بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩)
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩)
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤)
وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)
[ ٢ / ٤٤٣ ]
سورة النحل «١» مكية كلها
_________________
(١) مقاصد سورة النحل من مقاصد سورة النحل ما يأتى: تخويف العباد بمجيء القيامة، وإقامة حجة الوحدانية وذكر ما فى الأنعام من المنافع والنعم، وما فى المراكب من التجمل والزينة، وتسخير الشمس والقمر، وتثبيت الأرض والجبال، وهداية الكواكب فى السفر والحضر. والنعم الزائدة عن العد والإحصاء. والإنكار على أهل الإنكار، وجزاء مكر الكافرين، ولعنة الملائكة للظالمين. وسلامهم على المؤمنين عند الوفاة. وبيان أحوال الأنبياء والمرسلين مع الأمم الماضية، وذكر التوحيد، وتعريف المنعم ونعمه السابقات. ومذمة المشركين بوأد البنات، وبيان فوائد النحل وذكر ما اشتمل عليه: من عجيب الحالات، وبيان حال المؤمن والكافر، وتسخير الطيور فى الجو صافات، والمنة بالمساكن والظلال والثياب، وذم المتكبرين وذكر ما أعد لهم من العقوبة، والأمر بالعدل والإحسان، والنهى عن نقض العهد والخيانة. والأمر بالاستعاذة بالله عند تلاوة القرآن، ورد سلطان الشيطان عن المؤمنين والمؤمنات، وتبديل الآيات بالآيات لمصالح المسلمين والمسلمات. والرخصة بالتكلم بكلمة الكفر عند الإكراه والضرورة. وبيان التحريم والتحليل وذكر إبراهيم الخليل وما منح من الدرجات. وذكر السبت، والدعاء إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. والأمر بالعدل فى المكافأة والعقوبة، والدعوة إلى الصبر على البلاء. ووعد المتقين والمحسنين بأعظم المثوبة فى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» سورة النحل. (بصائر ذوى التمييز للفيروزآبادي)
[ ٢ / ٤٥٧ ]
غير قوله تعالى: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ » إلى آخر السورة «١» .
وقوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا » الآية «٢» .
وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ الآية «٣» .
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا الآية «٤» .
وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً الآية «٥» .
فإن هذه الآيات مدنيات.
وهي مائة وثمان «٦» وعشرون آية كوفية.
_________________
(١) الآيات ١٢٦، ١٢٧، ١٢٨.
(٢) الآية: ١١٠.
(٣) الآية: ١٠٦.
(٤) الآية: ٤١.
(٥) الآية: ٧٥.
(٦) فى أ: وثمانية والمعروف ثمان لأن العدد مؤنث.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ وذلك أن كفار مكة لما أخبرهم النبيﷺ- الساعة فخوفهم بها أنها كائنة فقالوا: متى تكون تكذيبا بها؟ فأنزل الله﷿- يا عبادي: «أَتى أَمْرُ اللَّهِ» فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ «١» أي فلا تستعجلوا وعيدي أنزل الله﷿- أيضا في قولهم «حم عسق» يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها «٢» فلما سمع النبيﷺ- من جبريل﵇- «أَتى أَمْرُ اللَّهِ» وثب قائما وكان جالسا مخافة الساعة فقال جبريل﵇-: «فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» فاطمأن النبيﷺ- عند ذلك، ثم قال: سُبْحانَهُ نزه الرب- تعالى- نفسه عن شرك أهل مكة، ثم عظم نفسهﷻ- فقال: وَتَعالى يعني وارتفع عَمَّا يُشْرِكُونَ- ١- يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ يعني جبريل﵇- بِالرُّوحِ يقول بالوحي مِنْ أَمْرِهِ يعني بأمره عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ من الأنبياء﵈- ثم أمرهم الله﷿- أن ينذروا «٣» الناس فقال: أَنْ أَنْذِرُوا «٤») أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ- ٢- يعنى فاعبدون خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يقول لم يخلقهما باطلا لغير شيء ولكن
_________________
(١) فى أ، ل: (فلا تستعجلوا) وعيدي.
(٢) سورة الشورى: ١٨.
(٣) فى الأصل: ينذر.
(٤) فقال «أَنْ أَنْذِرُوا»: زيادة ليست فى أ، ولا فى ل.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
خلقهما لأمر هو كائن تَعالى يعني ارتفع عَمَّا يُشْرِكُونَ- ٣- به خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ يعني أبي بن خلف الجمحي قتله النبيﷺ- يوم أحد فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ- ٤- قال للنبي [٢٠١ أ]- ﷺ-: كيف يبعث الله هذه العظام وجعل يفتها ويذريها في الريح نظيرها فى آخر- يس-: «قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» «١» ثم قال- تعالى-: وَالْأَنْعامَ يعني الإبل، والبقر، والغنم. خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ يعني ما تستدفئون به من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها أثاثا وَمَنافِعُ في ظهورها، وألبانها وَمِنْها تَأْكُلُونَ- ٥- يعني من لحم الغنم وَلَكُمْ فِيها يعني فى الأنعام جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ يعني حين تروح من مراعيها إليكم عند المساء وَحِينَ تَسْرَحُونَ- ٦- من عندكم بكرة إلى الرعي وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ يعني الإبل، والبقر إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ يعنى بجهد الأنفس إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ يعني لرفيق رَحِيمٌ- ٧- بكم فيما جعل لكم من الأنعام من المنافع، ثم ذكرهم النعم: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً يقول لكم في ركوبها جمال وزينة يعني الشارة الحسنة وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ- ٨- من الخلق كقوله- تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ «٢» يعني في شارته، قال سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ يعني بيان الهدى وَمِنْها جائِرٌ يقول ومن السبيل ما تكون «٣» جائرة على الهدى
_________________
(١) سورة يس: ٨٧.
(٢) سورة القصص: ٧٩.
(٣) فى أ، ل: يكون. []
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ- ٩- إلى دينه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ يعني المطر لكم منه شراب وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ- ١٠- يعني وفيه ترعون أنعامكم يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ بالمطر الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً فيما ذكر لكم من النبات لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ- ١١- في توحيد الله﷿- وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يقول فيما سخر لكم في هذه الآيات «١» لعبرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ١٢- في توحيد الله﷿- وَما ذَرَأَ لَكُمْ يعني وما خلق لكم فِي الْأَرْضِ من الدواب، والطير، والشجر مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ يعني فيما ذكر من الخلق في الأرض لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ- ١٣- في توحيد الله﷿- وما ترون من صنعه وعجائبه وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وهو السمك ما أصيد «٢» أو ألقاه الماء وهو حي وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها يعني اللؤلؤ وَتَرَى الْفُلْكَ يعني السفن مَواخِرَ فِيهِ يعني في البحر مقبلة ومدبرة بريح واحد وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني سخر لكم الفلك لتبتغوا من فضله وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ١٤- ربكم في نعمه﷿- وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ يعني الجبال أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني لئلا تزول بكم الأرض فتميل بمن عليها وَأَنْهارًا تجري وَسُبُلًا يعني وطرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ- ١٥- يعنى تعرفون طرقها
_________________
(١) يقول: فيما ذكر لكم فى هذه البينات.
(٢) هكذا فى الأصل، والأنسب: ما صيد.
[ ٢ / ٤٦١ ]
وَعَلاماتٍ يعنى الجبال [٢٠١ ب] كقوله سبحانه: «كَالْأَعْلامِ» «١» يعنى الجبال وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ- ١٦-.
حدثنا عبيد الله قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الْهُذَيْلُ، قال مُقَاتِلُ: هي بنات نعش، والجدي، والفرقدان، والقطب قال: بعينها لأنهن لا يزلن عن أماكنهن شتاء ولا صيفا يعني بالجبال والكواكب يهتدون وبها يعرفون الطرق في البر والبحر، كقوله سبحانه: لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا «٢» يعني لا يعرفون، ثم قال﷿-: أَفَمَنْ يَخْلُقُ هذه الأشياء من أول السورة إلى هذه الآية كَمَنْ لا يَخْلُقُ شيئا من الآلهة اللات، والعزى، ومناة، وهبل، التي تعبد من دون الله﷿- أَفَلا تَذَكَّرُونَ- ١٧- يعني أفلا تعتبرون في صنعه فتوحدونه﷿- وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ في تأخير العذاب عنهم رَحِيمٌ- ١٨- بهم حين لا يعجل عليهم بالعقوبة وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ في قلوبكم يعني الخراصين الذي أسروا «الكيد» بالبعثة «٣» في طريق مكة ممن «٤» يصد الناس عن النبيﷺ- بالموسم وَيعلم ما تُعْلِنُونَ- ١٩- يعني يعلم ما تظهرون بألسنتكم حين قالوا للنبيﷺ-: هذا دأبنا ودأبك. ثم ذكر الآلهة فقال- سبحانه- لكفار مكة: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ يعنى
_________________
(١) سورة الرحمن: ٢٤.
(٢) سورة النساء: ٩٨.
(٣) فى أ: بالبعثة، ل: بالنعمة.
(٤) فى ل: ممن، أ: من.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
يعبدون «١» مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني اللات، والعزى، ومناة، وهبل، لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا ذبابا ولا غيرها وَهُمْ يُخْلَقُونَ- ٢٠- وهم ينحتونها بأيديهم ثم وصفهم فقال تعالى: أَمْواتٌ لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر «٢»، ولا تنفع، ولا تضر غَيْرُ أَحْياءٍ لا أرواح فيها، ثم نعت كفار مكة فقال: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ- ٢١- يعنى متى يبعثون نظيرها فى سورة النمل لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ «٣» وهم الخراصون ثم قال سبحانه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فلا تعبدوا غيره ثم نعتهم- تعالى- فقال: فَالَّذِينَ «٤» لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ثم نعتهم فقال- سبحانه: قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ لتوحيد الله﷿- أنه واحد وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ- ٢٢- عن التوحيد لا جَرَمَ قسما أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ في قلوبهم حين أسروا وبعثوا في كل طريق من الطرق رهطا ليصدوا الناس عن النبيﷺ- وَما يُعْلِنُونَ حين أظهروا للنبيﷺ- وقالوا: هذا دأبنا ودأبك إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ- ٢٣- يعنى المتكبرين عن التوحيد، ثم وصفهم فقال سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني الخراصين «٥» مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ- ٢٤- وذلك أن الوليد بن المغيرة المخزومي قال لكفار
_________________
(١) فى أ: «والذين تدعون» يعنى تعبدون.
(٢) فى أ: ولا تنصر، ل: ولا تبصر.
(٣) سورة النمل: ٦٥.
(٤) فى أ: «والذين» .
(٥) فى أ: الخراصون، ل: الخراصين.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
قريش: إن محمداﷺ-: حلو اللسان، إذا كلم الرجل ذهب بعقله، فابعثوا رهطا من ذوى الرأى منكم والحجا فى طريق مكة [٢٠٢ أ] على مسيرة ليلة أو ليلتين، إني لا آمن أن يصدقه بعضهم فمن سأل عن محمدﷺ- فليقل بعضهم: إنه ساحر يفرق بين الاثنين، وليقل بعضهم: إنه لمجنون يهذي في جنونه، وليقل «١» بعضهم: إنه شاعر لم يضبط الروى، وليقل بعضهم: إنه كاهن يخبر بما يكون في غد.
وإن لم تروه خيرا «٢» من أن تروه، لم «٣» يتبعه على دينه إلا العبيد والسفهاء، يحدث عن حديث الأولين، وقد فارقه خيار قومه وشيوخهم، فبعثوا ستة عشر رجلا من قريش في أربع طرق على كل طريق أربعة نفر، وأقام الوليد بن المغيرة بمكة على الطريق فمن جاء يسأل عن النبيﷺ- لقيه الوليد فقال له: مثل مقالة الآخرين فيصدع «٤» الناس عن قولهم، وشق ذلك على النبيﷺ-، وكان يرجو أن يتلقاه الناس فيعرض عليهم أمره، ففرحت «٥» قريش حين تفرق الناس عن قولهم وهم يقولون: ما عند صاحبكم خير «٦» . يعنون النبيﷺ- وما بلغنا عنه إلا الغرور، وفيهم المستهزءون «٧» من قريش، فأنزل الله﷿- فيهم:
_________________
(١) فى ل: وليقل، أ: ويقول.
(٢) فى ل: خيرا، أ: خير.
(٣) فى أ: لم، ل: وإن لم. []
(٤) فى أ: فيصد، ل: فيصدع.
(٥) هكذا فى أ، ل، والأنسب: وفرحت.
(٦) فى أ، ل: حبر.
(٧) فى أ: المستهزئين.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
«وَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» يعني حديث الأولين وكذبهم يقول الله- تعالى- قالوا ذلك: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني يحملوا خطيئتهم كاملة يوم القيامة وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يعني من خطايا الذين يُضِلُّونَهُمْ يعني يستنزلونهم بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمونه فيها تقديم قال﷿- أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ- ٢٥- يعني ألا بئس ما يحملون يعني يعملون، ثم قال النبيﷺ- قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ يعني قد فعل الذين مِنْ قَبْلِهِمْ يعني قبل «١» كفار مكة: يعني نمروذ بن كنعان الجبار الذي ملك الأرض، وبنى الصرح ببابل، ليتناول فيما زعم إله السماء﵎. وهو الذي حاج إبراهيم في ربه﷿- وهو أول من ملك الأرض كلها. وملك الأرض «٢» كلها ثلاثة نفر، نمروذ بن كنعان، وذو القرنين واسمه الإسكندر قيصر ثم تبع بن أبى شراحيل الحميري «٣»، فلما بنى نمروذ الصرح طوله في السماء فرسخين فأتاه جبريل﵇- في صورة شيخ كبير «فقال: ما تريد» «٤» أن تصنع؟
قال: أريد أن أصعد إلى السماء، فأغلب أهلها، كما غلبت أهل الأرض. فقال له جبريل﵇-: إن بينك وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، والتي تليها مثل ذلك، وغلظها مثل ذلك، وهي سبع سموات، ثم كل سماء كذلك. فأبى إلا أن يبني، فصاح جبريل﵇-: صيحة فطار رأس الصرح فوقع في البحر ووقع البقية عليهم، فذلك قوله﷿: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
_________________
(١) قبل: من ل، وهي ساقطة من أ.
(٢) الأرض: من ل. وهي ساقطة من أ.
(٣) فى ل زيادة: وسليمان بن داود، ويلاحظ أنه ذكر أن ثلاثة ملكوا الأرض ثم ذكر أربعة فى ل.
(٤) هكذا فى أ، ل، والأنسب: «فقال له: ما تريد» .
[ ٢ / ٤٦٥ ]
يعني من الأصل فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ يعني فوقع عليهم البناء الأعلى من فوق رءوسهم [٢٠٢ ب] وَأَتاهُمُ يعني وجاءهم الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ- ٢٦- من بعد ذلك وبعد ما اتخذ النسور وهي الصيحة من جبريل﵇- ثم رجع إلى الخراصين في التقديم، فقال سبحانه:
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ يعني يعذبهم كقوله سبحانه: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ «١» يعني لا يعذب الله النبي والمؤمنين وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ يعني تحاجون فيهم قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهم الحفظة من الملائكة إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ يعني الهوان وَالسُّوءَ يعني العذاب عَلَى الْكافِرِينَ- ٢٧- ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
يعني ملك الموت وأعوانه ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ وهم ستة، ثلاثة يلون أرواح المؤمنين، وثلاثة يلون أرواح الكافرين فَأَلْقَوُا السَّلَمَ يعني الخضوع والاستسلام، ثم قالوا: ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ يعني من شرك لقولهم في الأنعام: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ «٢» فكذبهم الله﷿-، فردت «٣» عليهم خزنة جهنم من الملائكة فقالوا: بَلى قد عملتم السوء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٢٨- يعني بما كنتم مشركين، قالت الخزنة لهم:
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها من الموت فَلَبِئْسَ مَثْوَى يعني مأوى الْمُتَكَبِّرِينَ- ٢٩- عن التوحيد فأخبر الله عنهم في الدنيا، وأخبر بمصيرهم فى الآخرة، ثم قال تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا يعني الذين عبدوا ربهم
_________________
(١) سورة التحريم: ٨.
(٢) سورة الأنعام: ٢٣.
(٣) فى أ، ل: فرد.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أنزل خَيْرًا وذلك أن الرجل كان يبعثه قومه وافدا إلى مكة، ليأتيهم بخبر محمدﷺ، فيأتي الموسم فيمر على هؤلاء الرهط من قريش الذين على طريق مكة، فيسألهم عن النبيﷺ-: فيصدونه عنه لئلا يلقاه. فيقول: بئس الرجل الوافد أنا لقومي أن أرجع قبل أن ألقى محمداﷺ- وأنا منه على مسيرة ليلة أو ليلتين وأسمع منه فيسير حتى يدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم عن النبيﷺ-، وعن قولهم «١»، فيقولون للوافد: أنزل الله﷿- خيرا بعث رسولاﷺ- وأنزل كتابا يأمر فيه بالخير وينهى عن الشر ففيهم نزلت «وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا» ثم انقطع الكلام. يقول الله سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا العمل فِي هذِهِ الدُّنْيا لهم حَسَنَةٌ في الآخرة يعني الجنة وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يعني الجنة أفضل من ثواب المشركين في الدنيا الذي ذكر في هذه الآية الأولى «٢» يقول الله- تعالى:
وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ- ٣٠- الشرك يثني على الجنة، ثم بين لهم الدار فقال سبحانه: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني الأنهار تجري تحت البساتين لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ يعني في الجنان كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ- ٣١- الشرك، ثم أخبر عنهم، فقال جل ثناؤه: الَّذِينَ [٢٠٣ أ] تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ في الدنيا يعني ملك الموت وحده، ثم انقطع الكلام، ثم أخبر سبحانه عن قول خزنة الجنة من الملائكة في الآخرة لهم:
يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٣٢- فى دار الدنيا
_________________
(١) هكذا فى: أ، ل.
(٢) هكذا فى: أ، ل.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
ثم رجع إلى كفار مكة فقال: لْ
يعنى مانْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ
بالموت يعني ملك الموت وحده﵇وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
يعنى العذاب فى الدنياذلِكَ
يعنى هكذاعَلَ الَّذِينَ
يعنى لعن الذين نْ قَبْلِهِمْ
ونزل العذاب بهم قبل كفار مكة من الأمم الحالية ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
فعذبهم على غير ذنب لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
- ٣٣- فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ يعني عذاب مَا عَمِلُوا يعني في الدنيا وَحاقَ بِهِمْ يعني ودار بهم العذاب ما كانُوا بِهِ بالعذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ٣٤- بأنه غير نازل بهم في الدنيا وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مع الله غيره يعني كفار مكة لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ من الآلهة نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ من الحرث والأنعام ولكن الله أمرنا بتحريم ذلك، يقول الله﷿-: كَذلِكَ يعني هكذا فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية برسلهم كما كذبت كفار مكة، وتحريم ما أحل الله من الحرث والأنعام، فلما كذبوا النبيﷺ- قال الله﷿-: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ- ٣٥- يقول ما على الرسول إلا أن يبلغ ويبين لكم أن الله﷿- لم يحرم الحرث والأنعام، ثم قال﷿-: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني أن وحدوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ يعني عبادة الأوثان فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ إلى دينه وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ يعني وجبت الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ- ٣٦- رسلهم بالعذاب الذين حقت عليهم الضلالة في الدنيا يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا عقوبته ولا يكذبوا محمداﷺ- وقال
[ ٢ / ٤٦٨ ]
سبحانه-: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ يا محمدﷺ- فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلى دينه مَنْ يُضِلُّ يقول من أضله الله فلا هادي له وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ- ٣٧- يعنى ما نعين من العذاب وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يقول جهدوا في أيمانهم حين حلفوا بالله﷿- يقول الله سبحانه. إن القسم بالله لجهد «١» أيمانهم يعني كفار مكة لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ فكذبهم الله﷿- فقال: بَلى يبعثهم الله﷿- وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا نظيرها في الأنبياء كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ «٢» يقول الله تعالى كما بدأتهم فخلقتهم ولم يكونوا شيئا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني أهل مكة [٢٠٣ ب] لا يَعْلَمُونَ- ٣٨- أنهم مبعوثون من بعد الموت، يبعثهم الله لِيُبَيِّنَ لَهُمُ يعني ليحكم الله بينهم في الآخرة الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ يعني البعث وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالبعث أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ- ٣٩- بأن الله لا يبعث الموتى، ثم قال سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا يعني أمرنا في البعث لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ مرة واحدة كُنْ فَيَكُونُ- ٤٠- لا يثني قوله مرتين، ثم قال سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا قومهم إلى المدينة واعتزلوا بدينهم من المشركين فِي اللَّهِ وفروا إلى الله﷿- مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا يعني من بعد ما عذبوا على الإيمان بمكة نزلت في خمسة نفر:
عمار بن ياسر مولى أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وبلال بن أبي رباح المؤذن، وصهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان بن النمر بن قاسط، وخباب بن الأرت
_________________
(١) من ل، وفى أ: إن المقسم بالله يجهد. []
(٢) سورة الأنبياء: ١٠٤.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وهو عبد الله «١» بن سعد بن خزيمة بن كعب مولى لأم أنمار امرأة الأخنس بن شريق.
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ يعني لنعطينهم فِي الدُّنْيا حَسَنَةً يعني بالحسنة الرزق الواسع وَلَأَجْرُ يعني جزاء الْآخِرَةِ يعني الجنة أَكْبَرُ يعني أعظم مما أعطوه في الدنيا من الرزق لَوْ كانُوا يعني أن لو كانوا يَعْلَمُونَ- ٤١-، ثم نعتهم فقال سبحانه: الَّذِينَ صَبَرُوا على العذاب في الدنيا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ- ٤٢- يعني وبه يثقون وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ نزلت في أبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، وذلك أنهم قالوا في سبحان: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا «٢» يأكل، ويشرب، وترك الملائكة فأنزل الله﷿: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا محمدﷺ «إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ» ثم قال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعني التوراة إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- ٤٣- بأن الرسل كانوا من البشر فسيخبرونكم أن الله﷿- لم يبعث رسولا إلا من الإنس يعني بِالْبَيِّناتِ بالآيات «٣» وَالزُّبُرِ يعني حديث الكتب وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ يعني القرآن لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ من ربهم وَلَعَلَّهُمْ يعني لكي يَتَفَكَّرُونَ- ٤٤- فيؤمنوا ثم خوف كفار مكة فقال سبحانه: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ يعنى الذين قالوا الشرك
_________________
(١) فى ل: وهو ابن عبد الله، أ: وهو عبد الله.
(٢) سورة الإسراء: ٩٤.
(٣) فى أ، ل: فسر بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ آية ٤٤ قبل فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ آية ٤٣.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ يعني جانبا منها أَوْ يَأْتِيَهُمُ غير الخسف الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ- ٤٥- يعني لا يعلمون أنه يأتيهم منه أَوْ يَأْخُذَهُمْ العذاب فِي تَقَلُّبِهِمْ في الليل والنهار فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ- ٤٦- يعني سابقي الله﷿- بأعمالهم الخبيثة حتى يجزيهم بها أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ يقول يأخذ أهل هذه القرية بالعذاب ويترك الأخرى قريبا منها لكي يخافوا فيعتبروا، يخوفهم بمثل ذلك فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ يعني يرق لهم رَحِيمٌ- ٤٧- بهم حين لا يعجل عليهم بالعقوبة، ثم وعظ [٢٠٤ أ] كفار مكة ليعتبروا فى صنعه، فقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فى الأرض يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا وذلك أن الشجر، والبنيان، والجبال، والدواب، وكل شيء، إذا طلعت عليه الشمس يتحول ظل كل شيء عن اليمين قبل المغرب، فذلك قوله سبحانه: «يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ» يعني يتحول الظل فإذا زالت الشمس، تحول الظل عن الشمال قبل المشرق كسجود كل شيء في الأرض لله- تعالى- ظله فى النهار سجدا اللَّهُ يقول وَهُمْ داخِرُونَ- ٤٨- يعني صاغرون وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ من الملائكة وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أيضا يسجدون.
«قال: قال مُقَاتِلُ﵀-: إذا قال: «ما فِي السَّماواتِ» يعنى من لملائكة وغيرهم وكل شيء في السماء، والأرض «١»، والجبال، والأشجار، وكل شيء في الأرض. وإذا قال: «من في السموات» يعني كل ذي روح من
_________________
(١) هكذا فى أ، والقول كله ليس فى ل.
[ ٢ / ٤٧١ ]
الملائكة، والآدميين، والطير، والوحوش، والدواب، والسباع، والهوام، والحيتان. في الماء، وكلُّ ذي روح أيضا» «١» يسجدون.
ثم نعت الله الملائكة فقال: «وَالْمَلائِكَةُ» «٢» وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ- ٤٩- يعني لا يتكبرون عن السجود يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ الذي هو فوقهم لأن الله- تعالى- فوق كل شيء، خلق العرش «٣»، والعرش فوق كل شيء وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ- ٥٠- وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ وذلك أن رجلا من المسلمين، دعا الله﷿- في صلاته، ودعا الرحمن.
فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمدﷺ- وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين. فأنزل الله﷿- فى قوله: «لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ» إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ- ٥١- يعني إياي فخافون في ترك التوحيد فمن لم يوحد فله النار ثم عظم الرب﵎- نفسه من أن يكون معه إله آخر. فقال﷿- وَلَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق عبيده وفي ملكه وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا يعني الإسلام دائما أَفَغَيْرَ اللَّهِ من الآلهة تَتَّقُونَ- ٥٢- يعنى تعبدون يعنى كفار مكة ثم ذكرهم النعم. فقال سبحانه: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ليوحدوا رب هذه النعم يعني بالنعم الخير، والعافية ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ
_________________
(١) النص من أ، وهو ساقط من ل.
(٢) ساقطة من أ، ل
(٣) هكذا فى أ. وفى ل: لأن الله فوق كل خلق على العرش. وقد اتهم مقاتل بالتشبيه والتجسيم، وانظر ما كتبته فى الدراسة عن مقاتل وعلم الكلام.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
يعني الشدة وهو الجوع، والبلاء وهو قحط المطر بمكة سبع سنين فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ- ٥٣- يعني تضرعون بالدعاء لا تدعون غيره أن يكشف عنكم ما نزل بكم من البلاء والدعاء حين قالوا في حم الدخان: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ «١» يعني مصدقين «٢» بالتوحيد ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ يعني الشدة وهو الجوع، وأرسل السماء بالمطر مدرارا إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ- ٥٤- يعنى يتركون التوحيد لله- تعالى-[٢٠٤ ب] في الرخاء فيعبدون غيره وقد وحدوه في الضر لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ يعني لئلا يكفروا بالذي أعطيناهم من الخير والخصب في كشف الضر عنهم وهو الجوع فَتَمَتَّعُوا إلى آجالكم قليلا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ- ٥٥- هذا وعيد نظيرها في الروم «٣»، وإبراهيم «٤»، والعنكبوت «٥» .
وَيَجْعَلُونَ يعني ويصفون لِما لا يَعْلَمُونَ من الآلهة أنها آلهة نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الحرث والأنعام تَاللَّهِ قل لهم يا محمد «٦»: والله لَتُسْئَلُنَّ فى الآخرة عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ- ٥٦- حين زعمتم أن الله أمركم بتحريم الحرث والأنعام، ثم قال يعنيهم: وَيَجْعَلُونَ يعني ويصفون
_________________
(١) سورة الدخان: ١٢.
(٢) فى أ: مصدقون، ل: مصدقين.
(٣) يشير إلى ٣٤ من سورة الروم وهي: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
(٤) يشير إلى الآيات الأخيرة من سورة إبراهيم من ٤٢ إلى ٥٢ فى ختام السورة حيث يقول سبحانه: هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.
(٥) يشير إلى ٦٦ من سورة العنكبوت وهي لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. كما ورد هذا الوعيد فى سورة المائدة ١٤، والأنعام: ١٣٥ والحجر: ٢، ٩٦، والنحل: ٥٥، والفرقان: ٤٢. والصافات: ١٧٠. والتكاثر: ٣، ٤.
(٦) فى أ: يا محمدﷺ، ل: يا محمد. []
[ ٢ / ٤٧٣ ]
لِلَّهِ الْبَناتِ حين زعموا أن الملائكة بنات الله- تعالى سُبْحانَهُ نزه نفسه عن قولهم ثم قال﷿-: وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ- ٥٧- من البنين، ثم أخبر عنهم فقال سبحانه: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى فقيل له ولدت لك ابنة ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا يعني متغيرا وَهُوَ كَظِيمٌ- ٥٨- يعني مكروبا «١» يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ يعني لا يريد أن يسمع تلك البشرى أحدا، ثم أخبر عن صنيعه بولده فقال سبحانه: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ. فأما الله فقد علم أنه صانع أحدهما لا محالة «٢» أَمْ يَدُسُّهُ وهي حية فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ- ٥٩- يعنى ألا بئس ما يقضون حين يزعمون أن لي البنات وهم يكرهونها لأنفسهم، ثم أخبر عنهم فقال سبحانه:
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال مَثَلُ السَّوْءِ يعني شبه السوء وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى لأنه﵎- ربا واحدٌ، لا شريك له، ولا ولد وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه ﷻ، لقولهم إن الله لا يقدر على البعث، الْحَكِيمُ- ٦٠- في أمره حكم البعث، ثم قال﷿-: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ يعني كفار مكة بِظُلْمِهِمْ يعني بما عملوا من الكفر والتكذيب، لعجل لهم العقوبة، مَا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ يعني فوق الأرض من دابة يعني يقحط المطر فتموت الدواب وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى الذي وقت لهم في اللوح المحفوظ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ يعني وقت عذابهم في الدنيا
_________________
(١) فى أ: مكروب.
(٢) هكذا فى أ، ل. والأنسب: تأخيرها إلى ختام الآية.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ- ٦١- يعني لا يتأخرون عن أجلهم حتى يعذبوا في الدنيا وَيَجْعَلُونَ يعني ويصفون لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ من البنات يقولون لله البنات، وَتَصِفُ يعني وتقول، أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ب أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى البنين وله البنات، لا جَرَمَ قسما حقا، أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ- ٦٢- يعني متروكون في النار لقولهم لله البنات، تَاللَّهِ يعني والله لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكذبوهم فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ الكفر والتكذيب [٢٠٥ أ] فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ يعني الشيطان وليهم في الآخرة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٦٣- يعنى وجيع وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ يا محمدﷺ- الْكِتابَ يعني القرآن إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وذلك أن أهل مكة اختلفوا في القرآن فآمن به بعضهم وكفر بعضهم وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لمن آمن بالقرآن فذلك قوله: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٦٤- يعني يصدقون بالقرآن أنه جاء من الله﷿- ثم ذكر صنعه ليعرف توحيده فقال تعالى:
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بالنبات إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول إن في المطر والنبات لعبرة وآية، لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ- ٦٥- المواعظ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً يعني التفكر نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا من القذر سائِغًا لِلشَّارِبِينَ- ٦٦- يسيغ من يشربه وهو لا يسيغ الفرث والدم، ثم قال سبحانه: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا يعنى
[ ٢ / ٤٧٥ ]
بالثمرات لأنها جماعة ثمر «١» يعني بالسكر ما حرم من الشراب مما يسكرون من ثمره يعني النخيل والأعناب وَرِزْقًا حَسَنًا يعني طيبا نسختها الآية التي في المائدة «٢» كقوله﷿-: قَرْضًا حَسَنًا «٣» يعني طيبة بها «٤» أنفسهم، بما لا يسكر منها من الشراب وثمرتها فهذا الرزق الحسن، ثم قال سبحانه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ٦٧- يعني فيما ذكر من اللبن والثمار «٥» لعبرة لقوم يعقلون بتوحيد الله﷿- ثم قال: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ إلهاما «٦» من الله﷿- يقول قذف فيها «٧» أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ- ٦٨- يعني ومما يبنون من البيوت ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي يقول فادخلي سُبُلَ رَبِّكِ في الجبال وخلل الشجر ذُلُلًا لأن الله- تعالى- ذلل لها طرقها حيثما توجهت يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ يعني عملا مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أبيض وأصفر، وأحمر فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ يعني العسل شفاء لبعض الأوجاع إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني فيما ذكر من أمر
_________________
(١) من أ، وفى ل: يعنى بالثمرات لأنها جماعة، فكلمة «ثمر» فى أ، ليست فى ل.
(٢) يشير إلى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ سورة المائدة: ٩٠، ٩١. والآيتان تفيدان تحريم الخمر تحريما قاطعا لأنهما ذكرا أن الخمر رجس من عمل الشيطان وأمر الله باجتنابها ونهى عن شربها، وسلك أبلغ الأساليب فى الزجر عنها وبيان تحريمها.
(٣) سورة البقرة: ٢٤٥، المائدة: ١٢، الحديد: ١٨، التغابن: ١٧، المزمل: ٢٠.
(٤) فى أ، ل: بها، والأنسب: به.
(٥) من ل، وفى أ: من الثمار واللبن.
(٦) فى ل: إلهام، أ: إلهاما.
(٧) من ل، وفى أ: يقول فيها.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
النحل وما يخرج من بطونها لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ- ٦٩- في توحيد الله﷿- ثم قال سبحانه: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ولم تكونوا شيئا لتعتبروا في البعث ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ عند آجالكم وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ يعني الهرم لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بالبعث أنه كائن قَدِيرٌ- ٧٠- يعنى قادرا «١» عليه وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ يعني جعل بعضكم أحرارا، وبعضكم عبيدا فوسع على بعض الناس وقتر على بعض فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا يعنى الرزق من الأموال «٢» بِرَادِّي رِزْقِهِمْ [٢٠٥ ب] يقول برادي أموالهم عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ يعني عبيدهم يقول أفيشركونهم وعبيدهم في أموالهم فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ فيكونون فيه سواء «٣»، بأنهم قوم لا يعقلون شيئا أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ- ٧١- يعني ينكرون بأن الله يكون واحدا لا شريك له وهو رب هذه النعم، يقول: كيف أشرك الملائكة وغيرهم في ملكي وأنتم لا ترضون الشركة من عبيدكم في أموال فكما لا تدخلون عبيدكم في أموالكم فكذلك لا أدخل معي شريكا في ملكي وهم عبادي، وذلك حين قال كفار مكة في إحرامهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا «٤» هو لك تملكه، وما ملك. نظيرها في الروم: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ » إلى آخر الآية «٥» وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا يقول بعضكم من بعض وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً يعني بالبنين الصغار والحفدة الكفار يحفدون أباهم بالخدمة وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يخدمهم أولادهم قال﷿-:
_________________
(١) فى أ: قادر، ل: قادرا.
(٢) هكذا فى أ، ل. والأنسب: يعنى فى الرزق من الأموال.
(٣) فى أ: سواء، ل: سوا.
(٤) من ل، وفى أ: إلا شريك.
(٥) سورة الروم: ٢٨. []
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني الحب والعسل ونحوه وجعل رزق غيركم من الدواب والطير لا يشبه أرزاقكم في الطيب والحسن أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ يعني أفبالشيطان يصدقون بأن مع الله﷿- شريكا وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف هُمْ يَكْفُرُونَ- ٧٢- بتوحيد الله أفلا يؤمنون برب هذه النعم فيوحدونه ثم رجع إلى كفار مكة ثم ذكر عبادتهم الملائكة، فقال سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ يعني ما لا يقدر لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ يعني المطر وَالْأَرْضِ يعني النبات شَيْئًا منه وَلا يَسْتَطِيعُونَ- ٧٣- ذلك فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ يعني الأشباه فلا تصفوا مع الله شريكا فإنه لا إله غيره إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أن ليس له شريك وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- ٧٤- أن لله شريكا، ثم ضرب للكفار مثلا ليعتبروا فقال: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ» «١» من الخير والمنفعة في طاعة الله﷿- نزلت في أبي الحواجر مولى هشام بن عمرو «٢» ابن الحارث بن ربيعة القرشي من بني عامر بن لؤي يقول فكذلك الكفار لا يقدر أن ينفق خيرا لمعاده، ثم قال﷿-: وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا يعني واسعا وهو المؤمن هشام فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ فيما ينفعه في آخرته سِرًّا وَجَهْرًا يعني علانية هَلْ يَسْتَوُونَ الكافر الذي لا ينفق خيرا
_________________
(١) «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا»: ساقط من أ.
(٢) فى أ: عمر.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
لمعاده، والمؤمن الذي ينفق في خير لمعاده «١» ثم جمعهم فقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ- ٧٥- بتوحيد الله﷿- ثم قال سبحانه:
وَضَرَبَ اللَّهُ يعني وصف الله مثلا آخر لنفسه﷿- والصنم ليعتبروا فقال [٢٠٦ أ]: «وَضَرَبَ اللَّهُ» مَثَلًا يعني شبها رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ يعني الأخرس الذي لا يتكلم وهو الصنم لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من المنفعة والخير وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ يعني الصنم عيال على مولاه الذي يعبده ينفق عليه ويكنه من الحر والشمس ويكنفه أَيْنَما يُوَجِّهْهُ يقول أينما يدعوه من شرق أو غرب من ليل أو نهار لا يَأْتِ بِخَيْرٍ يقول لا يجيئه بخير هَلْ يَسْتَوِي هُوَ يعنى هذا الصنم وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ يعني الرب نفسه﷿- يأمر بالتوحيد وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ٧٦- يعني الرب نفسه﷿- يقول أنا على الحق المستقيم ويقال أحد الرجلين عثمان بن عفان- رضوان الله عليه- والآخر أبو العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن زهرة وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك أن كفار مكة سألوا النبيﷺ- متى الساعة؟ فأنزل الله﷿- «وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» وغيب الساعة ليس ذلك إلى أحد من العباد ثم قال سبحانه: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ يعني أمر تأتي يعني البعث إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ يعنى كرجوع الطرف أَوْ هُوَ أَقْرَبُ يقول بل هو
_________________
(١) وفى البيضاوي: (مثل ما يشرك به بالمملوك العاجز عن التصرف رأسا ومثل نفسه بالحر المالك الذي رزقه الله ما لا كثيرا فهو يتصرف وينفق منه كيف شاء واحتج بامتناع الإشراك والتسوية بينهما مع تشاركهما فى الجنسية والمخلوقية على امتناع التسوية بين الأصنام التي هي أعجز المخلوقات وبين الله الغنى القادر على الإطلاق وقيل هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق) . (وهذا قول مقاتل) .
[ ٢ / ٤٧٩ ]
أسرع من لمح البصر إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من البعث وغيره قَدِيرٌ- ٧٧- وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا فعلمكم بعد ذلك الجهل وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ يعني القلوب لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ٧٨- رب هذه النعم- تعالى ذكره- فى حسن خلقكم فتوحدونه ثم وعظ كفار مكة ليعتبروا فقال﷿: - أَلَمْ يَرَوْا يعني ألا ينظروا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ يعنى فى كيد السماء مَا يُمْسِكُهُنَّ عند بسط الأجنحة وعند قبضها أحد إِلَّا اللَّهُ ﵎ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني إن في هذه لعبرة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ٧٩- يعني يصدقون بتوحيد الله﷿- ثم ذكرهم النعم فقال سبحانه: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا تسكنون فيه وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا يعني مما على جلودها من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها تتخذون منها بيوتا يعني الأبنية والخيم، والفساطيط، وغيرها تَسْتَخِفُّونَها في الحمل يَوْمَ ظَعْنِكُمْ يعني حين رحلتكم وأسفاركم وتستخفونها وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ حين تقيمون في الأسفار وتستخفونها يعني الأبيات التي تتخذونها ولا يشق عليكم ضرب الأبنية، ثم قال سبحانه: وَمِنْ أَصْوافِها يعني الضأن وَأَوْبارِها يعني الإبل وَأَشْعارِها يعني المَعَزَ أَثاثًا يعني الثياب التي تتخذ منها وَمَتاعًا إِلى حِينٍ- ٨٠- يعنى بلاغا إلى أن تبلى، ثم قال: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا يعني البيوت والأبنية وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا لتسكنوا فيها يعنى البيوت والأبنية [٢٠٦ ب] وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ
[ ٢ / ٤٨٠ ]
يعني القمص تقيكم الْحَرَّ يعني من الكتان، والقطن «١»، والصوف وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ من القتل والجراحات يعني درع الحديد بإذن الله﷿- كَذلِكَ يعني هكذا يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ- ٨١- يعني لكي تسلموا نظيرها في سبأ «٢»، والأنبياء «وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ» «٣» يعني فهل أنتم مخلصون لكي تخلصوا إليه بالتوحيد فَإِنْ تَوَلَّوْا يقول فإن أعرضوا عن التوحيد فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ- ٨٢- يقول عليك يا محمدﷺ- أن تبلغ وتبين لهم أن الله﷿- واحد لا شريك له.
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ التي ذكرهم في هؤلاء الآيات من قوله﷿-: «جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا » إلى أن قال « لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ» «٤» فتعرفون هذه النعم أنها كلها من الله﷿- وذلك أن كفار مكة كانوا إذا سئلوا من أعطاكم هذا الخير، قالوا: الله أعطانا. فإن دعوا إلى التوحيد
_________________
(١) فى حاشية أما يأتى: فى القطن ثلاث لغات ضم الطاء وإسكانها وتشديد النون مع الضم للطاء أيضا وشبهه الجبن والبدن.
(٢) يشير إلى الآيات: ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ١٩ من سورة سبأ.
(٣) سورة الأنبياء الآية: ٨٠. وليس فى سورة سبأ ما يماثل هذه الآية فى اللفظ. وإن كانت الآيات ١٥- ١٩ تقرب منها فى المعنى.
(٤) الآيتان ٨٠، ٨١ من سورة النحل وهما: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ.
[ ٢ / ٤٨١ ]
للذي أعطاهم، قالوا إنما ورثناه عن آبائنا، فذلك قوله﷿-:
ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ- ٨٣- بتوحيد رب هذه النعم- تعالى ذكره- ثم قال- جل اسمه: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا يعنى نبيها شاهدا على أمته بالرسالة أنه بلغهم «١» ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا فى الاعتذار وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ- ٨٤- نظيرها «يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ» «٢» وَإِذا رَأَى يعني وإذا عاين الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني كفروا الْعَذابَ يعني النار فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ يعني العذاب وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ- ٨٥- يعني ولا يناظر بهم فذلك قوله- سبحانه:
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ «٣» وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ من الأصنام اللات، والعزى، ومناة، قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ يعني نعبد من دونك فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ فردت شركاؤهم عليهم القول إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ- ٨٦- ما كنا لكم آلهة وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ يعني كفار مكة استسلموا له وخضعوا له وَضَلَّ عَنْهُمْ في الآخرة مَا كانُوا يَفْتَرُونَ- ٨٧- يعني يشركون من الكذب في الدنيا بأن مع الله شريكا الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعنى منعوا الناس من دين الله الإسلام وهم القادة في الكفر يعني كفار مكة زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ- ٨٨- يعني يعملون في الأرض بالمعاصي وذلك أنه يجري من تحت العرش على رءوس أهل النار خمسة أنهار من نحاس ذائب. ولهب من نار.
_________________
(١) فى أ: ثم قال. (٢- ٣) سورة غافر الآية ٥٢ وتمامها: «يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» .
[ ٢ / ٤٨٢ ]
نهران يجريان على مقدار نهار الدنيا وثلاثة أنهار على مقدار ليل الدنيا فتلك الزيادة [٢٠٧ أ] فذلك قوله سبحانه: «يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ» «١» وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني نبيهم وهو شاهد على أمته أنه بلغهم الرسالة وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ يعني أمة محمدﷺ- أنه بلغهم الرسالة وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ من أمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، وخبر الأمم الخالية وهذا القرآن وَهُدىً «٢» من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لمن عمل به وَبُشْرى يعني ما فيه من الثواب لِلْمُسْلِمِينَ- ٨٩- يعني المخلصين. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ بالتوحيد وَالْإِحْسانِ يعني العفو عن الناس وَإِيتاءِ يعني وإعطاء ذِي الْقُرْبى المال يعني صلة «٣» قرابة الرجل كقوله: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ «٤» يعني صلته، ثم قال سبحانه: وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ يعني المعاصي وَالْمُنْكَرِ يعني الشرك وما لا يعرف من القول وَالْبَغْيِ يعني ظلم الناس يَعِظُكُمْ يعني يؤدبكم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ- ٩٠- يعني لكي تذكروا فتتأدبوا «٥» . لما نزلت هذه الآية بمكة قال أبو طالب ابن عبد المطلب: يا آل غالب «٦» اتبعوا محمداﷺ- تفلحوا
_________________
(١) سورة الرحمن: ٣٥.
(٢) فى أ: «هدى» .
(٣) فى أ: صلته.
(٤) سورة الإسراء: ٢٦.
(٥) فى أ: فيتأدبوا. []
(٦) فى أ، ل: غالب. ولعلها محرفة عن طالب.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وترشدوا والله إن ابن أخي ليأمر بمكارم الأخلاق، وبالأمر الحسن، ولا يأمر إلا بحسن الأخلاق، والله لئن كان محمدﷺ- صادقا أو كاذبا ما يدعوكم إلا إلى الخير، فبلغ ذلك الوليد بن المغيرة فقال: إن كان محمدﷺ- قاله، فنعم ما قال، وإن إلهه قاله، فنعم ما قال، فأتنا بلسانه ولم يصدق محمداﷺ- بما جاء به ولم يتبعه، فنزلت «أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلًا» بلسانه «وَأَكْدى» «١» يعني وقطع ذلك، ثم قال﷿-: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها يقول لا تنقضوا الأيمان بعد تشديدها وتغليظها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا يعني شهيدا في وفاء العهد إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ- ٩١- في الوفاء والنقض، ثم ضرب مثلا لمن ينقض العهد، فقال سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها يعني امرأة من قريش حمقاء مصاحبة «٢» أسلمت بمكة تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة، وسميت جعرانة لحماقتها، وكانت إذا غزلت الشعر أو الكتان نقضته قال الله﷿-: لا تنقضوا العهود بعد توكيدها كما نقضت المرأة الحمقاء غزلها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ من بعد ما أبرمته أَنْكاثًا يعني نقضا، فلا هي تركت الغزل فينتفع به، ولا هي كفت عن العمل. فذلك الذي يعطي العهد، ثم ينقضه، لا هو حين أعطى العهد وفى به، ولا هو ترك العهد فلم يعطه- من بعد قوة- يعنى [٢٠٧ ب] من بعد جده ولم يأثم بربه، ثم قال سبحانه: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ
_________________
(١) سورة النجم: ٣٣- ٣٤.
(٢) ورد فى لباب النقول للسيوطي: ١٣٤. أنها كانت مجنونة تجمع الشعر والليف، فنزلت هذه، وفى أ، ل: مصاحبة.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
يعني العهد دَخَلًا بَيْنَكُمْ يعني مكرا وخديعة يستحل به نقض «١» العهد أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ يعني إنما يبتليكم الله بالكثرة وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يعنى من لا يفي منكم بالعهد يعني وليحكمن بينكم يَوْمَ الْقِيامَةِ «مَا كُنْتُمْ» «٢» فِيهِ من الدين تَخْتَلِفُونَ- ٩٢- ثم قال سبحانه:
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يعني على ملة الإسلام وَلكِنْ يُضِلُّ عن الإسلام مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إلى الإسلام مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ يوم القيامة عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٩٣- في الدنيا، ثم قال سبحانه: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ يعني العهد دَخَلًا بَيْنَكُمْ بالمكر والخديعة فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها يقول إن ناقض العهد يزل في دينه كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة وَتَذُوقُوا السُّوءَ يعني العقوبة بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني بما منعتم الناس عن دين الله الإسلام وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ- ٩٤- في الآخرة. ثم وعظهم فقال سبحانه: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا يقول ولا تبيعوا الوفاء بالعهد فتنقضونه بعرض يسير من الدنيا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب لمن وفى منكم بالعهد هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من العاجل إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ٩٥- ثم زهدهم في الأموال فقال سبحانه: ما عِنْدَكُمْ من الأموال إضمار يَنْفَدُ يعني يفنى وَما عِنْدَ اللَّهِ في الآخرة من الثواب باقٍ يعني دائم لا يزول عن أهله وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا على أمر الله﷿- في وفاء العهد في الآخرة أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يعنى بأحسن الذي كانوا يَعْمَلُونَ
_________________
(١) فى أ: بعض.
(٢) فى أ: (فيما كنتم) .
[ ٢ / ٤٨٥ ]
- ٩٦- في الدنيا ويعفو عن سيئاتهم فلا يجزيهم بها أبدا. نزلت في امرئ القيس بن عباس الكندي، حين حكم عبدان بن أشرع الحضرمي في أرضه وراده على حقه. ثم قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ يعني مصدق بتوحيد الله﷿- فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً يعني حياة حسنة في الدنيا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ يعني جزاءهم في «١» الآخرة بأحسن مَا كانُوا بأحسن الذي كانوا يَعْمَلُونَ- ٩٧- في الدنيا، ولهم مساوئ لا يجزيهم بها أبدا، فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ في الصلاة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ- ٩٨- يعني إبليس الملعون إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ يعني ملك عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا في علم الله في الشرك فيضلهم عن الهدى وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ- ٩٩- يقول بالله يتقون إِنَّما سُلْطانُهُ يعنى ملكه عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ يعني يتبعونه على أمره فيضلهم عن دينهم الإسلام وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ يعني بالله مُشْرِكُونَ- ١٠٠- كقوله سبحانه: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ «٢» [٢٠٨ أ] من ملك يعني إبليس على أمره. قوله﷿: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ يعني وإذا حولنا آية فيها شدة «٣» فنسخناها وجئنا مكانها بغيرها ألين منها وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ من التبديل من غيره قالُوا «٤» قال كفار مكة للنبيﷺ-: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ يعني متقول على الله الكذب من تلقاء نفسك قلت
_________________
(١) فى أ: يعنى جزاؤهم.
(٢) سورة إبراهيم: ٢٢.
(٣) فى أ: تقديم، ل: شدة.
(٤) فى أ، ل: (قال) .
[ ٢ / ٤٨٦ ]
كذا وكذا ثم نقضته وجئت بغيره «١» بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ- ١٠١- أن الله أنزله فإنك لا تقول إلا ما قد قيل لك قُلْ يا محمد لكفار مكة هذا القرآن نَزَّلَهُ عليَّ رُوحُ الْقُدُسِ يعني جبريل﵇- مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لم ينزله باطلا لِيُثَبِّتَ يعني ليستيقن «٢» الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بما في القرآن من الثواب وَهُدىً من الضلالة وَبُشْرى لما فيه من الرحمة لِلْمُسْلِمِينَ- ١٠٢- يعني المخلصين بالتوحيد وأنزل الله﷿ «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ» من القرآن «وَيُثْبِتُ» فينسخه ويثبت الناسخ «وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» «٣» وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ وذلك أن غلاما لعامر بن الحضرمي القرشي يهوديا أعجميا كان يتكلم بالرومية يسمى يسار ويكنى أبا فكيهة كان كفار مكة إذا رأوا النبيﷺ- يحدثه قالوا: إنما يعلمه يسار، أبو فكيهة «٤»، فأنزل الله- تعالى «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ»، ثم أخبر عن كذبهم فقال سبحانه: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ يعني يميلون كقوله- سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ «٥» يعني يميل أَعْجَمِيٌّ رومي يعني أبا فكيهة وَهذا القرآن لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ- ١٠٣- يعني بين يعقلونه نظيرها في «حم السجدة» قوله- سبحانه:
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ «٦» لقالوا محمد
_________________
(١) فى أ، ل زيادة: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ» من التبديل وغيره. وليس هذا مكانها، فأرجعتها إلى مكانها.
(٢) فى أ: ليستعين.
(٣) سورة الرعد: ٣٩.
(٤) هكذا فى أ، ل.
(٥) سورة الحج: ٢٥. []
(٦) سورة فصلت: ٤٤.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
- ﷺ- عربي والقرآن أعجمي فذلك قوله سبحانه: قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا
إلى آخر الآية. فضربه سيده فقال: إنك تعلم محمداﷺ- فقال أبو فكيهة: بل هو يعلمني. فأنزل الله﷿- في قولهم: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ «١» لقولهم إنما يعلم محمداﷺ- يسار أبو فكيهة. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ «بِآياتِ اللَّهِ» «٢» يعني لا يصدقون بالقرآن أنه جاء من الله﷿- ويزعمون إن محمدًاﷺ- يتعلم من أبي فكيهة لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لدينه وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ- ١٠٤- يعني وجيع، ثم رجع إلى قول المشركين حين قالوا للنبيﷺ- إنما أنت مفتر تقول هذا القرآن من تلقاء نفسك، فأنزل الله تعالى: إِنَّما يَفْتَرِي يعني يتقول الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني لا يصدقون بالقرآن أنه جاء من الله﷿- وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ- ١٠٥-[٢٠٨ ب] في قولهم للنبيﷺ- إنه مفتر مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ نزلت في عبد الله بن سعد بن أبى سرح القرشي، ومقيس ابن ضبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن حنظل من بني تميم بن مرة، وطعمة بن أبيرق الأنصاري من بني ظفر بن الحارث، وقيس بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيس بن الفاكه بن المغيرة المخزومي، قتلا ببدر، ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على الكفر وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ يعني راض بِالْإِيمانِ كقوله-
_________________
(١) سورة الشعراء: ١٩٢، ١٩٣.
(٢) ساقطة من أ، ل.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
﷿-: فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ «١» نزلت فى جبر غلام عامر بن الحضرمي كان يهوديا فأسلم حين سمع أمر يوسف وإخوته فضربه سيده حتى يرجع إلى اليهودية، ثم قال﷿-: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ من وسع بِالْكُفْرِ صَدْرًا إلى أربع آيات يعني عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهؤلاء المسلمين فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ- ١٠٦- في الآخرة ذلِكَ الغضب والعذاب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا يعني اختاروا الْحَياةَ الدُّنْيا الفانية، عَلَى الْآخِرَةِ الباقية وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلى دينه الْقَوْمَ الْكافِرِينَ- ١٠٧- ثم أخبر عنهم فقال سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ يعني ختم الله عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر وَعلى سَمْعِهِمْ وَعلى أَبْصارِهِمْ فهم لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ- ١٠٨- عن الآخرة، لا جَرَمَ قسما حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ- ١٠٩- ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى النبيﷺ- بالمدينة مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا يعني من بعد ما عذبوا على الإيمان بمكة ثُمَّ جاهَدُوا مع النبيﷺ- وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها يعني من بعد الفتنة لَغَفُورٌ لما سلف من ذنوبهم رَحِيمٌ- ١١٠- بهم فيها. نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو القرشي من بني عامر بن لؤي، وسلمة بن هشام ابن المغيرة، والوليد بن المغيرة المخزومي، وعبد الله بن أسيد الثقفي، يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ يعنى تخاصم عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى يعنى وتوفر «٢» كُلُّ نَفْسٍ
_________________
(١) سورة الحج: ١١
(٢) فى أ: وتوفر وتنبا، ل: وتوفى.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
بر وفاجر مَا عَمِلَتْ في الدنيا من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- ١١١- في أعمالهم ولا تسأل الرجعة كل نفس في القرآن إلا كافرة وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا يعني وصف الله شبها قَرْيَةً يعني مكة كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً أهلها من القتل والسبي يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا يعنى ما شاءوا «١» مِنْ كُلِّ مَكانٍ يعني من كل النواحي من اليمن، والشام، والحبش ثم بعث فيهم محمدﷺ- رسولا يدعوهم إلى معرفة رب هذه النعم وتوحيده- جل ثناؤه- فإنه من لم يوحده لا يعرفه فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ حين لم يوحدوه [٢٠٩ أ] وقد جعل الله لهم «٢» الرزق، والأمن في الجاهلية نظيرها في القصص والعنكبوت قوله سبحانه:
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ «٣» وقوله﷿- في العنكبوت أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ «٤» فَأَذاقَهَا اللَّهُ في الإسلام ما كان دفع عنها في الجاهلية لِباسَ الْجُوعِ سبع سنين وَالْخَوْفِ يعني القتل بِما كانُوا يَصْنَعُونَ- ١١٢- يعني بما كانوا يعملون من الكفر والتكذيب وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ يعني محمداﷺ- مِنْهُمْ يعرفونه ولا ينكرونه فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ يعني الجوع سبع سنين وَهُمْ ظالِمُونَ- ١١٣- فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ يا معشر المسلمين ما حرمت «٥» قريش، وثقيف، وخزاعة، وبنو مدلج، «وعامر بن
_________________
(١) فى أ: ما يشاءوا، ل: ما شاءوا.
(٢) فى أ: لكم، ل: لهم.
(٣) سورة القصص: ٥٧.
(٤) سورة العنكبوت: ٦٧.
(٥) فى أ، ل: ما حرمت.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
صعصعة، والحارث، وعامر بن عبد مناة، للآلهة من الحرث» «١» والأنعام حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ فيما رزقكم من تحليل الحرث والأنعام إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ- ١١٤- ولا تحرموا ما أحل اللَّه لَكُمْ من الحرث والأنعام ثُمّ بين ما حرم قال﷿-: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ يعنى وما ذبح لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ من الآلهة فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شيء مما حرم الله﷿- في هذه الآية غَيْرَ باغٍ يستحلها في دينه وَلا عادٍ يعني ولا معتد «٢» لم يضطر إليه فأكله فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أصاب من الحرام رَحِيمٌ- ١١٥- بهم حين أحل لهم عند الاضطرار ثم عاب من حرم ما أحل الله﷿- فقال سبحانه: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ يعني لما تقول أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ يعني ما حرموا للآلهة من الحرث والأنعام وما أحلوا منها لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يعني يزعمون أن الله﷿- أمرهم بتحريم الحرث والأنعام، ثم خوفهم فقال سبحانه:
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بأنه أمر بتحريمه لا يُفْلِحُونَ- ١١٦- في الآخرة يعني لا يفوزون ثم استأنف فقال سبحانه: مَتاعٌ قَلِيلٌ يتمتعون في الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ١١٧- يقول في الآخرة يصيرون إلى عذاب وجيع، ثم بين ما حرم على اليهود فقال سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ فى سورة الأنعام قبل سورة النحل قال سبحانه-
_________________
(١) ما بين الأقواس من ل. وهو ساقط من: أ.
(٢) فى أ، ل: ولا معتدى.
[ ٢ / ٤٩١ ]
«وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ «١» ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا» يعنى المبعر «أَوْ مَا اخْتَلَطَ» من الشحم «بِعَظْمٍ» «٢» فهو لهم حلال من قبل سورة النحل وَما ظَلَمْناهُمْ بتحريمنا عليهم الشحوم واللحوم وكل ذي ظفر وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- ١١٨- بقتلهم الأنبياء واستحلال الربا والأموال وبصدهم الناس عن دين الله﷿- ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ نزلت [٢٠٩ ب] في جبر غلام ابن الحضرمي أكره على الكفر بعد إسلامه وقلبه مطمئن بالإيمان يقول راض بالإيمان فعمد النبيﷺ- فاشتراه وحل وثاقه. وتاب من الكفر وزوجه مولاة لبني عبد الدار فأنزل الله﷿- فيه «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ» فكل ذنب من المؤمن فهو جهل منه ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ السوء وَأَصْلَحُوا العمل إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ يعني من بعد الفتنة لغفور لما سلف من ذنوبهم رَحِيمٌ- ١١٩- بهم فيما بقى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً يعني معلما يعني إماما يقتدى به في الخير قانِتًا مطيعا لِلَّهِ حَنِيفًا يعني مخلصا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ١٢٠- يهوديا ولا نصرانيا شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ يعني لأنعم الله﷿- اجْتَباهُ يعني استخلصه للرسالة والنبوة وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ١٢١- يعني إلى دين مستقيم وهو الإسلام وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
_________________
(١) فى أ: على.
(٢) سورة الأنعام الآية ١٤٦ وتمامها: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» . []
[ ٢ / ٤٩٢ ]
يقول وأعطينا إبراهيم في الدنيا مقالة حسنة بمضيته وصبره على رضا ربه «١» - ﷿- حين ألقي في النار وكسر الأصنام وأراد ذبح ابنه إسحاق، والثناء الحسن «٢» من أهل الأديان كلهم يتولونه جميعا «ولا يتبرأ منه أحد منهم» «٣» وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ- ١٢٢- ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا يعني الإسلام حنيفا يعني مخلصا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ١٢٣- إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ يوم السبت وذلك أن موسى﵇- أمر بني إسرائيل أن يتفرغوا كل سبعة أيام للعبادة، يعني يوم الجمعة، وأن يتركوا فيه عمل دنياهم. فقالوا لموسى﵇-:
نتفرغ يوم السبت، فإن الله- تعالى- لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعل لنا السبت عيدا نتعبد فيه. فقال موسى﵇-: إنما أمرت بيوم الجمعة. فقال أحبارهم: انظروا إلى ما يأمركم به نبيكم فانتهوا «٤» إليه، وخذوا به.
فأبوا إلا يوم السبت فلما رأى موسى﵇- حرصهم على يوم السبت واجتماعهم عليه أمرهم به، فاستحلوا فيه المعاصي، فذلك قوله﷿-:
«إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ» يقول إنما أمر بالسبت على الذين كان اختلافهم فيه حين قال بعضهم: يوم السبت. وقال بعضهم: اتبعوا أمر نبيكم في الجمعة. ثم قال- سبحانه-: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ يعني ليقضي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يعنى فى السبت يَخْتَلِفُونَ
_________________
(١) فى أ: رضا به، ل: رضا ربه.
(٢) فى أ: فى، ل: من.
(٣) من ل، وفى أ: ولا يبرأ منه أحد.
(٤) فانتهوا: ساقطة من ل.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
- ١٢٤- ثم إن الله﷿- قال للنبيﷺ-:
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ يعني دين ربك وهو الإسلام بِالْحِكْمَةِ يعني بالقرآن وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ يعني بما فيه من الأمر والنهى [٢١٠ أ] وَجادِلْهُمْ يعني أهل الكتاب بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بما في القرآن من الأمر والنهي إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعنى دينه الإسلام وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ- ١٢٥- يعني بمن قدر الله له الهدى من غيره وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وذلك أن كفار مكة قتلوا يوم أحد طائفة من المؤمنين ومثلوا بهم منهم حمزة بن عبد المطلب، عم رسول اللهﷺ- بقروا بطنه وقطعوا مذاكيره وأدخلوها فى فيه، وحنظلة ابن أبي عامر غسيل الملائكة فحلف المسلمون للنبيﷺ- «لئن دالنا الله﷿- منهم «١»» لنمثان بهم أحياء فأنزل الله﷿: «فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» يقول مثلوا هم بموتاكم لا تمثلوا بالأحياء منهم وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عن المثلة لَهُوَ «٢» خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ- ١٢٦- من المثلة نزلت فى الأنصار ثم قال للنبيﷺ-: وكانوا مثلوا بعمه حمزة ابن عبد المطلب﵇- وَاصْبِرْ على المثلة البتة وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ يقول أنا ألهمك حتى تصبر
فقال النبيﷺ- للأنصار: إني قد أمرت بالصبر البتة أفتصبرون؟ قالوا: يا رسول الله، أما إذ صبرت وأمرت بالصبر فإنا نصبر
يقول الله تعالى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن تولوا عنك
_________________
(١) فى ل: لئن أدالنا الله ﷿ عليهم. أ: دالنا الله ﷿.
(٢) فى أ: فهو.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
فلم يجيبوك إلى الإيمان وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ- ١٢٧- يقول لا يضيقن صدرك مما يمكرون يعني مما يقولون يعني كفار مكة حين قالوا للنبيﷺ-: أيام الموسم هذا دأبنا ودأبك وهم الخراصون وهم المستهزءون. فضاق صدر النبيﷺ- بما قالوا. يقول الله﷿-: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك في العون والنصر لهم وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ- ١٢٨- يعنى فى إيمانهم.
[ ٢ / ٤٩٥ ]