بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ مَا عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩)
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤)
هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (٢٤)
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا (٣٩)
فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى مَا أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قالَ ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤)
فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قالَ هَذَا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢) وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)
فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)
قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا (٩٩)
وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)
[ ٢ / ٥٥٩ ]
سورة الكهف «١» مكية كلها وفيها من المدني قوله تعالى: من أولها إلى قوله: أَحْسَنُ عَمَلًا «٢» .
عددها مائة وعشر آيات «٣» .
_________________
(١) المقصود الإجمالى لسورة الكهف مقصود سورة الكهف ما يأتى: بيان نزول القرآن على سنن السداد، وتسلية النبيﷺ- فى تأخر الكفار عن الإيمان، وبيان عجائب حديث الكهف، وأمر النبيﷺ- بالصبر على الفقراء وتهديد الكفار بالعذاب، والبلاء، ووعد المؤمنين بحسن الثواب، وتمثيل الدنيا بماء السماء ونبات الأرض، وبيان أن الباقي من الدنيا طاعة الله فقط، وذكر أحوال القيامة وقراءة الكتب، وعرض الخلق على الحق، وإباء إبليس من السجود، وذل الكفار ساعة دخولهم النار، وجدال أهل الباطل مع المحقين الأبرار، والتخويف بإهلاك الأمم الماضية وإذلالهم، وحديث موسى، ويوشع، والخضر، وعجائب أحوالهم، وقصة ذى القرنين، وإتيانه إلى المشرقين والمغربين، وبنائه لسد يأجوج، ومأجوج، وما يتفق لهم آخر الزمان من الخروج. وذكر رحمة أهل القيامة، وضياع عمل الكفار، وثمرات مساعى المؤمنين الأبرار، وبيان أن كلمات القرآن بحور علم لا نهاية لها ولا غاية لأمدها، والأمر بالإخلاص فى العمل الصالح أبدا فى قوله: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
(٢) من أول السورة إلى غاية الآية السابعة أى ٧ آيات من أول السورة مدنية والباقي مكي. فى نسخة (ل) كوبريلى: «وفيها من المدني» أولها إلى قوله: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها (الآية ٧) . وقوله ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ إلى آخر الآية (آية ٥) . وقوله: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا إلى آخر الآية (آية ٣٠) . هذه الآيات مدنيات. وفى المصحف المتداول بأيدينا: «سورة الكهف مكية إلا آية ٣٨، ومن آية ٨٣ إلى غاية ١٠١ فمدنية وآياتها ١١٠ نزلت بعد الغاشية» . وفى بصائر ذوى التمييز للفيروزآبادي: (سورة الكهف مكية بالاتفاق)، والمختلف فيها- أى بين مكية ومدنية- إحدى عشرة آية هي: الآية ١٣، ٢٢، ٢٣، ٣٢، ٣٥، ٨٤، ٨٥، ٨٦، ٨٩، ٩٢، ١٠٣.
(٣) من: أ، وهي: ساقطة من ل، وهي فى أ: مائة وعشرة آيات.
[ ٢ / ٥٧١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وذلك أن اليهود قالوا: يزعم محمد «١» أنه لا ينزل عليه الكتاب مختلفا فإن كان صادقا بأنه من الله﷿- «فلم يأت به مختلفا» «٢» «فإن التوراة نزلت كل فصل على ناحية» «٣» فأنزل الله في قولهم «٤» «الْحَمْدُ لِلَّهِ» الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ يعنى القرآن وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا- ١- يعني مختلفا، أنزله قَيِّمًا مستقيما لِيُنْذِرَ محمدﷺ- بما في القرآن بَأْسًا يعنى عذابا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ يعني من عنده،
فقال النبيﷺ- لليهود: أدعوكم إلى الله﷿- وأنذركم بأسه فإن تتوبوا يكفر عنكم سيئاتكم، ويؤتكم أجوركم مرتين.
فقال كعب ابن الأشرف، وكعب بن أسيد، وحيي بن أخطب، وفنحاص اليهودي، من أهل قينقاع: أليس عزير ولد الله فأدعوه ولدا لله؟
فقال النبيﷺ-: أعوذ بالله أن أدعو لله﵎- ولدا.
ولكن عزير عبد الله داخر: يعني صاغرا «٥»، قالوا فإنا «٦» نجده في كتابنا وحدثتنا به آباؤنا، فاعتزلهم النبي
_________________
(١) فى أ: محمدﷺ-، ل: محمد.
(٢) زيادة اقتضاها السياق، فإن جواب الشرط.
(٣) ما بين القوسين «» من ل، وليس فى ا.
(٤) قولهم: من ل، وليست فى ا.
(٥) صاغرا: من ل، وفى أ: ولكن عزير عبد الله داخرا صاغرا.
(٦) فى أ: فإنه، ل: فإنا.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
- ﷺ- حزينا، فقال أبو بكر، وعمر، وعثمان بن مظعون، وزيد بن حارثة، ﵃، للنبيﷺ-: لا يحزنك قولهم وكفرهم، إن الله معنا فأنزل الله﷿- وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ بثواب ما في القرآن يعني هؤلاء النفر الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا- ٢- يعني جزاء كريما يعني الجنة ماكِثِينَ فِيهِ يعني الجزاء في الجنة يقول مقيمين فيها أَبَدًا- ٣- ثم ذكر اليهود فقال: وَيُنْذِرَ محمدﷺ- الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا- ٤- يعنون عزيرا «١» يقول الله﵎-: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ لقولهم نجده في كتابنا، وحدثتنا به آباؤنا، قال الله- تعالى: كَبُرَتْ يعني عظمت كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يعنى ما يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا- ٥- لقولهم عزيز ابن الله﷿- ثم قال للنبيﷺ-[٢٢٢ ب] حين أحزنه قولهم، قال- سبحانه-: فَلَعَلَّكَ يعني فعساك باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ يعني قاتلا نفسك على آثارهم يعني عليهم أسفا يعنى حزنا نظيرها فى الشعراء فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ «٢» يقول قاتل نفسك حزنا في التقديم: إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ يعني لم يصدقوا بالقرآن أَسَفًا- ٦- إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ من النبت عاما «٣» بعام زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ يعني لنختبرهم أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- ٧- وَإِنَّا لَجاعِلُونَ في الآخرة مَا عَلَيْها يعني ما على الأرض من شيء صَعِيدًا يعنى مستويا
_________________
(١) فى أ: عزير، ل: عزيرا.
(٢) سورة الشعراء: ٣.
(٣) فى أ: عام، ل: عاما. []
[ ٢ / ٥٧٣ ]
جُرُزًا- ٨- يعني ملساء ليس عليها جبل ولا نبت كما خلقت أول مرة أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ والكهف نقب «١» يكون في الجبل كهيئة الغار واسمه بانجلوس وَالرَّقِيمِ «٢» كتاب كتبه رجلان قاضيان صالحان أحدهما ماتوس، والآخر أسطوس كانا يكتمان إيمانهما وكانا في منزل دقيوس الجبار وهو الملك الذي فر منه الفتية وكتبا أمر الفتية في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس ثم جعلاه في البناء الذي سدوا به باب الكهف، فقالا: لعل الله﷿- أن يطلع على هؤلاء الفتية ليعلموا إذا قرءوا الكتاب، قال- سبحانه: كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا- ٩- يقول- سبحانه- أوحينا إليك من أمر الأمم الخالية، وعلمناك «٣» من أمر الخلق، وأمر ما كان وأمر ما يكون قبل أصحاب الكهف، فهو أعجب من أصحاب الكهف وليس أصحاب الكهف بأعجب مما أوحينا إليك «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ» يعني بالرقيم الكتاب الذي كتبه القاضيان مثل قوله﷿-: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ، كِتابٌ مَرْقُومٌ «٤» يعني كتاب مكتوب كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا يخبره به. وذلك أن أبا جهل قال لقريش:
ابعثوا نفرا منكم إلى يهود يثرب فيسألونهم عن صاحبكم أنبي هو أم كذاب؟ فإنا نرى أن ننصرف عنه فبعثوا خمسة نفر منهم النضر بن الحارث، عقبة بن أبي معيط: فلما قدموا المدينة، قالوا لليهود: أتيناكم لأمر حدث فينا لا يزداد
_________________
(١) فى أ: نقب، وفى ل: بدون إعجام فتحتمل: نقب أو ثقب.
(٢) فى أ: كتابا، ل: كتاب.
(٣) فى أ: وعلمناكه.
(٤) سورة المطففين الآيات ٧، ٨، ٩.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
إلا نماء، وإنا له كارهون، وقد خفنا أن يفسد علينا ديننا، ويلبس علينا أمرنا، وهو حقير فقير يتيم يدعو إلى، الرحمن ولا نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب، وقد علمتم أنه لم يأمر قط إلا بالفساد والقتال، ويأتيه بذلك زعم جبريل﵇- وهو عدولكم، فأخبرونا هل تجدونه في كتابكم؟ قالوا: نجد نعته كما تقولون؟ قالوا: إن في قومه من هو أشرف منه، وأكبر سنا فلا نصدقه.
قالوا: نجد قومه أشد الناس عليه وهذا زمانه الذي يخرج فيه. قالوا: إنما يعلمه الكذاب مسيلمة، فحدثونا بأشياء نسأله «عنها» «١» لا يعلمها مسيلمة ولا يعلمها إلا نبي. قالوا: «سلوه» «٢» عن ثلاث خصال، فإن أصابهن فهو نبي، وإلا فهو كذاب، سلوه عن أصحاب الكهف، فقصوا عليهم أمرهم، وسلوه «٣» من عن ذي القرنين، فإنه كان ملكا وكان أمره كذا وكذا، وسلوه عن الروح فإن أخبركم عنه بقليل أو كثير فهو كذاب فقصوا عليهم، فرجعوا بذلك وأعجبهم.
فأتوا النبيﷺ- فقال أبو جهل: يا بن عبد المطلب: إنا سائلوك عن ثلاث خصال، فإن علمتهن فأنت صادق وإلا فأنت كاذب فذر ذكر آلهتنا. فَقَالَ النَّبِيُّﷺ-: مَا هن «٤» سلوني عما شئتم، قالوا نسألك عن أصحاب الكهف فقد أخبرنا عنهم، ونسألك عن ذي القرنين فقد أخبرنا عنه بالعجب، ونسألك عن الروح فقد ذكر لنا من أمره عجب، فإن علمتهن فأنت معذور، وإن جهلتهن فأنت مغرور مسحور. فقال لهم النبيﷺ
_________________
(١) عنها: من ل، وليست فى ا.
(٢) سلوه: من ل، وليست فى ا.
(٣) فى ا: وسألوا: وفى ل: وسلوه.
(٤) فى أ: ما هو، ل: ما هن.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
- ارجعوا إلي غدا أخبركم، ولم يستثن «١» فمكث النبيﷺ- ثلاثة أيام، ثم أتاه جبرئيل﵇-، فقال النبيﷺ-: يا جبريل، إن القوم سألوني عن ثلاث خصال. فقال جبريل﵇- بهن أتيتك، إن الله﷿- يقول: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا»
ثم أخبر عنهم فقال- سبحانه-:
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً من عندك رحمة يعني رزقا وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا- ١٠- يعني تيسيرا فيها تقديم فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ رقودا فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا- ١١- يعنى ثلاثمائة سنة وتسع سنين ثُمَّ بَعَثْناهُمْ من بعد نومهم «لِنَعْلَمَ» «٢» أَيُّ الْحِزْبَيْنِ يعني لنرى مؤمنهم ومشركهم أَحْصى لِما لَبِثُوا في رقودهم أَمَدًا- ١٢- يعني أجلا فكان مؤمنوهم «٣» الذين كتبوا أمر الفتية هم أعلم بما لبثوا من كفارهم، فلما بعثوا يعني الفتية من نومهم أتوا القرية فأسلم أهل القرية كلهم نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ يعني صدقوا بتوحيد ربهم وَزِدْناهُمْ هُدىً- ١٣- حين فارقوا قومهم وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ بالإيمان إِذْ قامُوا على أرجلهم قياما فَقالُوا رَبُّنا هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا يعنى لن نعبد مِنْ دُونِهِ إِلهًا يعني ربا غير الله﷿- كفعل قومنا ولئن فعلنا [٢٢٣ ب] لَقَدْ قُلْنا إِذًا على الله شَطَطًا- ١٤- يعنى جورا نظيرها
_________________
(١) أى لم يقل إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله.
(٢) فى أ: لنعلم.
(٣) فى أ: مؤمنوهم، ل: مؤمنيهم.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
فى ص وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا «١» وفى سورة الجن وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا «٢»، ثم قال- سبحانه-: هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يعبدونها لَوْلا يعني هلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ يعني على الآلهة بحجة بينة بأنها آلهة فَمَنْ يعني فلا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا- ١٥- بأن معه آلهة، ثم قال الفتية بعضهم لبعض: وَإِذِ «٣» اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَاعتزلتم ما يَعْبُدُونَ من دون الله من الآلهة، ثم استثنوا فقالوا: إِلَّا اللَّهَ فلا تعتزلوا معرفته لأنهم عرفوا أن الله- تعالى- ربهم، وهو خلقهم وخلق الأشياء كلها، ثم قال بعضهم لبعض: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يعني انتهوا إلى الكهف، كقوله سبحانه: إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ «٤» يَنْشُرْ لَكُمْ يعني يبسط لكم رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ رزقا وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا- ١٦- يعنى ما يرفق بكم فهيأ «٥» الله «٦» لكم «٧» الرقود في الغار فكان هذا من قول الفتية، يقول الله﵎-: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ يعني تميل عن كهفهم فتدعهم ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ الشمس تَقْرِضُهُمْ يعنى
_________________
(١) سورة ص: ٢٢.
(٢) سورة الجن: ٤.
(٣) فى أ: وإذا. []
(٤) سورة الكهف: ٦٣.
(٥) فى أ: فيها، ل: فهيأ.
(٦) فى أ: الله﷿-، وفى ل: الله.
(٧) فى أ: لهم، ل: لكم.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
تدعهم ذاتَ الشِّمالِ «١» وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ يعني في زاوية «٢» من الكهف ذلِكَ يعني هذا الذي ذكر من أمر الفتية مِنْ آياتِ اللَّهِ يعني من علامات الله وصنعه مَنْ يَهْدِ اللَّهُ لدينه فَهُوَ الْمُهْتَدِ «٣» وَمَنْ يُضْلِلْ عن دينه الإسلام فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا يعني صاحبا مُرْشِدًا- ١٧- يعني يرشده إلى الهدى لأن وليه مثله في الضلالة وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا حين يقلبون «٤» وأعينهم مفتحة.
حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قال: حدثنا أبي عن الْهُذَيْلِ، قال: قال مُقَاتِلُ عن الضحاك: كان يقلبهم جبريل﵇- كل عام مرتين، لئلا تأكل الأرض لحومهم، وَهُمْ رُقُودٌ يعني نيام وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ على جنوبهم وهم وقود لا يشعرون وَكَلْبُهُمْ اسمه قمطير باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ يعني الفضاء الذي على باب الكهف وكان الكلب لمكسلمينا، وكان راعي غنم، فبسط الكلب ذراعيه على باب الكهف ليحرسهم وأنام الله﷿- الكلب في تلك السنين كما أنام الفتية. يقول للنبيﷺ-: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ حين نقلبهم لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا- ١٨- وَكَذلِكَ يعني وهكذا بَعَثْناهُمْ من نومهم فقاموا لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ [٢٢٤ أ] ف قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ
_________________
(١) من ل، وفى ا: «تَقْرِضُهُمْ ذاتَ» يعنى تدعهم «الشمال» .
(٢) فى أ: زاوية، وفى حاشية أ: فى الأصل رابعة، وفى ل: رابعة. أقول: وقد تكون محرفة عن زاوية.
(٣) فى أ: المهتدى.
(٤) من ل، وفى أ: يعنى «يقلبون» بدون إعجام وهي أشبه ب يقلبون.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وهو مكسلمينا وهو أكبرهم سنا كَمْ لَبِثْتُمْ رقودا قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا وكانوا دخلوا الغار غدوة وبعثوا من آخر النهار، فمن ثم قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا يعني الأكبر وهو مكسلمينا وحده رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ في رقودكم منكم فردوا العلم إلى الله﷿-، ثم قال مكسلمينا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ يعني الدراهم هذِهِ التي معكم إِلَى الْمَدِينَةِ فبعثوا يمليخا فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا يعني أطيب طعاما فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ يعني «وليترفق حتى لا يفطن «١» له» وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا- ١٩- يعني ولا يعلمن بمكانكم أحدا من الناس إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ يعنى يقتلوكم أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ يعني في دينهم الكفر وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا- ٢٠- «كان هذا» «٢» من قول مكسلمينا يقوله «٣» للفتية، فلما ذهب يمليخا إلى القرية أنكروا دراهم دقيوس الجبار، الذي فر «٤» منه الفتية، فلما رأوا ذلك قالوا هذا رجل وجد كنزا فلما خاف أن يعذب أخبرهم «٥» بأمر الفتية فانطلقوا معه إلى الكهف فلما انتهى يمليخا إلى الكهف ودخل سد الله﷿- باب الكهف عليهم فلم يخلص إليهم أحد وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا يقول وهكذا أطلعنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا يعني ليعلم كفارهم ومكذبوهم بالبعث إذا نظروا إليهم «٦»
_________________
(١) فى أ: وليترفق لا يفطن له، ل: وليترفق لا يفطن له.
(٢) كان هذا: من ل، وهي ساقطة من ا.
(٣) فى أ: لقوله. وفى حاشية أ: يقوله محمد. وفى ل: يقوله.
(٤) فى أ: فروا.
(٥) فى ا. أمرهم، ل: أخبرهم.
(٦) فى أ: فنظروا إليهم، ل: إذا نظروا إليهم. []
[ ٢ / ٥٧٩ ]
أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فى البعث أنه كائن وَليعلموا أَنَّ السَّاعَةَ آتية يعني قائمة لا رَيْبَ فِيها يعني لا شك فيها. في القيامة بأنها كائنة إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ يعنى إذ يخلفون في القول في أمرهم فكان التنازع بينهم أن قالوا: كيف نصنع بالفتية؟ قال بعضهم:
«نبني عليهم بنيانا وقال بعضهم» «١» وهم المؤمنون: «قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ» «٢» لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا- ٢١- فبنوا مسجدا على باب الكهف «٣» .
سَيَقُولُونَ يعني نصارى نجران: الفتية ثَلاثَةٌ نفر رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ يقول الله﷿-: رَجْمًا بِالْغَيْبِ يعني قذفا بالظن لا يستيقنونه وَيَقُولُونَ هم سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ وإنما صاروا بالواو واو لأنه انقطع الكلام. «قال أبو العباس ثعلب» «٤»:
ألفوا هذه الواو الحال، كان المعنى وهذه حالهم عند ذكر الكلب. هذا قول نصارى نجران السيد، والعاقب ومن معهما من المار يعقوبيين وهم حزب النصارى قُلْ للنصارى [٢٢٤ ب] رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ من غيره مَا يَعْلَمُهُمْ يعني عدتهم ثم استثنى إِلَّا قَلِيلٌ قل ما يعلم عدة الفتية إلا قليل من النسطورية وهم حزب من النصارى «وأما الذين غلبوا على أمرهم
_________________
(١) زيادة ليست فى أ، ولا فى ل اقتضاها السياق. وانظر البيضاوي.
(٢) ما بين القوسين «» ساقطة من أ، ل.
(٣) فى ازيادة: ربهم أعلم بهم فى التقديم. وفى البيضاوي: «حكى أن المبعوث لما دخل السوق وأخرج الدراهم وكان عليها اسم دقيانوس» اتهموه بأنه وجد كنزا فذهبوا به إلى الملك وكان نصرانيا موحدا فقص عليه القصص، فقال بعضهم: إن آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من دقيانوس فلعل هؤلاء منهم فانطلق الملك وأهل المدينة من مؤمن وكافر فأبصروهم وكلموهم، ثم ماتوا فدفنهم الملك فى الكهف: ٢٨٩.
(٤) فى الأصل: «قال أبو العباس ثعلب قال» .
[ ٢ / ٥٨٠ ]
فهم المؤمنون» «١» الذين كانوا يقولون ابنوا عليهم بنيانا بنداسيس الصلح ومن معه «فَلا تُمارِ فِيهِمْ» «٢» يعني لا تمار يا محمد النصارى في أمر الفتية إِلَّا مِراءً ظاهِرًا يعني حقا بما في القرآن، يقول- سبحانه- حسبك بما قصصنا عليك من أمرهم. وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ «مِنْهُمْ» «٣» أَحَدًا- ٢٢- يقول ولا تسأل عن أمر الفتية أحدا من النصارى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا- ٢٣- إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وذلك حين سأل أبو جهل وأصحابه عن أصحاب الكهف
فقال لهم النبيﷺ-: ارجعوا إلي غدا حتى أخبركم ولم يستثن فأنزل الله﷿- وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ يقول إذا ذكرت الاستثناء فاستثن يقول الله قل إِنْ شاءَ اللَّهُ قبل أن ينزل الوحي إليك في أصحاب الكهف وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ «٤» رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا- ٢٤-
لقول النبيﷺ- لهم ارجعوا إلي غدا حتى أخبركم عما سألتم فقال﷿- للنبيﷺ-: «وَقُلْ لَهُمْ» «٥» عسى أن يرشدني ربي لأسرع من هذا الميعاد رشدا.
ثم قالت النصارى أيضا: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ رقودا «٦» ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا- ٢٥- فيها تقديم لا تتغير ألوانهم، ولا أشعارهم،
_________________
(١) من ل، وليس فى ا. وفى ل: «وأما الذين عملوا» أهـ. ولفظ القرآن غلبوا ويلاحظ أن هذه الجملة كانت ساقطة من أ، ل فى مكانها، ثم تداركتها ل هنا.
(٢) من ل، وفى أ: «فَلا تُمارِ» يا محمد «فيهم» .
(٣) «منهم»: ساقط من الأصل.
(٤) فى أ: يهديني.
(٥) «وَقُلْ لَهُمْ»: من ل، وليست فى ا.
(٦) فى ل: رقود، وليست فى ا.
[ ٢ / ٥٨١ ]
ولا ثيابهم. قُلِ لنصارى نجران: يا محمد اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا فى رقودهم لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني ما يكون في السموات والأرض أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ يقول لا أحد أبصر من الله﷿- بما لبثوا في رقودهم ولا أحد أسمع مَا لَهُمْ يعني النصارى مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ يعني قريبا ينفعهم وَلا يُشْرِكُ الله فِي حُكْمِهِ أَحَدًا- ٢٦- وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ
يقول أخبر كفار مكة الذين سألوا عن أصحاب الكهف بما «١» أوحينا إليك من أمرهم لا تنقص ولا تزيد لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يقول لا تحويل لقوله لأن قوله- تعالى ذكره- حق ثم حذر الله﷿- نبيهﷺ- إن زاد أو نقص، ثم قال- سبحانه: وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا- ٢٧- يعني مدخلا «٢» يقول لا تقل «٣» في أصحاب الكهف إلا ما قد قيل لك فإن فعلت فإنك لن تجد من دون الله﷿- ملجأ تلجأ إليه ليمتعك منا وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم يعني بالصلاة له بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ طرفي النهار يُرِيدُونَ وَجْهَهُ يعني يبتغون بصلاتهم وصومهم وجه ربهم وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا نزلت فى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري وذلك أنه دخل على النبيﷺ- وعنده الموالي وفقراء العرب منهم بلال بن رباح المؤذن، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان، وخباب
_________________
(١) فى أ: مما.
(٢) فى أ: مدخلا، ل: مرحلا.
(٣) فى أ، ل: لا تقول، والصواب: لا تقل.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
ابن الأرت، وعامر بن فهيرة، ومهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب، - وهو أول شهيد قتل يوم بدر﵃-، وأيمن بن أم أيمن.
ومن العرب أبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وغيرهم وكان على بعضهم شملة قد عرق فيها فقال عيينة بن حصن للنبيﷺ: إن لنا شرفا وحسبا، فإذا دخلنا عليك فاعرف لنا ذلك، فأخرج هذا وضرباءه «١» عنا فو الله إنه ليؤذينا ريحه يعني جبته «٢» آنفا، فإذا خرجنا من عندك فأذن لهم إن بدا لك أن يدخلوا عليك، «فاجعل لنا مجلسا ولهم مجلس» «٣» .
فأنزل الله﷿-: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا يعني القرآن وَاتَّبَعَ هَواهُ يعني وآثر هواه وَكانَ أَمْرُهُ الذي يذكر من شرفه وحسبه فُرُطًا- ٢٨- يعني ضائعا في القيامة مثل قوله ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «٤» يعني ما ضيعنا وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ هذا وعيد نظيرها في حم السجدة اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ «٥» يعني من شاء فليصدق بالقرآن ومن شاء فليكفر بما فيه ثم ذكر مصير الكافر والمؤمن فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وذلك أنه يخرج عنق من النار فيحيط بهم، فذلك
_________________
(١) فى أ: وضرباه ومن شأنه أن يحذف الهمزة تخفيفا، وفى ل: وضرباه، أيضا وكثيرا بل هائما ما تحذف الهمزة منهما فى مثل هذا الموضع. []
(٢) هكذا فى: ا، ل والمعنى ريح جبته.
(٣) «فاجعل لنا مجلسا ولهم مجلس»: من ل، وفى أ: «واجعل لنا مجلسا» .
(٤) سورة الأنعام: ٣٨.
(٥) سورة فصلت: ٤٥.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
السرادق، ثم قال- سبحانه: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يقول أسود غليظ كدردي الزيت يَشْوِي الْوُجُوهَ وذلك أنه إذا دنا من فيه اشتوى وجهه من شدة حر الشراب، ثم قال- سبحانه: بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا- ٢٩- يقول وبئس المنزل، ثم ذكر مصير المؤمنين فقال- سبحانه [٢٢٥ ب]: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا- ٣٠- يقول لا نضيع أجر من أحسن العمل ولكنا نجزيه بإحسانه أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يقول تجري الأنهار من تحت البساتين يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وأساور من لؤلؤ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ يعني الديباج بلغة فارس مُتَّكِئِينَ فِيها في الجنة عَلَى الْأَرائِكِ يعني الحجال مضروبة على السرر نِعْمَ الثَّوابُ الجنة يثني عليها عمل الأبرار «١» وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا- ٣١- فيها تقديم يقول إنا لا نضيع عمل الأبرار لا تضيع جزاء من أحسن عملا.
وَاضْرِبْ لَهُمْ يعني وصف لهم يعني لأهل مكة مَثَلًا يعني شبها رَجُلَيْنِ أحدهما مؤمن واسمه يمليخا، والآخر كافر واسمه فرطس، وهما أخوان من بني إسرائيل مات أبوهما، فورث كل واحد منهما عن أبيه أربعة آلاف دينار، فعمد المؤمن فأنفق ماله على الفقراء، واليتامى، والمساكين.
وعمد الكافر فاتخذ المنازل، والحيوان، والبساتين، فذلك قوله سبحانه:
جَعَلْنا لِأَحَدِهِما يعني الكافر جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا- ٣٢- كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها يعنى أعطت ثمراتها
_________________
(١) هكذا فى: ا، ل.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
كلها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا يعني ولم تنقص من الثمر شيئا يعني جمله «١» وافرا نظيرها في البقرة وَما ظَلَمُونا «٢» يعنى وما نقصونا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا- ٣٣- يعني أجرينا النهر وسط الجنتين وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ يقول وكان للكافر مال من الذهب، والفضة وغيرها من أصناف الأموال فلما افتقر المؤمن أتى أخاه الكافر متعرضا لمعروفه فقال له المؤمن: إني أخوك. وهو ضامر البطن رث الثياب.
والكافر ظاهر الدم غليظ الرقبة جيد المركب والكسوة. فقال الكافر للمؤمن:
إن كنت كما تزعم أنك أخي فأين مالك الذي ورثت من أبيك قال أقرضته إلهي الملي الوفي فقدمته لنفسي ولولدي «٣» «فقال: وإنك لتصدق أن الله يرد دين العباد» «٤» . «هيهات هيهات ضيعت نفسك وأهلكت مالك» «٥»، فذلك قوله سبحانه:
فَقالَ الكافر لِصاحِبِهِ وهو المؤمن «٦» وَهُوَ يُحاوِرُهُ يعنى يراجعه بقول:
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا- ٣٤- يعني وأكثر ولدا وَدَخَلَ الكافر جَنَّتَهُ وهو بستانه وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ مَا أَظُنُّ يعني ما أحسب أَنْ تَبِيدَ يعني أن تهلك هذِهِ الجنة أَبَدًا- ٣٥- قال: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً يعنى القيامة كائنة كما تقول [٢٢٦ ا] وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي
_________________
(١) فى أ: جله، ل: جملة.
(٢) سورة البقرة: ٥٧.
(٣) من ل، وليست فى ا.
(٤) هذه الجملة من أ، وليست فى ل. وهي فى اكما يأتى. «وإنك لا تصدق أن دين الله العباد» . فيها تحريف كما ترى.
(٥) من أ، وليست فى ل.
(٦) كذا فى: ا، ل، والأنسب: «لِصاحِبِهِ» المؤمن.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
فى الآخرة لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها يعني أفضل منها من جنتي «١» مُنْقَلَبًا- ٣٦- يعني مرجعا فرد عليه: قالَ لَهُ صاحِبُهُ المؤمن وَهُوَ يُحاوِرُهُ يعني يراجعه أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ يعني آدم﵇- لأن أول خلقه التراب ثم قال: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ يعني خلقك فجعلك رَجُلًا- ٣٧- لكِنَّا أقول هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا- ٣٨- ثم قال المؤمن للكافر: وَلَوْلا يعني هلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ يعني بستانك قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ يعني فهلا قلت بمشيئة الله أعطيتها بغير حول مني ولا قوة، ثم قال المؤمن للكافر يرد عليه: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا «٢» وَوَلَدًا- ٣٩- فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا يعنى أفضل مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها يعني على جنتك حُسْبانًا يعني عذابا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ جنتك صَعِيدًا يعني مستويا ليس فيه شيء زَلَقًا- ٤٠- يعنى أملسا أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا يعني يغور في الأرض فيذهب فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا- ٤١- يقول فلن تقدر «٣» على الماء ثم افترقا فأرسل الله﷿- على جنته بالليل عذابا من السماء فاحترقت وغار ماؤها بقوله وما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ الساعة قائمة «٤»
_________________
(١) فى أ، ل: جنتي. اهـ والله سماها جنتين فى الأول. وسماها جنة باعتبار الجنس، وأعاد الضمير عليها، أى الجنة مفردة حيث قال: «لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها» .
(٢) سقط من ل من تفسير هذه الآية إلى آية «وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ» أى من تفسير آية ٣٩ إلى نهاية ٥٧ من سورة الكهف ساقط من ل. من كلمة «مالا» فى آية/ ٣٩ إلى بداية «وَرَبُّكَ الْغَفُورُ» آية/ ٥٧، ممسوح بعضه ومحذوف بعضه.
(٣) فى أ: يقدر. []
(٤) فى ازيادة: «فلما أصبح»، وعليها خط يرجح أنه شطب عليها.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ الهلاك «فلما أصبح ورأى جنته هالكة ضرب» «١» بكفه على الأخرى ندامة على ما أنفق فيها، فذلك قوله- سبحانه-: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ يعني يصفق بكفيه ندامة عَلى مَا أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها يقول ساقطة من فوقها «وَيَقُولُ «٢» يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا- ٤٢- يقول الله- تعالى-: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني جندا يمنعونه من عذاب الله الذي نزل بجنته وَما كانَ مُنْتَصِرًا- ٤٣- يعني ممتنعا هُنالِكَ الْوَلايَةُ يعني السلطان ليس في ذلك اليوم سلطان غيره مثل قوله﷿-: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ «٣» ليس في ذلك اليوم أمر إلا لله﷿- والأمر أيضا في الدنيا لكن جعل في الدنيا ملوكا يأمرون، ومن قرأها بفتح الواو جعلها من الموالاة. هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لله يعني البعث الذي كفر به فرطس لِلَّهِ «الْحَقِّ» «٤» وحده، لا يملكه أحد «٥» ولا ينازعه أحد هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا يعني أفضل ثوابا وَخَيْرٌ عُقْبًا- ٤٤- يعني أفضل عاقبة لهذا المؤمن من عاقبة هذا الكافر الذي جعل مرجعه إلى النار وَاضْرِبْ لَهُمْ لكفار مكة مَثَلَ يعني شبه الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ يعنى بالماء نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ النبت هَشِيمًا يعني يابسا تَذْرُوهُ الرِّياحُ يقول-
_________________
(١) فى أ: فأصبح ورأى جنته هالكة ضرب.
(٢) فى أ: فقال، وفى حاشية أ: ويقول.
(٣) سورة الانفطار: ١٩.
(٤) «الحق»: ساقطة من ا.
(٥) فى أ: لا يملكه وحده، وعلى كلمة «يملكه» علامة تمريض وكذلك على كلمة «وحده» .
[ ٢ / ٥٨٧ ]
- سبحانه- مثل الدنيا كمثل النبت [٢٢٦ ب] بينما هو أخضر إذ هو قد يبس وهلك فكذلك تهلك الدنيا إذا جاءت الآخرة. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من البعث وغيره مُقْتَدِرًا- ٤٥- الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني حسنها وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ يعني سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خَيْرٌ يعني أفضل عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا في الآخرة وَخَيْرٌ أَمَلًا- ٤٦- يعني وأفضل رجاء مما يرجو الكافر فإن ثواب الكافر من الدنيا النار ومرجعهم «١» إليها.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ مقاتل بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ وَغَيْرِهِ، عن النبيﷺ- أنه قَالَ: الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ من أماكنها وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً من الجبال والبناء والشجر وغيره «وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا» «٢» - ٤٧- فلم يبق منهم أحد إلا حشرناه عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
يعني جميعا نظيرها في طه ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا «٣» يعنى جميعاقَدْ جِئْتُمُونا
فرادى ليس معكم من دنياكم شي ءما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
حين ولدوا وليس لهم شي ءلْ زَعَمْتُمْ
فى
_________________
(١) هكذا فى أ: أعاد ضمير الجمع على جنس الكافر. وكان الأنسب هنا مرجعه بضمير المفرد، والآيات (٣٩- ٥٧): ساقطة من ل.
(٢) ما بين القوسين «»: ساقطة من ا.
(٣) سورة طه: ٦٤.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
الدنيالَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا
- ٤٨- يعني ميقاتا في الآخرة تبعثون فيه وَوُضِعَ الْكِتابُ بما كانوا عملوا في الدنيا بأيديهم «١» فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ من المعاصي وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنا دعوا بالويل ما لِهذَا «٢» الْكِتابِ لا يُغادِرُ يعني لا يبقي سيئة صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها يعني إلا أحصى الكتاب السيئات وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا يعني تعجل له عمله كله حاضِرًا لا يغادر منه شيئا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا- ٤٩- في عمله الذي عمل حتى يجزيه به وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ يعني وقد قلنا للملائكة اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ثم استثنى فقال: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ «٣» وهو حي من الملائكة يقال لهم الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ يعني فعصى تكبرا «٤» عن أمر ربه حين أمره بالسجود لآدم قال الله﷿-:
أَفَتَتَّخِذُونَهُ يعني إبليس وَذُرِّيَّتَهُ يعنى الشياطين أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي يعني آلهة من دوني وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ يعني إبليس والشياطين لكم معشر بني آدم عدو بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ يعني المشركين بَدَلًا- ٥٠- يقول بئس ما استبدلوا بعبادة الله﷿- عبادة إبليس فبئس البدل هذا مَا أَشْهَدْتُهُمْ يعنى ما أحضرتهم خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ يعني إبليس وذريته ثم قال- تعالى: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا- ٥١-
_________________
(١) فى أ: فى أيديهم.
(٢) فى ل: «ما لهذا» .
(٣) فى أ: وهو. وفى كثير من المواضع السابقة واللاحقة قال: وهم.
(٤) فى أ: تكبر.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
الذين أضلوا بنى آدم [٢٢٧ ا] وذريته «١» «عَضُدًا» يعني عزا وعونا فيما خلقت من خلق السموات والأرض ومن خلقهم وَيَوْمَ يَقُولُ للمشركين نادُوا شُرَكائِيَ سلوا الآلهة الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم معي شركاء أهم آلهة؟ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ يقول فسألوهم فلم يجيبوهم بأنها آلهة وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبين شركائهم مَوْبِقًا- ٥٢- يعني واديا عميقا في جهنم وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ «٢» فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها يعني فعلموا أنهم مواقعوها يعني داخلوها نظيرها في براءة وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ «٣» يعنى وعلموا، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا- ٥٣- يقول لم يقدر أحد من الآلهة أن يصرف النار عنهم وَلَقَدْ صَرَّفْنا يعني لونا يعني وصفنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ من كل شبه في أمور شتى وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا «٤» - ٥٤- وَما مَنَعَ النَّاسَ يعني المستهزئين والمطعمين في غزاة بدر أَنْ يُؤْمِنُوا يعني أن يصدقوا بالقرآن إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى يعني البيان وهو القرآن وهو هدى من الضلالة وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ من الشرك إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ يعني أن ينزل بهم مثل عذاب الأمم الخالية في الدنيا فنزل ذلك بهم في الدنيا ببدر من القتل وضرب الملائكة الوجوه والأدبار
_________________
(١) فى أ: بنى آدم وذريته. والأنسب: آدم وذريته. []
(٢) «النار»: ساقطة من ا.
(٣) سورة التوبة: ١١٨.
(٤) فى أ: جملة زائدة هنا وهي: أن يصدقوا بالقرآن. وقد ذكرت بعد سطر واحد أيضا مما يدل على أن ذكرها هنا سبق نظر من الناسخ.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وتعجيل أرواحهم إلى النار، ثم قال سبحانه: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا- ٥٥- يعني عيانا وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ بالجنة وَمُنْذِرِينَ من النار لقول كفار مكة للنبيﷺ- في بني إسرائيل أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا «١» وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة بِالْباطِلِ وجدالهم بالباطل قولهم للرسل مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا، وَمَا أنتم برسل الله «٢» لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ يعني ليبطلوا بقولهم الحق الذي جاءت به الرسل﵈- ومثله قوله- سبحانه- فى حم المؤمن: لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ «٣» يعني ليبطلوا به الحق وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا- ٥٦- يعني آيات القرآن وما أنذروا فيه من الوعيد استهزاء منهم أنه ليس من الله﷿- يعني القرآن والوعيد ليسا بشيء وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها يقول فلا أحد أظلم ممن وعظ بآيات ربه يعني القرآن نزلت في المطعمين والمستهزئين، فأعرض عن الإيمان بآيات الله القرآن فلم يؤمن بها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ يعني ترك ما سلف من ذنوبه فلم يستغفر منها، من الشرك إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً يعنى الغطاء على القلوب [٢٢٧ ب] أَنْ يَفْقَهُوهُ يعني القرآن وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا لئلا يسمعوا القرآن وَإِنْ تَدْعُهُمْ يا محمد إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا- ٥٧- من
_________________
(١) سورة الإسراء: ٩٤.
(٢) فى أ: الله﷿.
(٣) سورة غافر: ٥.
[ ٢ / ٥٩١ ]
أجل الأكنة والوقر يعني كفار مكة وَرَبُّكَ الْغَفُورُ «١» يعني إذا تجاوز عنهم في تأخير العذاب عنهم ذُو الرَّحْمَةِ يعني ذا النعمة «٢» حين لا يعجل بالعقوبة لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا من الذنوب لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ في الدنيا بَلْ العذاب لَهُمْ مَوْعِدٌ يعني ميقاتا يعذبون «٣» فيه لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا- ٥٨- يعني ملجأ يلجئون «٤» إليه وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا بالعذاب في الدنيا يعني أشركوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ بالعذاب مَوْعِدًا- ٥٩- يعني ميقاتا وهكذا وقت هلاك كفار مكة ببدر وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى، من سبط يوسف بن يعقوب﵈- لا أَبْرَحُ يعني لا أزال أطلب الخضر وهو من ولد عاميل من بني إسرائيل حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ يقال لأحدهما الرش وللآخر «٥» الكر فيجتمعان فيصيران نهرا واحدا ثم يقع في البحر من وراء أذربيجان أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا- ٦٠- يعني دهرا ويقال الحقب ثمانون سنة فَلَمَّا بَلَغا يعني موسى، ويوشع بن نون مَجْمَعَ بَيْنِهِما بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما وذلك أن موسى﵇- لما علم ما في التوراة وفيها تفصيل كل شيء قال له رجل من بني إسرائيل: هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، ما بقي أحد
_________________
(١) ابتداء من هذه الآية تشترك ل مع ا، وأما من آية ٣٩ إلى آية ٥٧: فغير موجود فى ل، ويبدأ الموجود فى ل من آية «وَرَبُّكَ الْغَفُورُ » آية ٥٨.
(٢) فى أ، ل: يعنى ذو الرحمة.
(٣) فى أ: يعدون، ل: يعذبون.
(٤) فى أ: يلجون.
(٥) فى أ: والآخر، ل: وللآخر.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
من عباد الله، هو أعلم مني. فأوحى الله﷿- إليه أن رجلا من عبادي يسكن جزائر «١» البحر، يقال له الخضر هو أعلم منك. قال: فكيف لي به؟
قال جبريل- عليك السلام-: احمل معك سمكة مالحة فحيث تنساها تجد الخضر هنالك فسار موسى ويوشع بن نون ومعهما خبز وسمكة مالحة في مكتل على ساحل البحر فأوى إلى الصخرة ليلا، والصخرة بأرض تسمى مروان على ساحل بحر أيلة وعندها عين تسمى عين الحياة فباتا عندها تلك الليلة وقرب موسى المكتل من العين وفيها السمكة فأصابها الماء فعاشت ونام موسى فوقعت السمكة في البحر فجعل لا يمس صفحتها شيء من الماء إلا انفلق «٢» عنه «٣» فقام الماء من كل جانب وصار أثر الحوت في الماء كهيئة السرب في الأرض واقتصد «٤» الحوت في مجراه ليلحقاه، فذلك قوله- سبحانه-: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا- ٦١- يعني الحوت اتخذ سبيله يعني طريقه في البحر سربا يقول كهيئة فم القربة فلما أصبحا ومشيا [٢٢٨ ا] نسي يوشع بن نون أن يخبر موسى﵇- بالحوت حتى أصبحا وجاعا «فَلَمَّا جاوَزا» «٥» قالَ موسى «لِفَتاهُ» «٦» ليوشع آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا- ٦٢- يعني مشقة في أبداننا، مثل قوله سبحانه: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ «٧» يعنى مشقة
_________________
(١) فى أ: جزاير.
(٢) فى أ: تفلق، ل: انفلق.
(٣) فى ل: عندها، ا: عنه. []
(٤) فى ل: واقتصد، وأ: واقتصه.
(٥) «فَلَمَّا جاوَزا»: ساقطة من ا.
(٦) «لِفَتاهُ»: من المصحف وليست فى النسخ.
(٧) سورة ص: ٤١.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
قالَ يوشع لموسى أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ يعني انتهينا إلى الصخرة وهي في الماء فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ أن أذكر لك أمره وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ يعني موسى﵇- طريقه فِي الْبَحْرِ عَجَبًا- ٦٣- فعجب موسى من أمر الحوت فلما أخبر يوشع موسى﵇- بأمر الحوت قالَ موسى ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا- ٦٤- يقول فرجعا يقصان آثارهما كقوله سبحانه في القصص قُصِّيهِ «١» يعني اتبعى أثره، فأخذا يعني موسى ويوشع في البحر في أثر الحوت حتى لقيا الخضر﵇- في جزيرة «في» «٢» البحر، فذلك قوله سبحانه: فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا قائما يصلى آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا يقول أعطيناه النعمة وهي النبوة وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا- ٦٥- يقول من عندنا علما وعلى الخضر﵇- جبة صوف واسمه اليسع، وإنما سمي اليسع لأن علمه وسع ست سموات وست أرضين فأتاه موسى ويوشع من خلفه فسلما عليه فأنكر الخضر «٣» السلام بأرضه وانصرف «٤» فرأى موسى فعرفه، فقال: وعليك السلام: يا نبي بني إسرائيل فقال موسى: وما يدريك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: أدراني الذي أرشدك إلي وأدراك بي. قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا- ٦٦- يعني علما قال الخضر﵇- كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا فأعاد موسى
_________________
(١) سورة القصص ١١ وتمامها: «وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .
(٢) «فى»: ساقطة من أ، وهي ل.
(٣) فى أ: الخضر﵇-، ل: الخضر السلام.
(٤) فى أ: وانصرف، ل: فانصرف.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
الكلام ف قالَ الخضر إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا- ٦٧- قال موسى:
ولم؟ قال: لأني أعمل أعمالا لا تعرفها ولا تصبر على ما ترى من العجائب «١» حتى تسألني عنه وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا- ٦٨- يعني علما قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا قال مُقَاتِلُ: فلم يصبر موسى ولم يأثم بقوله سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا على ما أرى من العجائب فلا أسألك عنها وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا- ٦٩- فيما أمرتني به أو نهيتني عنه قالَ الخضر﵇-: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا- ٧٠-[٢٢٨ ب] يقول حتى أبين لك بيانه «فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها» «٢»: «فمرت سفينة» «٣» فيها ناس فقال الخضر:
يا أهل السفينة احملونا معكم في بحر أيلة. قال بعضهم: إن هؤلاء لصوص «٤» فلا تحملوهم معنا. قال صاحب السفينة: أرى وجوه أنبياء وما هم بلصوص فحملهم بأجر فعمد الخضر فضرب ناحية السفينة بقدوم فخرقها فدخل الماء فيها فعمد موسى فأخذ ثيابا فدسها في خرق السفينة فلم يدخل الماء وكان موسى﵇- ينكر الظلم، فقام موسى إلى الخضر﵉- فأخذ بلحيته وقالَ له موسى: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا- ٧١- يعني لقد أتيت أمرا منكرا فالتزمه الخضر وذكره الصحبة وناشده بالله وركب الخضر على الخرق لئلا يدخلها الماء قالَ له الخضر: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا- ٧٢-
_________________
(١) فى أ: العجايب.
(٢) ما بين القوسين «»: ساقط من أ، ل.
(٣) فى أ: فمرت به سفينة، ل: فمرت سفينة.
(٤) فى أ: للصوص، ل: لصوص.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
على ما ترى من العجائب قال يوشع لموسى: اذكر العهد الذي أعطيته من نفسك قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي يعنى تغشينى مِنْ أَمْرِي عُسْرًا- ٧٣- يعني من قولي عسرا ثم قعد موسى مهموما يقول في نفسه لقد كنت غنيا عن اتباع هذا الرجل وأنا في بني إسرائيل أقرئهم كتاب الله﷿- غدوة وعشيا، فعلم الخضر ما حدث به «١» موسى نفسه وجاء طير يدور «٢» يرون أنه خطاف حتى وقع على ساحل البحر فنكث بمنقاره في البحر ثم وقع على صدر السفينة ثم صوت، فقال الخضر لموسى: أتدرك ما يقول هذا الطائر قال موسى: لا أدري «٣» . قال الخضر يقول: ما علم الخضر وعلم موسى في علم الله إلا كقدر ما رفعت بمنقاري «٤» من ماء البحر في قدر البحر «٥» ثم خرجا من السفينة على بحر أيلة «فَانْطَلَقا حَتَّى «إِذا» «٦» لَقِيا «٧» غُلامًا سداسيا فَقَتَلَهُ الخضر بحجر أسود واسم الغلام حسين بن كازري واسم أمه سهوى «٨»، فلم يصبر موسى حين رأى المنكر ألا ينكره ف قالَ للخضر: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً يعني لا ذنب لها ولم يجب عليها القتل بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا- ٧٤- يقول أتيت أمرا فظيعا قال يوشع لموسى: اذكر العهد الذي
_________________
(١) به: من ل، وليست فى ا.
(٢) يدور: من ل، وليست فى ا. []
(٣) فى أ: لا أدرى، ل: لا.
(٤) فى أ: بمنقاري، ل: شعاري.
(٥) فى أ: اضطراب، قدم سطورا من تفسير الآية القادمة فى هذه الآية وترتيب الكلام من ل.
(٦) «فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا»: ساقطة من أ، ل.
(٧) فى أ، ل: فلقيا.
(٨) فى أ: سهوي، ل: سهري.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
أعطيته عن نفسك قالَ الخضر لموسى﵉: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا- ٧٥- وإنما قال: ألم أقل لك لأنه كان قد تقدم «١» إليه قبل ذلك «بقوله» «٢»: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا» على ما ترى من العجائب قالَ موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها يعنى [٢٢٩ أ] بعد قتل النفس فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا- ٧٦- يقول لقد أبلغت «٣» في العذر إلي فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها الطعام تسمى القرية «باجروان» «٤» ويقال أنطاكية.
قال مُقَاتِلُ: قال قتادة: هي القرية «٥» فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما يعني أن يطعموهما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ كانوا بَلُّوا الطينَ «٦» فَأَقامَهُ الخضر جديدا فسواه قالَ موسى عمدت إلى قوم لم يطعمونا ولم يضيفونا فأقمت لهم جدارهم فسويته لهم بغير أجر يعني بغير طعام ولا شيء لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا- ٧٧- أي لو شئت أعطيت عليه شيئا قالَ الخضر: هَذَا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ يعني بعاقبة مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا- ٧٨- كقوله سبحانه-: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ «٧» يعني عاقبته ثم قال الخضر لموسى﵉: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
_________________
(١) فى أ: يقدم، ل: قد تقدم، وهذا القول مكرر فى ا. فقد ذكر فى تفسير الآية السابقة.
(٢) بقوله: زيادة اقتضاها المقام، ليست فى ا، ل.
(٣) فى أ: بلغت، ل: أبلغت.
(٤) فى أ: باجروان، ل: بدون إعجام.
(٥) أى أنطاكية.
(٦) من ل، وفى أ: كانوا بلول الطين.
(٧) سورة الأعراف: ٥٣.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
يعنى أن أخرقها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يعني أمامهم كقوله سبحانه: وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا «١» واسم الملك مبدلة «٢» بن جلندي الأزدي يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة صحيحة سوية غَصْبًا- ٧٩- كقوله سبحانه: فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا «٣» يعني سويا، يعني غصبا من أهلها يقول فعلت ذلك لئلا ينتزعها من أهلها ظلما وهم لا يضرهم خرقها وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ
وكان الغلام كافرا، يقطع الطريق، ويحدث الحدث، ويلجأ إليهما ويجادلان عنه ويحلفان بالله ما فعله وهم يحسبون أنه برئ من الشر قال الخضر: فَخَشِينا يعني فعلمنا كقوله سبحانه: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا «٤» يعني علمت، وكقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما «٥» يعني علمتم أَنْ يُرْهِقَهُما يعني يغشيهما طُغْيانًا يعني ظلما وَكُفْرًا- ٨٠- وفي قراءة أبي بن كعب «فخاف ربك» يعني فعلم ربك فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما «٦» رَبُّهُما يعني لأبويه لقتل الغلام، والعرب تسمى الغلام غلاما ما لم تستو «٧» لحيته فأردنا أن يبدلهما ربهما يعني يبدل والديه خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً يعني عملا وَأَقْرَبَ رُحْمًا- ٨١- يعني وأحسن منه برا بوالديه وكان في شرف وعده.
وبلغنا عن النبيﷺ- أنه قال: إن الله﷿-
_________________
(١) سورة الإنسان: ٢٧. []
(٢) من ل، ومكانها بياض فى ا.
(٣) سورة الأعراف: ١٩٠.
(٤) سورة النساء: ١٢٨.
(٥) سورة النساء: ٣٥.
(٦) فى أ: يبدلهما.
(٧) فى أ: تستوي.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
أبدلهما غلاما مكان المقتول ولو عاش المقتول لهلكا في سببه
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ يعني في قرية تسمى باجروان ويقال هي أنطاكية وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما.
حدثنا عبيد الله قال [٢٢٩ ب]: حدثنا أبي عن الهذيل عن مقاتل عن الضحاك ومجاهد قال: صحفا فيها العلم ويقال المال وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا يعني ذا أمانة اسم الأب كاشح واسم الأم دهنا، واسم أحد الغلامين أصرم، والآخر صريم فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما والأشد ثماني «١» عشرة سنة رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يقول نعمة من ربك للغلامين وَما فَعَلْتُهُ وما فعلت هذا «٢» عَنْ أَمْرِي ولكن الله أمرني به ذلِكَ تَأْوِيلُ يعني عاقبة مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا- ٨٢- يعني هذا عاقبة ما رأيت من العجائب نظيرها هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ «٣» يعني عاقبة ما ذكر الله- تعالى- في القرآن من الوعيد وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ يعنى الإسكندر وقيصر ويسمى «٤» الملك القابض على قاف وهو جبل محيط بالعالم ذو القرنين «٥»، وإنما سمى ذو القرنين «٦» لأنه أتى قرني الشمس المشرق والمغرب قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ يا أهل مكة ذِكْرًا- ٨٣- يعني علما إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا- ٨٤-
_________________
(١) فى ل: ثماني، ا: ثمان.
(٢) فى أ: (وما فعلت) هذا.
(٣) سورة الأعراف: ٥٣.
(٤) فى أ: وسماء، وفى ل: ويسمى.
(٥) هكذا فى أ، ل. والمراد أن اسم الملك القابض على جبل ق ذو القرنين.
(٦) فى أ: ذا القرنين، ل: ذو القرنين.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
يعني علم أسباب منازل الأرض وطرقها فَأَتْبَعَ سَبَبًا- ٨٥- حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ يعني حارة سوداء قال ابن عباس: إذا طلعت الشمس «١» أشد حرا منها إذا غربت وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أوحى الله﷿- إليه جاءه جبريل﵇- فخبره: «قلنا» «٢» فقال: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا- ٨٦- يقول: وإما «٣» أن تعفو عنهم كل «٤» هذا مما أمره الله﷿- به «٥» وخيره قالَ ذو القرنين: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ يعني نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ في الآخرة بالنار عَذابًا نُكْرًا- ٨٧- يعني فظيعا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ يعني صدق بتوحيد اللَّه﷿- وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى يعني الجنة وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا- ٨٨- يقول سنعده معروفا فلم يؤمن منهم غير رجل واحد ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا- ٨٩- يعني علم منازل الأرض وطرقها حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا- ٩٠- يعني من دون الشمس سترا كانوا يستقرون في الأرض في أسراب من شدة الحر وكانوا في مكان لا يستقر عليهم البناء «٦» فإذا زالت الشمس خرجوا إلى معايشهم ثم قال:
_________________
(١) فى ل: هي إذا طلعت، ا: إذا طلعت الشمس.
(٢) فى أ، ل: فقال. []
(٣) فى أ، ل: أما.
(٤) فى أ: كان، وفى ل: كل.
(٥) به: ساقطة من أ، وهي من ل.
(٦) هكذا فى أ، ل.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
كَذلِكَ يعني هكذا بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها «١»، ثم استأنف فقال «٢» - سبحانه-: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا- ٩١- يعني بما عنده علما ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا- ٩٢- يعنى علم منازل الأرض وطرقها [٢٣٠ أ] حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ يعني بين الجبلين وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا- ٩٣- يعني لم يكن أحد يعرف لغتهم قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وهما أخوان من «٣» ولد يافث بن نوح مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ يعني بالفساد القتل، يعني أرض «٤» المسلمين فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا يعني جعلا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا- ٩٤- لا يصلون إلينا قالَ ذو القرنين: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ يقول ما أعطاني ربي من الخير خير من جعلكم يعني أعْطِيَتكُم فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ يعني بعدد رحال «٥» مثل قوله﷿- فى سورة هود: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ «٦» يعني عددا إلى عددكم أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا- ٩٥- لا يصلون إليكم آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني قطع الحديد حَتَّى إِذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ يعني حشى بين الجبلين بالحديد، والصدفين الجبلين وبينهما واد عظيم ف قالَ انْفُخُوا على الحديد حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا- ٩٦-
_________________
(١) فى أ: مطلعها، ل: مغربها.
(٢) فقال: من أ، وليست فى ل.
(٣) من: فى ل: وليست فى ل.
(٤) فى أ: بأرض، ل: يعنى أرض.
(٥) هكذا فى أ، ل. والأنسب بعدد من الرجال.
(٦) سورة هود: ٥٢.
[ ٢ / ٦٠١ ]
قال أعطوني الصفر المذاب أصبه «١» عليه ليلحمه فيكون «٢» أشد له.
قال رجل للنبيﷺ: قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال النبيﷺ-: انعته لي. قال: هو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء «٣» . قال النبيﷺ: نعم قد رأيته
يقول الله﷿- فَمَا اسْطاعُوا يعني فما قدروا أَنْ يَظْهَرُوهُ على أن يعلوه من فوقه مثل قوله فى الزخرف مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ «٤» يعنى يرتقون وَمَا اسْتَطاعُوا يعني وما قدروا لَهُ نَقْبًا- ٩٧-.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ مُقَاتِلٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ﵇-: إِنَّهُمْ خَلْفَ الرَّدْمِ لا يَمُوتُ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى يُولَدَ لَهُ أَلْفُ ذَكَرٍ لِصُلْبِهِ، وَهُمْ يَغْدُونَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ وَيُعَالِجُونَ الرَّدْمَ، فَإِذَا أَمْسَوْا يَقُولُونَ نَرْجِعُ فَنَفْتَحُهُ غَدًا «٥» وَلا يَسْتَثْنُونَ حَتَّى يُولَدَ فِيهِمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَإِذَا غَدَوْا إِلَيْهِ، قَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُ: قُولُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَيُعَالِجُونَ حَتَّى يَتْرُكُوهُ «٦» رَقِيقًا كَقِشْرِ الْبَيْضِ، وَيَرَوْا «٧» ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَإِذَا أَصْبَحُوا غَدَوْا «٨» عَلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُمُ الْمُسْلِمُ نَرْجِعُ غَدًا- إِنْ شاء الله- فنفتحه فإذا غدوا عليه،
_________________
(١) فى أ: أصب، ل: أصبه.
(٢) فى أ: فنكون.
(٣) فى أ، ل: سودا وطريقة حمرا.
(٤) سورة الزخرف: ٣٣. []
(٥) فى أ: صبيحة غدا، ل: فنفتحه غدا.
(٦) فى الأصل: يتركونه.
(٧) فى أ: ومروا، ل: ويروا.
(٨) فى أ: جدوا، ل: غدوا، والجملة زائدة فيما أرى وحذفها أنسب.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
قَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُ: قُولُوا بِاسْمِ اللَّهِ فَيَنْقُبُونَهُ فَيَخْرُجُونَ مِنْهُ فَيَطُوفُونَ «١» الأَرْضَ وَيَشْرَبُون مَاءَ الْفُرَاتِ فيجيء «٢» آخرهم فيقول قد كان هاهنا مَرَّةً مَاءٌ وَيَأْكُلُونَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الشَّجَرَ [٢٣٠ ب] وَلا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ غَيْرِهَا إِلا فاموه «٣» .
فلما فرغ ذو القرنين من بناء الردم
قالَ هَذَا يعني هذا الردم رَحْمَةٌ يعني نعمة مِنْ رَبِّي للمسلمين فلا يخرجون إلى أرض المسلمين فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي في الرد وقع الردم، فذلك قوله جَعَلَهُ دَكَّاءَ يعني الردم وقع فيخرجون إلى أرض المسلمين «٤» وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا- ٩٨- في وقوع الردم يعني صدقا فإذا خرجوا هرب ثلث أهل الشام، ويقاتلهم الثلث، ويستسلم لهم الثلث. ثم أخبر سبحانه فقال «٥»: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ يعني يوم فرغ ذو القرنين من الردم «يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» يعني من وراء الردم لا يستطيعون الخروج منه وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا- ٩٩- يعنى بالجمع لم يغادر منهم أحد إلا حشره وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ بالقرآن من أهل مكة عَرْضًا- ١٠٠- يعني بالعرض كشف الغطاء عنهم الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي يعني عليها غشاوة الإيمان بالقرآن لا يبصرون الهدى بالقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا- ١٠١- يعنى الإيمان
_________________
(١) من ل، وفى أ: فيطبقون.
(٢) فى أ: فيمر، ل: فيجيء.
(٣) هكذا فى: ا، ل. وقد يكون أصلها إلا أكلوه.
(٤) فى ازيادة: قال الله﷿- «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ» حين فراغ الردم «يموج فى بعضه» قال ذو القرنين، اهـ. وهي زيادة سابقة عن مكانها فأرجعتها إلى مكانها. أما فى ل: فقد أسقط تفسير باقى الآية ٩٨.
(٥) فى أ: ثم أخبر فقال سبحانه، وفى ل: ثم أخبر فقال.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
بالقرآن سمعا، كقوله سبحانه: إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا «١» يعنى ثقلا أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ يعنى بالآلهة بأن ذلك نافعهم وأنها تشفع لهم، ثم أخبر بمنزلتهم في الآخرة، فقال- سبحانه: إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا- ١٠٢- يعني منزلا قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا- ١٠٣- يعني أصحاب الصوامع من النصارى، ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ يعني حبطت أعمالهم التي عملوها «فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» «٢» وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا- ١٠٤- أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني القرآن وَلِقائِهِ يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يعني فبطلت أعمالهم الحسنة فلا تقبل منهم لأنها كانت في غير إيمان فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا- ١٠٥- من خير قدر مثقال جناح بعوضة ذلِكَ جَزاؤُهُمْ يقول هذا جزاؤهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا بالقرآن وَاتَّخَذُوا آياتِي يعني القرآن وَرُسُلِي يعني محمداﷺ- هُزُوًا- ١٠٦- يعني استهزاء بهما أنهما ليسا من الله﷿- ثم ذكر المؤمنين وما أعد لهم، فقال- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا- ١٠٧- بلغة الروم يعني البساتين «٣» عليها الحيطان خالِدِينَ فِيها لا يموتون لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا- ١٠٨-[٢٣١ ا] يعنى تحولا «٤» إلى غيرها.
_________________
(١) سورة الكهف: ٥٧.
(٢) فى أ: (فى دار الدنيا)، وفى حاشية أ: الحياة الدنيا.
(٣) فى أ: بالبساتين، وفى ل: البساتين.
(٤) فى أ: تحولا، ل: متحول.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وذلك «١» أن اليهود قالوا للنبيﷺ-: تزعم أنك أوتيت الحكمة، والحكمة العلم كله وتزعم أنه لا علم لك بالروح وتزعم أن الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي «٢» فكيف يكون هذا فقال الله- تعالى- ذكره لنبيهﷺ-:
إنك أوتيت علما وعلمك فى علم الله قليل. فقال- سبحانه- لليهود: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي يعني علم ربي ﷻ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي يعني علم ربي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا- ١٠٩- بخبر الناس أنه لا يدرك أحد علم الله﷿. قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يقول ربكم رب واحد «٣» فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ يقول من كان يخشى البعث في الآخرة. نزلت في جندب بن زهير الأزدي،
ثم العامري قال للنبيﷺ-:
إنا لنعمل العمل «٤» نريد به وجه الله﷿- فيثنَى به علينا، فيعجبنا ذلك.
فقال النبيﷺ-: إن الله «٥» لغني «٦» لا يقبل ما شورك فيه فأنزل الله﷿- «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ»
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا- ١١٠-.
_________________
(١) فى أ: وله ذلك، ل: وذلك []
(٢) سورة الإسراء ٨٥ وتمامها: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» .
(٣) من ل، والجملة ساقطة من ا.
(٤) العمل: ساقطة من أ، وهي من ل.
(٥) فى أ: الله﷿-، فى ل: الله.
(٦) لغنى: من ل، وليست فى ا.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي، قال: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّﷺ-: يقول الله﷿-: أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ «١» مَنْ أَشْرَكَنِي فِي عَمَلٍ جَعَلْتُ الْعَمَلَ كُلَّهُ لِشَرِيكِي وَلا أَقْبَلُ إِلا مَا كَانَ لِي خَالِصًا.
حدثنا»
عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي «٣» أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ شيبان أبي معاوية التميمي قال «٤»: إن الله﷿- ليحفظ الصالحين في أبنائهم لقوله﷿- وكان أبوهما صالحا.
قال: اسم الكهف بانجلوس، واسم القرية اللوس واسم المدينة أفسوس.
واسم الكلب قطمير واسم القاضيين أحدهما مارنوس والآخر اسطوس، واسم الملك دقيوس، وأسماء أهل الكهف: دوانس «٥»، ونواس، مارطونس، رسارنوس، وقاطلس، وطسططنوس «٦»، ومكسلمينا ويمليخا.
وحدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ قال: وحدثني أبي عن الْهُذَيْلِ، عن غياث بن إبراهيم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: ما في الأرض لغة إلا أنزلها الله في القرآن. وقال: اسم جبريل عبد الله واسم ميكائيل عُبَيْدُ الله.
_________________
(١) فى أ: من، ل: فمن.
(٢) فى أ: وحدثنا، ل: حدثنا.
(٣) فى أ: وحدثني، ل: حدثني.
(٤) قال: من ل، وهي ساقطة من ا.
(٥) فى أ: داونس، ل: دوانس.
(٦) فى ل: كسططنوس، فى أ: طسططنوس.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
قال: وحدثني أبي عن الْهُذَيْلِ، عن الليث بن سعد «١»، عن عطاء بن خالد، قال: يحج عيسى إذا نزل في سبعين ألفا «٢» فيهم أصحاب الكهف فإنهم لم يموتوا ولم يحجوا «٣» .
_________________
(١) هو الإمام المصري الليث بن سعد فقيه أهل مصر. كان إمام وقته بلا مدافعة ولد سنة ٩٢ هـ ومات سنة ١٧٥ هـ، انظر الإمام المصري الليث بن سعد بقلم عبد الله محمود شحاتة، سلسلة مذاهب وشخصيات، العدد ١٢٤. طبع الدار القومية للطباعة والنشر القاهرة.
(٢) ألفا: من ل، وليست فى ا
(٣) فى أ: زيادة: ﵈، وليست فى ل. []
[ ٢ / ٦٠٧ ]