بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
[ ٣ / ٤٢٦ ]
سورة لقمان «١» سورة لقمان مكية وهي أربع «٢» وثلاثون آية كوفية.
_________________
(١) المقصود الإجمالى لسورة لقمان هو: بشارة المؤمنين بنزول القرآن، والأمر بإقامة الصلاة وأداء الزكاة، والشكاية من قوم اشتغلوا بلهو الحديث، والشكاية عن المشركين فى الإعراض عن الحق، وإقامة الحجة عليهم، والمنة على لقمان بما أعطى من الحكمة، والوصية بير الوالدين ووصية لقمان لأولاده، والمنة بإسباغ النعمة، وإلزام الحجة على أهل الضلالة، وبيان أن كلمات القرآن بحور المعاني والحجة على حقيقة البعث والشكاية من المشركين بإقنالهم على الحق فى وقت المحنة. وإعراضهم عنه فى وقت النعمة، وتخويف الخلق بصعوبة القيامة وهو لها، وبيان أن خمسة علوم مما يختص به الرب الواحد- تعالى- فى قوله: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» سورة لقمان: ٣٤.
(٢) فى أ: أربعة. وفى المصحف (٣١) سورة لقمان مكية. إلا الآيات ٢٧، ٢٨، ٢٩ فمدنية. وآياتها ٣٤ نزلت بعد الصافات.
[ ٣ / ٤٣١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم- ١- تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ- ٢- يعني﷿- المحكم من الباطل هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لِلْمُحْسِنِينَ- ٣- يعني للمتقين، ثم نعتهم فقال- سبحانه-: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني يتمون الصلاة كقوله- سبحانه: « فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ » «١» وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ من أموالهم وَهُمْ بِالْآخِرَةِ يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال هُمْ يُوقِنُونَ- ٤- بأنه كائن أُولئِكَ الذين فعلوا ذلك عَلى هُدىً يعني بيان مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ٥- وَمِنَ النَّاسِ يعني النضر بن الحارث مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ يعني باطل الحديث يقول باع القرآن بالحديث الباطل حديث رستم وأسفندباز، وزعم أن القرآن مثل حديث الأولين حديث رستم وأسفندباز لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني لكي يستنزل بحديث الباطل عن سبيل الله الإسلام بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمه وَيَتَّخِذَها هُزُوًا يقول ويتخذ آيات القرآن استهزاء به مثل حديث رستم وأسفندباز وهو الذي قال: ما هذا القرآن إلا أساطير الأولين، وذلك أن النضر ابن الحارث قدم إلى الحيرة تاجرا فوجد حديث رستم وأسفندباز فاشتراه ثم أتى به أهل مكة فقال: محمد «٢» . يحدثكم عن عاد وثمود وإنما هو مثل حديث رستم
_________________
(١) سورة النساء: ١٠٣.
(٢) فى ا: محمدﷺ.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
وأسفندباز يقول الله- تعالى-: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ- ٦- يعني وجيعا، ثم أخبر عن النضر فقال﷿-: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني وإذا قرئ عليه القرآن وَلَّى مُسْتَكْبِرًا يقول أعرض متكبرا عن الإيمان بالقرآن يقول: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها يعني كأن لم يسمع آيات القرآن كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا يعني ثقلا كأنه أصم فلا يسمع القرآن فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ- ٧- فقتل ببدر قتله علي بن أبي طالب﵇ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فى الآخرة لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ- ٨- خالِدِينَ فِيها لا يموتون وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا يعني صدقا فإنه منجز لهم ما وعدهم وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ- ٩- حكم لهم الجنة خَلَقَ السَّماواتِ السبع بِغَيْرِ عَمَدٍ فيها تقديم تَرَوْنَها يقول هن قائمات ليس لهن عمد وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ يعني الجبال أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يقول لئلا تزول بكم الأرض [٨٢ أ] وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ يقول خلق في الأرض من كل دابة وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً يعنى المطر فَأَنْبَتْنا فِيها يقول فأجرينا بالماء في الأرض مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ- ١٠- يعني كل صنف من ألوان النبت حسن هذا «الذي ذكر» «١» خَلْقُ اللَّهِ﷿- وصنعه فَأَرُونِي يعني كفار مكة ماذا خَلَقَ الَّذِينَ تدعون: يعني تعبدون مِنْ دُونِهِ يعني الملائكة نظيرها في سبأ والأحقاف، ثم استأنف الكلام بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ١١-
_________________
(١) «الذي ذكر»: ساقطة من ا. []
[ ٣ / ٤٣٣ ]
يعنى المشركين في خسران بيّن وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أعطيناه العلم والفهم من غير نبوة فهذه نعمة فقلنا له: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﷿- في نعمه فيما أعطاك من الحكمة وَمَنْ يَشْكُرْ لله- تعالى- في نعمه فيوحده فَإِنَّما يَشْكُرُ يعني فإنما يعمل الخير لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ النعم فلم يوحد ربه﷿- فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن عبادة خلقه حَمِيدٌ- ١٢- عن خلقه في سلطانه وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ واسم ابنه أنعم وَهُوَ يَعِظُهُ يعني﷿- يؤدبه يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ معه غيره إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ- ١٣- كان ابنه وامرأته كفارا فما زال بهما حتى أسلما وزعموا أن لقمان كان ابن خالة أيوب- صلى الله عليه.
حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ قال: حدثني أبي قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة بن دعامة قال: كان لقمان رجلا أفطس من أرض الحبشة. قال هذيل: ولم أسمع مُقَاتِلا.
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ سعد بن أبي وقاص بوالديه يعني أباه اسمه مالك وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف حَمَلَتْهُ أُمُّهُ حمنة وَهْنًا عَلى وَهْنٍ يعني ضعفا على ضعف وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي يعنى لله﷿- أن هداه للإسلام وَاشكر لِوالِدَيْكَ النعم فيما أولياك إِلَيَّ الْمَصِيرُ- ١٤- فأجزيك بعملك قال- تعالى-: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ لا تعلم بأن معي شريكا فَلا تُطِعْهُما فى الشرك وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا يعنى بإحسان، ثم قال لسعد- رضى لله عنه-: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني دين من أقل
[ ٣ / ٤٣٤ ]
إلي يعني النبيﷺ، ثم قال: «ثُمَّ» «١» إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ١٥- وقال ابن لقمان أنعم لأبيه:
يا أبت، إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمه الله﷿- فرد عليه لقمان﵇-: يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ يعني وزن ذرة مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ التي في الأرض السفلى وهي خضراء مجوفة لها ثلاث شعب على لون السماء أَوْ تكن الحبة [٨٢ ب] فِي السَّماواتِ السبع أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعنى بتلك الحبة إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ
باستخراجها خَبِيرٌ- ١٦- بمكانها يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ يعنى التوحيد وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني الشر الذي لا يعرف وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ فيهما من الأذى إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ- ١٧- يقول إن ذلك الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حق الأمور التي أمر اللَّه﷿- بها وعزم عليها وَقال لقمان لابنه: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ يقول لا تعرض بوجهك عن فقراء الناس إذا كلموك فخرا بالخيلاء والعظمة «وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا» «٢» إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ- ١٨- يعني﷿- كل بطر مرح فخور في نعم الله- تعالى- لا يأخذها بالشكر وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ لا تختل في مشيك ولا تبطر حيث لا يحل وَاغْضُضْ يعني واخفض مِنْ صَوْتِكَ يعني من كلامك يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق ثم ضرب للصوت الرفيع «٣» مثلا فقال﷿-:
_________________
(١) «ثم»: ساقطة من ا، ل، ف.
(٢) «وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»: ساقط من ا.
(٣) كذا فى ا، ز.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ- ١٩- يعني أقبح الأصوات لصوت الحمير، لشدة صوتهن «١» تقول العرب هذا أصوات الحمير، وهذا صوت الحمير وتقول هذا صوت الدجاج، وهذا أصوات الدجاج. وتقول هذا صوت النساء وأصوات النساء أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ يعنى الشمس والقمر والنجوم «٢» والسحاب والرياح وَسخر لكم ما فِي الْأَرْضِ يعني الجبال والأنهار فيها السفن والأشجار والنبت عاما «٣» بعام. ثم قال: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ يقول وأوسع عليكم نعمه ظاهِرَةً يعني تسوية الخلق والرزق والإسلام وَباطِنَةً يعني ما ستر من الذنوب من بني آدم فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها فهذا كله من النعم فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا ونسأله تمام النعمة في الدنيا والآخرة فإنه ولى كل حسنة وَمِنَ النَّاسِ يعني النضر بن الحارث مَنْ يُجادِلُ يعني يخاصم فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمه حين يزعم أن الله﷿- البنات يعني الملائكة وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ- ٢٠- يعني لا بيان معه من الله﷿- يقول ولا كتاب مضيء له فيه حجة بأن الملائكة بنات الله﷿- وَإِذا قِيلَ لَهُمُ يعنى للنضر اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ من الإيمان بالقرآن قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين، يقول الله﷿-:
أَوَلَوْ كانَ يعني وإن كان الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ- ٢١-
_________________
(١) فى أ، وفى ز: هذه الجملة فى آخر تفسير الآية.
(٢) من ز. وفى ا: تقول العرب هذا صوت الحمير، وهذه أصوات الحمير وتقول هذا صوت الدجاج، وهذه أصوات الدجاج. وتقول هذا صوت النساء وهذه أصوات النساء.
(٣) فى ا: عام.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
يعني الوقود يتبعونه يعني النضر بن الحارث مثله فى سورة الحج. ثم أخبر عن الموحدين فقال- سبحانه-: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ يقول من يخلص [٨٣ أ] دينه لله كقوله- تعالى-: َ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ
«١» » يعني لكل أهل دين، ثم قال: وَهُوَ مُحْسِنٌ فى عمله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ يقول فقد أخذ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى التي لا انفصام لها، لا انقطاع لها وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ- ٢٢- يعني مصير أمور العباد إلى الله﷿- في الآخرة فيجزيهم بأعمالهم وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ وذلك أن كفار مكة قالوا في «حم عسق»:
« افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا «٢» » يعنون النبيﷺ- حين يزعم أن القرآن جاء من الله﷿- فشق على النبيﷺ- قولهم وأحزنه فأنزل الله﷿- «ومن كفر» بالقرآن «فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ» إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من المعاصي إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- ٢٣- يقول إن الله﷿- عالم بما في قلب محمدﷺ- من الحزن بما قالوا له، ثم أخبر﷿- عنهم فقال:
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا فى الدنيا إلى آجالهم ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ نصيرهم إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ- ٢٤- يعني شديد لا يفتر عنهم وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ يعنى ولكن أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ- ٢٥- بتوحيد الله﷿- ثم عظم نفسه﷿- فقال:
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق عبيده وفي ملكه إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن عبادة خلقه الْحَمِيدُ- ٢٦- عند خلقه في سلطانه
_________________
(١) سورة البقرة: ١٤٨.
(٢) سورة الشورى: ٢٤، ومنها «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ» .
[ ٣ / ٤٣٧ ]
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ يعني علم الله يقول لو أن كل شجرة ذات ساق على وجه الأرض بريت أقلا ما وكانت البحور السبعة مدادا «فكتب «١» بتلك» الأقلام وجميع خلق الله﷿- يكتبون من البحور السبعة فكتبوا علم- الله تعالى- وعجائبه لنفدت تلك الأقلام وتلك البحور ولم ينفد علم الله وكلماته ولا عجائبه، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ- ٢٧- في أمره يخبر الناس أن أحدا لا يدرك علمه مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ نزلت في أبي بن خلف، وأبي الأشدين واسمه أسيد بن كلدة «٢» ومنبه ونبيه ابني الحجاج بن السباق بن حذيفة السهمي، كلهم من قريش وذلك أنهم قالوا للنبيﷺ-: إن الله خلقنا أطوارا، نطفة، علقة، مضغة، عظاما، لحما، ثم تزعم أنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة، فقال الله﷿- مَا خَلْقُكُمْ- أيها الناس- جميعا على الله- سبحانه- في القدرة- إلا كخلق نفس واحدة، وَلا بَعْثُكُمْ جميعا على الله- تعالى- إلا كبعث نفس واحدة إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ- ٢٨- لما قالوا من الخلق والبعث أَلَمْ تَرَ يا محمد أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني انتقاص كل واحد منهما من صاحبه [٨٣ ب] حتى يصير أحدهما خمس عشرة ساعة والآخر سبع ساعات وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لبنى آدم كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ وهو الأجل ال مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ فيهما خَبِيرٌ- ٢٩- ذلِكَ يقول هذا الذي ذكر من صنع الله والنهار والشمس والقمر بِأَنَّ اللَّهَ
_________________
(١) فى أ: فكتبت، وفى ز: فكتبوا بتلك الأقلام من تلك البحور السبعة، وكتبوا علم الله وعجائبه لنفدت تلك الأقلام وتلك البحور ولم ينفد علم الله ولا عجائبه.
(٢) من ز، وفى ا: وأبى الأسد بن أسيد بن خلف الجمحي.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
- ﷻ- هُوَ الْحَقُّ وغير باطل يدل على توحيده بصنعه، ثم قال- تعالى-: وَأَنَّ ما يَدْعُونَ يعني يعبدون مِنْ دُونِهِ من الآلهة هُوَ الْباطِلُ لا تنفعكم عبادتهم وليس بشيء ثم عظم نفسه﷿- فقال سبحانه: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ يعني الرفيع فوق خلقه الْكَبِيرُ- ٣٠- فلا أعظم منه، ثم ذكر توحيده وصنعه فقال- سبحانه-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بالرياح بِنِعْمَتِ اللَّهِ يعني برحمة الله﷿- لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ يعني من علاماته وأنتم فيهن يعني ما ترون من صنعه وعجائبه في البحر والابتغاء فيه الرزق والحلي إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ترون في البحر لَآياتٍ يعني لعبرة لِكُلِّ صَبَّارٍ على أمر الله﷿- عند البلاء في البحر شَكُورٍ- ٣١- لله- تعالى- في نعمه حين أنجاه من أهوال البحر، ثم قال﷿-: وَإِذا غَشِيَهُمْ فى البحر مَوْجٌ كَالظُّلَلِ يعنى كالجبال دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ يعني موحدين له الدِّينَ يقول التوحيد فَلَمَّا نَجَّاهُمْ من البحر إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يعني عدل في وفاء العهد في البر فيما عاهد الله﷿- عليه في البحر من التوحيد «يعني» «١» المؤمن، ثم ذكر المشرك الذي وحد الله في البحر حين دعاه مخلصا ثم ترك التوحيد في البر ونقض العهد، فذلك قوله﷿- وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا يعنى ترك العهد إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ يعني غدار بالعهد كَفُورٍ- ٣٢- لله﷿- في نعمه في تركه التوحيد في البر، يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ يقول- الله تعالى- وحدوا ربكم وَاخْشَوْا يَوْمًا يخوفهم يوم القيامة لا يَجْزِي يعني لا يغنى والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ شيئا من المنفعة يعني الكفار وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ
_________________
(١) «يعنى»: ساقطة من ا، وهي من ز
[ ٣ / ٤٣٩ ]
يعنى «هو مغن» «١» عَنْ والِدِهِ شَيْئًا من المنفعة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ في البعث أنه كائن فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن الإسلام وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ- ٣٣- يعني الباطل وهو الشيطان يعني به إبليس إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ نزلت في رجل اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة بن محارب من أهل البادية أتى النبيﷺ- فقال: إن أرضنا «أجدبت» «٢» فمتى الغيث؟
وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت أين ولدت، فبأي أرض أموت؟
وقد علمت ما عملت اليوم، فما أعمل غدا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل الله﵎- في «مسألة» «٣» المحاربي «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» يعني يوم القيامة لا يعلمها غيره وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ يعنى المطر وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ذكرا أو أنثى أو غير سوى وَما تَدْرِي نَفْسٌ بر وفاجر ماذا تَكْسِبُ غَدًا من خير وشر وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ في سهل أو جبل في بر أو بحر إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ- ٣٤- بهذا كله مما ذكر في هذه الآية.
فَقَالَ النَّبِيّﷺ- أين السائل عن الساعة؟
فقال المحاربي: هذا أنا ذا فقرأ عليه النبيﷺ- هذه الآية.
_________________
(١) فى أ، ل: «هو مغنى»، وفى ز: «هو جاز» عن والده شيئا من المنفعة.
(٢) فى أ: «جدبت» وفى ز: «أجدبت» .
(٣) فى ا: «فى مسئلة» . []
[ ٣ / ٤٤٠ ]