بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)
قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)
قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)
قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)
لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤)
فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)
قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)
وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩)
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)
وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩)
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)
قالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤)
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩)
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩)
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)
إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)
ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)
وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤)
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤)
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ (١٤٩)
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)
قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤)
أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)
فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩)
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)
أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ مَا كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩)
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤)
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)
[ ٣ / ٢٤٧ ]
سورة الشعراء «١» سورة الشعراء مكية، غير آيتين فإنهما مدنيتان أحدهما قوله- تعالى-:
«أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ «٢» آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ » «٣» الآية. والأخرى قوله- تعالى-:
«وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ «٤»» .
وبعض أهل التفسير يقول: إن من قوله- تعالى-: «وَالشُّعَراءُ »
إلى آخرها وهن أربع آيات «٥» مدنيات. والله أعلم بما أنزل «٦» .
_________________
(١) المقصود الإجمالى للسورة: اشتملت سورة الشعراء على الآتي: ذكر القسم ببيان آيات القرآن، وتسلية الرسول عن تأخر المنكرين عن الإيمان، وذكر موسى وهارون ومناظرة فرعون الملعون، وذكر السحرة، ومكرهم فى الابتداء وإيمانهم وانقيادهم فى الانتهاء وسفر موسى بنى إسرائيل من مصر وطلب فرعون إياهم، وانفلاق البحر وإغراق القبط، وذكر الجبل، وذكر المناجاة ودعاء إبراهيم الخليل، وذكر استغاثة الكفار من عذاب النيران، وقصة نوح، وذكر الطوفان، وتعدى عاد، وذكر هود، وذكر عقوبة ثمود، وذكر قوم لوط وخبثهم، وقصة شعيب، وهلاك أصحاب الأيكة لعبثهم، ونزول جبرئيل على النبي بالقرآن العربي وتفصيل حال الأمم السالفة الكثيرة وأمر الرسولﷺ- بإنذار العشيرة وتواضعه للمؤمنين، وأخلائه اللينة وبيان غواية شعراء الجاهلية، وأن العذاب منقلب الذين يظلمون فى قوله: « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»: ٢٢٧. وسميت سورة الشعراء لاختتامها بذكرهم فى قوله: «وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ»: ٢٢٤.
(٢) «لهم»: ساقطة من الأصل.
(٣) سورة الشعراء: ١٩٧ وتمامها: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ» .
(٤) سورة الشعراء: ٢٢٤.
(٥) الأربع آيات الأخيرة من سورة الشعراء هي ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٢٧.
(٦) من «وبعض أهل التفسير » إلى هنا، ساقط من ل وهو من أ، وليس فى ز كذلك.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم- ١- تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ- ٢- يعني﷿- ما بين فيه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه لَعَلَّكَ يا محمد باخِعٌ نَفْسَكَ وذلك حين كذب به كفار مكة منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وأمية بن خلف، فشق على النبيﷺ- تكذيبهم إياه فأنزل الله﷿ «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ» يعني قاتلا نفسك حزنا أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ- ٣- يعنى ألا يكونوا مصدقين بالقول بأنه من عند الله﷿- نظيرها في الكهف «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ » إِنْ نَشَأْ يعني لو نشاء نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ يعني فمالت أَعْناقُهُمْ «لَها» يعني للآية خاضِعِينَ- ٤- يعني مقبلين إليها مؤمنين بالآية وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ يقول ما يحدث الله﷿- إلى النبيﷺ- من القرآن إِلَّا كانُوا عَنْهُ يعني عن الإيمان بالقرآن مُعْرِضِينَ- ٥- فَقَدْ كَذَّبُوا بالحق يعني بالقرآن لما جاءهم يعني حين جاءهم به محمدﷺ- فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا يعنى حديث ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- ٦- وذلك أنهم حين كذبوا بالقرآن أوعدهم الله﷿- بالقتل ببدر، ثم وعظهم ليعتبروا فقال
[ ٣ / ٢٥٨ ]
- ﷿-: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ- ٧- يقول كم أخرجنا من الأرض من كل صنف من ألوان النبت حسن إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول إن في النبت لعبرة في توحيد الله﷿- أنه واحد وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ يعني أهل مكة مُؤْمِنِينَ- ٨- يعني مصدقين بالتوحيد وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ- ٩- في نقمته منهم ببدر «الرَّحِيمُ» حين لا يعجل عليهم بالعقوبة إلى الوقت «المحدد لهم «١»» وَإِذْ نادى رَبُّكَ يقول وإذ أمر ربك يا محمد مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ١٠- يعني المشركين «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» «٢» واسمه فيطوس بأرض مصر وقل لهم:
يا موسى، أَلا يَتَّقُونَ- ١١- يعني ألا يعبدون الله﷿- قالَ موسى: رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ- ١٢- فيما أقول «٣» وَأخاف أن يَضِيقُ صَدْرِي يعني يضيق قلبي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي بالبلاغ فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ- ١٣- يقول فأرسل معى هرون، كقوله في النساء: « وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ «٤»» يعنى مع أموالكم وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني عندي ذنب يعني قتل النفس فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ- ١٤- قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا لا تخافا القتل «٥» إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ- ١٥-أْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
- ١٦- كقوله- سبحانه-:
_________________
(١) فى ا، ف: «إلى الوقت» وزدت «المحدد لهم» ليتضح المعنى.
(٢) فى ا، ف: فرعون وقومه، فعدلتها لتصحيح النص. كما أنها مكتوبة فى النسختين على أنها تفسير لا قرآن. ويترتب عليه ترك هذه الجملة بدون ذكر.
(٣) فى ف، أ: بما.
(٤) سورة النساء: ٢.
(٥) فى أ: لا تخاف، وفى ف: لا تخافا القتل. وجملة فاذهبا بآياتنا مكتوبة على الهامش فى ف، ا.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
«فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ «١»» يعنى نفسه «٢» وهرون رسولا ربك لقول «٣» فرعون أنا الرب والإله ثم انقطع الكلام. ثم انطلق موسىﷺ- إلى مصر وهرون بمصر فانطلقا كلاهما إلى فرعون فلم يأذن لهما سنة في الدخول، فلما دخلا عليه قال، موسى لفرعون: «إنا» يعنى نفسه وهرون﵇- «رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ» أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ- ١٧- إلى أرض فلسطين لا تستعبدهم فعرف فرعون موسى لأنه رباه في بيته، فلما قتل موسى﵇- النفس هرب من مصر فلما أتاه قالَ فرعون له:
أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا يعنى صبيا وَلَبِثْتَ فِينا يعنى عندنا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ- ١٨- يعني ثلاثين سنة وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ- ١٩- قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ- ٢٠- يعني من الجاهلين وهي قراءة ابن مسعود «فعلتها إذا وأنا من الجاهلين» فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ إلى مدين لَمَّا خِفْتُكُمْ أن تقتلون فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا يعنى العلم والفهم وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ- ٢١- إليكم، ثم قال لفرعون: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ يا فرعون تمن علي بإحسانك إلي خاصة فيما زعمت وتنسى إساءتك أَنْ عَبَّدْتَ يقول استعبدت بَنِي إِسْرائِيلَ- ٢٢- فاتخذتهم عبيدا لقومك القبط وكان فرعون «قد» قهرهم «٤» أربعمائة وثلاثين سنة ويقال وأربعين سنة، وإنما كانت بنو إسرائيل بمصر حين أتاها يعقوب وبنوه وحشمه حين أتوا
_________________
(١) سورة طه: ٤٧. []
(٢) هكذا فى ف، وفى أ:
(٣) فى ف: يقول.
(٤) فى ف، أ: وكان فرعون قهرهم. فزدت «قد» .
[ ٣ / ٢٦٠ ]
يوسف «١» قالَ فِرْعَوْنُ لموسى: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ- ٢٣- منكرا له قالَ موسى: هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا من العجائب إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ- ٢٤- بتوحيد الله﷿- قالَ فرعون لِمَنْ حَوْلَهُ يعني الأشراف وكان حوله خمسون «٢» ومائة من أشرافهم أصحاب الأثرة «٣» .
أَلا تَسْتَمِعُونَ- ٢٥- إلى قول هذا يعني موسى قالَ موسى: هو رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ- ٢٦- قالَ فرعون لهم: إِنَّ رَسُولَكُمُ يعني موسى الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ- ٢٧- قالَ موسى هو: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يعني مشرق ومغرب يوم «٤»، يستوي الليل والنهار في السنة يومين ويسمى البرج الميزان، ثم قال: وَما بَيْنَهُما يعني «ما» «٥» بين المشرق والمغرب من جبل أو بناء أو شجر أو شيء إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ- ٢٨- توحيد الله﷿- قالَ فرعون: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا يعنى ربا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ- ٢٩- يعني من المحبوسين قالَ موسى: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ- ٣٠- يعنى بأمر بين يعنى اليد والعصا بستبين لك أمري فتصدقني قالَ فرعون: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ٣١-
_________________
(١) فى أ: لحمل أتاها يعقوب. ثم علق كاتبها محمد السنبلاويني بأنه يرى أن الصواب من حين أتاها يعقوب. وأما وفى م: لحمل أتاها يعقوب، كما هي بدون تعليق. وهذا يدل على أن، م ناقلتان من نسخة واحدة. وأما ف ففيها: حين أتاها يعقوب.
(٢) فى أ: خمسين وكذلك فى م وهو دليل نقلهما من نسخة واحدة.
(٣) فى ف، أ: الأسرة، ولعل الكاتب كان يملى عليه فكتب الأثرة: الأسرة.
(٤) هكذا فى ف، ا، م. ولعل المراد يوم معين يستوي فيه الليل والنهار.
(٥) ما: زيادة ليست فى ف، ا، م.
[ ٣ / ٢٦١ ]
بأنك رسول رب العالمين إلينا. «فَأَلْقى عَصاهُ «١» وفي يد موسى﵇- عصاه وكانت من الآس. قال ابن عباس: إن جبرئيل دفع العصا إلى موسى﵉- بالليل حين توجه إلى مدين وكان آدم﵇- أخرج بالعصا من الجنة، فلما مات آدم قبضها جبريل﵇- فَقَالَ مُوسَى لفرعون: ما هَذِهِ بيدي. قَالَ فرعون:
هذه عصا. فألقاها موسى من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ- ٣٢- يعني حية ذكر أصفر أشعر العنق عظيم ملأ الدار عظما قائم على ذنبه يتلمظ على فرعون وقومه يتوعدهم، قال فرعون: خذها يا موسى، مخافة أن تبتلعه فأخذ بذنبها فصارت عصا مثل ما كانت. قال فرعون: هل من آية أخرى غيرها؟ قال موسى: نعم. فأبزر يده، قال لفرعون: ما هذه؟ قال فرعون: هذه يدك. فأدخلها في جيبه وهي مدرعة مصرية من صوف «وَنَزَعَ يَدَهُ» «٢» يعني أخرج يده من المدرعة فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ- ٣٣- لها شعاع مثل شعاع الشمس من شدة بياضها يغشي البصر قالَ فرعون: لِلْمَلَإِ يعني الأشراف حَوْلَهُ إِنَّ هذا يعني موسى لَساحِرٌ عَلِيمٌ- ٣٤- بالسحر يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ يعنى مصر بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ- ٣٥- يقول فماذا تشيرون علي، فرد عليه الملأ من قومه يعني الأشراف قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يقول احبسهما جميعا ولا تقتلهما حتى تنظر ما أمرهما وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ يعني في القرى حاشِرِينَ- ٣٦- يحشرون عليك السحرة، فذلك قوله- سبحانه: يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ- ٣٧- يعني عالم بالسحر فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
_________________
(١) ليست فى ا. وهي مكتوبة على الهامش فى ف.
(٢) فى أ: «ثم نزع يده» . وهو خطأ.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
- ٣٨- يعني موقت وهو يوم عيدهم وهو يوم الزينة وهم اثنان وسبعون ساحرا من أهل فارس وبقيتهم من بني إسرائيل وَقِيلَ لِلنَّاسِ يعنى لأهل مصر هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ- ٣٩- إلى السحرة لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ على أمرهم إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ- ٤٠- لموسى وأخيه واجتمعوا، فقال موسى للساحر الأكبر: تؤمن بي إن غلبتك؟ قال الساحر: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، فإن غلبتني لأومنن بك وفرعون ينظر إليهما ولا يفهم ما يقولان فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا يعنى جعلا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ- ٤١- لموسى وأخيه قالَ فرعون: نَعَمْ لكم الجعل وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ- ٤٢- عندي في المنزلة سوى الجعل قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما في أيديكم من الحبال والعصي مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ- ٤٣- فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ يعني بعظمة فرعون، كقولهم «١» لشعيب:
« وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ «٢»» يعنى بعظيم إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ- ٤٤- فإذا هي حيات في أعين الناس، وفي عين موسى وهرون تسعى إلى موسى وأخيه، وإنما هي حبال وعصي لا تحرك فخاف موسى فقال جبريل لموسى﵉-:
ألق عصاك فإذا هي حية عظيمة سدت الأفق برأسها وعلقت ذنبها في قبة لفرعون طول القبة سبعون ذراعا في السماء وذلك في المحرم يوم السبت لثماني ليال خلون من المحرم «٣» . ثم إن حية موسى فتحت فاها فجعلت تلقهم تلك الحيات فلم يبق منها شيء، فذلك قوله﷿-:
_________________
(١) فى أ، م: كقوله، وفى ف: كقولهم.
(٢) سورة هود: ٩١.
(٣) هكذا فى ف، وفى أ: ليومان خلون من المحرم والخطأ فيه ظاهر.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ: فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ «١» - ٤٥- يعني فإذا هي تلقم ما يكذبون من سحرهم ثم أخذ موسى﵇- بذنبها فإذا هي عصا كما كانت، فقال السحرة بعضهم لبعض لو كان هذا سحر لبقيت الحبال والعصي، فذلك قوله﷿- فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ- ٤٦- لله﷿- قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ- ٤٧- لقول موسى أنا رسول رب العالمين، فقال فرعون:
أنا رب العالمين، قالت السحرة: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ- ٤٨- فبهت فرعون عند ذلك وألقى بيديه ف قالَ فرعون للسحرة: آمَنْتُمْ لَهُ يقول صدقتم بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ يقول من قبل أن آمركم بالإيمان به، ثم قال فرعون للسحرة: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ إن هذا لمكر مكرتموه، يقول إن هذا لقول قلتموه أنتم يعني به السحرة وموسى في المدينة يعني في أهل مدين لتخرجوا منها أهلها بقول الساحر الأكبر لموسى حين قال لئن غلبتني لأؤمن بك، ثم قال فرعون: فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ هذا وعيد فأخبرهم بالوعيد فقال:
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ- ٤٩- فِي جذوع النخل فردت عليه السحرة حين أوعدهم بالقتل والصلب قالُوا لا ضَيْرَ ما عسيت أن تصنع هل هو إلا أن تقتلنا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ- ٥٠- يعني لراجعون إلى الآخرة إِنَّا نَطْمَعُ أي نرجو أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا يعنى سحرنا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ- ٥١- يعني أول المصدقين بتوحيد الله﷿- من أهل
_________________
(١) فى ف، أ: «فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ» فقط، أى أن صدر الآية ترك فأثبته، وفى ف، زيادات فى وصف الحية من عظمتها وضخامتها وهي أشياء لم تثبت عن المعصومﷺ- ولا يمكن الإيمان بها إلا عن هذا الطريق. []
[ ٣ / ٢٦٤ ]
مصر فقطعهم وصلبهم فرعون من يومه، قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة وآخر النهار شهداء.
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي بني إسرائيل ليلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ- ٥٢- يعني يتبعكم فرعون وقومه فأمر جبريل﵇- كل أهل أربعة أبيات من بني إسرائيل في بيت، ويعلم تلك الأبواب بدم الخراف «١» فإن الله﷿- يبعث الملائكة إلى أهل مصر فمن لم يروا على بابه دما دخلوا بيته فقتلوا أبكارهم، من أنفسهم وأنعامهم، فيشغلهم دفنهم إذا أصبحوا عن طلب موسى ففعلوا واستعاروا حلي أهل مصر فساروا من ليلتهم قبل البحر هارون على المقدمة وموسى على الساقة فأصبح فرعون من الغد يوم الأحد وقد قتلت الملائكة أبكارهم فاشتغلوا بدفنهم ثم جمع الجموع فساروا يوم الاثنين في طلب موسى﵇- وأصحابه. وهامان على مقدمة فرعون فى ألفى ألف وخمسمائة. ويقال ألف ألف مُقَاتِلٍ، فذلك قوله﷿-: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ- ٥٣- يحشرون الناس في طلب موسى﵇- وهرون﵇- وبني إسرائيل. ثم قال فرعون: إِنَّ هؤُلاءِ يعني بني إسرائيل لَشِرْذِمَةٌ يعني عصابة قَلِيلُونَ- ٥٤- وهم ستمائة ألف وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ- ٥٥- لقتلهم أبكارنا ثم هربوا منا وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ- ٥٦- علينا السلاح. «٢»
يقول الله- تعالى-: فَأَخْرَجْناهُمْ من مصر مِنْ جَنَّاتٍ يعني البساتين وَعُيُونٍ- ٥٧- يعني أنهار جارية وَكُنُوزٍ يعني الأموال الظاهرة من
_________________
(١) فى ف «الحرب»، وفى أ: بدم الجدار، وفى م: بدم الجدار وقد رأيت الحراف أقرب كلمة إلى ف.
(٢) هكذا فى ف، م. وفى أ: بالسلاح.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
الذهب والفضة وإنما سمي كنزا لأنه لم يعط حق الله﷿- منه وكل ما لم يعط حق الله- تعالى- منه فهو كنز وإن كان ظاهرا، قال سبحانه وَمَقامٍ كَرِيمٍ- ٥٨- يعني المساكن الحسان كَذلِكَ هكذا فعلنا بهم في الخروج من مصر وما كانوا فيه من الخير، ثم قال- سبحانه-: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ- ٥٩- وذلك أن الله﷿- رد بني إسرائيل بعد ما أغرق فرعون وقومه إلى مصر فَأَتْبَعُوهُمْ يقول فاتبعهم فرعون وقومه مُشْرِقِينَ- ٦٠- يعني ضحى فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ يعني جمع موسى﵇- وجمع فرعون فعاين بعضهم بعضا قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ- ٦١- هذا فرعون وقومه لحقونا من ورائنا وهذا البحر أمامنا قد غشينا ولا منقذ لنا منه قالَ موسى﵇-: كَلَّا «لا يدركوننا» «١» إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ- ٦٢- الطريق وذلك أن جبريل﵇- حين أتاه فأمره بالمسير من مصر قال: موعد ما بيننا وبينك البحر فعلم موسى﵇- أن الله﷿- سيجعل له مخرجا وذلك يوم الاثنين العاشر من المحرم «٢» فلما صار موسى إلى البحر أوحى الله﷿- إليه «٣» «فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى» أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فجاءه جبريل﵇- فقال اضرب بعصاك البحر فضربه بعصاه في أربع ساعات من النهار فَانْفَلَقَ البحر فانشق الماء اثني عشر طريقا يابسا، كل طريق طوله فرسخان وعرضه فرسخان، وقام الماء عن يمين الماء وعن يساره كالجبل العظيم، فذلك
_________________
(١) فى الأصل: «لا يدركونا» .
(٢) فى أ: يوم العاشر من المحرم.
(٣) الآية «فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى» لكنها وردت فى الأصل: «أوحى الله﷿- إليه» .
[ ٣ / ٢٦٦ ]
قوله﷿- فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ- ٦٣- يعني كالجبلين المقابلين «١» كل واحد منهما على الآخر وفيهما كوى من طريق إلى طريق لينظر بعضهم إلى بعض إذا ساروا فيه ليكون آنس لهم إذا نظر بعضهم إلى بعض فسلك كل سبط من بني إسرائيل في طريق لا «يخالطهم» «٢» أحد من غيرهم وكانوا اثني عشر سبطا فساروا في اثني عشر طريقا «٣» فقطعوا البحر وهو نهر النيل بين أيلة ومصر نصف النهار فى ساعتين فتلك ست ساعات من النهار يوم الاثنين وهو يوم العاشر من المحرم، فصام موسى﵇- يوم العاشر شكر الله﷿- حين أنجاه الله﷿- وأغرق عدوه فرعون فمن ثم تصومه اليهود.
وسار فرعون وقومه في تمام ثمانية ساعات فلما توسطوا البحر تفرقت الطرق عليهم فأغرقهم الله﷿- أجمعين، فذاك قوله- تعالى-: وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ- ٦٤- يعني هناك الآخرين. قربنا فرعون وجنوده في مسلك بني إسرائيل وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ- ٦٥- من الغرق فلم يبق أحد إلا نجا ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ- ٦٦- يعني فرعون وقومه في تمام تسع ساعات من النهار ثم أوحى الله﷿- إلى البحر فألقى فرعون على الساحل في ساعة فتلك «٤» عشر ساعات وبقي من النهار ساعتان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول في هلاك فرعون وقومه لعبرة لمن بعدهم وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ٦٧- يقول لم يكن أكثر أهل مصر مصدقين بتوحيد الله﷿- ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا. ولم يؤمن من أهل مصر غير آسية امرأة فرعون
_________________
(١) المقبلين: فى ف، وفى أ: كشط وتصليح، وفى م: المتقبلين.
(٢) فى الأصل: «تخالطهم» .
(٣) قال ابن عباس صار البحر اثنى عشر طريقا لكل سبط طريق. وزاد السدى وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، ابن كثير: ٣/ ٣٣٦.
(٤) فى الأصل: فذلك.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
وحزقيل المؤمن من آل فرعون وفية «١» الماشطة ومريم ابنة ناموثية «٢» التي دلت على عظام يوسف وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته من أعدائه حين انتقم منهم الرَّحِيمُ- ٦٨- بالمؤمنين حين أنجاهم من العذاب وكان موسى بمصر ثلاثين سنة فلما قتل النفس خرج إلى مدين هاربا على رجليه في الصيف بغير زاد وكان راعيا عشر سنين ثم بعثه الله رسولا وهو ابن أربعين سنة ثم دعا قومه ثلاثين سنة ثم قطع البحر فعاش خمسين سنة فمات وهو ابن عشرين ومائة سنةﷺ- وكان دعا فرعون وقومه عشر سنين فلما أبوا أرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل وإلى آخر الآية «٣» ثم لبث فيهم «٤» أيضا عشرين سنة كل ذلك ثلاثين سنة فلم يؤمنوا فأغرقهم الله أجمعين فعاش موسى﵇- عشرين ومائة سنة.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ على أهل مكة نَبَأَ يعني حديث إِبْراهِيمَ- ٦٩- إِذْ قالَ لِأَبِيهِ آزر وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ- ٧٠- قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا من ذهب وفضة وحديد ونحاس وخشب فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ- ٧١- يقول فنقيم عليها عاكفين وهي اثنان وسبعون قالَ إبراهيم﵇-: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ- ٧٢- يقول هل تجيبكم الأصنام إذا دعوتموهم أَوْ هل يَنْفَعُونَكُمْ في شيء إذا عبدتموها أَوْ يَضُرُّونَ- ٧٣- يضرونكم بشيء
_________________
(١) هكذا فى ف، أ، م: وفيه.
(٢) هكذا فى أ، وفى ف: ناموئين.
(٣) الآية: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ سورة الأعراف: ١٣٣.
(٤) فى ف، ا: فيها.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
إن لم تعبدوها فردوا على إبراهيم «قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ» «١» - ٧٤- يعني هكذا يعبدون الأصنام قالَ إبراهيم: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ- ٧٥- من الأصنام أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ- ٧٦- فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي أنا بريء مما تعبدون ثم استثنى إبراهيم﵇- مما يعبدون ربَّ العالمينﷻ- وعبادتهم الله لأنهم يعلمون أن الله- تعالى- هو ربهم هو الذي خلقهم قوله: إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ- ٧٧- مما تعبدون فإني لا أتبرأ منه وإقرارَهم بالله﷿- أنه خلقهم وهو ربهم، وهم عباده ثم ذكر إبراهيم﵇- نِعَمَ ربِّ العالمينَ- تعالى- فقال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ- ٧٨- وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي إذا جعت وَيَسْقِينِ- ٧٩- إذا عطشت وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ- ٨٠- وَالَّذِي يُمِيتُنِي في الدنيا ثُمَّ يُحْيِينِ- ٨١- بعد الموت في الآخرة.
وَالَّذِي أَطْمَعُ يعني أرجو أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ- ٨٢- يعني يوم الحساب يقول أنا أعبد الذي يفعل هذا بي ولا أعبد غيره وخطيئة إبراهيم ثلاث كذبات، حين قال عن سارة «٢» هذه أختي، وحين قال إِنِّي سَقِيمٌ، وحين قال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا. إحداهن لنفسه واثنتان لله﷿- دعا ربه- تعالى ذكره- فقال: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا يعني الفهم والعلم وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ- ٨٣- يعني الأنبياء﵈- وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ- ٨٤- يعني ثناء حسنا يقال من بعدي في الناس فأعطاه
_________________
(١) فى أ: «قالوا إنا وجدنا» وهو خلاف النص القرآنى. []
(٢) فى ف، ا، م: لسارة. واللام بمعنى عن.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
الله﷿- ذلك فكل أهل دين يقولون «١» إبراهيم﵇-، ويثنون عليه، ثم قال: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ- ٨٥- يقول اجعلني ممن يرث الجنة وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ- ٨٦- يعني من المشركين وَلا تُخْزِنِي يعني لا تعذبني يَوْمَ يُبْعَثُونَ- ٨٧- يعني يوم تبعث الخلق بعد الموت، ثم نعت إبراهيم﵇- ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ- ٨٨- من العذاب من بعد الموت إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ في الآخرة بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- ٨٩- من الشرك مخلصا لله﷿- بالتوحيد فينفعه يوم البعث ماله وولده.
وَأُزْلِفَتِ يعني وقربت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ- ٩٠- وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ يعني وكشف الغطاء عن الجحيم لِلْغاوِينَ- ٩١- من كفار بني آدم وهم الضالون عن الهدى وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ- ٩٢- مِنْ دُونِ اللَّهِ لأنهم عبدوا الشيطان نظيرها في الصافات هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ- ٩٣- يعني هل يمنعونكم النار أو يمتنعون منها فَكُبْكِبُوا فِيها يعني فقذفوا في النار يعني فقذفهم الحزنة في النار هُمْ يعني كفار بني آدم وَالْغاوُونَ- ٩٤- يعني الشياطين الذين أغووا بني آدم، ثم قال- تعالى-: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ- ٩٥- يعني ذرية إبليس كلهم قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ- ٩٦- في النار فيها تقديم وذلك أن الكفار من بني آدم قالوا للشياطين: تَاللَّهِ يعني والله إِنْ لقد كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٩٧- إِذْ نُسَوِّيكُمْ يعنى نعد لكم- يا معشر الشياطين- بِرَبِّ الْعالَمِينَ- ٩٨- في الطاعة فهذه
_________________
(١) فى ا، م: يتولون ابراهيم. وفى ف: يقولون ابراهيم.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
خصومتهم، ثم قال كفار مكة من بني آدم: وَما أَضَلَّنا عن الهدى إِلَّا الْمُجْرِمُونَ- ٩٩- يعني الشياطين، ثم أظهروا الندامة فقالوا: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ- ١٠٠- من الملائكة والبنين وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ- ١٠١- يعني القريب الشفيق فيشفعون لنا كما يشْفَع للمؤمنين، وذلك أنهم لما رأوا كيف يشفع الله﷿- والملائكة والبنين في أهل التوحيد، قالوا عند ذلك «فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ » إلى آخر الآية.
حدثنا أبو محمد قال: حدثني الْهُذَيْلِ، قال: قال مُقَاتِلُ: استكثروا من صداقة المؤمنين فإن المؤمنين يشفعون يوم القيامة، فذلك قوله- سبحانه-:
«وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ» ثم قال: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً يعني رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ١٠٢- يعني من المصدقين بالتوحيد إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني إن في هلاك قوم إبراهيم لعبرة لمن بعدهم. وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٠٣- يقول لو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته الرَّحِيمُ- ١٠٤- بالمؤمنين. هلك قوم إبراهيم بالصيحة تفسيره فى سورة العنكبوت «١» .
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ- ١٠٥- يعني كذبوا نوحا وحده، نظيرها في «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» «٢» إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ليس بأخيهم فى الدين ولكن
_________________
(١) فى سورة العنكبوت الآية ٤٠: (فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .
(٢) سورة القمر آية ٩، ١٠: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) .
[ ٣ / ٢٧١ ]
أخوهم في النسب أَلا تَتَّقُونَ- ١٠٦- يعني ألا تخشون الله﷿- إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٠٧- فيما بينكم وبين ربكم فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني فاعبدوا اللَّه وَأَطِيعُونِ- ١٠٨- فيما آمركم به من النصيحة وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني جعلا وذلك أنهم قالوا للأنبياء إنما تريدون أن تملكوا علينا في أموالنا «١» فردت عليهم الأنبياء فقالوا لا نسألكم عليه «٢» من أجر يعني على الإيمان جعلا إِنْ أَجْرِيَ يعني جزائي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٠٩- فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني فاعبدوا اللَّه وَأَطِيعُونِ- ١١٠- فيما آمركم به من النصيحة قالُوا لنوح أَنُؤْمِنُ لَكَ أنصدقك بقولك وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ- ١١١- يعني السفلة قالَ نوح﵇-: وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- ١١٢- يقول لم أكن أعلم أن الله يهديهم للإيمان من بينكم ويدعكم، ثم قال نوح﵇-: إِنْ حِسابُهُمْ يعني ما جزاء الأرذلون إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ- ١١٣- وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ- ١١٤- يقول وما أنا بالذي لا يقبل «٣» الإيمان من الذين تزعمون أنهم الأرذلون عندكم إِنْ أَنَا يعني ما أنا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ- ١١٥- يعنى رسول بين لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يعني لئن لم تسكت يَا نُوحُ عنا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ- ١١٦- يعني من المقتولين قالَ نوح: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ- ١١٧- البعث فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا يقول اقض بيني وبينهم قضاء يعني العذاب وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ١١٨- من الغرق فنجاه الله﷿- فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ- ١١٩-
_________________
(١) هكذا فى ف، أ: ولعلها علينا أموالنا.
(٢) فى ف، أ: لا أسألكم عليه.
(٣) فى أ: لا أقبل.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
يعني الموقر من الناس والطير والحيوان كلها من كل صنف ذكر وأنثى ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ أهل السفينة الْباقِينَ- ١٢٠- يعني من بقي منهم «ممن» «١» لم يركب السفينة. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول إن في هلاك قوم نوح بالغرق لعبرة لمن بعدهم من هذه الأمة ليحذروا مثل عقوبتهم، ثم قال- تعالى-: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٢١- يعني مصدقين بتوحيد الله﷿- يقول كان أكثرهم كافرين بالتوحيد ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا، ثم قال- سبحانه-: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته منهم بالغرق الرَّحِيمُ- ١٢٢- بالمؤمنين إذ نجاهم من الغرق، إنما ذكر الله- تعالى- تكذيب الأمم الخالية رسلهم، لما كذب كفار قريش النبيﷺ- بالرسالة أخبر الله﷿- النبيَّﷺ- أنه أرسله كما أرسل نوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا فكذبهم قومهم، فكذلك أنت يا محمد وذكر عقوبة قومهم الذين كذبوا رسلهم لئلا يكذب كفار قريش محمداﷺ- فحذرهم مثل عذاب الأمم الخالية.
كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ- ١٢٣- إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب أَلا تَتَّقُونَ- ١٢٤- يعني ألا تخشون الله﷿- إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٢٥- فيما بينكم وبين ربكم فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني فاعبدوا اللَّه وَأَطِيعُونِ- ١٢٦- فيما آمركم به من النصيحة وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يقول لا أسألكم على الإيمان جعلا إِنْ أَجْرِيَ يقول ما أجري إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٢٧- أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ يعنى طريق آيَةً يعنى علما تَعْبَثُونَ
_________________
(١) فى الأصل: «من» .
[ ٣ / ٢٧٣ ]
- ١٢٨- يعني تلعبون وذلك أنهم كانوا إذا سافروا لا يهتدون إلا بالنجوم فبنوا القصور [٥٣ ا] الطوال عبثا يقول علما بكل طريق يهتدون بها في طريقهم وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ يعني القصور ليذكروا بها هذا منزل بني فلان وبني وفلان لَعَلَّكُمْ يعني كأنكم تَخْلُدُونَ- ١٢٩- في الدنيا فلا تموتون وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ- ١٣٠- يقول إذا أخذتم أخذتم فقتلتم في غير حق كفعل الجبارين، والجبار من يقتل بغير حق فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٣١- وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ يقول اتقوا الله الذي أعطاكم بِما تَعْلَمُونَ «١» - ١٣٢- من الخير، ثم أخبر بالذي أعطاهم، فقال- سبحانه-: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ- ١٣٣- وَجَنَّاتٍ يقول البساتين وَعُيُونٍ- ١٣٤- يعني وأنهار جارية أعطاهم هذا الخير كله، بعد ما «أخبرهم» «٢» عن قوم نوح بالغرق، قال «٣»: فإن لم تؤمنوا ف إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ١٣٥- أن ينزل بكم في الدنيا يعني بالعظيم الشديد فردوا «عليه» «٤» - ﵇- قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ بالعذاب أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ- ١٣٦- إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ- ١٣٧- يعني ما هذا العذاب الذي يقول هود إلا أحاديث الأولين وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ- ١٣٨- فَكَذَّبُوهُ بالعذاب في الدنيا فَأَهْلَكْناهُمْ بالريح إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول إن في هلاكهم بالريح لعبرة لمن بعدهم من هذه الأمة فيحذروا مثل عقوبتهم، ثم قال- سبحانه-: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٣٩-
_________________
(١) فى أ: ما تعملون.
(٢) فى أ: أخبر قوم نوح.
(٣) «أخبرهم»: ليست فى ا.
(٤) «عليه» زيادة اقتضاها السياق غير موجودة فى الأصل.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته من أعدائه حين أهلكهم بالريح الرَّحِيمُ- ١٤٠- بالمؤمنين حين أنجاهم.
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ- ١٤١- يعني صالحا وحده إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ فى النسب وليس بأخيهم فى الدين أَلا تَتَّقُونَ- ١٤٢- يعني «ألا تخشون» «١» الله﷿- إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٤٣- فيما بينكم وبين الله﷿- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٤٤- فيما آمركم به وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني على الإيمان مِنْ أَجْرٍ يعني جعلا إِنْ أَجْرِيَ يعني «ما جزائي» «٢» إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٤٥- ثم قال صالح﵇-: أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا من الخير آمِنِينَ- ١٤٦- من الموت، ثم أخبر عن الخير، فقال- سبحانه-: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ- ١٤٧- وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ- ١٤٨- يعني طلعها متراكب بعضها على بعض من الكثرة وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ- ١٤٩- يعني حاذقين بنحتها فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٥٠- فيما آمركم به من النصيحة وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ- ١٥١- يعنى التسعة الذين عقروا الناقة [٥٣ ب] ثم نعتهم فقال- تعالى-: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ- ١٥٢- يقول الذين يعصون في الأرض ولا يطيعون الله﷿- فيما أمرهم به قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ- ١٥٣.
_________________
(١) فى أ: «ألا تخشوا» .
(٢) فى أ: «ما جزاى» . []
[ ٣ / ٢٧٥ ]
حدثنا أبو محمد قال: حدثنا الأثرم، قال أبو عبيدة والفراء: المسحر المخلوق، ويقال أيضا الذي له سحر يجتمع فيه طعامه أسفل نحره لأن «نصف العنق» «١» نحر ونصفه سحر مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا يقول إنما أنت بشر مثلنا في المنزلة ولا تفضلنا فى شيء لست بملك ولا رسول فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ١٥٤- بأنك رسول الله إلينا، فقال لهم صالح: إن الله﷿- «سيخرج» «٢» لكم من هذه الصخرة ناقة وبراء عشراء يعني حامل، قال مُقَاتِلُ: كانت الناقة من غير نسل ثم انشقت عن الناقة قالَ لهم صالح﵇-: هذِهِ ناقَةٌ الله لكم آية بأني رسول الله لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ- ١٥٥- وكان للناقة يوم، ولهم يوم وإذا كان شرب يوم الناقة من الماء كانوا في لبن ما شاءوا وليس لهم ماء فإذا كان يومهم، لم يكن للناقة ماء وكان لأهل القرية ولمواشيهم يوم، ولها يوم آخر «فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ» وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ يعني ولا تعقروها فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ١٥٦- في الدنيا فَعَقَرُوها يوم الأربعاء فماتت فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ- ١٥٧- على عقرها فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ يوم السبت من صيحة جبريل﵇- فماتوا أجمعين إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني في هلاكهم بالصيحة لعبرة لمن بعدهم من هذه الأمة يحذر كفار مكة مثل عذابهم، ثم قال- سبحانه-: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٥٨- يعني لو كان أكثرهم مؤمنين ما عذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ فى نقمته
_________________
(١) فى أ: «العنق» .
(٢) فى أ: «خرج» .
[ ٣ / ٢٧٦ ]
من أعدائه الرَّحِيمُ- ١٥٩- بالمؤمنين، وعاد وثمود ابنا عم، ثمود بن عابر ابن أرم بن سام بن نوح وهود بن شالح.
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ- ١٦٠- كذبوا لوطا وحده ولوط ابن حراز بن آزر، فسارة أخت لوط﵇- إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ ابن حراز أَلا تَتَّقُونَ- ١٦١- يعني ألا تخشون الله﷿- إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٦٢- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٦٣- فيما آمركم به من النصيحة وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني ما أسألكم على الإيمان من جعل إِنْ أَجْرِيَ يعني ما جزائي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٦٤- أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ- ١٦٥- يعني نكاح الرجال وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ يعنى بالأزواج فروج نسائكم [٥٤ أ] بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ- ١٦٦- يعنى معتدين قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يعني لئن لم تسكت عنا يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ- ١٦٧- من القرية قالَ لوط: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ يعني إتيان الرجال مِنَ الْقالِينَ- ١٦٨- يعني الماقتين رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ- ١٦٩- من الخبائث فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ- ١٧٠-، ثم استثنى فقال: إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ- ١٧١- يعني الباقين في العذاب يعني امرأته ثُمَّ دَمَّرْنَا يعني أهلكنا الْآخَرِينَ- ١٧٢- بالخسف والحصب، فذلك قوله- تعالى-:
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا يعني الحجارة فَساءَ يعني فبئس مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ يعني الذين أنذروا بالعذاب خسف الله بقرى قوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجا من القرية إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني إن في هلاكهم بالخسف
[ ٣ / ٢٧٧ ]
والحصب لعبرة لهذه الأمة، ثم قال- تعالى-: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٧٤- لو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته الرَّحِيمُ- ١٧٥- بالمؤمنين، وذلك قوله- تعالى- «ولقد أنذرهم بطشتنا «١» » يعنى عذابنا.
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ يعني غيطة الشجر كان أكثر الشجر الدوم وهو المقل الْمُرْسَلِينَ- ١٧٦- يعني كذبوا شعيبا﵇- وحده وشعيب بن نويب بن مدين بن إبراهيم- خليل الرحمن إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ولم يكن شعيب من نسبهم، فلذلك لم يقل﷿- أخوهم شعيب وقد كان أرسل إلى أمة غيرهم أيضا إلى ولد مدين، وشعيب من نسلهم فمن ثم قال فى هذه السورة «إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ» ولم يقل أخوهم لأنه ليس من نسلهم:
أَلا تَتَّقُونَ- ١٧٧- يقول ألا تخشون الله﷿-؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٧٨- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٧٩- فيما آمركم به من النصيحة وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني على الإيمان مِنْ أَجْرٍ يعني من جعل إِنْ أَجْرِيَ يعني ما جزائي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٨٠- أَوْفُوا الْكَيْلَ ولا تنقصوه وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ- ١٨١- يعني من المنقصين للكيل وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ- ١٨٢- يعني بالميزان المستقيم والميزان بلغة الروم القسطاس وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول ولا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والميزان وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ يعني ولا تسعوا في الأرض مُفْسِدِينَ- ١٨٣- بالمعاصي وَاتَّقُوا يقول واخشوا أن يعذبكم في الدنيا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَخلق الْجِبِلَّةَ يعنى الخليفة الْأَوَّلِينَ- ١٨٤- يعنى
_________________
(١) سورة القمر: ٣٦.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
الأمم الخالية [٥٤ ب] الذين عذبوا فى الدنيا قوم نوح وهود وصالح وقوم لوط قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ- ١٨٥- يعني أنت بشر مثلنا لست بملك ولا رسول، فذلك قوله- سبحانه-: وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا تفضلنا فى شيء فتبعك وَإِنْ نَظُنُّكَ يقول وقد نحسبك يا شعيب لَمِنَ الْكاذِبِينَ- ١٨٦- يعني «حين» «١» تزعم أنك نبي رسول فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا يعني جانبا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ١٨٧- بأن العذاب نازل بنا لقوله في هود: « وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ» «٢» قالَ شعيب: رَبِّي أَعْلَمُ من غيره بِما تَعْمَلُونَ- ١٨٨- من نقصان الكيل والميزان فَكَذَّبُوهُ بالعذاب فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وذلك أن الله﷿- كان حبس عنهم الريح والظل فأصابهم حر شديد فخرجوا من منازلهم فرفع الله﷿- سحابة فيها عذاب بعد ما أصابهم الحر سبعة أيام فانقلبوا ليستظلوا تحتها فأهلكهم الله﷿- حرا وغما تحت السحابة، فذلك قوله﷿-: «عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ١٨٩- لشدته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً إن في هلاكهم بالحر والغم لعبرة لمن بعدهم يحذر كفار مكة أمة محمدﷺ، ثُمّ قَالَ﷿-: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٩٠- يعني لو كان أكثرهم مؤمنين ما عذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته من أعدائه الرَّحِيمُ- ١٩١- بالمؤمنين وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٩٢- وذلك أنه لما قال كفار مكة: إن محمدًاﷺ- يتعلم القرآن من «أبى» «٣» فكيهة ويجيء به «الري» «٤»، وهو شيطان، فيلقيه على لسان محمد
_________________
(١) «حين»: زيادة اقتضاها السياق لم ترد فى الأصل . (٢) سورة هود: ٨٤.
(٢) فى ا: «ابني»، ف: «أبى» .
(٣) فى ا: «الذي»، ف: «الري» .
[ ٣ / ٢٧٩ ]
- ﷺ- فأكذبهم الله- تعالى- فقال﷿-: «وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ» يعنى القرآن نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ- ١٩٣- يعني جبريل﵇- «أمين» فيما استودعه الله﷿- من الرسالة إلى الأنبياء﵈- نزله عَلى قَلْبِكَ ليثبت به قلبك يا محمد لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ- ١٩٤- أنزله بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ- ١٩٥- ليفقهوا ما فيه لقوله إنما يعلِّمه أبو فكيهة، وكان أبو فكيهة أعجميا، ثم قال- سبحانه-:
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ- ١٩٦- يقول أمرُ محمدٍﷺ- ونعتُه في كتب الأولين، ثم قال: أَوَلَمْ يَكُنْ محمدﷺ- لَهُمْ آيَةً يعني لكفار مكة أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ- ١٩٧- يعنى ابن سلام وأصحابه وَلَوْ نَزَّلْناهُ [٥٥ أ] يعنى القرآن عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ- ١٩٨- يعني أبا فكيهة يقول لو أنزلناه على رجل ليس بعربي اللسان فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ على كفار مكة لقالوا ما نفقه قوله وما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ- ١٩٩- يعني بالقرآن مصدقين بأنه من الله﷿- كَذلِكَ سَلَكْناهُ يعني هكذا جعلنا الكفر بالقرآن فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ- ٢٠٠- لا يُؤْمِنُونَ بِهِ يعنى بالقرآن حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ- ٢٠١- يعني الوجيع فَيَأْتِيَهُمْ العذاب بَغْتَةً يعني فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ٢٠٢- فيتمنون الرجعة والنظرة، فذلك قوله- سبحانه-: فَيَقُولُوا يعني كفار مكة هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ- ٢٠٣- فنعتب ونراجع فلما أوعدهم النبيﷺ- العذاب، قالوا فمتى هذا العذاب تكذيبا به، يقول الله﷿- أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ- ٢٠٤- أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ- ٢٠٥- في الدنيا ثُمَّ جاءَهُمْ بعد ذلك العذاب ما كانُوا
[ ٣ / ٢٨٠ ]
يُوعَدُونَ
- ٢٠٦- مَا أَغْنى عَنْهُمْ من العذاب مَا كانُوا يُمَتَّعُونَ- ٢٠٧- فى الدنيا، ثم خوفهم فقال- سبحانه- وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ فيما خلا بالعذاب في الدنيا إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ- ٢٠٨- يعنى رسلا تنذرهم العذاب بأنه نازل بهم في الدنيا ذِكْرى يقول العذاب يذكر ويفكر وَما كُنَّا ظالِمِينَ- ٢٠٩- فنعذب على غير ذنب كان منهم ظلما، قالت قريش إنه يجيء بالقرآن الري يعنون الشيطان، فيلقيه على لسان محمدﷺ- فكذبوه بما جاء به، فأنزل الله﷿- وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ- ٢١٠- وَما يَنْبَغِي لَهُمْ أن ينزلوا بالقرآن وَما يَسْتَطِيعُونَ- ٢١١- لأنه حيل بينهم وبين السمع، بالملائكة والشهب وذلك أنهم كانوا يستمعون إلى السماء قبل أن يبعث النبيﷺ- فلما بعث رمتهم الملائكة بالشهب، فذلك قوله- سبحانه: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ- ٢١٢- بالملائكة والكواكب فَلا تَدْعُ يعنى مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وذلك حين دُعِيَ إلى دين آبائه فقال لا تَدْعُ يعني فلا تعبد مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ- ٢١٣- وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ- ٢١٤- لما نزلت هَذِهِ الآية قَالَ النَّبِيّﷺ-: إني أرسلت إلى الناس عامة وأرسلت إليكم يا بني هاشم وبني المطلب خاصة وهم الأقربون وهما أخوان ابنا عبد مناف وَاخْفِضْ جَناحَكَ يعني لين لهم جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ٢١٥- فَإِنْ عَصَوْكَ يعني بني هاشم وبني عبد المطلب فلم يجيبوك إلى الإيمان فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ- ٢١٦- من الشرك والكفر [٥٥ ب] وَتَوَكَّلْ يعني وثق بالله﷿- عَلَى الْعَزِيزِ في نقمته الرَّحِيمِ- ٢١٧- بهم حين لا يعجل عليهم بالعقوبة، وذلك حين
[ ٣ / ٢٨١ ]
دُعِيَ إلى ملة آبائه ثم قال- سبحانه-: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ
- ٢١٨- وحدك إلى الصلاة وَتَقَلُّبَكَ يعني ويرى ركوعك وسجودك وقيامك فهذا التقلب فِي السَّاجِدِينَ- ٢١٩- يعني ويراك مع المصلين في جماعة إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما قالوا حين دُعِيَ إلى دين آبائه الْعَلِيمُ- ٢٢٠- بما قال كفار مكة هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ- ٢٢١- لقولهم إنما يجيء به الري فيلقيه على لسان محمدﷺ- تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ يعني كذاب أَثِيمٍ- ٢٢٢- بربه منهم مسيلمةُ الكذاب وكعبُ بن الأشرف يُلْقُونَ السَّمْعَ يقول «تلقي» «١» الشياطين بآذانهم إلى السمع في السماء لكلام الملائكة وذلك أن الله﷿- إذا أراد أمرا في أهل الأرض «أعلم» «٢» به أهل السموات من الملائكة فتكلموا به فتسمع الشياطين لكلام الملائكة وترميهم بالشهب فيخطفون الخطفة، ثم قال﷿-: وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ- ٢٢٣- يعني الشياطين حين يخبرون الكهنة أنه يكون في الأرض كذا وكذا، ثم قال- سبحانه-: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ- ٢٢٤- منهم عبد الله بن الزبعري السهمي، وأبو سفيان بن عبد المطلب، وهميرة ابن أبى وهب المخزومي، ومشافع بن عبد مناف عمير الجمحي، وأبو عزة اسمه عمرو بن عبد الله، كلهم من قريش، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب والباطل وقالوا نحن نقول مثل قول محمدﷺ- قالوا الشعر واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون من أشعارهم، ويروون عنهم حتى يهجون، فذلك قوله﷿-: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ
_________________
(١) فى أ: يلقون.
(٢) فى أ: علم.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
- ٢٢٥- يعني في كل طريق يعني في كل فن من الكلام يأخذون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ- ٢٢٦-: فعلنا وفعلنا وهم كذبة فاستأذن شعراء المسلمين أن يقتصوا من المشركين منهم عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت وكعب بن مالك من بني سلمة بن خثم كلهم من الأنصار، فأذن لهم النبي- النبي ﷺ-، فهجوا المشركين ومدحوا النبيﷺ- فأنزل الله- تعالى- «والشعراء يتبعهم الغاوون » إلى آيتين ثم استثنى﷿- شعراء المسلمين فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا على المشركين [٥٦ أ] مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا يقول انتصر «١» شعراء المسلمين من شعراء المشركين، فقال: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعنى أشركوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ- ٢٢٧- يقول ينقلبون في الآخرة إلى الخسران.
حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن ثَابِت، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عن الهذيل، عن رجل، عن الفضل ابن عيسى الرقاشي، قال: «بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» قال: فضله على الألسن.
قال الْهُذَيْلُ سمعت المسيب بحديث عن أبي روق قال: كانت ناقة صالح﵇- بوضع لها الإناء فتدر فيه اللبن.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ على بن عاصم، عن الفضل ابن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكور عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِﷺ- قَالَ: لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ﷿- مُوسَى﵇-
_________________
(١) فى أ: انتصروا.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
فَوْقَ الطُّورِ فَسَمِعَ كَلامًا فَوْقَ الْكَلامِ الأَوَّلِ فَقَالَ يَا رَبِّ هَذَا كَلامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ. قَالَ: لا يَا مُوسَى: إِنَّمَا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسَانٍ «١» وَلِي قُوَّةُ الأَلْسُنِ كُلِّهَا، وَأَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى﵇- إِلَى قَوْمِهِ قَالُوا: يَا مُوسَى، صِفْ لَنَا كَلامَ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، لا أَسْتَطِيعُ. قَالُوا: فَشَبِّهُهُ، قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى أَصْوَاتِ الصَّوَاعِقِ الَّتِي تَقْتُلُ بِأَحْلَى حَلاوةٍ إِنْ سَمِعْتُمُوهُ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَلَيْسَ به «٢» .
_________________
(١) من أ، وفى ف: إنما كلمتك بما تطيق وتستطيع بذلك احتماله ولو كلمتك بأشد من هذا لمت.
(٢) انتهى تفسير سورة الشعراء فى ف، وفى ازيادات فى هذه القصة، ويكفى أن تعلم أنها مروية عن كعب لتعرف أنها من إسرائيليات اليهود التي رأينا بالإعراض عنها. وما أغنى كتاب الله عن هذا التشبيه والتجسيم، وقد شان مقاتل تفسيره بهذا التجسيم والتشبيه، وهو معروف ومشهور عند اليهود. ثبتنا الله بالقول الثابت، وحفظنا من الزيغ وختم لنا بالإيمان.
[ ٣ / ٢٨٤ ]