بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩)
إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)
وَقالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)
وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤)
مَا لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)
وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤)
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩)
فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)
قالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يَا إِبْراهِيمُ (١٠٤)
قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩)
كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤)
وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩)
سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤)
أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)
سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤)
إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)
فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)
أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)
فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)
[ ٣ / ٥٩١ ]
[سورة الصافات «١»] سورة الصافات مكية.
وعددها مائة واثنتان وثمانون آية كوفية «٢» .
_________________
(١) معظم مقصود السورة: الإخبار عن صف الملائكة والمصلين للعبادة، ودلائل الوحدانية، ورجم الشياطين وذل الظالمين، وعز المطيعين فى الجنان، وقهر المجرمين فى النيران، ومعجزة نوح، وحديث إبراهيم، وفداء إسماعيل فى جزاء الانقياد وبشارة إبراهيم بإسحاق، والمنة على موسى وهارون بإيتاء الكتاب، وحكاية الناس فى حال الدعوة، وهلاك قوم لوط، وحبس يونس فى بطن الحوت، وبيان فساد عقيدة المشركين فى نسبة الملائكة إليه، وقولهم إن الملائكة بنات الله، ودرجات الملائكة فى مقام العبادة وما منح الله الأنبياء من النصرة والتأييد، وتنزيه الله عن الضد والنديد فى قوله: «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» سورة الصافات: ١٨٠.
(٢) فى المصحف (٣٨) سورة الصافات مكية، وآياتها ١٨٢ نزلت بعد سورة الأنعام. وقد سميت سورة الصافات لافتتاحها بها.
[ ٣ / ٥٩٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا- ١- يعني﷿- صفوف الملائكة فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا- ٢- الملائكة يعني به الرعد، وهو ملك اسمه الرعد يزجر السحاب بصوته يسوقه إلى البلد الذي أمر أن يمطره، والبرق مخاريق من نار يسوق بها السحاب، فإذا صف السحاب بعضه إلى بعض سطع منه نار فيصيب الله به من يشاء وهي الصاعقة التي ذكر الله﷿- في الرعد فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا- ٣- يعني به الملائكة وهو جبريل وحده﵇- يتلو القرآن على الأنبياء من ربهم، وهو، الملقيات ذكرا، يلقي الذكر على الأنبياء، وذلك أن كفار مكة قالوا يجعل محمدﷺ- الآلهة إلها واحدا فأقسم الله بهؤلاء الملائكة إِنَّ إِلهَكُمْ يعني أن ربكم لَواحِدٌ- ٤- ليس له شريك، ثم عظم نفسه عن شركهم فقال﷿-: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يقول أنا رب ما بينهما من شيء من الآلهة وغيرها وَأنا رَبُّ الْمَشارِقِ- ٥- «يعني» «١» مائة وسبعة وسبعين مشرقا في السنة كلها، والمغارب مثل ذلك، «٢» ثم قال: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا لأنها أدنى السماء من الأرض وأقربها
_________________
(١) «يعنى»: من ل، وليست فى أ، ومع كونها ساقطة من أففيها: «(رب المشارق) مائة وسبعة وسبعين «أى بالنصب»، ولا يتأتى ذلك إلا بعد كلمة: «يعنى» .
(٢) فى أزيادة هي: «قال أبو محمد هذه قمرية لأن السنة فى حساب الأهلة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما»، وليست فى ل، وبها تحريف وأخطاء فى أ.
[ ٣ / ٦٠١ ]
بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ- ٦- وهي معلقة في السماء بهيئة القناديل وَحِفْظًا يعنى «زينة» «١» السماء بالكواكب مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ- ٧- متمرد على الله﷿- في المعصية لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الملائكة وكانوا قبل النبيﷺ- يسمعون كلام الملائكة وَيُقْذَفُونَ ويرمون مِنْ كُلِّ جانِبٍ- ٨- من كل ناحية دُحُورًا يعني طردا بالشهب من الكواكب، ثم ترجع الكواكب إلى أمكنتها وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ- ٩- يعني دائم للشياطين من يستمع منهم، ومن لم يستمع عذاب دائم في الآخرة والكواكب تجرح ولا تقتل، نظيرها في تبارك «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ» «٢» إِلَّا مَنْ خَطِفَ من الشياطين الْخَطْفَةَ يخطف من الملائكة فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ- ١٠- من الملائكة الكواكب، «يعني بالشهاب الثاقب» «٣» «نارا» «٤» مضيئة. كقول موسى: « (أَوْ آتِيكُمْ «٥») بِشِهابٍ قَبَسٍ «٦» » يعنى «بنار «٧»» مضيئة، فيها تقديم «٨» قال- جل وعز-: فَاسْتَفْتِهِمْ يقول سلهم: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا نزلت
_________________
(١) «زينة»: زيادة اقتضاها السياق ليست فى النسخ.
(٢) سورة تبارك: ٥، وفى أ: نظيرها فى تبارك «إنا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ » الآية، وفيه خطأ فى الآية، فالصواب «وَلَقَدْ زَيَّنَّا» بينما قال: «انا زينا» .
(٣) فى أ: «يعنى الثاقب»، وفى ل: «يعنى الشهاب الثاقب» .
(٤) فى أ، ل: «نار» .
(٥) فى أ: (آتيكم)، وفى ل: (أو آتيكم) .
(٦) سورة النمل: ٧.
(٧) فى أ، ل: «نار» . والأنسب: «بنار» .
(٨) أى تقدم ذكرها فيما سبق من التفسير.
[ ٣ / ٦٠٢ ]
في أبي الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن «خلف» «١» «الجمحي» «٢» . وإنما كنى [١١٠ أ] أبا الأشدين لشدة بطشه وفي «ركانة» «٣» بن عبد يزيد بن هشام ابن عبد مناف يقول سل هؤلاء أهم أشد خلقا بعد موتهم لأنهم كفروا بالبعث أَمْ مَنْ خَلَقْنا يعني خلق السموات والأرض وما بينهما والمشارق، لأنهم يعلمون أن الله- جل وعز- خلق هذه الأشياء، ثم أخبر عن خلق الإنسان فقال- جل وعز-: إِنَّا خَلَقْناهُمْ يعني آدم مِنْ طِينٍ لازِبٍ- ١١- يعني لازب بعضه في البعض فهذا أهون خلقا عند هذا المكذب بالبعث من خلق السموات والأرض وما بينهما والمشارق، ونزلت في أبى الأشدين أيضا «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا» بعثا بعد الموت «أَمِ السَّماءُ بَناها» «٤» ثم قال- جل وعز-:
بَلْ عَجِبْتَ يا محمد من القرآن حين أوحي إليك نظيرها في الرعد «وَإِنْ تَعْجَبْ» من القرآن: «فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ «٥» » فاعجب من قولهم بتكذيبهم بالبعث، ثم قال- جل وعز- وَيَسْخَرُونَ- ١٢- يعني كفار مكة سخروا من النبيﷺ- حين سمعوا منه القرآن، ثم قال: وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ- ١٣- وإذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون وَإِذا رَأَوْا آيَةً يعني انشقاق القمر بمكة فصار نصفين يَسْتَسْخِرُونَ- ١٤- سخروا فقالوا هذا عمل السحرة، فذلك قوله
_________________
(١) فى أ: «يخلف»، وفى ل: «خلف» .
(٢) «الجمحي»: من ل، وليست فى أ. []
(٣) «ركزته» فى أ: «نكاية»، وفى ل: «ركانة» .
(٤) سورة النازعات: ٢٧ وهي: «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها» .
(٥) سورة الرعد: ٥ وتمامها: «وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» .
[ ٣ / ٦٠٣ ]
- ﷿-: «وَقالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» «١» - ١٥- نظيرها فى «اقتربت الساعة» «٢» « وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» «٣» أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا «تُرابًا» «٤» وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ- ١٦- بعد الموت أَوَيبعث آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ- ١٧- قالوا ذلك تعجبا، يَقُولُ اللَّه﷿- لنبيهﷺ-: قُلْ لكفار مكة: نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ- ١٨- وأنتم صاغرون، ثم أخبر عنهم﷿-: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ صيحة واحدة من إسرافيل لا مثنوية لها فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ- ١٩- إلى البعث الذي كذبوا به فلما نظروا وعاينوا البعث ذكروا قول الرسل إن البعث حق «وَقالُوا» «٥» يَا وَيْلَنا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ- ٢٠- يوم الحساب الذي أخبرنا به النبيﷺ- فردت عليهم الحفظة من الملائكة هذا يَوْمُ الْفَصْلِ «٦» يوم القضاء الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ- ٢١- بأنه كائن احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا الذين أشركوا من بني آدم وَأَزْواجَهُمْ قرناءهم من الشياطين الذين أظلوهم وكل كافر مع شيطان في سلسلة واحدة وَما كانُوا يَعْبُدُونَ- ٢٢- مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني إبليس وجنده نزلت في كفار قريش نظيرها فى يس «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ » الآية « أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ » «٧» يعنى إبليس وحده فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ يعنى ادعوهم
_________________
(١) «وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ»: ساقطة من أ.
(٢) سورة القمر: أ.
(٣) سورة القمر: ٢ وتمامها: «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» .
(٤) فى أ: «ترابا » الآية.
(٥) فى أ: «فقالوا» .
(٦) فى أ: الآية، ولم يذكر بقينها.
(٧) سورة يس: ٦٠ وتمامها: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» .
[ ٣ / ٦٠٤ ]
إلى طريق الْجَحِيمِ- ٢٣-[١١٠ ب]، والجحيم ما عظم الله﷿- من النار «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» «١» - ٢٤- فلما سيقوا إلى النار حبسوا فسألهم خزنة جهنم ألم تأتكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلى، ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين يقول الخازن: ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ- ٢٥- نظيرها في الشعراء « هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ «٢» » يقول الكفار ما لشركائكم الشياطين لا يمنعونكم من العذاب يقول اللَّه﷿- لمحمدﷺ: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ- ٢٦- للعذاب وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ- ٢٧- يتكلمون «قالُوا» «٣»: قال قائل من الكفار لشركائهم الشياطين: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ- ٢٨- يعنون من قبل الحق، نظيرها في الحاقة «لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» «٤» بالحق وقالوا للشياطين أنتم زينتم لنا ما نحن عليه فقلتم إن هذا الذي نحن عليه هو الحق قالُوا قالت لهم الشياطين: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ- ٢٩- مصدقين بتوحيد الله﷿- وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ من ملك فنكرهكم على متابعتنا بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ- ٣٠- عاصين، ثم قالت الشياطين: فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا يوم قال لإبليس: « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ » «٥» الآية إِنَّا لَذائِقُونَ- ٣١- فَأَغْوَيْناكُمْ يعني أضللناكم عن الهدى «إِنَّا كُنَّا غاوِينَ» «٦» - ٣٢- ضالين يقول الله﷿-: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) فى أ: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ» وليس بهم «مسؤلون» .
(٢) سورة الشعراء: ٩٣.
(٣) «قالوا»: ساقطة من أ.
(٤) سورة الحاقة: ٤٥، وفى أ: الآية. []
(٥) سورة ص: ٨٥، وتمامها «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» .
(٦) «إِنَّا كُنَّا غاوِينَ»: ساقط من أ.
[ ٣ / ٦٠٥ ]
للكفار والشياطين فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ- ٣٣- «إِنَّا كَذلِكَ» «١» نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ- ٣٤- ثم أخبر عنهم فقال- جل وعز-: إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ- ٣٥- يتكبرون عن الهدى نزلت في الملأ من قريش الذين مشوا إلى أبي طالب، فقال لهم النبيﷺ-: قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم العجم بها، «وَيَقُولُونَ» «٢» أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ- ٣٦- فقال- جل وعز-: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ يعني محمداﷺ-: جاء بالتوحيد وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ- ٣٧- قبله إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ- ٣٨- يعني الوجيع وَما تُجْزَوْنَ في الآخرة إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٣٩- في الدنيا من الشرك، جزاء الشرك النار، ثم استثنى المؤمنين فقال: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ- ٤٠- بالتوحيد لا يذوقون العذاب، فأخبر ما أعد لهم فقال- جل وعز-: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ- ٤١- يعني بالمعلوم حين يشتهونه يؤتون به، ثم بين الرزق فقال﵎-: فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ- ٤٢- فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ- ٤٣- عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ- ٤٤- «في الزيارة» «٣» يُطافُ عَلَيْهِمْ يعني يتقلب عليهم بأيدي الغلمان الخدم بِكَأْسٍ يعني الخمر مِنْ مَعِينٍ- ٤٥-[١١١ أ] يعنى الجاري بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ- ٤٦- لا فِيها غَوْلٌ لا غائلة عليها يرجع منها الرأس كفعل خمر الدنيا وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ- ٤٧- يعنى يسكرون فتنزف عقولهم كخمر الدنيا
_________________
(١) فى أ: الآية، ولم تذكر بقية الآية.
(٢) فى أ: «قالوا» .
(٣) فى أ: فى الزيادة.
[ ٣ / ٦٠٦ ]
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ حافظات النظر من الرجال غير أزواجهن لا يرون غيرهم من العشق، ثم قال- جل وعز-: عِينٌ- ٤٨- يعنى حسان الأعين ثم شبهن «١» ببياض البيض الذي الصفرة في جوفه، فقال: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ- ٤٩- «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ» «٢» يَتَساءَلُونَ- ٥٠- أي أهل الجنة حين يتكلمون، يكلم بعضهم بعضا يقول: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ- ٥١- وذلك أن أخوين من بني إسرائيل اسم أحدهما فطرس والآخر سلخا ورث كل واحد منهما عن أبيه أربعة آلاف دينار، فأما أحدهما فأنفق ماله في طاعة الله﷿-، والمشرك الآخر أنفق ماله في معصية الله﷿- ومعيشة الدنيا، وهما اللذان «٣» ذكرهما «٤» الله﷿- فى سورة الكهف «٥» .
_________________
(١) فى أ: شبهم.
(٢) فى أ: «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ » الآية.
(٣) فى أ: الذي، وفى ل: اللذان.
(٤) فى أ: ذكر، وفى ل: ذكرهما.
(٥) تبدأ فصتهما من الآية ٣٢- ٤٣ من سورة الكهف، حيث يقول- سبحانه-: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا، وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا، قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا» وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا» .
[ ٣ / ٦٠٧ ]
فلما صارا إلى الآخرة أدخل المؤمن الجنة، وأدخل المشرك النار، فلما أدخل الجنة المؤمن ذكر أخاه، فقال لإخوانه من أهل الجنة: «إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ» يعنى «صاحب» «١» يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ- ٥٢- بالبعث أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ- ٥٣- يعنى «المحاسبين» «٢» في أعمالنا ثم قالَ المؤمن لإخوانه في الجنة: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ- ٥٤- إلى النار فتنظرون منزلة أخي فردوا عليه أنت أعرف به منا، فاطلع أنت، ولأهل الجنة في منازلهم كوى فإذا شاءوا نظروا إلى أهل النار فَاطَّلَعَ المؤمن فَرَآهُ فرأى أخاه فِي سَواءِ يعني في وسط الْجَحِيمِ- ٥٥- أسود الوجه أزرق العينين مقرونا مع شيطانه في سلسلة قالَ المؤمن: «تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ» «٣» - ٥٦- لتغوين فأنزل منزلتك فى النار وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي يقول لولا ما انعم الله علي بالإسلام لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ- ٥٧- النار، ثم انقطع الكلام، ثم أقبل المؤمن على أصحابه فقال: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ- ٥٨- عرف المؤمن أن كل نعيم معه الموت فليس بتام إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى التي كانت في الدنيا «٤» «وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» «٥» - ٥٩- فقيل له «إنك لا تموت فيها» «٦» فقال عند ذلك: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ٦٠- ثم انقطع كلام المؤمن، يقول الله﷿:
لِمِثْلِ هَذَا النعيم الذي ذكر قبل هذه الآية في قوله: «أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ
_________________
(١) كذا فى أ، وفى ل: «صاحب» .
(٢) «المحاسبين» من أوليست فى ل.
(٣) ما بين القوسين «»: ساقط من أ.
(٤) فى أ: الآية. []
(٥) ما بين القوسين «»: من ل، وليس فى أ.
(٦) كذا فى أ، ل والأنسب: «إنك لا تموت فيها ولا تعذب» .
[ ٣ / ٦٠٨ ]
معلوم «١»» فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ- ٦١- فليسارع المسارعين يقول الله﷿: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا للمؤمنين أَمْ نزل الكافر شَجَرَةُ الزَّقُّومِ- ٦٢- وهي النار للذين استكبروا عن لا إله إلا الله حين أمرهم [١١١ ب] النبيﷺ- بها، ثم قال- جل وعز-: إِنَّا جَعَلْناها يعني الزقوم فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ- ٦٣- يعنى لمشركي مكة منهم عبد الله ابن الزبعري، وأبو جهل بن هشام، والملأ من قريش الذين مشوا إلى أبي طالب، وذلك أن ابن الزبعري قال: إن الزقوم بكلام اليمن التمر والزبد. فقال أبو جهل: يا جارية، ابغنا تمرا وزبدا، ثم قال لأصحابه: تزقموا من هذا الذي يخوفنا به محمد. يزعم أن النار تنبت الشجر والنار تحرق الشجر، فكان الزقوم فتنة لهم، فأخبر الله﷿- أنها لا تشبه النخل، ولا طلعها كطلع النخل، فقال﵎-: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ تنبت فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ- ٦٤- طَلْعُها تمرها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ- ٦٥- فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها من ثمرتها فَمالِؤُنَ مِنْهَا من ثمرها الْبُطُونَ- ٦٦- ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا يعني لمزاجا مِنْ حَمِيمٍ- ٦٧- يشربون على إثر الزقوم الحميم الحار الذي قد انتهى حره ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ بعد الزقوم وشرب الحميم لَإِلَى الْجَحِيمِ- ٦٨- وذلك قوله﷿-: «يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ «٢»» إِنَّهُمْ أَلْفَوْا وجدوا آباءَهُمْ ضالِّينَ- ٦٩- عن الهدى فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ- ٧٠- يقول «يسعون «٣»» في مثل أعمال آبائهم وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ قبل أهل مكة
_________________
(١) سورة الصافات: ٤١، وفى أ: «لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ» .
(٢) سورة الرحمن: ٤٤.
(٣) فى أ: «يسمعون»، وفى ل: «يسعون»، وفى حاشية أ: «يسرعون، محمد» .
[ ٣ / ٦٠٩ ]
أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ- ٧١- من الأمم وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ- ٧٢- رسلا ينذرونهم العذاب فكذبوا الرسل فعذبهم الله﷿- في الدنيا، فذلك قوله﷿-: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ- ٧٣- يحذر كفار مكة لئلا يكذبوا محمداﷺ- فينزل بهم العذاب في الدنيا، ثم استثنى فقال- جل وعز-: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
- ٧٤- الموحدين فإنهم نجوا من العذاب بالتوحيد وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فى «اقتربت «١» »:
« أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ «٢»» وفي الأنبياء «٣» .
فأنجاه ربه فغرقهم بالماء، فذلك قوله﷿-: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ- ٧٥- يعني الرب نفسه- تعالى- وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ- ٧٦- الهول الشديد وهو الغرق وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ ولد نوح هُمُ الْباقِينَ- ٧٧- وذلك أن أهل السفينة ماتوا ولم يكن لهم نسل غير ولد نوح وكان الناس من ولد نوح، فلذلك قال «هُمُ الْباقِينَ» فقال النبيﷺ- سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ- ٧٨- يقول ألقينا على نوح بعد موته ثناء حسناء، يقال له من بعده في الآخرين خير، فذلك قوله﷿-: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ- ٧٩- يعنى بالسلام الثناء الحسن الذي ترك عليه من بعده فى الناس.
_________________
(١) سورة القمر: ١.
(٢) سورة القمر: ١٠ وتمامها: «فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ» .
(٣) يشير إلى الآية ٧٦، من سورة الأنبياء وهي: «وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ» .
[ ٣ / ٦١٠ ]
«إِنَّا» «١» كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ- ٨٠- هكذا نجزي كل محسن فجزاه الله﷿- بإحسانه الثناء الحسن في العالمين إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ- ٨١- يعنى المصدقين بالتوحيد ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ- ٨٢- يعني قوم نوح وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ- ٨٣- يقول إبراهيم على ملة نوح﵉- قال الفراء: إبراهيم من شيعته- محمد﵉.
قال أبو محمد: سألت أبا العباس عن ذلك، فقال: كل من كان على دين رجل فهو من شيعته، كل نبي من شيعة إبراهيم صاحبه، فإبراهيم من شيعة محمد، ومحمد من شيعة إبراهيم﵉- إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- ٨٤- يعني بقلب مخلص من الشرك إِذْ قالَ لِأَبِيهِ آزر وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ- ٨٥- من الأصنام أَإِفْكًا يعنى أكذبا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ- ٨٦- فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ- ٨٧- إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره فَنَظَرَ إبراهيم نَظْرَةً فِي النُّجُومِ- ٨٨- يعني الكواكب وذلك أنه رأى نجما طلع فَقالَ لقادتهم: إِنِّي سَقِيمٌ- ٨٩- وهم ذاهبون إلى عيدهم «إِنِّي سَقِيمٌ» يعني وجيع، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام «كانت «٢»» اثنين وسبعين صنما من ذهب وفضة «وشبه «٣»» ونحاس وحديد وخشب وكان أكبر الأصنام عيناه من ياقوتتين حمراوين، وهو من ذهب وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم دخلوا قبل أن يخرجوا فيسجدون لها ويقربون الطعام ثم يخرجون إلى عيدهم فإذا
_________________
(١) «إنا»: ساقطة من الأصل.
(٢) فى أ: «فكانت» .
(٣) كذا فى أ، ل.
[ ٣ / ٦١١ ]
رجعوا من عيدهم فدخلوا عليها «سجدوا لها «١»» «ثم يتفرقون «٢»» فلما خرجوا إلى عيدهم اعتل إبراهيم بالطاعون، وذلك أنهم كانوا ينظرون في النجوم، فنظر إبراهيم في النجوم فقال: «إِنِّي سَقِيمٌ»، قال الفراء: كل من عمل فيه النقص ودب فيه الفناء وكان منتظر للموت فهو سقيم. فذلك قوله﷿-:
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ- ٩٠- ذاهبين وقد وضعوا الطعام والشراب بين يدي آلهتهم فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ إلى الصنم الكبير وهو في «٣» بيت فَقالَ للآلهة أَلا تَأْكُلُونَ- ٩١- الطعام الذي بين أيديكم ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ- ٩٢- ما لكم لا تكلمون؟ ما لكم لا تردون جوابا، أتأكلون، أولا تأكلون، فَراغَ يعني فمال إلى آلهتهم «فَرَاغَ» عَلَيْهِمْ يعنى فأقبل عليها ضَرْبًا بِالْيَمِينِ بيده اليمين «يكسرهم بالفأس فلما رجعوا من عيدهم، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ- ٩٤- يمشون إلى إبراهيم يأخذونه بأيديهم ف قالَ لهم إبراهيم:
أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ- ٩٥- وما تنحتون من الأصنام [١١٢ ب] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ- ٩٦- وما تنحتون من الأصنام.
قال أبو محمد: قال الفراء: «ضَرْبًا بِالْيَمِينِ» الذي حلفها عليها، فقال:
«وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ «٤»» . قال أبو محمد: حدثني هناد، قال: حدثنا ابن يمان، قال: رأيت «سفيان «٥»» جائيا من السوق بالكوفة، فقلت: من أين أقبلت؟ قال: من دار الصيادلة نهيتهم عن بيع
_________________
(١) فى أ: «فسجدوا لها» .
(٢) فى الأصل: «ثم يتفرقوا» .
(٣) كذا فى أ، ل. []
(٤) سورة: الأنبياء: ٥٧.
(٥) فى الأصل: «سفيانا» .
[ ٣ / ٦١٢ ]
الداذي «١» وإني لأرى الشيء أنكره فلا أستطيع تغييره فأبول دما رجع إلى قول مُقَاتِلٍ «قالُوا» «٢» ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا قال ابن عباس: «بنوا» «٣» حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ- ٩٧- في نار عظيمة قال الله﷿- فى سورة الأنبياء:
« يَا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ «٤»»، «وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا «٥» » سوءا، الآية وعلاهم إبراهيم﵇- «وسلمه «٦»» الله﷿- وحجزهم عنه فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى أهلكهم الله﷿- فما بقيت يومئذ دابة إلا جعلت تطفئ النار عن إبراهيم﵇-، غير الوزغ كانت تنفخ النار على إبراهيم، فأمر النبيﷺ- بقتلها «فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ» «٧» - ٩٨- وَقالَ وهو ببابل إِنِّي ذاهِبٌ يعني مهاجر إِلى رَبِّي إلى رضى ربي «بالأرض «٨»» المقدسة سَيَهْدِينِ- ٩٩- لدينه وهو أول من هاجر من الخلق ومعه لوط وسارة فلما قدم «الأرض» «٩» المقدسة سأل ربه الولد، فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ- ١٠٠- هب لي
_________________
(١) كذا فى أ، والرواية كلها ليست فى ل.
(٢) «قالوا»: ساقطة من أ.
(٣) فى أ: «يقول»، وفى ل: «بنوا» .
(٤) سورة الأنبياء: ٦٩ وتمامها: «قُلْنا يَا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ» .
(٥) سورة الأنبياء: ٧٠، وتمامها: «وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ» .
(٦) فى أ: «وسلمهم» .
(٧) الآية ٩٨ ساقطة من أ، ل، هي وتفسيرها.
(٨) فى الأصل: «بأرض» .
(٩) فى الأصل: «أرض» .
[ ٣ / ٦١٣ ]
ولدا صالحا، فاستجاب له فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ- ١٠١- يعنى عليم، وهو العالم «١»، وهو إسحاق بن سارة «٢» .
_________________
(١) فى أ: وهو الغلام، وفى ل: وهو العالم.
(٢) ذهب مقاتل إلى أن الذبيح إسحاق، والمشهور أنه إسماعيل، وفى كتاب بصائر ذوى التمييز للفيروزآبادي أنه إسماعيل وقد مر بك فى أول السورة «المقصود الإجمالى لسورة الصافات» أن الذبيح إسماعيل، فى رأى الفيروزآبادى وجمهور المفسرين، ويرجحه أن الله بشر إبراهيم بإسحاق بعد ذكر قصة الذبح فدل على أن المبشر به غير الذبيح. وقد عنى الطبري فى تفسيره لهذه الآية بتحقيق الذبيح فقال: واختلف أهل التأويل فى المفدى من الذبح من ابني إبراهيم فقال بعضهم: هو إسحاق، وقال بعضهم: هو إسماعيل. وأورد الطبري أدلة الفريقين فى أربع صفحات هي الصفحات ٥١- ٥٤ من الجزء الثالث والعشرين. «قال أبو جعفر»: وأولى القولين بالصواب فى المفدى من ابني إبراهيم- خليل الرحمن- على ظاهر التنزيل قول من قال هو إسحاق لأن الله قال: «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» سورة الصافات: ١٠٧ فذكر أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدا صالحا من الصالحين فقال: «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ» فإذا كان المفدى بالذبح من ابنيه هو المبشر به وكان الله- تبارك اسمه- قد بين فى كتابه أن الذي بشر به هو إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فقال- جل ثناؤه-: «وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» سورة هود: ٧١ وكان فى كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد فإنما هو معنى به إسحاق كان بيتا أن تبشيره إياه بقوله «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» فى هذا الموضع نحو سائر أخباره فى غيره من آيات القرآن وقد ذهب الأستاذ سيد قطب إلى أن الذبيح هو إسماعيل كما يرجح سياق السيرة والسورة. ورجح النسفي فى تفسيره أن الذبيح هو إسماعيل قال النسفي: (والأظهر أن الذبيح إسماعيل وهو قول أبى بكر وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعينرضي الله عنهم- لقوله﵇- أنا ابن الذبيحين أحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عهد الله. وعن الأصمعى أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح؟ فقال: يا أصمعى أين عزب عنك عقلك؟ ومتى كان إسحاق يمكنه وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والنحر بمكة والمسألة كما ترى فيها خلاف بين المفسرين والمرجح لدى أن الذبيح هو إسماعيل﵇- وقد نقل النيسابوري فى تفسيره عددا من الحجج على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق وكان الزجاج يقول الله أعلم أيهما الذبيح.
[ ٣ / ٦١٤ ]
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ مع أبيه السَّعْيَ المشي إلى الجبل قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ لنذر كان عليه فيه يقول إني أمرت في المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى فرد عليه إسحاق «قالَ يَا أَبَتِ «١»» افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وأطع ربك فمن ثم لم يقل إسحاق لإبراهيم﵉- افعل ما رأيت، ورأى إبراهيم ذلك ثلاث ليال متتابعات، وكان إسحاق قد صام وصلى قبل الذبح سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ- ١٠٢- على الذبح فَلَمَّا أَسْلَما يقول أسلما لأمر الله وطاعته وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ- ١٠٣- وكبه لجبهته، فلما أخذ بناصيته ليذبحه عرف الله- تعالى- منهما الصدق، قال الفراء في قوله﷿-: «ماذا ترى»؟ مضموم التاء قال: المعنى ما «ترى» من الجلد والصبر على طاعة الله﷿-، ومن قرأ «ترى» أراد إبراهيم أن يعلم ما عنده من العزم، ثم هو ماض على ذبحه، كما أمره الله﷿-[١١٣ أ] رجع إلى مُقَاتِلٍ وَنادَيْناهُ أَنْ يَا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا في ذبح ابنك، وخذ الكبش «إِنَّا كَذلِكَ»
» نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ- ١٠٥- هكذا نجزي كل محسن فجزاه الله﷿- بإحسانه وطاعته، العفو عن ابنه إسحاق، ثم قال﷿-: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ- ١٠٦- يعني النعيم المبين حين عفا عنه وفدى بالكبش «وَفَدَيْناهُ «٣» بِذِبْحٍ عَظِيمٍ- ١٠٧- ببيت المقدس الكبش اسمه رزين وكان من الوعل رعي في الجنة أربعين سنة قبل أن يذبح وَتَرَكْنا وأبقينا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ- ١٠٨- الثناء الحسن يقال له من بعد موته فى الأرض، فذلك قوله- عز
_________________
(١) «قالَ يا أَبَتِ»: ساقطة أ. []
(٢) فى أ: الآية، ولم يذكر بقيتها.
(٣) «وفديناه»: ساقطة من أ.
[ ٣ / ٦١٥ ]
وجل-: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ- ١٠٩- «يعني «١»» بالسلام الثناء الحسن، يقال له من بعده في أهل الأديان، في الناس كلهم، «كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» «٢» - ١١٠- إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ- ١١١- يعني المصدقين بالتوحيد وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا «مِنَ الصَّالِحِينَ» «٣» - ١١٢- يقول وبشرنا إبراهيم بنبوة إسحاق بعد العفو عنه وَبارَكْنا عَلَيْهِ على إبراهيم وَعَلى إِسْحاقَ «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما» «٤» إبراهيم وإسحاق مُحْسِنٌ مؤمن وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ يعني المشرك مُبِينٌ- ١١٣- وَلَقَدْ مَنَنَّا أنعمنا عَلى مُوسى وَهارُونَ- ١١٤- بالنبوة وهلاك عدوهما وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما بنى إسرائيل «مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ» «٥» - ١١٥- وَنَصَرْناهُمْ «٦» على عدوهم «فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ» «٧» - ١١٦- لفرعون وقومه وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ- ١١٧- «يقول أعطيناهما التوراة» «٨» «المستبين» يعنى بين «ما فيه «٩»» .
_________________
(١) «يعنى»: ساقطة من أ.
(٢) «كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ»: ساقطة من أ.
(٣) «من الصالحين»: ساقطة من أ.
(٤) فى أ: «ومن ذريته»، وفى حاشية أ: الآية «ذريتهما» .
(٥) «مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ»: ساقطة من أ.
(٦) فى أ: الآية.
(٧) «فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ»: ليست فى أ.
(٨) جملة «يقول أعطيناهما التوراة» من ل، وليست فى أ.
(٩) فى أ: «ما فيها»، وفى ل: «ما فيه» .
[ ٣ / ٦١٦ ]
وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ- ١١٨- دين الإسلام وَتَرَكْنا عَلَيْهِما «فِي الْآخِرِينَ» «١» - ١١٩- «أبقينا «٢»» من بعدهما الثناء الحسن يقال لهما بعدهما، وذلك قوله﷿-: سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ- ١٢٠- يعني بالسلام الثناء الحسن إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ- ١٢١- هكذا نجزي كل من أحسن «٣» «إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ» «٤» - ١٢٢- وَإِنَّ إِلْياسَ «بن فنحن «٥» لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ- ١٢٣- إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ- ١٢٤- يعنى ألا تعبدون أَتَدْعُونَ بَعْلًا أتعبدون ربا بلغة اليمن «الإله «٦»» يسمى بعلا وكان صنما من ذهب ببعلبك بأرض الشام فكسره إلياس، ثم هرب منهم وَتَذَرُونَ عبادة أَحْسَنَ الْخالِقِينَ- ١٢٥- فلا تعبدونه «اللَّهَ رَبَّكُمْ» «٧» وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ- ١٢٦- «فَكَذَّبُوهُ» «٨» فكذبوا إلياس النبي﵇- فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ- ١٢٧- النار، ثم استثنى إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ- ١٢٨- يعني المصدقين لا يحضرون النار «وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ» «٩» - ١٢٩- سَلامٌ عَلى «إِلْ ياسِينَ» «١٠» - ١٣٠- يعنى بالسلام الثناء الحسن والخير الذي
_________________
(١) «فى الآخرين»: ساقطة من أ.
(٢) فى أ: «أبقينا»، وفى ل: «يقول وأبقينا» .
(٣) فى أزيادة: (المؤمنين) يعنى المصدقين. []
(٤) «إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ»: ساقطة من الأصل وتفسيرها.
(٥) فى أ: «فنحن»، وفى ل: «فحمى» .
(٦) فى أ، ل: «آلهة» .
(٧) «اللَّهَ رَبَّكُمْ» الآية فى أ، ولم تذكر بقيتها.
(٨) فى أ: (فكذبوه) إلياس.
(٩) «وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ»: ساقطة من أ.
(١٠) فى أ: «الياسين» .
[ ٣ / ٦١٧ ]
ترك عليه في الآخرين «إِنَّا «١»» كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ- ١٣١- هكذا نجزي كل محسن «إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا «٢»» الْمُؤْمِنِينَ- ١٣٢- المصدقين بالتوحيد.
قال الفراء عن حيان الكلبي «إل ياسين» يعني به النبيﷺ-، فإذا قال «سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ» فالمعنى سلام على آل محمدﷺ-، وآل «٣» [١١٣ ب] كل نبي من اتبعه على دينه، وآل فرعون من اتبعه على دينه، فذلك قوله﷿- « أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «٤»»، رجع إلى مقاتل، وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ- ١٣٣- أرسل إلى سدوم، ودامورا، وعامورا، وصابورا أربع مدائن كل مدينة مائة الف إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ- ١٣٤- يعنى ابنتيه «ريثا، وزعوثا» «٥» ثم استثنى امرأة، فقال- جل وعز-: إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ- ١٣٥- يعني في الباقين في العذاب، «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ»
«٦» نظيرها في الشعراء « الآخَرِينَ «٧»» ثم أهلكنا بقيتهم بالخسف والحصب وَإِنَّكُمْ
يا أهل مكة لَتَمُرُّونَ «عَلَيْهِمْ
«٨» ُصْبِحِينَ- ١٣٧- وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
- ١٣٨- على القرى نهارا وليلا غدوة وعشية إذا انطلقتم إلى الشام إلى التجارة وَإِنَّ يُونُسَ
وهو ابن متى من أهل نينوى لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
- ١٣٩-
_________________
(١) «انا»: ساقطة من أ.
(٢) «إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا»: ساقطة من أ.
(٣) فى أ: تكررت «وآل» مرتين.
(٤) سورة غافر: ٤٦.
(٥) فى أ: زيتا وزعونا، وفى ل: «ريثا وزعوتا»، وفى ف: «ريثا وزعونا» .
(٦) «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ»: ساقط من الأصل.
(٧) سورة الشعراء: ١٧٢، وتمامها «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ» . []
(٨) بقية الآية ١٣٧، والآية ١٣٨، ساقطتان من الأصل.
[ ٣ / ٦١٨ ]
كان من بني إسرائيل إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
- ١٤٠- الموقر من الناس والدواب «فساهم» وذلك أنه دخل السفينة فلف رأسه ونام في جانبها فوكل الله﷿- به الحوت، واسمها اللخم فاحتبست سفينتهم ولم تجر، فخاف القوم الغرق، فقال بعضهم لبعض: إن فينا لعبدا مذنبا. قالوا: له وهو ناحيتها يا عبد الله من أنت؟ ألا ترى «أنا «١»» قد غرقنا؟ قال: أنا المطلوب أنا يونس بن متى فاقذفوني في البحر. قالوا: نعوذ بالله أن نقذفك يا رسول الله، فقارعهم ثلاث مرات كل ذلك يقرعونه. فقالوا: لا، ولكن نكتب أسماءنا، ثم نقذف بها في الماء ففعل ذلك، فقالوا: اللهم إن كان هذا طلبتك «فغرق اسمه، وخرج أسماءنا» «٢» فغرق اسمه «وارتفعت» «٣» أسماؤهم، ثم قالوا الثانية: اللهم إن كنت إياه تطلب فغرق «أسماءنا»
» وارفع اسمه فغرقت أسماؤهم، وارتفع اسمه، ثم قالوا الثالثة: اللهم إن كنت إياه تطلب فغرق اسمه وارفع أسماءنا، فغرق اسمه وارتفعت أسماؤهم، فلما رأوا ذلك ثلاث «مرات «٥»» أخذوا بيده ليقذفوه في الماء، ولم يكن أوحى الله إلى الحوت ماذا الذي يريد به؟ فلما قذف أوحى إلى الحوت- وليس بينه وبين الماء إلا شبران- لي في عبدي حاجة إني لم أجعل عبدي لك رزقا، ولكن جعلت بطنك له مسجدا فلا تحسري له شعرا وبشرا، ولا «تردي «٦»» عليه طعاما ولا شرابا، قال، فقال له الماء والريح: أين أردت أن تهرب، من الذي يعبد في السماء والأرض،
_________________
(١) «أنا»: من ل، وليست فى أ.
(٢) ما بين القوسين «»: من ل، وليست فى أ.
(٣) فى أ: وارتفعت، وفى ل: وخرجت.
(٤) فى أ: «أسماؤنا»، وفى ل: «أسماؤنا» .
(٥) «مرات»: من ل، وليست فى أ.
(٦) فى ل: «تردى»، وفى أ: «تزدرى» .
[ ٣ / ٦١٩ ]
فوالله إنا لنعبده، وإنا لنخشى أن يعاقبنا. وجعل يونس «يذكر «١»» الله﷿-، ويذكر [١١٤ أ] كل شيء صنع ولا يدعوه فألهمه الله- جل وعز- عند الوقت «٢» فدعاه ففلق دعاءه البحر والسحاب فنادى بالتوحيد، ثم نزه الرب﷿- أنه ليس أهل «لأن «٣»» يعصى، ثم اعترف فقال: « لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «٤»» .
«فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ»
«٥» - ١٤١- يعني فقارعهم فكان من المقروعين المغلوبين فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ- ١٤٢- يعني استلام إلى ربه قال الفراء: ألام الرجل إذا استحق اللوم وهو مليم، وقال أيضا: وليم على أمر قد كان منه فهو ملوم على ذلك، رجع إلى قول مقاتل. «٦»
فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ قبل أن يلتقمه الحوت مِنَ الْمُسَبِّحِينَ- ١٤٣- يعني من المصلين قبل المعصية وكان في زمانه كثير الصلاة والذكر لله- جل وعز- فلولا ذلك لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ عقوبة فيه إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ- ١٤٤- الناس من قبورهم «٧» فَنَبَذْناهُ ألقيناه بِالْعَراءِ يعنى البراري من
_________________
(١) فى أ: «يذكر»، وفى ل: «يدعو» .
(٢) كذا فى أ، ل. ولعل المراد عند الوقت المستجاب فيه الدعاء.
(٣) فى أ، وفى ل: «أن» .
(٤) سورة الأنبياء: ٧٨.
(٥) من ل، وليست فى أ.
(٦) هذا دليل قاطع على أن التفسير فى أ، ل وجميع النسخ لمقاتل وليس لهذيل بن حبيب، كما ذهب إلى ذلك الدكتور يوسف العش، ثم إن جميع النسخ متشابهة إلى حد كبير فكيف نقول هذه لمقاتل وتلك لهذيل بن حبيب؟.
(٧) كذا فى أ، ل، والمراد إلى يوم يبعث الناس من قبورهم، فلا يجوز أن يقال يبعثون الناس من قبورهم، إلا على لغة أكلونى البراغيث وهي لغة ضعيفة. []
[ ٣ / ٦٢٠ ]
الأرض التي ليس فيها نبت، وَهُوَ سَقِيمٌ- ١٤٥- يعني مستقام «١» وجيع وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ- ١٤٦- يعني من قرع يأكل منها، ويستظل بها، وكانت تختلف إليه، وعلة فيشرب من لبنها ولا تفارقه وَأَرْسَلْناهُ قبل أن يلتقمه الحوت إِلى مِائَةِ أَلْفٍ من الناس أَوْ يعني بل يَزِيدُونَ- ١٤٧- عشرون ألفا على مائة ألف كقوله﷿-: « قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٢»» يعني بل أدنى أرسله إلى نينوى فَآمَنُوا فصدقوا بتوحيد الله﷿- فَمَتَّعْناهُمْ في الدنيا إِلى حِينٍ- ١٤٨- منتهي آجالهم.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ، قال، وقال مُقَاتِلُ: كل شيء ينبسط مثل القرع والكرم والقثاء والكشوتا ونحوها فهو يسمى يقطينا.
قال الفراء: قال ابن عباس: كل ورقة انشقت، واستوت فهي يقطين.
وقال أبو عبيدة: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطين فَاسْتَفْتِهِمْ يقول للنبيﷺ- فاسأل كفار مكة منهم النضر بن الحارث أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ يعني الملائكة وَلَهُمُ الْبَنُونَ- ١٤٩- فسألهم النبيﷺ- فى الطور والنجم وذلك أن جهينة وبني سلمة عبدوا الملائكة وزعموا أن حيا من الملائكة يُقَالُ لهم الجن منهم إبليس أن الله﷿- اتخذهم بنات لنفسه، فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم قالوا سروات الجن، يقول الله﷿-: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ- ١٥٠-
_________________
(١) كذا فى أ، ل.
(٢) سورة النجم: ٩.
[ ٣ / ٦٢١ ]
لخلق الملائكة إنهم أناث نظيرها في الزخرف «١» أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ من كذبهم لَيَقُولُونَ- ١٥١- وَلَدَ اللَّهُ [١١٤ ب] وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ- ١٥٢- في قولهم يقول الله﷿- أَصْطَفَى استفهام، أختار الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ- ١٥٣- والبنون أفضل من البنات مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ- ١٥٤- يعني كيف تقضون الجور حين تزعمون أن لله﷿- البنات ولكم البنون أَفَلا تَذَكَّرُونَ- ١٥٥- أنه لا يختار البنات على البنين أَمْ لَكُمْ بما تقولون «سُلْطانٌ مُبِينٌ» «٢» - ١٥٦- كتاب من الله﷿- أن الملائكة بنات الله فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
- ١٥٧- ثم قال- جل وعز-: وَجَعَلُوا ووصفوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا بين الرب- تعالى- والملائكة حين زعموا أنهم بنات الله﷿- وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ- ١٥٨- لقد علم ذلك الحي من الملائكة ومن قال إنهم بنات الله «إنهم لمحضرون» النار سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ- ١٥٩- عما يقولون من الكذب إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ- ١٦٠- الموحدين فإنهم لا يحضرون النار. «٣» فَإِنَّكُمْ يعني كفار مكة وَما تَعْبُدُونَ- ١٦١- من الآلهة مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ على ما تعبدون من الأصنام بِفاتِنِينَ- ١٦٢- يقول بمضلين أحدا بآلهتكم إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ- ١٦٣- إلا من قدر الله﷿- أنه يصلى الجحيم، وسبقت له
_________________
(١) يشير إلى الآية ١٩ من سورة الزخرف، وهي: «وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ» .
(٢) «سلطان مبين»: ساقطة من أ.
(٣) فى أ، وغيرها. فسرت الآيات: ١٥٨ ثم ١٦٠ ثم ١٥٩ على التوالي، وقد أعدت ترتيبها حسب ورودها فى المصحف.
[ ٣ / ٦٢٢ ]
الشقاوة «وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» «١» - ١٦٤- وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ- ١٦٥- يعني صفوف الملائكة في السموات في الصلاة وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ- ١٦٦- يعني المصلين، يخبر جبريل النبي «٢» - ﷺ- بعبارتهم لربهم﷿- فكيف يعبدهم كفار مكة، قوله﷿- وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ- ١٦٧- كفار مكة لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ- ١٦٨- خبر الأمم الخالية كيف أهلكوا وما كان من أمرهم لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ- ١٦٩- بالتوحيد نزلت فى الملأ من قريش، فقص الله﷿- عليهم خبر الأولين، وعلم الآخرين فَكَفَرُوا بِهِ بالقرآن فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ- ١٧٠- هذا وعيد يعني القتل ببدر وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بالنصر لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ- ١٧١- يعني الأنبياء﵈- يعني بالكلمة قوله﷿: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي «٣» فهذه الكلمة التي سبقت للمرسلين، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ- ١٧٢- على كفار قريش إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
- ١٧٣- حزبنا يعني المؤمنين «لهم الغالبون» الذين نجوا من عذاب الدنيا والآخرة. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ- ١٧٤- يقول الله﷿- للنبيﷺ- فأعرض عن كفار مكة إلى العذاب، إلى القتل ببدر وَأَبْصِرْهُمْ إذا نزل بهم العذاب ببدر فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ- ١٧٥- العذاب، فقالوا للنبيﷺ-: متى هذا الوعد؟ تكذيبا به فأنزل الله﷿- أَفَبِعَذابِنا
_________________
(١) الآية كلها ساقطة من ا.
(٢) فى ا: للنبي.
(٣) سورة المجادلة: ٢١.
[ ٣ / ٦٢٣ ]
[١١٥ ا] يَسْتَعْجِلُونَ- ١٧٦- فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ بحضرتهم فَساءَ صَباحُ فبئس صباح الْمُنْذَرِينَ- ١٧٧- الذين أنذروا العذاب، ثم عاد فقال﷿-: وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ- ١٧٨- أعرض عنهم إلى تلك المدة القتل ببدر «وَأَبْصِرْ» «١» وأبصر العذاب فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ- ١٧٩- العذاب، ثم نزه نفسه عن قولهم فقال- جل وعز-: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ يعني عزة من يتعزز «٢» من ملوك الدنيا عَمَّا يَصِفُونَ- ١٨٠- عما يقولون من الكذب إن الملائكة بنات الله﷿- وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ- ١٨١- الذين بلغوا عن الله التوحيد وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٨٢- على هلاك الآخرين الذين لم يوحدوا ربهم.
_________________
(١) فى الأصل: «وأبصرهم» .
(٢) فى ا: من يعزر ملوك الدنيا.
[ ٣ / ٦٢٤ ]