بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)
أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩)
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)
[ ٣ / ٣٩٥ ]
سورة الروم «١» سورة الروم مكية وهي ستون آية كوفية «٢» .
_________________
(١) المقصود الإجمالى للسورة: معظم مقصود السورة ما يأتى: ذكر غلبة الروم على فارس وعيب الكفار فى إقبالهم على الدنيا، وأخبار القرون الماضية، وذكر قيام الساعة، وآيات التوحيد، والحجج المترادفة الدالة على الذات والصفات، وبيان بعث القيامة وتمثيل حال المؤمنين والكافرين، وتقرير المؤمنين، والإيمان، والأمر بالمعروف والإحسان إلى ذوى القربى، ووعد الثواب على أداء الزكاة والإخبار عن ظهور الفساد فى البر والبحر وعن آثار القيامة، وذكر عجائب الصنع فى السحاب والأمطار وظهور آثار الرحمة فى الربيع، وإصرار الكفار على الكفر، خلق الله الخلق مع الضعف والعجز، واحياء الخلق بعد الموت، والحشر والنشر، وتسلية رسول اللهﷺ-، وتسكينه عن جفاء المشركين وأذاهم فى قوله: « وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ» سورة الروم: ٦٠. وسميت سورة الروم لما فيها من ذكر غلبة الروم.
(٢) فى المصحف (٣٠) سورة الروم مكية إلا آية ١٧ فمدنية وآياتها ٦٠ نزلت بعد الانشقاق.
[ ٣ / ٤٠١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة الروم «١»
حدثنا عبيد الله قال: حدثني أبي قال: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ «٢» قَالَ: اقْتَتَلَ الرُّومُ وَفَارِسُ فَهُزِمَتِ الرُّومُ فبلغ ذَلِكَ النَّبِيّﷺ- وَأَصْحَابَهُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَهُمْ بِمَكَّةَ، وَفَرِحَ الْكُفَّارُ وشمتوا فلقوا أَصْحَابَ النَّبِيِّﷺ-، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَالرُّومُ أَهْلُ كِتَابٍ فَقَدْ ظَهَرَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ فَارِسَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الرُّومِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ﵎- «الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ» وَأَدْنَى الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ أَذْرَعَاتٌ فِيهَا كَانَ الْقِتَالُ «وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ» أَنْ يَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ «وَمِنْ بَعْدِ» «٣» مَا ظَهَرَتْ، قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ
_________________
(١) من ز وحدها، ونسخة الأزهرية: (ز): مقسمة إلى ثلاثة أثلاث كل عشرة أجزاء للقرآن ثلث. وفى أول سورة الروم نجد صفحة كاملة مكتوب فى أعلاها: الثلث الثالث من كتاب التفسير عن مقاتل بن سليمان رواية أبى يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن الخليل الجلاب.
(٢) هذا الإسناد من (أ)، وقد ذكر فى (أ) فى آخر سورة العنكبوت، بينما ذكر فى (ز) فى أول سورة الروم، وفى ز: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: الهذيل قال: حدثنا أبو بكر ابن عبد الله الهذلي عن عكرمة قال: اقتتل الروم.
(٣) سورة الروم: ١- ٤.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
- رضوان الله عليه-[٧٦ أ] إِلَى الْكُفَّارِ فَقَالَ: أَفَرِحْتُمْ لِظُهُورِ إِخْوَانِكُمْ عَلَى إِخْوَانِنَا فَلا تَفْرَحُوا وَلا يُقِرُّ اللَّهُ أَعْيُنَكُمْ لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الرُّومَ عَلَى فَارِسَ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِﷺ- فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ: كَذَبْتَ يَا أبا فصيل. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ﵁-: أَنْتَ أَكْذَبُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ. فَقَالَ:
أُنَاجِيكَ عَشْرَ قَلائِصَ مِنِّي وَعَشْرَ قَلائِصَ مِنْكَ إِلَى ثَلاثِ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ﵁- إِلَى النَّبِيِّﷺ- فَقَالَ: نَاجَيْتُ عَدُوَّ اللَّهِ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أن يظهر الله﷿- الروم على فَارِسَ إِلَى ثَلاثِ سِنِينَ فَقَالَ النَّبِيُّﷺ-: مَا كَذَلِكَ ذَكَرْتُ لَكَ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ﷿-: «بِضْعِ سِنِينَ» وَالْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلاثِ إِلَى التِّسْعِ فَاذْهَبْ فَزَايِدْهُمْ فِي الْخَطْرِ وَمَادِّهِمْ فِي الأَجَلِ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ﵁- فَلَقِيَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ نَدِمْتَ يَا أَبَا عَامِرٍ. قَالَ: فَقَالَ تَعَالَ أُزَايِدُكَ فِي الْخَطْرِ، وَأُمَادُّكُمْ فِي الأَجَلِ فَنَجْعَلُهَا مِائَةَ قَلُوصٍ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بِفَارِسَ لا تَلِدُ إِلا مُلُوكًا أَبْطَالا، فدعاها كسرى. فقال: إنى أريد أن أبعت إِلَى الرُّومِ جَيْشًا وَأَسْتَعْمِلُ رَجُلا مِنْ بَنِيكِ فَأَشِيرِي عَلَيَّ أَيَّهُمْ أَسْتَعْمِلُ فَقَالَتْ:
هَذَا فُلانٌ وَسَمَّتْهُ وَهُوَ أَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ وَأَجْبَنُ مِنْ صقر، وهذا الفرخان وهو أنفذ من السنان، وهذا شهر بران وَهُوَ «أَحْلَمُ» «١» مِنَ الأَرْزَانِ فَاسْتَعْمِلْ أَيَّهُمْ شِئْتَ.
قال: إنى أستعمل الحليم فبعث «شهر بران» «٢» على الجيش فسار إلى الروم أَرْضِ فَارِسَ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَخَرَّبَ مَدَائِنَهُمْ وَقَطَعَ زَيْتُونَهُمْ، فَلَمَّا ظَهَرَتْ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ جَلَسَ الْفَرُّخَانُ يَشْرُبُ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: قَدْ رَأَيْتُ فِي المنام أنى جالس على سرير
_________________
(١) فى أ: أعلم، وفى ف: أحلم.
(٢) فى أ: شهر بزان، وفى ز: شهر بران.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
كِسْرَى فَعَمِدَ الْمُلاقُونَ الْمُبَلِّغُونَ بِالأَحَادِيثِ فَكَتَبُوا إِلَى كِسْرَى أَنَّ عَبْدَكَ الْفَرُّخَانَ يَتَمَنَّى فِي الْمَنَامِ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى سَرِيرِكَ فَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى شهر بران إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَابْعَثْ بِرَأْسِ أَخِيكَ الفرخان فكتب إليه شهر بران أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ الْفَرُّخَانَ لَهُ صَوْلَةٌ وَنِكَايَةٌ فِي الْعَدُوِّ فَلا تَفْعَلْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ كِسْرَى إِنَّ فِي رِجَالِ فَارِسَ مِنْهُ خَلَفًا وَبَدَلا فَعَجِّلْ عَلَيَّ بِرَأْسِهِ فَرَاجَعَهُ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ مِنَ الْفَرُّخَانِ بَدَلا صَوْلَةً وَنِكَايَةً، فَغَضِبَ كِسْرَى فَلَمْ يُجِبْهُ وَبَعَثَ «بَرِيدًا» «١» إِلَى أَهْلِ فَارِسَ الَّذِينَ بِالرُّومِ: إِنِّي قَدْ نزعت عنكم «شهر بران» «٢» وَاسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمُ الْفَرُّخَانَ وَدَفَعَ إِلَى صَاحِبِ الْبَرِيدِ صحيفة صغيرة [٧٦ ب] فَقَالَ إِذَا وُلِّيَ الْفَرُّخَانُ وَانْقَادَ لَهُ أَخُوهُ فادفع إليه الصحيفة. فلما قرأ شهر بران الْكِتَابَ قَالَ: «سَمْعًا» «٣» وَطَاعَةً وَوَضَعَ تَاجَهُ عَلَى رأس أخيه ونزل على سَرِيرِهِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ الْفَرُّخَانُ وَدَفَعَ الرَّسُولُ الصَّحِيفَةَ إليه فقال: ائتوني «بشهر بران» «٤» فأتى به ليضرب عنقه فقال شهر بران لا تَعْجَلْ حَتَّى أَكْتُبَ وَصِيَّتِي قَالَ: فَكَتَبَهَا فدعا بسفط فِيهِ ثَلاثُ صَحَائِفَ.
وَقَالَ: وَيْحَكَ أَنْتَ ابْنُ أُمِّي وَأَبِي وَهَذِهِ ثَلاثُ صَحَائِفَ جَاءَتْنِي فِي قَتْلِكَ فَرَاجَعْتُ فِيكَ كِسْرَى ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَقَالَ الْفَرُّخَانُ: أُمُّنَا وَاللَّهِ كَانَتْ أَعْرَفَ بِنَا، أَنْتَ «أحلم» «٥» من الأرزق حِينَ رَاجَعْتَ فِيَّ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَأَنَا أَنْفَذُ مِنَ السِّنَانِ حِينَ أَرَدْتُ قَتْلَكَ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ ثُمَّ رَدَّ الْمُلْكَ إِلَى أَخِيهِ وَكَانَ أَكْبَرَ منه فكتب شهر بران
_________________
(١) فى أ: يريد، وفى ز: بريدا.
(٢) فى أ: شهر بزان، وفى ز: شهر بران.
(٣) فى أ: سمع، وفى ز: سمعا.
(٤) فى أ: بشهر بزان، وفى ز: بشهر بران.
(٥) فى ف: أحلم، وفى أ: أعلم، وفى ز: أحلم.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
إِلَى قَيْصَرَ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً لا تَحْمِلُهَا الْبُرُدُ «١» وَلا تَبْلُغُهَا الصُّحُفُ فَالْقَنِي وَلا تَلْقَنِي إِلا فِي خَمْسِينَ رُومِيًّا فَإِنِّي أَلْقَاكَ فى خمسين فارسيا فأقبل قيصر فى خمسمائة أَلْفِ رُومِيٍّ فَجَعَلَ يَبُثُّهُمْ فِي الطُّرُقِ وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْعُيُونَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ مَكْرًا مِنْهُ حَتَّى أَتَتْهُ عُيُونُهُ أَنْ لَيْسَ مَعَهُ إِلا خَمْسِينَ رَجُلا ثُمَّ بُسِطَتْ لَهُمْ «بُسُطٌ» «٢» فَمَشَيَا عَلَيْهَا وَنَزَلا عَنْ بِرْذَوْنَيْهِمَا إِلَى قُبَّةٍ من ديباج ضربت «لهما» «٣» عراها ذهب وَأَزْرَارُهَا فِضَّةٌ وَأَطْنَابُهَا إِبْرِيسِمُ مَعَ أَحَدِهِمَا سِكِّينٌ نصلبها زُمُرُّدٌ أَخْضَرُ وَقِرَابُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَمَعَ الآخَرِ سكين نصابها من فارهرة خَضْرَاءَ وَقِرَابُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَدَعَوْا تَرْجُمَانًا بَيْنَهُمَا فقال شهر بران لِقَيْصَرَ: إِنَّ الَّذِينَ كَسَرُوا شَوْكَتَكَ وَأَطْفَئُوا جَمْرَتَكَ وَخَرَّبُوا مَدَائِنَكَ وَقَطَّعُوا شَجَرَكَ أَنَا وَأَخِي بِكَيْدِنَا وَشَجَاعَتِنَا وَإِنَّ كِسْرَى حَسَدَنَا عَلَى ذَلِكَ وَأَرَادَنِي عَلَى قَتْلِ أَخِي وَأَرَادَ أَخِي عَلَى قَتْلِي فَأَبَيْنَا فَخَالَفْنَاهُ جَمِيعًا فَنَحْنُ نُقَاتِلُهُ مَعَكَ فَقَالَ: أَصَبْتُمَا فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ السِّرُّ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِذَا جَاوَزَهُمَا فَشَا فَقَتَلا التَّرْجُمَانَ بِسِكِّينَيْهِمَا وَأَهْلَكَ اللَّهُ﷿- كِسْرَى وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى النَّبِيِّﷺ- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فَفَرِحَ النَّبِيُّﷺ- ومن معه «بظهور الروم» «٤» وبأخذ الحظ فَذَلِكَ قَوْلُهُ﷿-.
«وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ»
«٥» .
_________________
(١) البرد جمع بريد.
(٢) «بسط»: زيادة اقتضاها السياق. []
(٣) فى ز: «لهما البردانيك» وفى أ: لهما الدرابيك.
(٤) فى أ: «بذلك من ظهور الروم»، وفى ز: «بظهور الروم» .
(٥) سورة الروم: ٣.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم «١» سورة الروم «٢» الم- ١- غُلِبَتِ الرُّومُ- ٢- وذلك أن أهل فارس غلبوا على الروم فِي أَدْنَى الْأَرْضِ يعني أرض الأردن وفلسطين، ثم قال﷿-:
وَهُمْ يعني الروم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ- ٣- أهل فارس فِي بِضْعِ سِنِينَ «يعني خمس سنين أو سبع سنين إلى تسع» «٣» لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ حين ظهرت «٤» فارس على الروم وَمِنْ بَعْدُ ما ظهرت الروم على فارس وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ- ٤- وذلك أن فارس غلبت الروم ففرح بذلك كفار مكة فقالوا: إن فارس ليس لهم كتاب ونحن منهم وقد غلبوا أهل الروم وهم أهل كتاب قبلكم فنحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم. فخاطرهم أبو بكر الصديق﵁- على أن يظهر الله﷿- الروم على فارس فلما كان يوم بدر غلب
_________________
(١) النسخة ز، كررت البسملة فى أول سورة الروم. المرة الأولى فى المقدمة التي ذكر فيها مخاطرة أبى بكر وأخذه الخطر. والمرة الثانية عند بدء التفسير قالت بسم الله الرحمن الرحيم. سورة الروم مكية.
(٢) من ز وحدها.
(٣) فى أ: يعنى خمس أو سبع سنين إلى تسع، وفى ز: يعنى خمس سنين أو سبع.
(٤) فى أ: ظهر، وفى ز: ظهرت.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
المسلمون كفار مكة وأتى المسلمين الخير بعد ذلك والنبيﷺ- والمؤمنون بالحديبية أن الروم قد غلبوا أهل فارس ففرح المسلمون بذلك، فذلك قوله﵎-: «وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ» بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ فنصر الله﷿- الروم على فارس، ونصر المؤمنين على المشركين يوم بدر، قال أبو محمد: سألت أبا العباس ثعلب عن البضع والنيف، فقال: البضع من ثلاث إلى تسع والنيف من واحد إلى خمسة، وربما أدخلت كل واحدة على صاحبتها فتجوز مجازها، فأخذ أبو بكر الصديق﵁- الخطر من صفوان بن أمية والنبيﷺ- بالحديبية مقيم حين صده المشركون عن دخول مكة وَهُوَ الْعَزِيزُ يعني المنيع في ملكه الرَّحِيمُ- ٥- بالمؤمنين حين نصرهم وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وذلك أن الله﷿- وعد المؤمنين فى أول السورة أن يظهر الروم على فارس حين قال- تعالى-:
«وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» «١» على أهل فارس، وذلك قوله﷿-:
«وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ» بأن الروم تظهر على فارس وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- ٦- يعني كفار مكة يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني «٢» حرفتهم وحيلتهم ومتى يدرك زرعهم «٣»، وما يصلحهم في معايشهم لصلاح دنياهم وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ- ٧- حين لا يؤمنون بها، ثم وعظهم
_________________
(١) سورة الروم: ٢.
(٢) فى أ: حين، وفى ف: يعنى، وفى ز: يعنى.
(٣) فى أ: ومتى زرعهم، وفى ف، ز، وفى ل: ومتى يدرك زرعهم.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
ليعتبروا فقال- تعالى-: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ يقول- سبحانه- لم يخلقهما عبثا لغير شيء خلقهما لأمر هو كائن وَأَجَلٍ مُسَمًّى يقول السموات والأرض لهما أجل ينتهيان إليه يعني يوم القيامة وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يعني﷿- كفار مكة بِلِقاءِ رَبِّهِمْ بالبعث بعد الموت لَكافِرُونَ- ٨- لا يؤمنون أنه كائن، ثم خوفهم فقال﷿-: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [٧٧ ب] فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني الأمم الخالية فكان عاقبتهم العذاب في الدنيا كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ من أهل مكة قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها يعني وعاشوا في الأرض أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أكثر مما عاش فيها كفار مكة وَجاءَتْهُمْ يعنى الأمم الخالية رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني أخبرتهم بأمر العذاب فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ فيعذبهم على غير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- ٩- ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا يعني أشركوا السُّواى بعد العذاب في الدنيا أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعنى بأن كذبوا بالعذاب بأنه ليس بنازل بهم في الدنيا وَكانُوا بِها يعنى بالعذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ١٠- تكذيبا به أنه لا يكون، ثم قال- سبحانه-: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يقول الله بدأ الناس فخلقهم، ثم يعيدهم في الآخرة بعد الموت أحياء كما كانوا ثُمَّ إِلَيْهِ «تُرْجَعُونَ» «١» - ١١- في الآخرة، فيجزيهم بأعمالهم وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعنى يوم القيامة يُبْلِسُ يعني ييأس الْمُجْرِمُونَ- ١٢- يعني كفار مكة من شفاعة الملائكة وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ من الملائكة شُفَعاءُ
_________________
(١) فى أ: يرجعون.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
فيشفعوا لهم وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ- ١٣- يعني تبرأت الملائكة ممن كان يعبدها وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يوم القيامة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ- ١٤- بعد الحساب إلى الجنة وإلى النار فلا يجتمعون أبدا، ثم أخبر بمنزلة الفريقين جميعا فقال- سبحانه-: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ- ١٥- يعني في بساتين يكرمون وينعمون فيها وهي الجنة وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله﷿- وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى القرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ يعنى البعث فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ- ١٦- فَسُبْحانَ اللَّهِ يعني فصلوا لله﷿- حِينَ تُمْسُونَ يعني صلاة المغرب وصلاة «العشاء» «١» وَحِينَ تُصْبِحُونَ- ١٧- يعنى صلاة الفجر وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٢» يحمده الملائكة في السموات ويحمده المؤمنون في الأرض وَعَشِيًّا يعني صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ- ١٨- يعني صلاة الأولى، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يقول يخرج الناس والدواب والطير من النطف وهي ميتة وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ يعني النطف مِنَ الْحَيِّ يعني من الناس والدواب والطير وَيُحْيِ الْأَرْضَ بالماء بَعْدَ مَوْتِها فينبت العشب فذلك حياتها، ثم قال:
وَكَذلِكَ يعني وهكذا تُخْرَجُونَ- ١٩- يا بني آدم من الأرض يوم القيامة بالماء كما يخرج العشب من الأرض بالماء، وذلك [٧٨ أ] أن الله﷿- يرسل يوم القيامة ماء «الحيوان» «٣» من السماء السابعة من البحر
_________________
(١) فى أ: العشى، وفى حاشية أ: العشاء.
(٢) هذه الآية ذكر تفسير آخرها قبل أولها ففسرت هكذا «وعشيا وحين تظهرون وله الحمد فى السموات والأرض» .
(٣) فى أ: الحيوان، وفى حاشية أ: الحياة محمد، وفى ز: الحيوان. []
[ ٣ / ٤٠٩ ]
المسجور على الأرض بين النفختين فتنبت عظام الخلق ولحومهم وجلودهم كما ينبت العشب من الأرض وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علامات ربكم أنه واحد﷿- وإن لم تروه فاعرفوا توحيده بصنعه أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعنى آدم- صلى الله عليه- خلقه من طين ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ يعني ذرية آدم بشر تَنْتَشِرُونَ- ٢٠- في الأرض يعني «تتبسطون» «١» في الأرض كقوله- سبحانه-: « وَيَنْشُرُ » «٢» يعنى ويبسط رحمته وَمِنْ آياتِهِ يعني علاماته أن تعرفوا توحيده وإن لم تروه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني بعضكم من بعض أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ وبين أزواجكم مَوَدَّةً يعني الحب وَرَحْمَةً ليس بينها وبينه رحم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني إن في هذا الذي ذكر لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ- ٢١- فيعتبرون في توحيد الله﷿- وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علامة «٣» الرب﷿- أنه واحد فتعرفوا «٤» توحيده بصنعه أن خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وأنتم تعلمون ذلك، كقوله- سبحانه-: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » «٥» وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ عربي وعجمي وغيره وَاختلاف أَلْوانِكُمْ أبيض وأحمر وأسود إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني إن في هذا الذي ذكر لعبرة لِلْعالِمِينَ في توحيد الله﷿- وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علامات الرب- تعالى- أن يعرف توحيده بصنعه
_________________
(١) فى أ: تنبسطون، وفى ز: تتبسطون.
(٢) سورة الشورى: ٢٨.
(٣) فى أ: علامته، ز: علامة.
(٤) فى أ: فتعرفون، ز: فتعرفوا.
(٥) سورة الزمر: ٣٨.
[ ٣ / ٤١٠ ]
مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ يعنى النوم، ثم قال: وَب النَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني الرزق إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني إن في هذا الذي ذكر لعبرة لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ- ٢٣- المواعظ فيوحدون ربهم﷿- وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علاماته أن تعرفوا توحيد الربﷻ- بصنعه وإن لم تروه يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا «من الصواعق لمن كان بأرض» «١» نظيرها في الرعد «٢» وَطَمَعًا في رحمته يعني المطر وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً يعنى المطر فَيُحْيِي بِهِ بالمطر الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ يعني﷿- في هذا الذي ذكر لَآياتٍ يعنى لعبرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ٢٤- عن الله﷿- فيوحدونه وَمِنْ آياتِهِ يعني علاماته أن تعرفوا توحيد الله- تعالى- بصنعه أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ يعني السموات السبع والأرضين السبع قال ابن مسعود قامتا على غير عمد بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ يدعو إسرافيلﷺ- من صخرة بيت المقدس فى الصور [٧٨ ب] عن أمر الله﷿- «دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ» «٣» - ٢٥- وفى هذا كله الذي ذكره من صنعه، «عبرة وتفكرا» «٤» في توحيد الله﷿- ثم عظم نفسه- تعالى ذكره- فقال: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة وَمن فى الْأَرْضِ من الإنس والجن ومن
_________________
(١) كذا فى أ، ل، ف. وفى ز: لمن كان بأرض فى، ولعل أصله: لمن كان بأرض فيه الصواعق.
(٢) سورة الرعد: ١٢، وتمامها «هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ» .
(٣) وردت فى أ، ل، ز، ف: «دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض» فى التقديم.
(٤) فى أ: «عبرة وتفكر»، ز: «عبرة وتفكرا» .
[ ٣ / ٤١١ ]
يعبد من دون الله﷿- كلهم عبيده وفي ملكه، قال- سبحانه-:
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ- ٢٦- يعني كل ما فيهما من الخلق لله «قانتون» يعني مقرون بالعبودية له يعلمون أن اللهﷻ- ربهم وهو خلقهم ولم يكونوا شيئا ثم يعيدهم، ثم يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا، ثم قال﷿-: «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» «١» وهو الذي بدأ الخلق، يعني خلق آدم، فبدأ خلقهم ولم يكونوا شيئا ثم يعيدهم، يعني يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا «٢» . وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يقول البعث أيسر عليه عندكم، يا معشر الكفار، في المثل من الخلق الأول حين بدأ خلقهم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما، فذلك قوله﷿-: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإنه﵎- رب واحد لا شريك له وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه لقولهم إن الله﷿- لا يقدر على البعث الْحَكِيمُ- ٢٧- في أمره حكم البعث ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ نزلت في كفار قريش وذلك أنهم كانوا يقولون في إحرامهم «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك» فقال- تعالى-: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ» يقول وصف لكم يا معشر الأحرار، من كفار قريش مثلا يعني شبها من عبيدكم هَلْ لَكُمْ استفهام مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد مِنْ شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ من الأموال فَأَنْتُمْ وعبيدكم فِيهِ سَواءٌ في الرزق، ثم قال: تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ يقول﷿- تخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت كما تخافون أن يرثكم الأحرار من أوليائكم،
فقالوا للنبيﷺ- لا، قال لهم
_________________
(١) ما بين القوسين «»: ساقط من أ، ل، والتفسير مذكور، فى ز، دون نص القرآن.
(٢) من، وحدها.
[ ٣ / ٤١٢ ]
النبيﷺ-: أفترضون لله﷿- الشركة في ملكه وتكرهون الشرك في أموالكم فسكتوا ولم يجيبوا النبيﷺ-.
إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، يعنون الملائكة. قال: فكما لا تخافون أن يرثكم عبيدكم فكذلك ليس لله﷿- شريك
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعنى هكذا نبين الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ٢٨- عن الله﷿- الأمثال فيوحدونه، ثم ذكرهم «١» فقال- سبحانه- بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمونه بأن معه شريكا فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ يقول فمن يهدي إلى توحيد الله من قد أضله الله﷿- عنه وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ- ٢٩-[٧٩ أ] يعنى مانعين من الله﷿-، ثم قال للنبيﷺ- إن لم يوحد كفار مكة ربهم فوحد أنت ربك يا محمد فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ يعني فأخلص دينك الإسلام لله﷿- حَنِيفًا يعني مخلصا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها يعني ملة الإسلام التوحيد الذي خلقهم عليه ثم أخذ الميثاق مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «٢» « وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «٣»» ربنا، وأقروا له بالربوبية والمعرفة له﵎- ثم قال- سبحانه- لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يقول لا تحويل لدين الله﷿- الإسلام يعنى التوحيد ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعنى التوحيد وهو الدين
_________________
(١) كذا فى أ، ز: ذكرهم بدون تشديد الكاف.
(٢) فى أ: ذرياتهم، ز: ذريتهم.
(٣) يشير إلى الآية ٧٢ امن سورة الأعراف وهي «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ» . []
[ ٣ / ٤١٣ ]
المستقيم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني كفار مكة لا يَعْلَمُونَ- ٣٠- توحيد الله﷿- ثم أمرهم بالإنابة إليه من الكفر وأمرهم بالصلاة فقال﷿- مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يقول راجعين إليه من الكفر إلى التوحيد لله- تعالى ذكره- «وَاتَّقُوهُ» «١» يعني واخشوه وَأَقِيمُوا «٢» يعني وأتموا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ٣١- يقول لكفار مكة كونوا من الموحدين لله﷿- ولا تكونوا مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ يعني أهل الأديان فرقوا دينهم الإسلام وَكانُوا شِيَعًا يعني أحزابا في الدين يهود ونصارى ومجوس وغيره ونحو ذلك كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ- ٣٢- كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون به وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ يعني كفار مكة ضر يعني السنين وهو الجوع يعني قحط المطر عليهم سبع سنين دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يقول﷿- راجعين إليه يدعونه أن يكشف عنهم الضر لقوله- تعالى- في «حم» الدخان:
«رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ» يعنى الجوع «إِنَّا مُؤْمِنُونَ» «٣»، قال- تعالى-:
ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً يعني إذا أعطاهم من عنده، نعمة يعني المطر إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ- ٣٣- يقول تركوا توحيد ربهم في الرخاء وقد وحدوه في الضر لِيَكْفُرُوا «يعني لكي يكفروا» «٤» «بِما آتَيْناهُمْ» «٥» بالذي أعطيناهم من الخير
_________________
(١) «واتقوه» ساقطة من أ، ز.
(٢) فى أ، ز: «وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ» . وكثيرا ما يحدث تقديم وتأخير فى الآية القرآنية عند ذكرها وتفسيرها، وقد بذلت الجهد فى تصويب النص القرآنى. وبالله التوفيق.
(٣) سورة الدخان: ١٢.
(٤) «يعنى لكي يكفروا»: من ف وهي ممسوحة فى أ.
(٥) «بما آتيناهم»: ساقطة من أ، ف، ز.
[ ٣ / ٤١٤ ]
لا تجري الأنهار، وأهل العمود «١»، ثم قال: «ظَهَرَ الْفَسادُ» يعنى قحط المطر [٨٠ أ] ونقص الثمار في البحر يعني في الريف يعني القرى حيث تجري فيها الأنهار «٢» بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ من المعاصي يعني كفار مكة لِيُذِيقَهُمْ الله الجوع بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا يعني الكفر والتكذيب في السنين السبع لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَرْجِعُونَ- ٤١- من الكفر إلى الإيمان، ثم خوفهم فقال- سبحانه-: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ» «٣» يعني قبل كفار مكة من الأمم الخالية «٤» كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ- ٤٢- فكان عاقبتهم الهلاك في الدنيا، ثم قال: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ يعني فأخلص دينك للإسلام المستقيم فإن غير دين الإسلام ليس بمستقيم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يعنى يوم القيامة لا مَرَدَّ لَهُ يعني لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم مِنَ اللَّهِ﷿- يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ- ٤٣- يعني بعد الحساب يتفرقون إلى الجنة وإلى النار مَنْ كَفَرَ بالله فَعَلَيْهِ إثم كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ- ٤٤- يعنى
_________________
(١) كذا فى أ، ز، والمراد أن القحط أصاب أهل العمود أى أهل الأعمدة والأبنية فى البر.
(٢) كذا فى أ، ل، ز، ف. وفى تفسير الجلالين، «ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ» يقحط المطر وقلة النبات «والبحر» أى البلاد التي على الأنهار بقلة مائها. وفى تفسير البيضاوي «ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» كالجدب والموتان وكثرة الحرق والغرق وإخفاء الغاصة (كذا) ومحق البركات وكثرة المضار والضلالة والظلم وقيل المراد بالبحر قرى السواحل وقرى البحور.
(٣) فى أ: «أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» وفى ز: «سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين من قبلهم» وفى كلاهما تحريف للآية.
(٤) من ز، وهي مضطربة فى أ.
[ ٣ / ٤١٧ ]
يقدمون لِيَجْزِيَ يعني لكي يجزي الله﷿- في القيامة الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد الله﷿- وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ- ٤٥- بتوحيد الله﷿- وَمِنْ آياتِهِ يعني ومن علاماته﷿- وإن لم تروه أن تعرفوا توحيده بصنعه﷿- أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ يعني يستبشر بها الناس رجاء المطر وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ يقول وليعطيكم من نعمته يعني المطر «وَلِتَجْرِيَ» «١» الْفُلْكُ فى البحر بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا في البحر مِنْ فَضْلِهِ يعني الرزق كل هذا بالرياح وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ٤٦- رب هذه النعم فتوحدونه، ثم خوف كفار مكة لكي لا يكذبوا النبي﵌- فقال- سبحانه-: لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
فأخبروا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا إن لم يؤمنوا فكذبوهم بالعذاب أنه غير نازل بهم في الدنيا، فعذبهم الله﷿- فذلك قوله﷿-: انْتَقَمْنا
«٢» بالعذاب نَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا
يعنى الذين أشركوا كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
- ٤٧- يعني المصدقين للأنبياء﵈-، بالعذاب «٣»، فكان نصرهم أن الله﷿- أنجاهم من العذاب مع الرسل، ثُمّ أخبر عن صنعه ليعرف توحيده، فَقَالَ﷿-: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا
_________________
(١) فى ا: ولكي تجرى.
(٢) من، وفى أ: « بالبينات» فأخبروا قومهم بالعذاب بأنه غير نازل بهم إن لم يؤمنوا فى الدنيا بتكذيبهم بالعذاب بأنه غير نازل بهم فى الدنيا فيعذبهم الله﷿- فذلك قوله- سبحانه-: «فانتقمنا» .
(٣) كذا فى أ، ز. والمعنى يصدق وقوع العذاب للكافرين.
[ ٣ / ٤١٨ ]
يقول يجعل الريح السحاب قطعا يحمل بعضها على بعض فيضمه ثم يبسط السحاب [٨٠ ب] في السماء كيف يشاء الله- تعالى-، إن شاء بسطه على مسيرة يوم أو بعض يوم أو مسيرة أيام يمطرون، فذلك قوله﷿- فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ يعني المطر يخرج مِنْ خِلالِهِ يعني من خلال السحاب فَإِذا أَصابَ بِهِ يعني بالمطر مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ- ٤٨- يعني إذا هم يفرحون بالمطر عليهم وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ «عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ» «١» يعني من قبل نزول المطر في السنين السبع حين قحط عليهم المطر لَمُبْلِسِينَ- ٤٩- يعني آيسين من المطر فَانْظُرْ يا محمد إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ يعنى النبت من آثار المطر كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بالمطر فتنبت من بعد موتها حين لم يكن فيها نبت، ثم دل على نفسه فقال: إِنَّ ذلِكَ يقول إن هذا الذي فعل ما ترون لَمُحْيِ الْمَوْتى في الآخرة فلا تكذبوا بالبعث يعني كفار مكة، ثم قال- تعالى-:
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ٥٠- من البعث وغيره، ثم وعظهم ليعتبروا فقال﷿-: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا على هذا النبت الأخضر فَرَأَوْهُ النبت مُصْفَرًّا من البرد بعد الخضرة «لَظَلُّوا» «٢» مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ- ٥١- «برب» «٣» هذه النعم، ثم عاب كفار مكة فضرب لهم مثلا فقال﷿-: فَإِنَّكَ يا محمد لا تُسْمِعُ الْمَوْتى النداء فشبه الكفار بالأموات يقول فكما لا يسمع الميت النداء فكذلك الكفار لا يسمعون
_________________
(١) ما بين القوسين «»: ساقط من الأصل.
(٢) فى: يعنى لمالوا، وفى حاشية ا: فى الأصل لمالوا، والمثبت من ا. []
(٣) فى الأصل: رب.
[ ٣ / ٤١٩ ]
الإيمان ولا يفقهون، ثم قال: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ- ٥٢- فشبهوا أيضا بالصم إذا ولوا مدبرين، يقول إن الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لا يسمع الدعاء، فكذلك الكافر لا يسمع الإيمان إذا دعى وَما أَنْتَ يعنى النبيﷺ- بِهادِ الْعُمْيِ للإيمان يقول عموا عن الإيمان عَنْ ضَلالَتِهِمْ «يعني كفرهم الذي هم عليه» «١» ثم أخبر النبي﵌- فمن يسمع الإيمان فقال- سبحانه-: «إِنْ تُسْمِعُ» «٢» بالإيمان إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا يعني يصدق بالقرآن أنه جاء من الله﷿-: فَهُمْ مُسْلِمُونَ- ٥٣- يعنى فهم مخلصون بالتوحيد، ثم أخبرهم عن خلق أنفسهم ليتفكر المكذب بالبعث في خلق نفسه فقال﷿-: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ يعني من نطفة ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً يعني شدة تمام خلقه ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا يقول فجعل من بعد قوة الشباب الهرم وَجعل شَيْبَةً يعنى الشمط يَخْلُقُ ما يَشاءُ يعني هكذا يشاء أن يخلق الإنسان «٣» كما وصف خلقه [٨١ أ]، ثم قال: وَهُوَ يعني الرب نفسهﷻ- الْعَلِيمُ يعني العالم بالبعث الْقَدِيرُ- ٥٤- يعني القادر عليه، ثم قال﷿- وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعني يوم القيامة يُقْسِمُ يعني يحلف الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا فى القبور غَيْرَ ساعَةٍ وذلك أنهم استقلوا ذلك، يقول الله﷿-: كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ- ٥٥- يقول هكذا كانوا يكذبون بالبعث في الدنيا كما كذبوا أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة
_________________
(١) من ز، وفى أ: «يعنى كفرهم التي هم فيها» .
(٢) من ز، وفى ا: «ولا تسمع» وفى حاشية ا: الآية «إن تسمع» .
(٣) «الإنسان» من ز، وهي ساقطة من ا.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
«وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ» «١» للكفار يوم القيامة لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فهذا قول ملك الموت لهم في الآخرة، ثم قال: فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ الذي كنتم به تكذبون أنه غير كائن وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- ٥٦- كم لبثتم في القبور فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعنى أشركوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ- ٥٧- فى الآخرة فيعتبون وَلَقَدْ ضَرَبْنا يعنى وصفنا وبينا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يعني من كل شبه نظيرها في الزمر «٢» وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ يا محمد بِآيَةٍ كما سأل كفار مكة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا للنبيﷺ- إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ- ٥٨- لقالوا ما أنت يا محمد لا كذاب وما هذه الآية من الله﷿- كما كذبوا في انشقاق القمر حين قالوا: «هذا سحر» «٣» كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يقول هكذا يختم الله﷿- بالكفر عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ- ٥٩- توحيد الله﷿-، فلما أخبرهم الله﷿- بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا كذبوه فأنزل الله﵎- فَاصْبِرْ يا محمد على تكذيبهم إياك بالعذاب يعزي نبيهﷺ- ليصبر فقال: «فاصبر» إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني صدق بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا فقالوا للنبيﷺ-:
عجل لنا العذاب في الدنيا إن كنت صادقا. هذا قول النضر بن الحارث القرشي
_________________
(١) فى ا، ز، اضطراب فى ترتيب الآية، ففيهما: «وقال الذين أوتوا العلم فى كتاب الله) وأوتوا «الإيمان» فيها تقديم للكافرين يوم القيامة «لقد لبثتم» فى القبور. وقد صوبت الخطأ وأعدت ترتيب الآية كما وردت فى المصحف.
(٢) من سورة الزمر: ٢٧، وهي «وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» .
(٣) سورة القمر: ٢ وهي «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» .
[ ٣ / ٤٢١ ]
من بني عبد الدار بن قصي، فأنزل الله- تعالى-: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ يعنى ولا يستفزنك في تعجيل العذاب بهم الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بنزول العذاب عليهم في الدنيا فعذبهم الله﷿- ببدر حين قتلهم وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم وعجل الله أرواحهم إلى النار فهم يعرضون عليها كل يوم طرفي النهار ما دامت الدنيا، «فقتل «١»» الله النضر بن الحارث ببدر وضرب عنقه علي بن أبي طالب﵁ «٢» .
_________________
(١) فى أ، وفى ز: «فقتل» والأنسب «وقتل» .
(٢) انتهى تفسير سورة الروم فى ا. وفى ز، زيادة غربية عن التفسير تعادل صفحة واحدة، وقد تابعت أ، ل، ف فى تركها.
[ ٣ / ٤٢٢ ]