة: أي أبويه أحدث به عهدا؟ قيل له: أمك آمنة بنت وهب بن عبد مناف. قال: حتى أستغفر لها فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك. فهم النبيﷺ- بذلك فأنزل الله﷿-:
«ما كانَ لِلنَّبِيِّ»
يعني ما ينبغي للنبي «وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ» وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما كانوا «١» كافرين ف تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ- ١١٣- حين ماتوا على الكفر نزلت في محمدﷺ-، وعلي بن أبي طالب﵇ «٢» - فقد استغفر إبراهيم لأبيه وكان كافرا فبين الله كيف كانت هذه الآية فقال: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ وذلك أنه كان [١٦١ ب] وعد أباه أن يستغفر له فلذلك استغفر له فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ لإبراهيم أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ حين مات كافرا لم يستغفر له وتَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ يعنى لموقن بلغة الحبشة
_________________
(١) فى أ: ما كانوا.
(٢) وردت عدة روايات فى أسباب نزول هذه الآية فى كتاب لباب النقول للسيوطي: ١٢٧. وفى أسباب النزول الواحدي: ١٥٠. ومن بين الروايات ما ذكره مقاتل. []
[ ٢ / ١٩٩ ]
حَلِيمٌ- ١١٤- يعني تقي زكي وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ وذلك أن الله أنزل فرائض فعمل بها المؤمنون ثم نزل بعدُ ما نسخ به الأمر الأول فحولهم إليه، وقد غاب أناس لم يبلغهم ذلك فيعملوا بالناسخ بعد النسخ وذكروا ذلك للنبيﷺ- فقالوا: يا نبي الله، كنا عندك والخمر حلال والقبلة إلى بيت المقدس ثم غبنا عنك فحولت القبلة ولم نشعر بها فصلينا إليها بعد التحويل والتحريم. وقالوا «١»: ما ترى يا رسول الله. فأنزل الله﷿- «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ»
المعاصي. يقول ما كان الله ليترك قوما حتى يبين لهم ما يتقون حين رجعوا من الغيبة وما يتقون من المعاصي إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- ١١٥- من أمرهم بنسخ ما يشاء من القرآن فيجعله منسوخا ويقر ما يشاء فلا ينسخه.
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ الأحياء وَما لَكُمْ معشر الكفار مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يعني من قريب بنفسكم وَلا نَصِيرٍ- ١١٦- يعني ولا مانع لقول الكفار إن القرآن ليس من عند الله إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه نظيرها في البقرة «مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ » إلى آخر الآية-: «أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «٢»» لَقَدْ تابَ اللَّهُ يعني تجاوز الله عنهم عَلَى النَّبِيِّﷺ- وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ يعنى غزاة تبوك وأصاب
_________________
(١) فى أ: فقالوا.
(٢) سورة البقرة: ١٠٦.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
المسلمين جهد وجوع شديد فكان الرجلان والثلاثة يعتقبون بعيرا سوى ما عليه «١» من الزاد، وتكون التمرة بين الرجلين والثلاثة يعمد أحدهم إلى التمرة فيلوكها ثم يعطيها الآخر فيلوكها ثم يراها آخر فيناشده أن يجهدها ثم يعطيها إياه مِنْ بَعْدِ مَا كادَ يَزِيغُ «٢» يعنى تميل قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ يعني طائفة منهم إلى المعصية ألا ينفروا مع النبيﷺ- إلى غزاة تبوك فهذا التجاوز الذي قال الله: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ «٣» وَالْأَنْصارِ» ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ يعنى تجاوز عنهم إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ- ١١٧- يعني يرق لهم حين تاب عليهم، يعني أبا لبابة وأصحابه ثم ذكر الذين خلفوا عن التوبة. فقال «٤»: وَتاب الله عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا عن التوبة بعد أبي لبابة وأصحابه وهم ثلاثة «٥» مرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك، ولم يذكر توبتهم ولا عقوبتهم وذلك أنهم «٦» لم يفعلوا كفعل أبي لبابة وأصحابه فلم ينزل فيهم شيء شهرا فكان الناس لا يكلمونهم، ولا يخالطونهم [١٦٢ أ]، ولا يبايعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يكلمهم أهلهم، فضاقت عليهم الأرض فأنزل الله﷿- فيهم بعد شهور أو شهر وَتاب أيضا «عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا»
_________________
(١) فى ل: ما أسوأ عليه، أ: سواء ما عليه.
(٢) فى أ: تزيغ، وقد قرأ حمزة وحفص يزيغ بالياء لأن تأنيث القلوب غير حقيقى، وانظر: تفسير البيضاوي.
(٣) فى أ: على المؤمنين والأنصار. والمثبت من: ل.
(٤) فى أ: ثم قال، ل: فقال.
(٥) فى أ: بثلاثة وهو، ل: وهو.
(٦) الأنسب: وذلك لأنهم.
[ ٢ / ٢٠١ ]
عن التوبة يعني بعد أبي لبابة، وهم «١» مرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ يقول ضاقت الأرض بسعتها لأنه لم يخالطهم أحد وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ يعني وأيقنوا ألا حرز من الله إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا يعني تجاوز عنهم لكي يتوبوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ على من تاب الرَّحِيمُ- ١١٨- بهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله﷿- اتَّقُوا اللَّهَ ولا تعصوه في الهجرة وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ- ١١٩- في إيمانهم وقد «٢» أخبر عن الصادقين فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ «٣» .
ثم ذكر المؤمنين الذين لم يتخلفوا عن غزاة تبوك فقال: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عن غزاة تبوك وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ يعني عطشا «٤» وَلا نَصَبٌ يعني ولا مشقة في أجسادهم وَلا مَخْمَصَةٌ يعني الجوع والشدة فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا من سهل ولا جبل
_________________
(١) فى أ: وهو.
(٢) فى أ: ثم أخبر عن الصادقين فقال: «أنما المؤمنين » ومقتضى كلامه أن هذه الآية من سورة التوبة وترتيبها: ١٢٠ التوبة ولكن الواقع أن هذه الآية: ١٥ من الحجرات. لهذا بدلت ثم أخبرت بقولي، وقد أخبر،
(٣) سورة الحجرات: ١٥.
(٤) هكذا فى أ، ل: عطشا، على تضمن يعنى معنى يقصد، وتكون عطشا مفعول.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ «١» من عدوهم نَيْلًا من قتل فيهم أو غارة عليهم إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ- ١٢٠- يعني جزاء «المحسنين «٢»» ولكن يجزيهم بإحسانهم وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً فى سبيل الله صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً يعني قليلا ولا كثيرا وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا من الأودية مقبلين ومدبرين إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما يعني الذي كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٢١- وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً وذلك أن الله عاب في القرآن من تخلف عن غزاة تبوك فقالوا: لا يرانا الله أن نتخلف عَنِ النَّبِيِّﷺ- فِي غزاته، ولا في بعث «٣» سرية، فكان النبيﷺ- إذا بعث سرية رغبوا فيها رغبة في الأجر فأنزل الله﷿- وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ يعنى ما ينبغي لهم لِيَنْفِرُوا إلى عدوهم كَافَّةً يعني جميعا فَلَوْلا نَفَرَ يعني فهلا نفر مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ يعني من كل عصبة منهم طائِفَةٌ وتقيم طائفة مع النبيﷺ- فيتعلمون ما يحدث الله﷿- على نبيهﷺ- من أمر، أو نهي، أو سنة، فإذا رجع هؤلاء الغيب تعلموا من إخوانهم المقيمين فذلك قوله: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ يعنى المقيمين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ يعنى وليحذروا [١٦٢ ب] إخوانهم إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ من غزاتهم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ- ١٢٢- يعني لكي يحذروا المعاصي التي عملوا بها قبل النهى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بالله﷿- قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
_________________
(١) فى أ: من عدوهم.
(٢) من ل، وليست فى أ. []
(٣) فى أ: «وفى بعث»، ل: «ولا فى بعث» .
[ ٢ / ٢٠٣ ]
يعنى الأقرب فالأقرب وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً يعني شدة عليهم بالقول وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ- ١٢٣- في النصر لهم على عدوهم وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ على النبيﷺ- فَمِنْهُمْ من المنافقين مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ السورة إِيمانًا يعنى تصديقا، مع تصديقهم بما أنزل الله﷿- من القرآن من قبل هذه السورة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ- ١٢٤- بنزولها وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني الشك في القرآن وهم المنافقون فَزادَتْهُمْ السورة رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ يعني إثما إلى إثمهم يعني نفاقا مع نفاقهم الذي هم عليه قبل ذلك وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ- ١٢٥- ثم أخبر عن المنافقين فقال: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وذلك أنهم كانوا إذا خلوا تكلموا فيما لا يحل لهم وإذا أتوا النبيﷺ- أخبرهم بما تكلموا به في الخلاء فيعلمون أنه نبي رسول ثم يأتيهم الشيطان فيحدثهم أن محمدا إنما أخبركم بما قلتم لأنه بلغه عنكم فيشكون فيه فذلك قوله:
يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فيعرفون أنه نبي، وينكرون أخرى يقول الله: ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ- ١٢٦- فيما أخبرهم النبيﷺ- بما تكلموا به فيعرفوا ولا يعتبروا.
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ المنافقون بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يسخرون بينهم «١» يعني يتغامزون فقالوا: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ يعني أصحاب محمدﷺ- ثُمَّ انْصَرَفُوا عن الإيمان بالسورة، يقول: أعرضوا عن الإيمان بها صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الإيمان بالقرآن بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
_________________
(١) فى أ: منهم، وفى ل: بينهم.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
- ١٢٧- لَقَدْ جاءَكُمْ يا أهل مكة رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ تعرفونه ولا تنكرونه عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ يقول يعز «١» عليه ما أثمتم «في دينكم «٢»» حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالرشد والهدى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ- ١٢٨- يعني يرق لهم رحيم بهم يعني حين يودهم: كقوله «٣» الرأفة يعني الرقة والرحمة يعني مودة بعضكم لبعض، كقوله رُحَماءُ بَيْنَهُمْ «٤» يعنى متوادين.
فَإِنْ تَوَلَّوْا عنك يعني فإن لم يتبعوك على الإيمان يا محمد فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني به واثق وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ- ١٢٩- يعنى بالعظيم العرش نزلت هاتان الآيتان بمكة، وسائرها بالمدينة.
_________________
(١) فى أ: يعنى، ل: يعز.
(٢) من: ل وليست فى: أ.
(٣) هكذا فى: أ، ل، والأنسب: حذف كقوله، حتى لا يظن أن ما بعدها كلام الله.
(٤) سورة الفتح: ٢٩.
[ ٢ / ٢٠٥ ]