بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)
إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٣٤)
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩)
قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ مَا جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)
أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩)
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)
وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ مَا قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)
وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)
لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)
أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
[ ٣ / ١٤٣ ]
سورة المؤمنون «١» سورة المؤمنين مكية «كلها» «٢»، «وهي مائة وثماني عشرة آية كوفية «٣»
_________________
(١) مقصود السورة إجمالا: معظم ما اشتملت عليه السورة ما يأتى: الفتوى بفلاح المؤمنين والدلالة على أخلاق أهل الإسلام وذكر العجائب فى خلق الأولاد فى الأرحام، والإشارة إلى الموت والبعث، ومنة الحق على الخلق بإنبات الأشجار وإظهار الأنهار، وذكر المراكب، والإشارة إلى هلاك قوم نوح ومذمة الكفار، وأهل الإنكار، وذكر عيسى ومريم، وإيوائهما إلى ربوة ذات قرار، وإمهال الكفار فى المعاصي، والمخالفات، وبيان حال المؤمنين فى العبادات، والطاعات، وبيان حجة التوحيد وبرهان النبوات، وذل الكفار بعد الممات، وعجزهم فى جهنم حال العقوبات، ومكافأتهم فى العقبى على حسب أعمالهم فى الدنيا، وتهديد أهل اللهو، واللغو والغفلات، وأمر الرسولﷺ- بدعاء الأمة وسؤال المغفرة لهم والرحمات فى قوله: «وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ»: ١١٨.
(٢) «كلها»: من ز وحدها.
(٣) ما بين القوسين «»: من أوحدها والموجود فى أ: وهي مائة وثمانية عشر آية فأصلحتها وفى المصحف:
(٤) سورة المؤمنون مكية وآياتها ١١٨ نزلت بعد سورة الأنبياء. وسميت سورة المؤمنين لافتتاحها بفلاح المؤمنين.
[ ٣ / ١٥١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ- ١- يعني سعد المؤمنون يعني المصدقين بتوحيد الله﷿-، ثم نعتهم فقال- سبحانه-: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ- ٢- يقول متواضعون يعني إذا صلى لم يعرف من عن يمينه ومن عن شماله وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ- ٣- يعني اللغو:
الشتم والأذى إذا سمعوه من كفار مكة لإسلامهم، وفيهم نزلت « مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا » «١» يعني معرضين عنه وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ- ٤- يعني زكاة أموالهم وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ- ٥- عن الفواحش، ثم استثنى فقال- سبحانه-: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ يعنى حلائلهم أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من الولائد فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ- ٦- يعني لا يلامون على الحلال «٢» فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ- ٧- يقول فمن ابتغى [٢٩ ب] الفواحش بعد الحلال فهو معتد وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ- ٨- يقول يحافظون على أداء الأمانة ووفاء العهد وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ- ٩- على المواقيت، ثم أخبر بثوابهم فقال: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ- ١٠- ثم بين ما يرثون فقال:
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ يعنى البستان عليه الحيطان، بالرومية
_________________
(١) سورة الفرقان: ٧٢.
(٢) فى ر: الحلال، أ: الحلائل.
[ ٣ / ١٥٢ ]
هُمْ فِيها خالِدُونَ- ١١- يعنى فى الجنة لا يموتون، قوله﷿-:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعنى آدم- صلى الله عليه- مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ- ١٢- والسلالة: إذا عصر الطين انسل الطين والماء من بين أصابعه ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً يعنى ذرية آدم فِي قَرارٍ مَكِينٍ- ١٣- يعني الرحم: تمكن النطفة في الرحم ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً يقول تحول الماء فصار دما فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً يعني فتحول الدم فصار لحما «١» مثل المضغة فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ يقول خلقناه، خَلْقًا آخَرَ يعني الروح ينفخ فيه بعد خلقه،
فقال عمر بن الخطاب﵁- قبل أن يتم النبيﷺ- الآية- «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» - فقال النبيﷺ- هكذا أنزلت يا عمر.
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ- ١٤- يقول هو أحسن المصورين يعني من الذين خلقوا التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ الخلق بعد ما ذكر من تمام خلق الإنسان لَمَيِّتُونَ- ١٥- عند آجالكم ثُمَّ إِنَّكُمْ بعد الموت يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ- ١٦- يعني تحيون بعد الموت وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ يعنى سموات غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء مسيرة خمسمائة عام وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ- ١٧- يعني عن خلق السماء وغيره وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ ما يكفيكم من المعيشة يعني العيون فَأَسْكَنَّاهُ يعنى فجعلنا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ- ١٨- فيغور «٢» في الأرض يعني فلا يقدر عليه فَأَنْشَأْنا يعني فخلقنا لَكُمْ بِهِ بالماء جَنَّاتٍ يعنى البساتين
_________________
(١) فى أ: لحما، ز: دما.
(٢) فى أ: فنعود به، ز فيغور.
[ ٣ / ١٥٣ ]
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ- ١٩- ثم قال: وَخلقنا شَجَرَةً يعنى الزيتون وهو أول زيتونة خلقت تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ يقول تنبت في أصل الجبل الذي كلم الله﷿- عليه موسى﵇- تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ يعني تخرج بالذي فيه الدهن «١» [٣٠ أ] يقول هذه الشجرة تشرب الماء وتخرج الزيت فجعل الله﷿- في هذه الشجرة أدما ودهنا وَهي صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ- ٢٠- وكل جيلى يجمل الثمار فهو سيناء يعني الحسن وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ يعني الإبل والبقر والغنم لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها يعنى اللبن وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ يعني في ظهورها وألبانها وأوبارها وأصوافها وأشعارها وَمِنْها تَأْكُلُونَ- ٢١- يعني من النعم «٢»، ثم قال: عَلَيْها
يعنى الإبل عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
- ٢٢- على ظهورها في أسفاركم ففي هذا الذي ذكر من هؤلاء الآيات عبرة في توحيد الرب﷿.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ليس لكم رب غيره أَفَلا تَتَّقُونَ- ٢٣- يقول أفلا تعبدون الله﷿- فَقالَ الْمَلَأُ يعني الأشراف الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا يعنون نوحا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ليس له عليكم فضل في شيء فتتبعونه يُرِيدُ نوح أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ يعني لأرسل مَلائِكَةً إلينا فكانوا رسله مَا سَمِعْنا بِهذا التوحيد فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ- ٢٤-
_________________
(١) فى حاشية ا: وأما الذهن بكسر الذال المعجمة فهو الشحم وغيره.
(٢) فى ز: الغنم، وفى أ: النعم، وفى حاشية أ: فى الأصل الغنم.
[ ٣ / ١٥٤ ]
إِنْ هُوَ يعنون نوحا إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ يعنى جنونا فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ- ٢٥- يعنون الموت قالَ نوح: رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ- ٢٦- يقول انصرني بتحقيق قولي في العذاب بأنه نازل بهم في الدنيا فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ يقول اجعل السفينة «١» بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا كما نأمرك فَإِذا جاءَ أَمْرُنا يقول﷿- فإذا جاء قولنا في نزول العذاب بهم في الدنيا يعني الغرق وَفارَ الماء من التَّنُّورُ وكان التنور في أقصى مكان من دار نوح وهو التنور الذي يخبز فيه «وكان في الشام بعين وردة» «٢» فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ذكر وأنثى وَأَهْلَكَ فاحملهم معكم في السفينة، ثم استثنى من الأهل إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ يعني من سبقت عليهم كلمة العذاب فكان ابنه وامرأته ممن سبق عليه القول من أهله، ثم قال- تعالى-: وَلا تُخاطِبْنِي يقول ولا تراجعني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني أشركوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ- ٢٧- يعني بقوله ولا تخاطبني. قولَ نوحٍ﵇- لربه﷿- « إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي «٣»» يقول الله ولا تراجعني في ابنك كنعان، فإنه من الذين ظلموا [٣٠ ب]، ثم قال- سبحانه-: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ من المؤمنين عَلَى الْفُلْكِ يعني السفينة فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ٢٨- يعنى المشركين وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي من السفينة مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ- ٢٩- من غيرك يعنى بالبركة
_________________
(١) من ز، وفى أ: أن اجعل الفلك. []
(٢) «وكان فى الشام بعين وردة»: من أ، وليست فى ز.
(٣) سورة هود: ٤٥.
[ ٣ / ١٥٥ ]
أنهم توالدوا وكثروا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يقول إن في هلاك قوم نوح «بالغرق» «١» لعبرة لمن بعدهم، ثم قال: وَإِنْ يعني وقد كُنَّا لَمُبْتَلِينَ- ٣٠- بالغرق، ثُمَّ أَنْشَأْنا يعنى خلقنا مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد قوم نوح قَرْنًا آخَرِينَ- ٣١- وهم قوم هود﵇- فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يعني من أنفسهم أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني أن وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول ليس لكم رب غيره أَفَلا تَتَّقُونَ- ٣٢- يعني أفهلا تعبدون الله﷿- وَقالَ الْمَلَأُ يعني الأشراف مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله﷿- وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وَأَتْرَفْناهُمْ يعني وأغنيناهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا مَا هَذَا يعنون هودا﵇- إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ليس له عليكم فضل يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ- ٣٣- وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ- ٣٤- يعني لعجزة مثلها في يوسف «٢» - ﵇-.
أَيَعِدُكُمْ هود أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ- ٣٥- من الأرض أحياء بعد الموت هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ- ٣٦- يقول هذا حديث قد درس فلا يذكر إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا يعني نموت نحن ويحيا آخرون من أصلابنا فنحن كذلك أبدا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ- ٣٧-
_________________
(١) «بالغرق»: من ز، وفى أ: «فى الغرق» .
(٢) يشير إلى الآية ١٤ من سورة يوسف وهي «قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ» .
[ ٣ / ١٥٦ ]
بعد الموت مثلها في الجاثية» «١» . «إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ» «٢» - ٣٨- «قالَ» «٣» هو: «رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ- ٣٩- وذلك أن هودا﵇- أخبرهم أن العذاب نازل بهم في الدنيا فكذبوه، فقال: رب انصرني بما كذبون في أمر العذاب. قالَ عَمَّا قَلِيلٍ قال عن قليل لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ- ٤٠- فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ يعني صيحة جبريل﵇- فصاح صيحة واحدة فماتوا أجمعين فلم يبق منهم أحد فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً يعني كالشيء البالي من نبت الأرض يحمله السيل، فشبه أجسادهم بالشيء البالي فَبُعْدًا في الهلاك لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- ٤١- يعني المشركين ثُمَّ أَنْشَأْنا يعني خلقنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ- ٤٢- يعنى قوما آخرين فأهلكناهم [٣١ أ] بالعذاب في الدنيا مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ- ٤٣- عنه ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا يعني الأنبياء تترا: بعضهم على أثر بعض كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فلم يصدقوه فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا في العقوبات وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم من الناس يتحدثون بأمرهم وشأنهم فَبُعْدًا في الهلاك لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ- ٤٤- يعني لا يصدقون بتوحيد الله﷿- ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ- ٤٥- إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني الأشراف واسم فرعون قيطوس بآياتنا: اليد
_________________
(١) يشير إلى الآية ٢٤ من سورة الجاثية وهي: «وَقالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» .
(٢) الآية ٣٨ ساقطة من ا، ل، ز.
(٣) فى ا، ل: فقال، ز: قال.
[ ٣ / ١٥٧ ]
والعصا وسلطان مبين يعني حجة بينة «١» فَاسْتَكْبَرُوا يعني فتكبروا عن الإيمان بالله﷿- وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ- ٤٦- يعني متكبرين عن توحيد الله فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا يعني أنصدق إنسانين مثلنا ليس لهما علينا فضل وَقَوْمُهُما يعني بني إسرائيل لَنا عابِدُونَ- ٤٧- فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ- ٤٨- بالغرق وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني التوراة لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ- ٤٩- من الضلالة يعني بني إسرائيل لأن التوراة نزلت بعد هلاك فرعون وقومه، قوله﷿-: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ يعني عيسى وأمه مريم﵉- آيَةً يعني عبرة لبني إسرائيل لأن «٢» مريم حملت من غير بشر وخلق ابنها من غير أب وَآوَيْناهُما من الأرض المقدسة إِلى رَبْوَةٍ يعني الغوطة من أرض الشام بدمشق يعني بالربوة المكان المرتفع من الأرض ذاتِ قَرارٍ يعنى استواء وَمَعِينٍ- ٥٠- يعنى الماء الجاري يا أَيُّهَا الرُّسُلُ يعني محمداﷺ- كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ الحلال من الرزق وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ- ٥١- وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يقول هذه ملتكم التي أنتم عليها يعني ملة الإسلام ملة واحدة عليها كانت الأنبياء﵈- والمؤمنون الذين نجوا من العذاب، «الذين ذكرهم الله﷿- في هذه السورة «٣»» ثم قال- سبحانه-: وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ- ٥٢-
_________________
(١) «بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ»: جزء من آية أخرى لا من هذه الآية، وقد فسر هذا الجزء فى أ، ل، ز.
(٢) فى أ: أن، ز: لأنها.
(٣) ما بين القوسين «»: من أ، وليس فى ز.
[ ٣ / ١٥٨ ]
يعنى فاعبدون بالإخلاص فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ يقول فارقوا دينهم الذي أمروا به فيما بينهم، ودخلوا في غيره زُبُرًا يعني قطعا «١» كقوله «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ » «٢» يعني قطع الحديد يعني فرقا فصاروا أحزابا «٣» يهودا، ونصارى وصابئين ومجوسا وأصنافا شتى كثيرة، ثم قال- سبحانه-: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ- ٥٣- يقول كل أهل بما عندهم من الدين راضون به «٤»، ثم ذكر كفار مكة فقال- تعالى-[٣١ ب] للنبيﷺ- فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ- ٥٤- يقول خل عنهم في غفلتهم إلى أن أقتلهم ببدر، ثم قال- سبحانه-: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ يعنى نعطيهم مِنْ مالٍ وَبَنِينَ- ٥٥- نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ يعني المال والولد لكرامتهم على الله﷿- يقول: بَلْ لا يَشْعُرُونَ- ٥٦- أن الذي أعطاهم من المال والبنين هو شر لهم: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا » «٥» ثم ذكر المؤمنين فقال- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
- ٥٧- يعني من عذابه وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ- ٥٨- يعني هم يصدقون بالقرآن أنه من الله﷿ «٦» -، ثم قال- تعالى-: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ- ٥٩- معه غيره
_________________
(١) فى ز: كقوله فى الكهف.
(٢) سورة الكهف: ٩٦.
(٣) فى أ: أديانا، ز: أحزابا.
(٤) فى أ: بياض، ز: به. []
(٥) سورة آل عمران: ١٧٨.
(٦) من ز، وفى أ: يقول الذين بالقرآن يصدقون بأنه من الله﷿-.
[ ٣ / ١٥٩ ]
«ولكنهم يوحدون ربهم» «١» وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا يعني يعطون ما أعطوا من الصدقات والخيرات «وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» «٢» يعني خائفة لله من عذابه يعلمون أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ- ٦٠- في الآخرة فيعملون على علم فيجزيهم بأعمالهم، فكذلك المؤمن ينفق ويتصدق وجلا من خشية الله﷿-، ثم نعتهم فقال: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يعني يسارعون في الأعمال الصالحة التي ذكرها لهم في هذه الآية وَهُمْ لَها سابِقُونَ- ٦١- الخيرات التي يسارعون إليها وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها يقول لا نكلف نفسا» «٣» من العمل إلا ما أطاقت «وَلَدَيْنا يعني وعندنا كِتابٌ يعني أعمالهم التي يعملون في اللوح المحفوظ» «٤» يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- ٦٢- في أعمالهم بَلْ قُلُوبُهُمْ يعني الكفار فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا يقول في غفلة من إيمان بهذا القرآن وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ يقول لهم أعمال خبيثة دون الأعمال الصالحة يعني غير الأعمال الصالحة التي ذكرت عن المؤمنين في هذه الآية وفي الآية الأولى «هُمْ لَها عامِلُونَ» «٥» - ٦٣- يقول هم لتلك الأعمال الخبيثة «٦» عاملون التي هي فى اللوح المحفوظ أنهم سيعلمونها لا بد لهم من أن يعملوها.
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ يعنى أغنياءهم وجبابرتهم بِالْعَذابِ يعنى القتل
_________________
(١) ما بين القوسين «» من أ، وليس فى ز.
(٢) تفسيرها من ز، وهو مضطرب فى أ.
(٣) فى أ: نفس، ز: لا نكلفها من العمل إلا ما أطاقت.
(٤) ما بين القوسين «»: من أ، وفى ز: «ولدينا» يقول وعندنا «كتاب» نسخة أعمالهم التي يعملون مكتوب فى اللوح المحفوظ.
(٥) فى أ، «وَهُمْ لَها سابِقُونَ»، وفى ز: «صواب» .
(٦) فى أ: الحسنة، ز: الخبيثة.
[ ٣ / ١٦٠ ]
ببدر إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ- ٦٤- إذا هم يضجون إلى الله﷿- حين نزل بهم العذاب يقول الله﷿- لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ لا تضجوا اليوم إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ- ٦٥- يقول لا تمنعون منا حتى تعذبوا بعد «١» القتل ببدر قَدْ كانَتْ آياتِي يعني القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني على كفار مكة فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ- ٦٦- يعنى تتأخرون «٢» [٣٢ أ] عن إيمان به، تكذيبا بالقرآن، ثم نعتهم فقال- سبحانه-: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ «يعني آمنين بالحرم بأن لهم البيت الحرام» «٣» سامِرًا بالليل- إضمار في الباطل- وأنتم آمنون فيه، ثم قال: تَهْجُرُونَ- ٦٧- القرآن فلا تؤمنون به نزلت في الملأ من قريش الذين مشوا إلى أبي طالب. أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ يعني أفلم يستمعوا القرآن أَمْ جاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ- ٦٨- يقول قد جاء أهل مكة النذر كما جاء آباءهم وأجدادهم الأولين أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ يعني محمداﷺ- بوجهه ونسبه فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ- ٦٩- فلا يعرفونه بل يعرفونه أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ قالوا: إن بمحمد جنونا، يقول الله﷿-: بَلْ جاءَهُمْ محمدﷺ- بِالْحَقِّ يعني بالتوحيد وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ يعني التوحيد كارِهُونَ- ٧٠-، يقول الله﷿-: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ يعني لو اتبع الله أهواء كفار مكة فجعل مع نفسه شريكا لَفَسَدَتِ يعني لهلكت السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ من الخلق بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ يعنى بشرفهم يعنى القرآن
_________________
(١) فى أ: بعد، ز: يعنى.
(٢) فى أ: تتأخرون، ز: تستأخرون.
(٣) ما بين القوسين «»: من ز، وفى أ: يعنى بالحرم ويقال بالبيت.
[ ٣ / ١٦١ ]
فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ- ٧١- يعني القرآن «معرضون عنه فلا يؤمنون به «١»» أَمْ تَسْأَلُهُمْ يا محمد خَرْجًا أجرا على الإيمان بالقرآن فَخَراجُ رَبِّكَ يعني فأجر ربك خَيْرٌ يعني أفضل من خراجهم وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ- ٧٢- وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ٧٣- يعني الإسلام لا عوج فيه وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني لا يصدقون بالبعث عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ- ٧٤- يعني عن الدين لعادلون وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ يعني الجوع الذي أصابهم بمكة سبع سنين، لقولهم في حم الدخان رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ «٢» فليس قولهم باستكانة ولا توبة، ولكنه كذب منهم، كما كذب فرعون وقومه حين قالوا لموسى: لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ «٣» .
فأخبر الله﷿- عن كفار مكة، فقال سبحانه- «وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ من ضر» لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ- ٧٥- يقول لتمادوا في ضلالتهم يترددون فيها وما آمنوا.
ثم قال- تعالى-: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ يعنى الجوع فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ يقول فما استسلموا يعني الخضوع «لربهم» «٤» وَما يَتَضَرَّعُونَ- ٧٦- يعني «وما كانوا يرغبون «٥» إلى الله﷿- في الدعاء. حَتَّى إِذا فَتَحْنا
_________________
(١) ما بين القوسين «» من أ، وليس فى ز.
(٢) سورة الدخان: ١٢.
(٣) سورة الأعراف: ١٣٤. []
(٤) «لربهم»: من ز، وليست فى أ.
(٥) فى أ: وما يرغبون، ز: وما كانوا يرغبون.
[ ٣ / ١٦٢ ]
يعني أرسلنا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ يعنى الجوع إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ- ٧٧- يعني آيسين من الخير والرزق نظيرها في سورة الروم «١» وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ يعنى خلق لكم السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ يعني القلوب فهذا من النعم قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ- ٧٨- يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه، وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ يعنى خلقكم فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- ٧٩- فى الآخرة، وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي الموتى وَيُمِيتُ الأحياء وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ- ٨٠- توحيد ربكم فيما ترون من صنعه فتعتبرون، بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ- ٨١- يعني كفار مكة قالوا مثل قول الأمم الخالية قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ- ٨٢- قالوا ذلك تعجبا وجحدا وليس باستفهام، نزلت في آل طلحة بن عبد العزى منهم شيبة وطلحة وعثمان وأبو سعيد ومشافع وأرطاة وابن شرحبيل والنضر بن الحارث وأبو الحارث بن علقمة لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هَذَا مِنْ قَبْلُ يعني البعث إِنْ هَذَا الذي يقول محمدﷺ إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ- ٨٣- يعني أحاديث الأولين وكذبهم قُلْ لكفار مكة: لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها من الخلق حين كفروا بتوحيد الله﷿- إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ٨٤- خلقهما سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ- ٨٥- في توحيد الله﷿- فتوحدونه قُلْ لهم: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ- ٨٦- سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ- ٨٧- يعني أفلا تعبدون الله﷿- قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ يعني خلق كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ
_________________
(١) يشير إلى الآية ٤٩ من سورة الروم وهي «وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ» .
[ ٣ / ١٦٣ ]
يقول يؤمن ولا يؤمن عليه أحد «١» إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ٨٨- سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ- ٨٩- قل فمن أين سحرتم فأنكرتم أن «٢» الله- تعالى- واحد لا شريك له وأنتم مقرون بأنه خلق الأشياء كلها، فأكذبهم الله﷿- حين أشركوا به فقال- سبحانه-: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ يقول بل جئناهم بالتوحيد وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ- ٩٠- في قولهم إن الملائكة بنات الله﷿- يقول الله- تعالى-: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ يعني الملائكة وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ يعني من شريك فلو كان معه إله إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ كفعل ملوك الدنيا يلتمس بعضهم قهر بعض، ثم نزه الرب نفسهﷻ- عن مقالتهم فقال- تعالى- سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ- ٩١- يعني عما يقولون بأن الملائكة بنات الرحمن عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني غيب ما كان وما يكون. وَالشَّهَادَةِ «٣» فَتَعالى يعني فارتفع عَمَّا يُشْرِكُونَ- ٩٢- لقولهم الملائكة بنات الله. قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي [٢٣ أ] ما يُوعَدُونَ- ٩٣- من العذاب يعني القتل ببدر وذلك أن النبيﷺ- أراد أن يدعو على كفار مكة،
_________________
(١) من ز، ومثلها ف. وفى ل: يؤمن ولا يؤمن أحد، وفى أ: يؤمر ولا يؤمر عليه أحدا. وفى النسفي ٣: ٩٧ «وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ» أجرت فلان على فلان إذا أغثته منه ومنعته. يعنى وهو يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحدا. وفى الجلالين: ٢٩٠ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ» يحمى ولا يحمى عليه.
(٢) فى أ، ز: بأن.
(٣) فى الجلالين «عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ» ما عاب وما شوهد بالجر صفة وبالرفع خبر ب محذوف. وكذا فى البيضاوي.
[ ٣ / ١٦٤ ]
ثم قال: «رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» «١» - ٩٤- وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ من العذاب لَقادِرُونَ- ٩٥-، ثم قال الله﷿- يعزي نبيهﷺ- ليصبر على الأذى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نزلت في النبيﷺ- وأبى جهل- لعنه الله- حين جهل عَلَى النَّبِيّﷺ- نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ- ٩٦- من الكذب ثم أمره أن يتعوذ من الشيطان، فقال- تعالى- وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ- ٩٧- يعني الشياطين في أمر أبي جهل، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ- ٩٨- حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ يعنى الكفار قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ- ٩٩- إلى الدنيا حين «٢» يعاين ملك الموت يؤخذ بلسانه فينظر «٣» إلى سيئاته قبل الموت، «فلما» «٤» هجم على الخزي سأل الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحا فيما ترك، فذلك قوله- سبحانه-: «رَبِّ ارْجِعُونِ» إلى الدنيا لَعَلِّي يعني لكي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ من العمل الصالح يعني الإيمان، يقول﷿- «٥» - كَلَّا لا يرد إلى الدنيا، ثم استأنف فقال: إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها يعني بالكلمة قوله «٦»: «رَبِّ ارْجِعُونِ»، ثم قال- سبحانه-: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ يعني ومن بعد الموت أجل إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ- ١٠٠- يعنى
_________________
(١) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
(٢) فى ز، ل: حين، ا: حتى.
(٣) فى أ: وينظر، ل: فينظر.
(٤) «فلما»: زيادة ليست فى أ، ل، ز، ف: وقد اقتضاها السياق.
(٥) ﷿: من ز، وفى أ: يقول: «كلا» .
(٦) فى أ: قوله- سبحانه، ز: قوله
[ ٣ / ١٦٥ ]
يحشرون «١» بعد الموت فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ يعنى النفخة الثانية فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يعني لا نسبة بينهم عم وابن عم وأخ وابن أخ وغيره يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ- ١٠١- يقول ولا يسأل حميم حميما فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بالعمل الصالح يعني المؤمنين فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ١٠٢- يعنى الفائزين «٢» وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يعنى الكفار فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا يعنى غبنوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ- ١٠٣- لا يموتون تَلْفَحُ يعني تنفخ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ- ١٠٤- عابسين شفته العليا قالصة لا تغطى أنيابه، وشفته السفلى تضرب بطنه وثناياه خارجة من فيه [٣٣ ب] بين شفتيه أربعون ذراعا بذراع الرجل الطويل من الخلق الأول كل ناب له مثل أحد ويقال «٣» لكفار مكة: أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يقول ألم يكن القرآن يقرأ عليكم في أمر هذا اليوم وما هو كائن فيكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ- ١٠٥- نظيرها في الزمر «٤» قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا التي كتبت علينا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ- ١٠٦- عن الهدى، ثم قالوا رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها يعني من النار فَإِنْ عُدْنا إلى الكفر والتكذيب فَإِنَّا ظالِمُونَ- ١٠٧- ثم رد مقدار
_________________
(١) فى أ: زيادة ليست فى ل، ف، ز، وهي: «حدثنا محمد، قال: حدثني أبى قال: قال الكسائي فى قوله- تعالى-: «رب ارجعون» العرب تخاطب الواحد بمخاطبة الجمع من ذلك قوله: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ » مخاطبة له والحكم لغيره. ومنه قوله﷿-: « عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ » والمدركون فرعون وغيره، والخوف منه ومن غيره. والآية الأولى من سورة الطلاق: ١، والآية الثانية من سورة يونس: ٨٣.
(٢) فى أ: الفائزون، ز: الفائزين. []
(٣) فى أ: فقال، ز: قل، ل: يقال.
(٤) يشير إلى ٧١ من سورة الزمر وهي: «وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ » الآية.
[ ٣ / ١٦٦ ]
الدنيا منذ خلقت إلى أن تفنى سبع مرات قالَ اخْسَؤُا فِيها يقول اصغروا في النار وَلا تُكَلِّمُونِ- ١٠٨- فلا يتكلم أهل النار بعدها أبدا غير أن لهم زفيرا أول نهيق الحمار، وشهيقا «١» آخر نهيق الحمار، ثم قال﷿-: إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي المؤمنين يَقُولُونَ، رَبَّنا آمَنَّا يعني صدقنا بالتوحيد فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ- ١٠٩- فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا وذلك أن رءوس كفار قريش المستهزئين: أبا جهل وعتبة والوليد وأمية ونحوهم اتخذوا فقراء أصحاب النبيﷺ- سخريا يستهزءون بهم ويضحكون من خباب وعمار وبلال وسالم مولى أبي حذيفة ونحوهم من فقراء العرب فازدروهم، ثم قال: حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي حتى ترككم الاستهزاء بهم عن الإيمان بالقرآن وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ يا معشر كفار قريش من الفقراء تَضْحَكُونَ- ١١٠- استهزاء بهم نظيرها في ص «٢»، يقول الله﷿-:
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ في الآخرة بِما صَبَرُوا على الأذى والاستهزاء يعني الفقراء من العرب والموالي أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ- ١١١- يعنى هم الناجون قالَ﷿- للكفار: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ في الدنيا يعني في القبور عَدَدَ سِنِينَ- ١١٢- قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ استقلوا ذلك يرون أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا يوما أو بعض يوم، ثم قال الكفار لله- تعالى- أو لغيره فَسْئَلِ الْعادِّينَ- ١١٣- يقول فسل الحساب يعني ملك الموت وأعوانه قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ في القبور إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ١١٤-
_________________
(١) فى ز، ل: وشهيق. وفى أ: غير أن لهم فيها زفيرا آخر نهيق الحمار، وشهيق أول نهيق الحمار، والمثبت فى الصدر عن ز، ل.
(٢) يشير إلى الآية ٦٣ مق سورة ص وهي: «أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ» .
[ ٣ / ١٦٧ ]
إذا لعلمتم أنكم لم تلبثوا إلا قليلا ولكنكم كنتم لا تعلمون كم لبثتم في القبور يقول الله﷿- أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا يعني لعبا وباطلا لغير شيء:
أن «١» لا نعذبوا إذا كفرتم وَحسبتم أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ- ١١٥- فى الآخرة فَتَعالَى اللَّهُ يعنى ارتفع [٣٤ أ] الله﷿- الْمَلِكُ الْحَقُّ أن يكون خلق شيئا عبسا ما خلق شيئا إلا لشيء يكون، لقولهم أن معه إلها، ثم وحد الرب نفسه﵎- فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ- ١١٦- وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ يعني ومن يصف مع الله إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ يعني لا حجة له بالكفر ولا عذر يوم القيامة، نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ- ١١٧- يقول جزاء الكافرين، أنه لا يفلح يعني لا يسعد في الآخرة عند ربه﷿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ الذنوب وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ- ١١٨- من غيرك يقول من كان يرحم أحدا «٢» فإن الله﷿- بعباده أرحم وهو خير يعني أفضل رحمة من أولئك الذين لا يرحمون «٣» .
_________________
(١) فى أ: ألا، ز: أن لا.
(٢) فى ز: أحدا، أو شيئا، أ: أحدا
(٣) فى أ: لا يرحمون، ل، ز، ف: يرحمون.
[ ٣ / ١٦٨ ]