بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)
أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩)
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤)
إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩)
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤)
كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)
إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
[ ٣ / ٨١١ ]
سورة الدخان «١» سورة الدخان مكية عددها تسع وخمسون آية كوفى «٢» .
_________________
(١) معظم مقصود السورة: نزول القرآن فى ليلة القدر، وآيات التوحيد والشكاية من الكفار، وحديث موسى وبنى إسرائيل وفرعون، والرد على منكري البعث وذل الكفار فى العقوبة وعز المؤمنين فى الجنة، والمنة على الرسول نتيسر القرآن على لسانه فى قوله: «فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ » سورة الدخان: ٥٨.
(٢) فى المصحف: (٤٤) سورة الدخان مكية وآياتها ٥٩ نزلت بعد سورة الزخرف وسميت سورة الدخان لقوله فيها: «فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ» سورة الدخان: ١٠.
[ ٣ / ٨١٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم- ١- وَالْكِتابِ الْمُبِينِ- ٢- يعني البين ما فيه إِنَّا أَنْزَلْناهُ يعني القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى السفرة من الملائكة وهم الكتبة، وكان ينزل من اللوح المحفوظ كل ليلة قدر فينزل الله﷿- من القرآن إلى السماء الدنيا، على قدر ما ينزل به جبريل﵇- في السنة إلى مثلها من العام المقبل حتى نزل القرآن كله فى ليلة القدر «١»، «فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ» «٢»: وهي ليلة مباركة، قال، وقال مُقَاتِلُ:
نزل القرآن كله من اللوح المحفوظ إلى السفرة في ليلة واحدة ليلة القدر فقبضه جبريلﷺ- من السفرة في عشرين شهرا، وأداه إلى النَّبِيّﷺ- فِي عشرين سنة وسميت ليلة القدر «ليلة مباركة» «٣» لما فيها من البركة والخير، ثم قال: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ- ٣- يعني بالقرآن فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ- ٤- يقول يقضي الله في ليلة القدر كل أمر محكم من الباطل ما يكون في السنة كلها إلى مثلها من العام المقبل من الخير والشر والشدة والرخاء والمصائب، يقول الله- تعالى-: كان أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا يقول
_________________
(١) المعنى فى ليالي القدر.
(٢) «فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ» ساقطة من أ، ف، ل، ح، م.
(٣) «ليلة مباركة» زيادة اقتضاها السياق ليست فى الأصل. []
[ ٣ / ٨١٧ ]
كان أمرا منا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ- ٥- يعني منزلين هذا القرآن أنزلناه رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لمن آمن به إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقولهم الْعَلِيمُ- ٦- به رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ- ٧- بتوحيد الرب- تعالى-،: وحد نفسه فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ يقول يحيي الموتى ويميت الأحياء، هو رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ- ٨- بَلْ هُمْ لكن هم فِي شَكٍّ من هذا القرآن يَلْعَبُونَ- ٩- يعني لاهون عنه، قوله: فَارْتَقِبْ وذلك
أن النبيﷺ- دعا الله﷿- على كفار قريش فقال:
اللهم أعني عليهم بسبع سنين كسى «١» يوسف، فأصابتهم شدة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف من شدة الجوع، فكان الرجل يرى بينه وبين السماء الدخان من الجوع،
فذلك قوله: «فَارْتَقِبْ» يقول فانتظر يا محمد يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ- ١٠- يَغْشَى النَّاسَ يعني أهل مكة هَذَا الجوع عَذابٌ أَلِيمٌ- ١١- يعني وجيع. ثم إن أبا سفيان بن حرب، وعتبة ابن ربيعة، والعاص بن وائل، والمطعم بن عدي، وسهيل بن عمرو، وشيبة ابن ربيعة، كلهم من قريش، أتوا النبيﷺ- فقالوا: يا محمد، استسق لنا، فقالوا: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ يعني الجوع إِنَّا مُؤْمِنُونَ- ١٢- يعني إنا مصدقون بتوحيد الرب وبالقرآن أَنَّى لَهُمُ «٢» الذِّكْرى
_________________
(١) فى أ: كسنين.
(٢) فى أ: فسرت الآيات ١٢، ١٥، ١٦، ١٣، ١٤ على التوالي. وقد أعدت ترتيبا حسب ورودا فى المصحف.
[ ٣ / ٨١٨ ]
يقول من أين لهم التذكرة يعني الجوع الذي أصابهم بمكة وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ يعني محمداﷺ- مُبِينٌ- ١٣- يعني هو بين أمره، جاءهم بالهدى ثُمَّ تَوَلَّوْا «عَنْهُ» «١» يقول ثم أعرضوا عن محمدﷺ- إلى الضلالة وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ- ١٤- قال ذلك عقبة بن أبي معيط إن محمدا مجنون، وقالوا إنما يعلمه جبر غلام عامر ابن الحضرمي، وقالوا: لئن لم ينته جبر غلام عامر بن الحضرمي «فأوعدوه» «٢» لنشترينه من سيده، ثم لنصلينه حتى ينظر هل ينفعه محمد أو يغني عنه شيئا، «بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ» «٣» يقول بل هم من القرآن في شك لاهون،
فدعا النبيﷺ- فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا عاما طبقا مطبقا غدقا ممرعا مريا عاجلا غير ريث نافعا غير ضار، فكشف الله- تعالى- عنهم العذاب،
فذلك قوله: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ يعني الجوع قَلِيلًا إلى يوم بدر إِنَّكُمْ عائِدُونَ- ١٥- إلى الكفر فعادوا فانتقم الله منهم ببدر فقتلهم، فذلك قوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى يعنى العظمى فكانت البطش في المدينة يوم بدر أكثر مما أصابهم من الجوع بمكة، فذلك قوله:
إِنَّا مُنْتَقِمُونَ- ١٦- بالقتل وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وعجل الله أرواحهم الى النار.
_________________
(١) «عنه»: ساقطة من النسخ.
(٢) «فأعدوه»: زيادة للتوضيح.
(٣) فى أ: كرر تفسير الآية ٩ مرتين.
[ ٣ / ٨١٩ ]
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ بموسى- صلى الله عليه- حتى ازدروه كما ازدرى أهل مكة النبيﷺ- لأنه ولد فيهم فازدروه فكان النبيﷺ- فتنة لهم، كما كان موسى- صلى الله عليه- فتنة لفرعون وقومه، فقالت قريش: أنت أضعفنا وأقلنا حيلة فهذا حين ازدروه كما ازدروا موسى﵇- حين قالوا: « أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا» [١٤٧ ب] «وليدا » «١» فكانت فتنة لهم من أجل ذلك ذكر فرعون دون الأمم، نظيرها في المزمل: «إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا » «٢»، قوله: «وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ» كما فتنا قريشا بمحمدﷺ-، لأنهما ولدا في قومهما وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ- ١٧- يعني الخلق كان يتجاوز ويصفح يعني موسى حين سأل ربه أن يكشف عن أهل مصر الجراد والقمل، فقال موسى لفرعون: أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ يعني أرسلوا معي بني إسرائيل يقول: وخل سبيلهم فإنهم أحرار ولا تستعبدهم إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من الله أَمِينٌ- ١٨- فيما بيني وبين ربكم وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ يعني لا تعظموا على الله أن توحدوه إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ- ١٩- يعني حجة بينة كقوله: «ألا تعلوا على (الله)» يقول ألا تعظموا على الله «إِنِّي آتيكم بسلطان مبين» يعني حجة بينة وهي اليد والعصا فكذبوه، فقال فرعون في «حم» المؤمن: « ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى » «٣» فاستعاذ موسى فقال: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ
_________________
(١) سورة الشعراء: ١٨.
(٢) سورة المزمل: ١٥.
(٣) سورة غافر: ٢٦.
[ ٣ / ٨٢٠ ]
يعني فرعون وحده أَنْ تَرْجُمُونِ- ٢٠- يعني أن تقتلون وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ- ٢١- يقول وإن لم تصدقوني، يعني فرعون وحده، «فاعتزلون» فلا تقتلون، فدعا موسى ربه في يونس فقال: «وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» «١» يعني «نجنى» «٢» وبني إسرائيل «وأرسل» «٣» العذاب على أهل مصر، «قوله- تعالى-: فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ يعني أهل مصر» «٤» قَوْمٌ مُجْرِمُونَ- ٢٢- فلا يؤمنون فاستجاب الله له فأوحى الله- تعالى- إليه: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ- ٢٣- يقول يتبعكم فرعون وقومه وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا وذلك أن بني إسرائيل لما قطعوا البحر قالوا لموسى- صلى الله عليه- فرق لنا البحر كما كان فإنا نخشى أن يقطع فرعون وقومه آثارنا فأراد موسى﵇- أن يفعل ذلك كان الله- تعالى- أوحى إلى البحر أن يطيع موسى﵇- فقال الله لموسى: «وَاتْرُكِ البحر رهوا» يعني صفوفا، ويقال ساكنا «إِنَّهُمْ» «٥» إن فرعون وقومه جُنْدٌ مُغْرَقُونَ- ٢٤- فأغرقهم الله في نهر مصر وكان عرضه يومئذ فرسخين، فقال الله- تعالى-: كَمْ تَرَكُوا من بعدهم يعني فرعون وقومه مِنْ جَنَّاتٍ يعني بساتين وَعُيُونٍ- ٢٥- يعني الأنهار الجارية وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ- ٢٦- يعنى ومساكن حسان وَنَعْمَةٍ
_________________
(١) سورة يونس: ٨٦.
(٢) فى أ: «هو» .
(٣) فى أ: «وأن يرسل» .
(٤) العبارة التي بين القوسين «» مكررة مرتين فى الأصل.
(٥) فى أ: «فإن» .
[ ٣ / ٨٢١ ]
من العيش كانُوا فِيها فاكِهِينَ- ٢٧- يعني أرض مصر معجبين كَذلِكَ يقول هكذا فعلنا بهم في الخروج من مصر، ثم قال:
وَأَوْرَثْناها يعني أرض مصر قَوْمًا آخَرِينَ- ٢٨- يعني بني إسرائيل فردهم الله إليها بعد الخروج منها، ثم قال: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وذلك أن المؤمن إذا مات بكى عليه معالم سجوده من الأرض، ومصعد عمله من السماء أربعين يوما وليلة، ويبكيان على الأنبياء ثمانين يوما وليلة، ولا يبكيان على الكافر [١٤٨ أ]، فذلك قوله: «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ» لأنهم لم يصلوا لله في الأرض ولا كانت لهم أعمال صالحة تصعد إلى السماء لكفرهم وَما كانُوا مُنْظَرِينَ- ٢٩- لم يناظروا بعد الآيات التسع حتى عذبوا بالغرق وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ- ٣٠- يعني الهوان وذلك أن بني إسرائيل آمنت بموسى وهارون، فمن ثم قال فرعون: « اقْتُلُوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم » فلما هم بذلك قطع الله بهم البحر مع ذرياتهم وذراريهم، وأغرق فرعون ومن معه من القبط، «وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ» يعني الهوان من فرعون من قتل الأبناء، واستحياء النساء يعني البنات، قبل أن يبعث الله﷿- موسى رسولا مخافة أن يكون هلاكهم في سببه من فرعون، للذي أخبره به الكهنة أنه يكون، وأنه يغلبك على ملكك، ثم قال: مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا عن التوحيد مِنَ الْمُسْرِفِينَ- ٣١- يعني من المشركين، ثم رجع إلى بني إسرائيل فقال: وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ علمه الله﷿- منهم عَلَى الْعالَمِينَ- ٣٢- يعني عالم ذلك الزمان وَآتَيْناهُمْ
[ ٣ / ٨٢٢ ]
يقول وأعطيناهم مِنَ الْآياتِ حين فلق لهم البحر وأهلك عدوهم فرعون، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن السلوى، والحجر والعمود والتوراة، فيها بيان كل شيء، فكل هذا الخير ابتلاهم الله به فلم يشكروا ربهم، فذلك قوله:
«وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ» ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ- ٣٣- يعني النعم «البينة» «١» .
كقوله: «إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ» «٢» يعني النعم «البينة» «٣» . قوله:
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ- ٣٤- يعني «كفار مكة» «٤» إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وذلك
أن النبيﷺ- قال لهم إنكم تبعثون من بعد الموت فكذبوه، فقالوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا
وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ- ٣٥- يعني بمبعوثين من بعد الموت، ثم قال: فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٣٦- أنا نحيا من بعد الموت، وذلك أن أبا جهل بن هشام قال في الرعد يا محمد إن كنت نبيا فابعث لنا رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان صادقا، وكان إمامهم «٥» فنسألهم فيخبرونا عن ما هو كائن بعد الموت أحق ما تقول أم باطل؟ إن كنت صادقا بأن البعث حق، نظيرها في الجاثية قوله: «وَقالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ » «٦» وَمَا البعث بحق. فخوفهم الله- تعالى- بمثل عذاب الأمم الخالية
_________________
(١) فى أ: البين، ف: البينة. []
(٢) سورة الصافات: ١٠٦.
(٣) وردت فى أ، ف: «البين» .
(٤) فى الأصل: «كفار» .
(٥) كذا فى أ، ف، والمراد وكان امام قومه ورئيسهم.
(٦) سورة الجاثية: ٢٤.
[ ٣ / ٨٢٣ ]
فقال: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ لأن قوم تبع أقرب [١٤٨ ب] في الهلاك إلى كفار مكة وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية أَهْلَكْناهُمْ بالعذاب إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ- ٣٧- يعني مذنبين مقيمين على الشرك منهمكين عليه، قوله: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ- ٣٨- يعني عابثين لغير شيء يقول لم أخلقهما باطلا ولكن خلقتهما لأمر هو كائن «مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ» «١» وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يعني كفار مكة لا يَعْلَمُونَ- ٣٩- أنهما لم يخلقا باطلا، ثم خوفهم فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ يعني يوم «القضاء» «٢» مِيقاتُهُمْ يعني ميعادهم أَجْمَعِينَ- ٤٠- يَوْمَ يعني يوم القيامة يقول: يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون «وهم يوم الجمعة» هذه الأمة وسواهم من الأمم الخالية، ثم نعت الله- تعالى- ذلك اليوم فقال: «يَوْمَ» لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وهم الكفار يقول يوم لا يغني ولي عن وليه يقول لا يقدر قريب لقرابته الكافر شيئا من المنفعة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
- ٤١- يقول ولا هم يمنعون من العذاب ثم استثنى المؤمنين فقال: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ من المؤمنين فإنه يشفع لهم إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ في نقمته من أعدائه الذين لا شفاعة لهم الرَّحِيمُ- ٤٢- بالمؤمنين الذين استثنى في هذه الآية، قوله: إِنَّ «شَجَرَةَ» «٣» الزَّقُّومِ- ٤٣- طَعامُ الْأَثِيمِ- ٤٤- يعني الآثم بربه فهو أبو جهل بن هشام وفي قراءة ابن مسعود «طعام الفاجر» كَالْمُهْلِ يعني الزقوم أسود غليظ كدردي
_________________
(١) «ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ»: ساقطة من أ، ف.
(٢) فى ف زيادة: «يعنى القيامة» .
(٣) فى أ: «سجرت»، وفى رسم المصحف: «شحرت» .
[ ٣ / ٨٢٤ ]
الزيت يَغْلِي فِي الْبُطُونِ- ٤٥- كَغَلْيِ الْحَمِيمِ- ٤٦- يعني الماء الحار بلسان بربر وأفريقية الزقوم يعنون التمر والزبد، زعم ذلك عبد الله بن الزبعري السهمي، وذلك أن أبا جهل قال لهم: إن محمدا يزعم أن النار تنهت الشجر وإنما النار تأكل الشجر، فما الزقوم عندكم؟ فقال عبد الله بن الزبعري:
التمر والزبد. فقال أبو جهل بن هشام: يا جارية، ابغنا تمرا وزيدا. فقال: تزقموا.
«يقول» «١» الله﷿- للخزنة: خُذُوهُ يعني أبا جهل فَاعْتِلُوهُ يقول فادفعوه على وجهه إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ- ٤٧- يعني وسط الجحيم وهو الباب السادس من النار، ثم قال: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ أبي جهل وذلك أن الملك من خزان جهنم يضربه على رأسه بمقمعة من حديد فينقب عن دماغه فيجري دماغه على جسده ثم يصب الملك في النقب ماء حميما قد انتهى حره فيقع في بطنه، ثم يقول له الملك: ذُقْ العذاب أيها المتعزز المتكرم، يونجه ويصغره، بذلك فيقول: إِنَّكَ زعمت في الدنيا أَنْتَ الْعَزِيزُ يعني المنيع الْكَرِيمُ- ٤٩- يعني المتكرم، قال: فكان أبو جهل يقول في الدنيا أنا أعز قريش وأكرمها، فلما [١٤٩ أ] ذاق شدة العذاب في الآخرة قال له الملك: إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ- ٥٠- يعني تشكون في الدنيا أنه غير كائن فهذا مستقر الكفار، ثم ذكر مستقر المؤمنين فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ- ٥١- فى مساكن آمنين من الخوف والموت ي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
- ٥٢- يعني بساتين وأنهار جارية يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ يعني الديباج مُتَقابِلِينَ- ٥٣- في الزيارة كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ
_________________
(١) فى أ، ف: «فقال» .
[ ٣ / ٨٢٥ ]
يعني بيض الوجوه عِينٍ- ٥٤- يعني حسان العيون، ثم أخبر عنهم فقال:
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ من ألوان الفاكهة آمِنِينَ- ٥٥- من الموت لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ أبدا إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى التي كانت في الدنيا وَوَقاهُمْ يعني الرب- تعالى- عَذابَ الْجَحِيمِ- ٥٦- ذلك الذي ذكر في الجنة كان: فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ٥٧- يعني الكبير يعني النجاة «العظيمة» «١»، قوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ يعني القرآن يقول هوناه على لسانك لَعَلَّهُمْ يقول لكي يَتَذَكَّرُونَ- ٥٨- فيؤمنوا بالقرآن فلم يؤمنوا به يقول الله- تعالى- فَارْتَقِبْ يقول انتظر بهم العذاب إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ- ٥٩- يعني «منتظرون» «٢» بهم العذاب.
_________________
(١) فى أ: «العظيم» .
(٢) من ف: وفى أ: «إنا منتظرون» .
[ ٣ / ٨٢٦ ]