بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ مَا كانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يَا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ مَا خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)
قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩)
فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)
وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩)
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩)
وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩)
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)
وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يَا لَيْتَ لَنا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)
[ ٣ / ٣٢٣ ]
سورة القصص «١» سورة القصص «٢» مكية «٣» .
_________________
(١) المقصود الإجمالى لسورة القصص ما يأتى: بيان ظلم فرعون بنى إسرائيل، وولادة موسى، ومحبة آسية له، ورد موسى على أمه، وحديث القبطي، والإسرائيلى، وهجرة موسى من مصر إلى مدين، وسقيه لبنات شعيب، واستئجار شعيب موسى، وخروج موسى من مدين وظهور آثار النبوة اليد البيضاء، وقلب العصا، وإمداد الله- تعالى- له بأخيه هارون، وحيلة هامان فى معارضة موسى، وإخبار الله- تعالى- عما جرى فى الطور، ومدح مؤمنى أهل الكتاب، وقصة إهلاك القرون الماضية ومناظرة المشركين يوم القيامة، واختيار الله- تعالى- ما شاء، وإقامة البرهان على وجود الحق، ووعد الرسولﷺ- بالرجوع إلى مكة وبيان أن كل ما دون الحق فهو فى عرضه الفناء والزوال، وأن زمام الحكم بيده- تعالى- فى قوله « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» سورة القصص: ٨٨.
(٢) فى نسخة ز، بدأ سورة القصص: حدثنا محمد بن هانى، قال حدثنا أبو القاسم الحسين بن ميمون قال: حدثنا أبو صالح الهذيل بن حبيب فقال: حدثنا مقاتل بن سليمان قال: - سورة القصص مكية، وفيها من المدني «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ » إلى قوله: « سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ» وفيها آية ليست بمكية ولا مدنية «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ» نزلت بالحجفة قبل الهجرة.
(٣) فى أزيادة: «إلا آيتان»، وهو خطأ، وصوابه «إلا آيتين» .
[ ٣ / ٣٣٣ ]
وفيها من المدني «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ »
إلى قوله « سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ» «١» .
وفيها آية ليست بمكية ولا مدنية قوله: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ » «٢» نزلت بالحجفة أثناء الهجرة «٣» .
وعدد آياتها ثمان وثمانون آية كوفية «٤» .
_________________
(١) يشير إلى أربع آيات هي الآيات: ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥. من سورة القصص، والمثبت من ل. وفى أ: سورة القصص مكية إلا آيتان فإنهما مدنيتان وهما قوله- تعالى-: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ » إلى قوله « الْجاهِلِينَ» .
(٢) سورة القصص: ٨٥.
(٣) فى ل: نزلت بالحجفة قبل الهجرة. وفى المصحف (٢٨) سورة القصص مكية. إلا من آية ٥٢ إلى غاية ٥٥ فمدنية، وآية ٨٥ فبالحجفة أثناء الهجرة وآياتها ٨٨ نزلت بعد النمل.
(٤) فى أ: وعدد آياتها ستة وثمانون آية كوفية باتفاق. أقول: وهذا خطأ لفظا ومعنى.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم- ١- تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني القرآن الْمُبِينِ- ٢- يعني بين ما فيه نَتْلُوا عَلَيْكَ يعني نقرأ عليك يا محمد مِنْ نَبَإِ يعني من حديث مُوسى وَفِرْعَوْنَ اسمه فيطوس بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٣- يعنى يصدقون بالقرآن، ثم أخبر عن فرعون فقال- سبحانه-: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا يعني تعظم فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر وَجَعَلَ أَهْلَها يعنى أهل مصر شِيَعًا يعني أحزابا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يعني من أهل مصر يستضعف بني إسرائيل يُذَبِّحُ يعني يقتل أَبْناءَهُمْ يعني أبناء بني إسرائيل وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يقول ويترك بناتهم فلا يقتلهن وكان جميع من قتل من بني إسرائيل ثمانية «١» عشر طفلا إِنَّهُ يعني فرعون كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ- ٤- يعني كان يعمل في الأرض بالمعاصي يقول الله﷿-: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ يقول نريد أن ننعم عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا يعني بني إسرائيل حين أنجاهم من آل فرعون فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً يعني قادة في الخير يقتدى بهم في الخير وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ- ٥- لأرض مصر بعد هلاك فرعون وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ يعنى
_________________
(١) فى أ: ثمانية، ز: ثمانية.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
في أرض مصر وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما القبط مِنْهُمْ يعني من بني إسرائيل مَا كانُوا يَحْذَرُونَ- ٦- من مولود بني إسرائيل أن يكون هلاكهم في سببه وهو موسىﷺ- وذلك أن الكهنة أخبروا فرعون أنه يولد في هذه السنة مولود في بني إسرائيل يكون هلاكك «١» في سببه فجعل فرعون على نساء بني إسرائيل قوابل من نساء أهل مصر «وأمرهن» «٢» أن يقتلن كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل مخافة ما بلغه «٣» فلم يزل الله﷿- بلطفه يصنع لموسى﵇- حتى نزل بآل فرعون من الهلاك [٦٣ ب] ما كانوا يحذرون، وملك فرعون أربعمائة سنة وستة وأربعين سنة، وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى واسمها يو كابد «٤» من ولد لاوى «٥» بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فأمرها جبريل﵇- بذلك فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ القتل وكانت أرضعته ثلاثة أشهر وكان خوفها أنه كان يبكي من قلة اللبن فيسمع الجيران بكاء الصبي، فقال: «فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ» فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ يعني في البحر وهو بحر النيل. فقالت:
رب، إني قد علمت أنك قادر على ما تشاء، ولكن كيف لي أن ينجو صبي صغير من عمق البحر وبطون الحيتان. فأوحى الله﷿- إليها أن تجعله فى التابوت،
_________________
(١) كذا فى أ، ل، ف. []
(٢) «وأمرهن»: من ف، وليست فى أ.
(٣) من ف، والجملة مضطربة فى أ.
(٤) فى أ، ز: يوخاند، ف: يوكابد.
(٥) فى أ: لاوية، ز: لاوى.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
ثم تقذفه فى اليم، فإنى أو كل به ملك يحفظه في اليم، فصنع لها التابوت حزقيل القبطي، ووضعت موسى في التابوت، ثم ألقته في البحر يقول الله﷿-:
وَلا تَخافِي عليه الضيعة وَلا تَحْزَنِي عليه القتل «١» إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ- ٧- إلى أهل مصر فصدقت، بذلك ففعل الله﷿- ذلك به، وبارك الله- تعالى- على موسى﵇- وهو فى بطن أمه ثلاثمائة وستين بركة، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ من البحر من بين الماء والشجر وهو في التابوت، فمن ثم سمي موسى، بلغة القبط الماء: مو، والشجر: سى، فسموه موسى، ثم قال- تعالى-: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا في الهلاك وَحَزَنًا يعني وغيظا في قتل الأبكار، فذلك قوله﷿- «وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ» «٢» لقتلهم أبكارنا، ثم قال- سبحانه-: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ- ٨- وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ واسمها آسية بنت مزاحم﵍: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنا أتينا به من أرض أخرى، وليس من بنى إسرائيل عَسى أَنْ يَنْفَعَنا فنصيب منه خيرا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا يقول الله﷿-: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ٩- أن هلاكهم في سببه وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ وذلك أنها رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح شفقة عليه، فذلك قوله﷿-: «إِنْ كَادَتْ لتبدي به» يقول إن همت لتشعر أهل مصر بموسى﵇- أنه ولدها لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها بالإيمان لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ١٠- يعنى
_________________
(١) كذا فى أ، ز، والمراد ولا تحزني عليه من القتل.
(٢) سورة الشعراء: ٥٥.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
من المصدقين بتوحيد الله﷿- حين قال لها: «إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» وَقالَتْ أم موسى: لِأُخْتِهِ يعني أخت موسى لأبيه وأمه، واسمها مريم قُصِّيهِ يعني قصي أثره في البحر «١» وهو في التابوت يجري فى الماء حتى تعلمي علمه من يأخذه فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ يعني كأنها مجانبة له بعيدا من أن ترقبه كقوله- تعالى-: « وَالْجارِ الْجُنُبِ » «٢» يعني بعيدا منهم من قوم آخرين وعينها إلى التابوت معرضة بوجهها [٦٤ أ] عنه إلى غيره وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ١١- أنها ترقبه وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ أن يصير إلى أمه، وذلك أنه لم يقبل ثدي امرأة فَقالَتْ أخته مريم هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ يعني يضمنون لكم رضاعه وَهُمْ لَهُ للولد ناصِحُونَ- ١٢- هم أشفق عليه وأنصح له من غيره فأرسل إليها «٣» فجاءت فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها، فذلك قوله﷿-: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لقوله: «إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» «٤» ثم قال- تعالى-: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يعني أَهْل مصر لا يَعْلَمُونَ- ١٣- بأن وعد الله﷿- حق وَلَمَّا بَلَغَ موسى أَشُدَّهُ يعنى ثماني عشرة سنة وَاسْتَوى يعني أربعين سنة «٥» آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا يقول أعطيناه علما وفهما وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ- ١٤- يقول هكذا نجزى من أحسن
_________________
(١) فى أ: الجد، وفى ف، الحد، وفى ز: البحر.
(٢) سورة النساء: ٣٦.
(٣) كذا فى أ، ز، ف، والضمير عائد على الأم وإن لم يسبق ذكرها لفظا، والأنسب فأرسل إلى أمه.
(٤) سورة القصص: ٧.
(٥) من أ، ل، وفى ز: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ» لثمان عشرة سنة إلى أربعين سنة «واستوى» ابن ثلاثين سنة.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
يعني من آمن بالله﷿- وكان بقرية تدعى خانين «١» على رأس فرسخين فأتى المدينة فدخلها نصف النهار، فذلك قوله﷿-: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ يعني القرية عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها يعني نصف النهار وقت القائلة فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ كافرين يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ يعني هذا من جنس موسى من بني إسرائيل وَهذا الآخر مِنْ عَدُوِّهِ من القبط «فاستغثه الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ» «٢» فَوَكَزَهُ مُوسى بكفه مرة واحدة فَقَضى عَلَيْهِ الموت، وكان موسى﵇- شديد البطش «٣» ثم ندم موسى﵇- فقال: إني لم أومر بالقتل قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ يعني من تزيين الشيطان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ- ١٥- قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي يعني أضررت نفسي بقتل النفس فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ- ١٦- بخلقه قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ يقول إذ أنعمت علي بالمغفرة فلم تعاقبني بالقتل فَلَنْ أعود أن أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ- ١٧- يعني معينا للكافرين فيما بعد اليوم لأن الذي نصره «٤» موسى كان كافرا فَأَصْبَحَ موسى من الغد «فِي الْمَدِينَةِ» «٥» خائِفًا يَتَرَقَّبُ يعني ينتظر الطلب فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يعني يستغيثه ثانية على رجل آخر كافر من القبط قالَ لَهُ مُوسى للذي نصره بالأمس: الإسرائيلى:
_________________
(١) فى أ، ز: خانين.
(٢) ما بين القوسين «»: ساقط من أن، ل، ز.
(٣) فى أ، زيادة: ابن ثلاثين سنة، وليست فى ز. []
(٤) فى أ: نصر، ز، ف، نصره.
(٥) «فى المدينة»: ساقطة من أ، ل، ز.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ- ١٨- يقول إنك لمضل مبين قتلت أمس في سببك رجلا فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ الثانية بالقبطي بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما يعنى عدوا لموسى وعدوا للإسرائيلي، ظن الإسرائيلي أن موسى يريد أن يبطش به لقول موسى له: «إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مبين» قالَ الإسرائيلي: يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ يعني ما تريد إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا يعني قتالا فِي الْأَرْضِ: مثل سيرة الجبابرة «١» القتل فى غير حق [٦٤ ب] وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ- ١٩- يعني من المطيعين لله﷿- في الأرض ولم يكن أهل مصر علموا بالقاتل حتى أفشى الإسرائيلي على موسى فلما سمع القبطي بذلك انطلق فأخبرهم أن موسى هو القاتل فائتمروا بينهم بقتل موسى وَجاءَ رَجُلٌ فجاء حزقيل بن صابوث القبطي- وهو المؤمن- مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يعني أقصى القرية يَسْعى على رجليه ف قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ من أهل مصر يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ بقتلك القبطي فَاخْرُجْ من القرية إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ- ٢٠- فَخَرَجَ موسى﵇- مِنْها من القرية خائِفًا أن يقتل يَتَرَقَّبُ يعني ينتظر الطلب وهو هارب منهم قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ٢١- يعني المشركين أهل مصر فاستجاب الله﷿- له فأتاه جبريل﵇- فأمره أن يسير تلقاء مدين وأعطاه العصا فسار من مصر إلى مدين في عشرة أيام بغير دليل، فذلك قوله﷿-: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ بغير دليل خشي أن يضل الطريق قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ- ٢٢-
_________________
(١) فى أ: الجبابرين، وفى ز: الجبابرة.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
يعني يرشدني قصد الطريق إلى مدين فبلغ مدين، فذلك قوله- تعالى-: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ ابن إبراهيم خليل الرحمن لصلبه﵈-، وكان الماء لمدين فنسب إليه، ثم قال: وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً يقول يقول وجد موسى على الماء جماعة مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ أغنامهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ يعني حابستين الغنم لتسقى «١» فضل ماء الرعاء «٢» وهما ابنتا شعيب النبيﷺ- واسم الكبرى صبورا واسم الصغرى عبرا»
وكانتا توأمتين «٤» فولدت الأولى قبل الأخرى بنصف نهار قالَ لهما موسى: مَا خَطْبُكُما يعني ما أمركما قالَتا لا نَسْقِي الغنم حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ بالغنم راجعة من الماء إلى الرعي فنسقي فضلتهم وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ- ٢٣- لا يستطيع أن يسقي الغنم من الكبر فقال لهما موسى﵇-: أين الماء؟ فانطلقا به إلى الماء فإذا الحجر على رأس البئر لا يزيله إلا عصابة من الناس فرفعه موسى﵇- وحده بيده، ثم أخذه الدلو فأدلى دلوا واحدا فأفرغه في الحوض ثم دعا بالبركة. فَسَقى لَهُما الغنم فرويت ثُمَّ تَوَلَّى يعني انصرف إِلَى الظِّلِّ ظل شجرة فجاس تحتها من شدة الحر وهو جائع فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ- ٢٤- يعني إلى الطعام، فرجعت الكبيرة إلى موسى لتدعوه، فذلك قوله﷿-: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما يعنى الكبرى تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ يعنى على حياء [٦٥ أ] وهي التي تزوجها موسى﵇-،
_________________
(١) فى ز: لتسقى، وفى أ: لتسقين.
(٢) فى أ: الرعاء، وفى ز: الرعي.
(٣) فى أ: محبرا، وفى ز، ل، ف: عبرا.
(٤) فى أ: توأمين، وفى ز: توأمتين.
[ ٣ / ٣٤١ ]
قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا وبين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال فلولا الجوع الذي أصابه ما اتبعها، فقام يمشي معها، ثم أمرها أن تمشي خلفه وتدله بصوتها على الطريق كراهية أن ينظر إليها وهما على غير جادة يقول فَلَمَّا جاءَهُ:
فلما أتى موسى شعيبا﵉- وَقَصَّ عَلَيْهِ يعني على شعيب الْقَصَصَ الذي كان من أمره أجمع، أمر القوابل اللائي قتلن «١» أولاد بني إسرائيل، وحين ولد وحين قذف في التابوت في اليم، ثم المراضع بعد التابوت حتى أخبره بقتل الرجل من القبط. «قالَ» «٢» له شعيب: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ٢٥- يعني المشركين قالَتْ إِحْداهُما وهي الكبرى يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ يقول إن الذي استأجرت هو الْقَوِيُّ الْأَمِينُ- ٢٦- قال شعيب لابنته: من أين علمت قوته؟ وأمانته؟ قال: أزال الحجر وحده عن رأس البئر وكان لا يطيقه إلا رجال، وذكرت أنه أمرها «٣» أن تمشي خلفه كراهية أن ينظر إليها ف قالَ شعيب لموسى﵉-: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ يعني أن أزوجك إحدى ابنتي هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي نفسك ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ «عَشْرًا يعني عشر سنين» «٤» فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ في العشر سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ- ٢٧- يعني من الرافقين بك، كقول مُوسَى «٥» لأَخِيهِ هَارُونَ: « اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ » «٦»
_________________
(١) فى أ: القوابل التي قتلوا، وفى ز: القوابل الذين قتلوا. أهـ والأنسب: القوابل اللائي قتلن.
(٢) فى أ: «قال» . وفى حاشية أ: فى الأصل يقول، وفى ز: يقول.
(٣) من ز وليست فى أ.
(٤) فى أ: «عشرا» سنين، وفى ز: (عشر أ] يعنى عشر سنين.
(٥) من ز، فى أ: كقوله لموسى.
(٦) سورة الأعراف: ١٤٢.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
يعنى وارفق بهم، فى سورة الأعراف قَالَ موسى: ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ثماني «١» سنين أو عشر سنين فَلا عُدْوانَ يعنى فلا سهيل عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ- ٢٨- يعني شهيد فيما بيننا، كقوله﷿-:
« وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» «٢» يعني شهيدا فأتم موسى﵇- عشر سنين على أن يزوج ابنته الكبرى اسمها صبورا بنت شعيب بن نويب «٣» بن مدين بن إبراهيم فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ السنين العشر وَسارَ بِأَهْلِهِ ليلة الجمعة آنَسَ يعني رأى مِنْ جانِبِ يعني من ناحية الطُّورِ يعنى الجبل نارًا وهو النور بأرض المقدسة «٤» ف قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ نَارًا يقول إني رأيت نارا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أين الطريق وكان قد تحير ليلا، فإن لم أجد من يخبرني «أَوْ جَذْوَةٍ» «٥» يعني آتيكم بشعلة وهو عود قد احترق بعضه «مِنَ النَّارِ» «٦» لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَصْطَلُونَ- ٢٩- من البرد، فترك موسى﵇- امرأته وولده في البرية بين مصر ومدين، ثم استقام فذهب بالرسالة [٦٥ ب] فأقامت امرأته مكانها ثلاثين سنة في البرية مع ولدها وغنمها، فمر بها راع «٧» فعرفها وهي حزينة تبكي فانطلق بها إلى أبيها فَلَمَّا أَتاها أتى النار نُودِيَ ليلا مِنْ شاطِئِ يعنى من جانب يعنى من ناحية الْوادِ الْأَيْمَنِ
_________________
(١) فى الأصل: ثماني. []
(٢) سورة النساء الآيات ٨١، ١٣٢، ١٧١.
(٣) فى أ: بويب، وفى ز: نويب.
(٤) فى الأصل: بأرض المقدسة.
(٥) «أو جذوة»: ساقطة من أ، ز.
(٦) «من النار»: ساقطة من أ، ز.
(٧) فى أ، وفى ز: راعى.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
يعنى يمين الجبل فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ والمباركة لأن الله﷿- كلم موسى﵇- في تلك البقعة نودي مِنَ الشَّجَرَةِ وهي هو سجة وكان حول العوسجة شجر الزيتون فنودي أَنْ يَا مُوسى في التقديم إِنِّي أَنَا اللَّهُ الذي ناديتك رَبُّ الْعالَمِينَ- ٣٠- هذا كلامه﷿- لموسى﵇- وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ وهي ورق الآس أس الجنة من يدك فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تحرك كَأَنَّها جَانٌّ يقول كأنها حية لم تزل.
قال الْهُذَيْلُ عن غير مُقَاتِلٍ «كَأَنَّهَا جان» يعني شيطان وَلَّى مُدْبِرًا من الرهب من الحية يعني من الخوف فيها تقديم وَلَمْ يُعَقِّبْ يعني ولم يرجع، قال- سبحانه-:
«يَا مُوسى» «١» أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ من الحية إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ- ٣١- من الحية اسْلُكْ يعني أدخل يَدَكَ اليمنى فِي جَيْبِكَ فجعلها في جيبه من قبل الصدر وهي مدرعة من صوف مضربة «٢» تَخْرُجْ يدك من الجيب بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يعني من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس يغشى «٣» البصر وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ يعني عضدك من يدك «مِنَ الرَّهْبِ» «٤» فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ يعنى آيتين من ربك يعني اليد والعصا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ- ٣٢- يعني عاصين قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ- ٣٣- وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يعني عونا لكي يُصَدِّقُنِي وهارون يومئذ بمصر لكي يصدقني فرعون
_________________
(١) فى أ، ز: لموسى.
(٢) فى أ،: مضربة، وفى ز: مصربة، وفى حاشية ز: مضربة.
(٣) فى أ: تغشى، وفى ز: يعشى.
(٤) «مِنَ الرَّهْبِ»: ساقط من أ، ز.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ- ٣٤- قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ يعني ظهرك بأخيك هارون وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا يعني حجة بآياتنا يعني اليد والعصا فيها تقديم فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بقتل يعني فرعون وقومه لقولهما في طه: «إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا» بالقتل «أَوْ أَنْ يَطْغى» «١»، فذلك قوله- سبحانه-: «فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا» بِآياتِنا «٢» أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ- ٣٥- فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا اليد والعصا بَيِّناتٍ يعني واضحات التي في طه «٣» والشعراء «٤» قالُوا ما هذا الذي جئت به يا موسى إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً افتريته يا موسى، أنت تقولته وهارون وَقالوا:
ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ- ٣٦- يعني اليد والعصا وَلما كذبوه بما جاء به [٦٦ أ] قالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ فإني جئت بالهدى من عند الله﷿- وَهو أعلم ب مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ يعنى دار الجنة ألنا أولكم. ثم قال: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ- ٣٧- في الآخرة لا يفوز المشركون يعني لا يسعدون وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ يعني الأشراف من قومه مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي هذا القول من فرعون كفر فَأَوْقِدْ لِي يَا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا يقول أوقد النار على الطين حتى يصير اللبن آجرا وكان فرعون أول من طبخ الأجر وبناء «فاجعل لي صرحا» يعني قصرا طويلا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى فبنى
_________________
(١) سورة طه: ٤٥.
(٢) «بآياتنا»: ساقطة من أ، ز، وفيهما (فلا يصلون إليكما) بقتل.
(٣) سورة طه: ٧٠ «فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى» .
(٤) سورة الشعراء: ٤٥ «فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ» . []
[ ٣ / ٣٤٥ ]
وكان «ملاطة» «١» خبث القوارير «فكان» «٢» الرجل لا يستطيع القيام عليه «٣» مخافة أن تنسفه الريح، ثم قال فرعون: «فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى» وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يقول إني لأحسب موسى مِنَ الْكاذِبِينَ- ٣٨- بما يقول إن في السماء إلها «وَاسْتَكْبَرَ» «٤» فرعون هُوَ وَجُنُودُهُ عن الإيمان فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني بالمعاصي وَظَنُّوا يقول وحسبوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ- ٣٩- أحياء بعد الموت في الآخرة، يقول الله﷿-: فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ يعني فقذفناهم في نهر النيل الذي بمصر فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ- ٤٠- يعني المشركين أهل مصر كان عاقبتهم الغرق وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يعني قادة في الشرك يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يعني يدعون إلى الشرك وجعل فرعون والملأ قادة فى الشرك، وأتبعناهم أهل مصر وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ- ٤١- يعني لا يمنعون من العذاب وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً يعني الغرق وَيَوْمَ الْقِيامَةِ في النار هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ- ٤٢- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا بالعذاب في الدنيا الْقُرُونَ الْأُولى يعني نوحا وعادا وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم شعيب وغيرهم كانوا قبل موسى، ثم قال﷿-: بَصائِرَ لِلنَّاسِ يقول في هلاك الأمم الخالية بصيرة لبني إسرائيل وَهُدىً يعني التوراة هدى من الضلالة لمن عمل بها وَرَحْمَةً لمن آمن «٥» بها من العذاب لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَتَذَكَّرُونَ- ٤٣- فيؤمنوا
_________________
(١) الملاط: بالميم هو ما يطلى به من نحو الجص. للكاتب، من حاشية أ.
(٢) فى أ: فكان، وفى ز: وكان.
(٣) فى أزيادة: من طوله.
(٤) فى أ: فاستكبر.
(٥) فى أ: به.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
بتوحيد الله﷿- وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ يعني بناحية كقوله﷿-: « جانِبَ الْبَرِّ » «١» يعني ناحية البر الْغَرْبِيِّ بالأرض المقدسة «٢»، «والغربيُّ» يعني غربيَّ الجبل حيث تغرب الشمس إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [٦٦ ب] يقول إذ عهدنا إلى موسى الرسالة إلى فرعون وقومه وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ- ٤٤- لذلك الأمر وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا يعني خلفنا قرونا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا يعنى شاهدا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا يعني تشهد مدين فتقرأ على أهل مكة أمرهم وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ- ٤٥- يعني أرسلناك إلى أهل مكة لتخبرهم بأمر مدين وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ يعني بناحية من الجبل الذي كلم الله﷿- عليه موسى﵇- إِذْ نادَيْنا يعني إذ كلمنا موسى وآتيناه التوراة وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يقول ولكن القرآن رحمة يعني نعمة من ربك النبوة اختصصت بها، إذ أوحينا إليك أمرهم لتعرف كفار نبوتك، فذلك قوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا يعني أهل مكة بالقرآن مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ يعنى رسولا مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَتَذَكَّرُونَ- ٤٦- فيؤمنوا وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ يعني العذاب في الدنيا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من المعاصي يعني كفار مكة فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ يعنى القرآن وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ٤٧- يعني المصدقين فيها تقديم يقول لولا أن يقولوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ونكون من المؤمنين لأصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعنى
_________________
(١) سورة الإسراء: ٦٨.
(٢) فى الأصل: بأرض المقدسة.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
القرآن مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا يعني هلا أُوتِيَ «مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى» «١» يعني أعطي محمدﷺ- القرآن جملة مكتوبة كما أعطي موسى التوراة أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قرآن محمدﷺ- قالُوا سِحْرانِ «٢» تَظاهَرا يعنون التوراة والقرآن ومن قرأ «ساحران» يعني موسى ومحمدا»
- صلى الله عليهما «تظاهرا» يعني تعاونا على الضلالة يقول صدق كل واحد منهما الآخر وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ- ٤٨- يعنى بالتوراة وبالقرآن لا نؤمن بهما، يقول اللَّه﷿- لمحمدﷺ-: قُلْ لكفار مكة: فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى لأهله مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٤٩- بأنهما ساحران تظاهرا فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فإن لم يفعلوا: أن يأتوا بمثل التوراة والقرآن فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ بغير علم وَمَنْ أَضَلُّ يقول فلا أحد أضل مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ٥٠- إلى دينه﷿- وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ يقول ولقد بينا لكفار مكة ما في القرآن من الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم رسلهم لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَتَذَكَّرُونَ- ٥١- فيخافوا فيؤمنوا الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعنى أعطيناهم [٦٧ أ] الإنجيل مِنْ قَبْلِهِ يعني القرآن هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ- ٥٢- يعني هم بالقرآن مصدقون بأنه من الله﷿- نزلت فى مسلمي
_________________
(١) ما بين القوسين «»: ساقط من أ، ل، ز.
(٢) فى أ: ساحران. والمثبت من ز.
(٣) فى ز: ومحمد.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
أهل الإنجيل وهم أربعون رجلا «١» من أهل الإنجيل «٢» أقبلوا مع جعفر بن أبى طالب- رضوان الله عليه- إلى المدينة، وثمانية قدموا من الشام بحيرى، وأبرهة والأشرف، ودريد، وتمام، وأيمن، وإدريس، ونافع فنعتهم الله﷿- فقال- سبحانه-: وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ آياتنا «٣» يقول وإذا قرئ عليهم القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ يعني صدقنا بالقرآن إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ- ٥٣- يقول إنا كنا من قبل هذا القرآن مخلصين لله﷿- بالتوحيد، يقول الله﷿-: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا أجرا بتمسكهم بالإسلام حين «٤» أدركوا محمداﷺ- فآمنوا به، وأجرهم بالإيمان بالنبيﷺ- «٥»، فلما اتبعوا النبيﷺ- شتمهم «٦» كفار قومهم «٧» في متابعة النبيﷺ-
_________________
(١) فى أ: فهي أربعين رجلا، وفى ز: نزلت فى أربعين من أهل الإنجيل، وفى ل: فى أربعين رجلا.
(٢) فى أ: الأنصار، ل: الإنجيل.
(٣) ورد ذلك فى لباب النقول للسيوطي: ١٦٨.
(٤) فى أ، ل: حين. والأنسب حتى، ويؤيد ذلك حديث البخاري، ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمدﷺ. وفى شرح العيني. أن هذا الرجل له أجران أجر بإيمانه بنبيه وتمسكه بالإيمان حتى بعث محمد والأجر الثاني إيمانه بالنبي حين علم به. []
(٥) كذا فى أ، ل، وفى ز: «أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا» يعنى بتمسكهم بالإسلام حين أدركوا محمداﷺ- فآمنوا به فسبهم كفار قومهم بمتابعتهم محمدا فصفحوا عنهم.
(٦) فى ز: سبهم، وفى أ: شتمهم.
(٧) فى أ: قومهم، وفى ل، ز: كفار قومهم.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
فصفحوا عنهم وردوا معروفا فأنزل الله﷿- وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ما سمعوا من قومهم من الأذى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال يُنْفِقُونَ- ٥٤- في طاعة الله﷿- وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ من قومهم يعني من الشر والشتم والأذى أَعْرَضُوا عَنْهُ يعني عن اللغو فلم يردوا عليهم مثل ما قيل لهم وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يعنى لنا ديننا ولكم دينكم، وذلك حين عيروهم بترك دينهم، وقالوا لكفار قومهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ يقول ردوا عليهم معروفا لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ- ٥٥- يعنى لا نريد أن تكون مع أهل الجهل والسفه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وذلك
أن أبا طالب بن عبد المطلب، قال: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداﷺ- وصدقوه تفلحوا وترشدوا. قال النبيﷺ-:
يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك. قال: فما تريد يا بن أخي؟
قال: أريد منك كلمة واحدة فإنك في آخر يوم من الدنيا، أن تقول لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله﷿- قال: يا بن أخي قد علمت أنك صادق، ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة وسبة لقلتها، ولأقررت بعينك «١» عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكن سوف أموت على ملة أشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف فأنزل الله﷿-: «إنك» [٦٧ ب] يا محمد «لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ» إلى الإسلام وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
- ٥٦- يقول وهو أعلم بمن قدر له الهدى وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا
_________________
(١) كذا فى أ، ز، ل. والأنسب ولأقررت عينك.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف القرشي، وذلك أنه قال للنبيﷺ-: إنا لنعلم «أن» «١» الذي تقول حق ولكنا يمنعنا أن نتبع الهدى معك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا يعنى مكة فإنما نحن أكلة رأس للعرب ولا طاقة لنا بهم، يقول الله- تعالى-: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ يحمل إلى الحرم ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ يعني بكل شيء من ألوان الثمار رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا يعني من عندنا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يعني أهل مكة لا يَعْلَمُونَ- ٥٧- يقول هم يأكلون رزقي ويعبدون غيري وهم آمنون في الحرم من القتل والسبي فكيف يخافون لو أسلموا أن لا يكون ذلك لهم، نجعل لهم الحرم آمنا في الشرك ونخوفهم في الإسلام؟ فإنا لا نفعل ذلك بهم لو أسلموا، ثم خوفهم﷿- فقال- سبحانه-: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها يقول بطروا وأشروا يتقلبون في رزق الله﷿- فلم يشكروا الله- تعالى- في نعمه فأهلكهم بالعذاب فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد هلاك أهلها إِلَّا قَلِيلًا من المساكن فقد يسكن في بعضها وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ- ٥٨- لما خلفوا من بعد هلاكهم يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية حين قالوا: إنا نتخوف أن نتخطف من مكة، ثم قال الله﷿-: وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى يعني معذب أهل القرى الخالية «٢» حَتَّى «يَبْعَثَ» «٣» فِي أُمِّها رَسُولًا يعني في أكبر تلك القرى رسولا وهي مكة يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا يقول يخبرهم
_________________
(١) «أن»: زيادة اقتضاها السباق.
(٢) من ز، وفى أ: القرى. الأمم الخالية.
(٣) فى أ: نبعث.
[ ٣ / ٣٥١ ]
الرسول بالعذاب بأنه نازل بهم في الدنيا إن لم يؤمنوا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى يعني معذبي أهل القرى في الدنيا إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ- ٥٩- يقول إلا وهم «مذنبون» «١» يقول لم نعذب على غير ذنب وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ يقول وما أعطيتم من خير يعني به كفار مكة فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها يقول تمتعون في أيام حياتكم، فمتاع الحياة الدنيا وزينتها إلى فناء وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب خَيْرٌ وَأَبْقى يعني أفضل وأدوم لأهله مما أعطيتم في الدنيا أَفَلا «تَعْقِلُونَ» «٢» - ٦٠- أن الباقي خير من الفاني الذاهب أَفَمَنْ وَعَدْناهُ يعني أفمن وعده الله﷿- يعني النبيﷺ- في الدنيا وَعْدًا حَسَنًا [٦٨ أ] يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ فهو معاينه يقول مصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا
بالمال ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ- ٦١- النار يعني أبا جهل بن هشام- لعنه الله- ليسا بسواء، نظيرها في الأنعام وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني كفار مكة فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ- ٦٢- في الدنيا أن معي شريكا قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ يعني وجب عليهم كلمة العذاب وهم الشياطين، حق عليهم القول يوم قال الله- تعالى ذكره- لإبليس « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ» «٣» فقالت الشياطين في الآخرة رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا يعنون كفار بني آدم يعني هؤلاء الذين أضللناهم كما ضللنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم يا رب ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ- ٦٣- فتبرأت الشياطين ممن كان يعبدها وَقِيلَ لكفار
_________________
(١) فى أ: يذنبون، وفى ز: مذنبون.
(٢) فى أ: «يعقلون» .
(٣) سورة الأعراف: ١٨.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
بني آدم ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يقول سلوا الآلهة: أهم الآلهة؟ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ يقول سألوهم فلم تجبهم الآلهة نظيرها في الكهف يقول الله- تعالى-: وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ- ٦٤- من الضلالة يقول لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يقول ويوم يسألهم يعني كفار مكة يسألهم الله﷿- فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ- ٦٥- فى التوحيد فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعنى الحجج يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ- ٦٦- يعني لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج لأن الله- تعالى- أدحض حجتهم وأكل ألسنتهم، فذلك قوله- تعالى-:
«فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ» فَأَمَّا مَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ يعني وصدق بتوحيد الله﷿- وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى والعسى من الله﷿- واجب أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ- ٦٧- وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ وذلك أن الوليد قال في «حم» الزخرف:
« لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» «١» يعني نفسه وأبا مسعود الثقفي، فذلك قوله- سبحانه-: «ويختار» أي للرسالة «٢» والنبوة من يشاء فشاءﷻ- أن يجعلها في النبيﷺ- وليست النبوة والرسالة بأيديهم ولكنها بيد الله﷿-، ثم قال- سبحانه-:
مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ من أمرهم ثم نزه نفسه﵎- عن قول الوليد حين قال: «أجعل» محمدﷺ- «الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا
_________________
(١) سورة الزخرف: ٣١.
(٢) فى أ، وفى ز: ويختار للرسالة.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
لَشَيْءٌ عُجابٌ» «١» فكفر بتوحيد الله﷿- فأنزل الله- سبحانه- ينزه نفسه﷿- عن شركهم فقال: سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى يعنى [٦٨ ب] وارتفع عَمَّا يُشْرِكُونَ- ٦٨- به غيره﷿- ثم قال﷿- وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ يعني ما تسر قلوبهم وَما يُعْلِنُونَ- ٦٩- بألسنتهم، نظيرها في النمل، ثم وحد الرب نفسه﵎- حين لم يوحده «٢» كفار مكة، الوليد وأصحابه، فقال- سبحانه-: وَهُوَ اللَّهُ «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» «٣» لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ يعني يحمده أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الآخرة يعني أهل الجنة وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ٧٠- بعد الموت في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم قُلْ يا محمد لكفار مكة: أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فدامت «٤» ظلمته مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ يعني بضوء النهار أَفَلا يعني أفهلا «٥» تَسْمَعُونَ- ٧١- المواعظ. وقُلْ لهم أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ من النصب أَفَلا يعني أفهلا «٦» تُبْصِرُونَ- ٧٢- ثم أخبر عن صنعه- تعالى ذكره- فقال- سبحانه-: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا يعني لتستقروا فِيهِ بالليل من النصب وَلِتَبْتَغُوا بالنهار مِنْ فَضْلِهِ يعنى
_________________
(١) سورة ص: ٥.
(٢) فى أ: لم يوحدوه، وفى ز: لم يوحده. []
(٣) فى أ: «لا إله غيره»، وفى ز: «لا إله إلا هو» .
(٤) فى أ، ز: فدام.
(٥) فى أ: فهلا، وفى ز: أفهلا.
(٦) فى أ: فهلا، وفى ز: أفهلا.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
الرزق وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ٧٣- ربكم في نعمه فتوحدوه﷿- وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني يسألهم فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ- ٧٤- في الدنيا. وَنَزَعْنا يقول وأخرجنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا يعني رسولها ونبيها يشهد عليها بالبلاغ والرسالة فَقُلْنا لهم يعني للكفار: هاتُوا هلموا بُرْهانَكُمْ يعني حجتكم بأن معي شريكا فلم يكن لهم حجة «فَعَلِمُوا» «١» أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد لله﷿- وَضَلَّ عَنْهُمْ في الآخرة ما كانُوا يَفْتَرُونَ- ٧٥- في الدنيا بأن مع الله- سبحانه- شريكا. إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى يعني من بني إسرائيل وكان ابن عمه، قارون بن أصهر «٢» بن قوهث «٣» بن لاوى ابن يعقوب، وموسى بن عمران بن قوهث فَبَغى عَلَيْهِمْ يقول بغى قارون على بني إسرائيل من أجل كنزه ماله وَآتَيْناهُ يعني وأعطيناه مِنَ الْكُنُوزِ يعني من الأموال مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ يعنى خزائنه لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ والعصبة من عشرة نفر إلى أربعين فإذا كانوا أربعين فهم أولو قوة يقول لتعجز العصبة أولى القوة عن حمل الخزائن «٤» . إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ بنو إسرائيل لا تَفْرَحْ يقول لا تمرح ولا تبطر ولا تفخر بما أوتيت من الأموال إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ- ٧٦- يعنى المرحين البطرين وَقالوا له: ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ يعنى فيما أعطاك الله [٦٩ أ]- ﷿- من الأموال والخير الدَّارَ الْآخِرَةَ يعنى دار الجنة وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ يعني ولا تترك حظك مِنَ الدُّنْيا أن
_________________
(١) فى أ، «وعلموا» .
(٢) فى أ: أصهر، وفى ز: يصهر.
(٣) فى أ: قوهث، وفى ز: قاهث. وفى ل: بوهب.
(٤) من ز، والجملة ناقصة فى أ.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
تعمل فيها لآخرتك وَأَحْسِنْ العطية في الصدقة والخير فيما يرضي الله﷿- كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ بإحسان الله إليك الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ يقول لا تعمل فيها بالمعاصي إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ- ٧٧- فرد قارون على قومه حين أمروه أن يطيع الله﷿- فى ماله وفيما أمره ف قالَ لهم: إِنَّما أُوتِيتُهُ يعني إنما أعطيته يعنى المال عَلى عِلْمٍ عِنْدِي يقول على خير علمه الله﷿- عندي يقول الله﷿-: أَوَلَمْ يَعْلَمْ قارون أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ بالعذاب مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ حين كذبوا رسلهم مَنْ هُوَ أَشَدُّ «مِنْهُ» «١» من قارون قُوَّةً وبطشا وَأَكْثَرُ جَمْعًا من الأموال منهم نمرود الجبار وغيره، ثم قال﷿-: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ- ٧٨- يقول «ولا يسأل» «٢» مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا، فإن الله﷿- قد أحصى أعمالهم الخبيثة وعلمها «فَخَرَجَ قارون عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ «٣» - قومه- بني إسرائيل، - الزينة- يعني الشارة الحسنة خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس على الخيل عليهم وعلى دوابهم الأرجوان، «ومعه ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر «٤» على البغال الشهب»، فلما نظر المؤمنون إلى تلك الزينة والجمال. قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وهم أهل التوحيد
_________________
(١) فى أ: «من قارون» .
(٢) فى أ: «ولا يسلوا»، وفى ز: «ولا يسأل» .
(٣) فى حاشية أفى الأصل: وخرج فى زينته على قومه، وفى ز مثل ما فى حاشية أ.
(٤) ومعه ثلاثمائة جارية. إلخ من ز، وليس فى أ. وفى ز: الثياب الأحمر.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ يعني مثل ما أعطي قارُونُ من الأموال إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ- ٧٩- يقول إنه لذو نصيب وافر في الدنيا وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بما وعد الله في الآخرة للذين تمنوا مثل مما أعطي قارون وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ يعني لمن صدق بتوحيد الله﷿- وَعَمِلَ صالِحًا خير مما أوتي قارون في الدنيا وَلا يُلَقَّاها يعني الأعمال الصالحة يعني ولا يؤتاها إِلَّا الصَّابِرُونَ- ٨٠- فَخَسَفْنا بِهِ يعني بقارون، وذلك أن الله﷿- أمر الأرض أن تطيع موسى﵇- فأمر موسى الأرض أن تأخذ قارون فأخذته إلى قدميه فدعا قارون موسى وذكره الرحم، فأمرها موسى أن تأخذه، فأخذته إلى عنقه ثم دعا قارون موسى وذكره الرحم، فأمرها موسى﵇- أن تبتلعه [٦٩ ب] فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة «١»، فقالت بنو إسرائيل: إن موسى إنما أهلك قارون حتى يأخذ ماله وداره فخسف الله﷿- بعد قارون بثلاثة أيام- بداره وماله الصامت فانقطع الكلام، فذلك قوله﷿-: «فَخَسَفْنَا بِهِ» يعني بقارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يقول الله﷿- لم يكن لقارون جند يمنعونه من الله﷿- وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ- ٨١- يقول وما كان قارون من الممتنعين مما نزل به من الخسف وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ بعد ما خسف به يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يعني لكن الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ يعني يوسع الرزق على من يشاء ويقتر
_________________
(١) كذا فى أ، ز.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
على من يشاء، وقالوا: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني لولا أن الله﷿- أنعم علينا بالإيمان لَخَسَفَ بِنا ثم قال: وَيْكَأَنَّهُ يعني ولكنه لا يُفْلِحُ لا يسعد الْكافِرُونَ- ٨٢- تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ يعني الجنة نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا يعني تعظما فِي الْأَرْضِ عن الإيمان بالتوحيد وَلا فَسادًا يقول ولا يريدون فيها عملا بالمعاصي وَالْعاقِبَةُ في الآخرة لِلْمُتَّقِينَ- ٨٣- من الشرك فى الدنيا مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني بكلمة الإخلاص وهي «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها في التقديم، يقول فله منها خير، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك يقول من جاء في الآخرة بالشرك فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ يعني الذين عملوا الشرك إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- ٨٤- من الشرك فإن جزاء الشرك النار فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار «١» .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ- صَلَّى الله عليه- «٢» هذه الآية- «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ»، «وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ» فَقَالَ هَذِهِ تُنْجِي وَهَذِهِ تُرْدِي، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: سمعت النبي- صلى الله عليه- يقول «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ» فَهِيَ «٣» لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ «وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ» فهي «٤» الشرك فهذه تنجى وهذه
_________________
(١) فى أزيادة: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ» وليست فى ز، ثم تكرر ذكرها بعد ذلك فى أ، فاعتمدت على ز لأنها أنسب هنا. []
(٢) نسخة ز دائما تقول: - النبي صلى الله عليه-، أ: النبيﷺ-.
(٣) فى أ: فهي، وفى ز: فهو.
(٤) فى أ: فهي، وفى ز: فهو.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
تُرْدِي،
قَوْلُهُ﷿- إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ وذلك
أن النبيﷺ- خَرَجَ مِنَ الْغَارِ لَيْلا، ثُمَّ هَاجَرَ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَارَ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخَافَةَ الطَّلَبِ فَلَمَّا أَمِنَ رَجَعَ إِلَى الطَّرِيقِ فَنَزَلَ بِالْجُحْفَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَعَرَفَ «١» الطَّرِيقَ إِلَى مَكَّةَ فَاشْتَاقَ إِلَيْهَا، وَذَكَرَ مَوْلِدَهُ ومولد أبيه فأتاه [٧٠ أ] جِبْرِيلُ﵇- فَقَالَ: أَتَشْتَاقُ إِلَى بَلَدِكَ وَمَوْلِدِكَ؟
فَقَالَ النَّبِيّﷺ- نَعَمْ. فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ اللَّهَ﷿- يقول-: «إن الذي فرض عليك القرآن»
لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ يَعْنِي إِلَى مَكَّةَ ظَاهِرًا عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالْجُحْفَةِ لَيْسَتْ بِمَكِّيَّةٍ وَلا مَدَنِيَّةٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًاﷺ- وَقَالُوا إِنَّكَ فِي ضَلالٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ﵎- فِي قَوْلِهِمْ: «قُلْ ربى أعلم من جاء بالهدى» فَأَنَا الَّذِي جِئْتُ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﷿- وَهو أعلم مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٨٥- يقول أنحن أم أنتم وَما كُنْتَ تَرْجُوا يا محمد أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ يعني أن ينزل عليك القرآن يذكره النعم، وقال ما كان الكتاب إِلَّا رَحْمَةً يعني﷿- نعمة مِنْ رَبِّكَ اختصصت بها يا محمد. وذلك حين دعي إلى دين آبائه فأوحى الله﷿- إلى النبيﷺ- في ذلك فقال: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا يعني معينا لِلْكافِرِينَ- ٨٦- على دينهم وَلا يَصُدُّنَّكَ كفار مكة عَنْ آياتِ اللَّهِ يعني عن إيمان بالقرآن بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ الناس إِلى معرفة رَبِّكَ﷿- وهو التوحيد،
_________________
(١) كذا فى أ، ز. والمراد رأى أو شاهد.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
ثم أو عز «١» إلى النبيﷺ- وحذره، فقال- سبحانه-:
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ٨٧- وذلك حين دعي إلى دين آبائه فحذره الله﷿- أن يتبع دينهم، فقال- سبحانه-: وَلا تَدْعُ يقول ولا تعبد مَعَ اللَّهِ تعالى إِلهًا آخَرَ فإنه واحد ليس معه شريك، ثم وحد نفسهﷻ- فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ يقول- سبحانه- كل شيء من الحيوان ميت ثم استثنى نفسهﷻ- بأنه- تعالى- حي دائم لا يموت فقالﷻ-: «إِلا وَجْهَهُ» يعني إلا هو لَهُ الْحُكْمُ يعني القضاء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ٨٨- أحياء في الآخرة فيجزيكم﷿- بأعمالكم.
_________________
(١) كذا فى أ، ز.
[ ٣ / ٣٦٠ ]