بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩)
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)
[ ٤ / ٣٧ ]
[سورة محمد «١»] سورة محمدﷺ- مدنية عددها ثمان وثلاثون آية كوفية «٢»
_________________
(١) معظم مقصود السورة: الشكاية من الكفار فى إعراضهم عن الحق وذكر آداب الحرب والأسرى وحكمهم، والأمر بالنصرة والإيمان، وابتلاء الكفار فى العذاب وذكر أنهار الجنة من ماء ولبن وخمر وعسل، وذكر طعام الكفار وشرابهم وظهور علامة القيامة، وتخصيص الرسولﷺ- بأمره بالخوض فى بحر التوحيد والشكاية من المنافقين، وتفصيل ذميمات خصالهم وأمر المؤمنين بالطاعة والإحسان، وذم البخلاء فى الإنفاق، وبيان استغناء الحق- تعالى، وفقر الخلق فى قوله: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ سورة محمد: ٣٨. وتسمى سورة محمد، وسورة القتال.
(٢) فى المصحف: (٤٧) سورة محمد مدنية إلّا آية ١٣ فنزلت فى الطريق أثناء الهجرة وآياتها ٣٨ نزلت بعد سورة الحديد
[ ٤ / ٤١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله يعني كفار مكة وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول [١٥٦ ب] منعوا الناس عن دين الله الإسلام أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ- ١- يقول أبطل الله أعمالهم يعني نفقتهم فى غزاة بدر ومسيرهم ومكرهم أبطل الله ذلك كله في الآخرة، «أبطل أعمالهم» «١» التي عملوا في الدنيا لأنها كانت في غير إيمان نزلت في اثنى عشر رجلا من قريش وهم المطعمون من كفار مكة في مسيرهم إلى قتال النبيﷺ- ببدر منهم أبو جهل، والحارث ابنا هشام، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأمية وأبي ابنا خلف، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وربيعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل، ثم وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الصالحة وَآمَنُوا يعني وصدقوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍﷺ- مِنْ القرآن وَهُوَ الْحَقُّ يعني القرآن مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ يقول محا عنهم سَيِّئاتِهِمْ يعني ذنوبهم الشرك وغيرها بتصديقهم وَأَصْلَحَ بالَهُمْ- ٢- يقول أصلح بالتوحيد حالهم في سعة الرزق، نزلت في بني هاشم وبنى المطلب، ثم رجع إلى الاثني عشر المطعمين يوم بدر فيها تقديم ذلِكَ يقول هذا الإبطال كان بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله اتَّبَعُوا الْباطِلَ
_________________
(١) «أبطل أعمالهم»: زيادة اقتضاها السياق.
[ ٤ / ٤٣ ]
يعني عبادة الشيطان، ثم قال: وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني به القرآن كَذلِكَ يقول هكذا يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ- ٣- حين أضل أعمال الكفار، وكفر سيئات المؤمنين، ثم علم المؤمنين كيف يصنعون بالكفار؟ فقال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا من مشركي العرب بتوحيد الله- تعالى- فَضَرْبَ الرِّقابِ يعنى الأعناق حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ يعنى قهر تموهم بالسيف وظهرتم عليهم فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني الأسر فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ يعني عتقا بعد الأسر فيمن عليهم وَإِمَّا فِداءً يقول فيفتدي نفسه بماله ليقوى به المسلمون على المشركين، ثم نسختها آية السيف في براءة، وهي قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «١» يعني مشركي العرب خاصة حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها يعني ترك الشرك، حتى لا يكون في العرب «مشرك» «٢» وأمر ألا يقبل منهم إلا الإسلام «٣»، ثم استأنف فقال: ذلِكَ يقول هذا أمر الله في المن والفداء.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حدثني الْهُذَيْلِ، قال: قال مُقَاتِلُ:
إذا أسلمت العرب وضعت الحرب أوزارها، وقال فى سورة الصف فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ «٤» [١٥٧ أ] بمحمدﷺ- حين أسلمت العرب، فقال: وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ يقول لانتقم منهم وَلكِنْ لِيَبْلُوَا يعنى يبتلى بقتال الكفار بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ «٥»
_________________
(١) سورة التوبة: ٥، وقد وردت بالأصل «اقتلوا » وصوبتها.
(٢) فى أ: «شرك»، وفى ف: «مشرك» . []
(٣) فى أ: زيادة: «ويوحد العرب فى ذلك»، يعنى القتال. وكذلك فى ف.
(٤) سورة الصف: ١٤.
(٥) «بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ»: ساقطة من أ، ف.
[ ٤ / ٤٤ ]
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعنى قتلى بدر فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ- ٤- يعنى لن يبطل أعمالهم الحسنة سَيَهْدِيهِمْ إلى الهدى يعني التوحيد في القبر وَيُصْلِحُ بالَهُمْ- ٥- يعني حالهم في الآخرة وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ- ٦- يعني عرفوا منازلهم في الجنة، كما عرفوا منازلهم في الآخرة، يذهب كل رجل إلى منزله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يقول إن تعينوا الله ورسوله حتى يوحد يَنْصُرْكُمْ يقول يعينكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ- ٧- للنصر فلا تزول عند الثبات وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ يعني فنكسا لهم وخيبة يقال وقحا لهم عند الهزيمة وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ- ٨- يعني أبطلها ذلِكَ الإبطال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا الإيمان ب مَا أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن على النبيﷺ- يعني الكفار الذين قتلوا من أهل مكة فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ- ٩- لأنها لم تكن في إيمان، ثم عرف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية ليعتبروا، فقال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني كفار مكة فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من كفار الأمم الخالية عاد وثمود وقوم لوط دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بألوان العذاب، ثم قال: وَلِلْكافِرِينَ من هذه الأمة أَمْثالُها- ١٠- يقول مثل عذاب الأمم الخالية ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يقول هذا النصر ببدر في القديم إنما كان بأن الله مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يقول ولي الذين صدقوا بتوحيد الله﷿- حين نصرهم وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ- ١١- يقول لا ولي لهم في النصر، ثم ذكر مستقر المؤمنين والكافرين فى الآخرة، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني البساتين تجري من تحتها الأنهار وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ لا يلتفتون إلى الآخرة كَما
[ ٤ / ٤٥ ]
تَأْكُلُ الْأَنْعامُ
: يقول: ليس «لهم» «١» هم إلا الأكل والشرب في الدنيا «٢»، ثم قال: وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ- ١٢- يقول هي مأواهم، ثم خوفهم ليحذروا فقال وَكَأَيِّنْ يقول وكم مِنْ قَرْيَةٍ قد مضت فيما خلا كانت هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً يعني أشد بطشا وأكثر عددا مِنْ قَرْيَتِكَ يعني مكة الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني أهل مكة حين أخرجوا النبيﷺ- ثم رجع إلى الأمم الخالية في التقديم فقال: أَهْلَكْناهُمْ بالعذاب حين كذبوا رسلهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ- ١٣- يقول فلم يكن لهم مانع يمنعهم من العذاب [١٥٧ ب] الذي نزل بهم، قوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
يعني على بيان من ربه وهو النبيﷺ- كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ الكفر وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ- ١٤- نزلت في نفر من قريش، في أبي جهل بن هشام، وأبى حذيفة ابن المغيرة المخزوميين، فليسا بسواء، لأن النبيﷺ- مصيره إلى الجنة، وأبو حذيفة وأبو جهل مخلدان فى النار، ثم قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الشرك يقول شبه الجنة في الفضل والخير كشبه النار في الشدة وألوان العذاب، ثم ذكر ما أعد لأهل الجنة من الشراب، وما أعد لأهل النار من الشراب فقال: فِيها يعني في الجنة أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ يقول لا يتغير كما يتغير ماء أهل الدنيا فينتن وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ كما يتغير لبن أهل الدنيا عن حاله الأولى فيمخض وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا يصدون عنها ولا يسكرون كخمر الدنيا تجري لذة للشاربين وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ليس فيه عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا فهذه الأنهار الأربعة تفجر من
_________________
(١) فى أ: «لها»، وفى ف: «لهم» .
(٢) كذا فى أ، ف.
[ ٤ / ٤٦ ]
الكوثر إلى سائر أهل الجنة، قوله: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ لذنوبهم مِنْ رَبِّهِمْ فهذا للمتقين الشرك في الآخرة، ثم ذكر مستقر الكفار فقال: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني أبا جهل بن هشام، وأبا حذيفة المخزوميين وأصحابهما في النار وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا يعني شديد الحر الذي قد انتهى حره تستعر عليهم جهنم، فهي تغلي منذ خلقت السماوات والأرض فَقَطَّعَ الماء أَمْعاءَهُمْ- ١٥- في الخوف من شدة الحر وَمِنْهُمْ يعني من المنافقين مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني إلى حديثك بالقرآن يا محمد حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ منهم رفاعة بن زيد، والحارث بن عمرو، وحليف بن زهرة، وذلك أن النبيﷺ- خطب يوم الجمعة، فعاب المنافقين وكانوا في المسجد، فكظموا عند النبيﷺ- فلما خرجوا يعني المنافقين من الجمعة قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهو الهدى، يعني القرآن يعني عبد الله ابن مسعود الهذلي مَاذَا قالَ محمد: آنِفًا وقد سمعوا قول النبيﷺ- فلم يفقهوه، يقول الله- تعالى-: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني ختم الله على قلوبهم بالكفر فلا يعقلون الإيمان وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ- ١٦- في الكفر، ثم ذكر المؤمنين فقال:
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا من الضلالة زادَهُمْ هُدىً بالمحكم الذي نسخ الأمر الأول وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ- ١٧- يقول «وبين لهم التقوى يعنى عملا [١٥٨ أ] بالمحكم حتى عملوا بالمحكم» «١» ثم خوف أهل مكة فقال: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ
_________________
(١) ما بين القوسين «» كذا فى أ، ف، والمعنى بين لهم طريق العمل بالمحكم من الآيات حتى عملوا بها قال- تعالى-: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ سورة آل عمران: ٧.
[ ٤ / ٤٧ ]
يعنى القيامة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعنى فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها يعني أعلامها يعني انشقاق القمر وخروج الدجال وخروج النبيﷺ- فقد عاينوا هذا كله يقول فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ- ١٨- فيها تقديم يقول من أين لهم التذكرة والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم وقد فرطوا فيها؟
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلذنوب المؤمنين والمؤمنات» «١» يعني المصدقين بتوحيد الله والمصدقات لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ يعني منتشركم بالنهار وَمَثْواكُمْ- ١٩- يعني مأواكم بالليل وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا يعنى صدقوا بالقرآن لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ وذلك أن المؤمنين اشتاقوا إلى الوحي فقالوا هلا نزلت سورة؟ يقول الله- تعالى-: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ يعني بالمحكمة ما فيها من الحلال والحرام وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ وطاعة الله والنبيﷺ- وقول معروف حسن فرح بها المؤمنون، فيها تقديم، ثم ذكر المنافقين فذلك قوله:
رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني الشك في القرآن منهم عبد الله ابن أبي، ورفاعة بن زيد، والحارث بن عمرو يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ غما وكراهية لنزول القرآن يقول الله- تعالى-: فَأَوْلى لَهُمْ- ٢٠- فهذا وعيد «طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ «٢» . فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ يعني جد الأمر عند دقائق الأمور فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ في النبيﷺ- وما جاء به لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ- ٢١- من الشرك فَهَلْ عَسَيْتُمْ يعني منافقي اليهود إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي
_________________
(١) ما بين القوسين «» . كذا فى أ، ف، والآية: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» .
(٢) «طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ»: ساقط من أ، ف.
[ ٤ / ٤٨ ]
وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ- ٢٢- قال وكان بينهم وبين الأنصار قرابة أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ. فلم يسمعوا الهدى وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ- ٢٣- فلم يبصروا الهدى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، يقول أفلا يسمعون القرآن أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها- ٢٤- يعنى الطبع على القلوب. ثم ذكر اليهود فقال: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عن إيمان بمحمدﷺ- بعد المعرفة عَلى أَدْبارِهِمْ يعني أعقابهم كفارًا مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى يعني أمر النبيﷺ- يبين لهم فى التوراة أنه نبى رسول الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ يعني زين لهم ترك الهدى، يعني إيمانا بمحمدﷺ- وَأَمْلى الله لَهُمُ- ٢٥- ذلِكَ فيها تقديم وأمهل الله لهم حين قالوا: ليس محمد بنبي! فلم يعجل عليهم، ثم انتقم منهم حين قتل [١٥٨ ب] أهل قريظة، وأجلى أهل النضير يقول ذلك الذي أصابهم من القتل والجلاء بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا يعني تركوا الإيمان يعني المنافقين مَا نَزَّلَ اللَّهُ من القرآن سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قالت اليهود للمنافقين فى تكذيب بمحمدﷺ- وهو بعض الأمر قالوا ذلك سرا فيما بينهم، فذلك قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ- ٢٦- يعنى اليهود والمنافقين، ثم خوفهم فقال: فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وحده يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ- ٢٧- عند الموت ذلِكَ الضرب الذي أصابهم عند الموت بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ من الكفر بالنبي محمدﷺ- وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ يقول وتركوا رضوان الله في إيمان بمحمدﷺ- فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ- ٢٨- التي عملوها في غير إيمان ثم رجع إلى عبد الله بن أبي، ورفاعة بن زيد،
[ ٤ / ٤٩ ]
والحارث بن عمرو فقال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني الشك بالقرآن وهم المنافقون أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ- ٢٩- يعني أن لن يظهر الله الغش الذي فى قلوبهم للمؤمنين «وَلَوْ» «١» نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ يعنى لأعلمناكهم، كقوله: بِما أَراكَ اللَّهُ «٢» يعنى بما أعلمك الله فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني بعلامتهم الخبيثة وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني في كذبهم عند النبيﷺ- فلم يخف على النبيﷺ- منافق بعد هذه الآية، ثم رجع إلى المؤمنين أهل التوحيد فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ- ٣٠- من الخير والشر وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بالقتال يعني لنبتلينكم- معشر المسلمين- بالقتال حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ يعني كي نرى من يجاهد منكم وَمن يصبر من الصَّابِرِينَ على أمر الله وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ- ٣١- يعنى ونختبر أعمالكم، ثم استأنف إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى اليهود وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الله الإسلام وَشَاقُّوا الرَّسُولَ يعني وعادوا نبي اللَّهِﷺ- مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ في التوراة الْهُدى بأنه نبي رسول، يعني بالهدى أمر محمدﷺ- ف لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ يقول فلن ينقصوا الله من ملكه وقدرته شَيْئًا حين شاقوا الرسول وصدوا الناس عن الإسلام إنما يضرون أنفسهم وَسَيُحْبِطُ في الآخرة أَعْمالَهُمْ- ٣٢- التي عملوها في الدنيا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وذلك أن أناسا من أعراب بني أسد بن خزيمة قدموا على
_________________
(١) فى أ: «فلو» .
(٢) سورة النساء: ١٠٥.
[ ٤ / ٥٠ ]
النبيﷺ- بالمدينة، فقالوا للنبيﷺ-:
أتيناك بأهلينا طائعين عفوا بغير قتال وتركنا الأموال والعشائر «١»، وكل قبيلة [١٥٩ ا] في العرب قاتلوك حتى أسلموا كرها فلنا عليك حق، فاعرف ذلك لنا فأنزل تعالى في الحجرات يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا إلى آيتين «٢» . وأنزل الله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ- ٣٣- بالمن ولكن أخلصوها لله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الإسلام ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ- ٣٤- وذلك
أن المسلم كان يقتل ذا رحمه على الإسلام فقالوا: يا رسول الله، أين آباؤنا وإخواننا الذين قاتلوا فقتلوا؟ فَقَالَ النَّبِيّﷺ-: هُمْ في النار. فقال رجل من القوم: أين والده وهو عدي بن حاتم؟ فقال النبيﷺ- في النار. فولى الرجل وله بكاء فدعاه النَّبِيّﷺ- فَقَالَ مالك؟
فقال: يا نبي الله أجدني أرحمه وأرثى له، فقال النبيﷺ-:
فإن والدي ووالد إبراهيم ووالدك في النار فليكن لك أسوة فيّ وفي إبراهيم خليله فذهب بعض وجده. فقال: يا نبي الله، وأين المحاسن التي كان يعملها؟ قال:
_________________
(١) فى أ: «والعشاير» .
(٢) هما الآية ١٧، ١٨ من سورة الحجرات ونصهما: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» .
[ ٤ / ٥١ ]
يخفف الله عنه بها من العذاب فأنزل الله فيهم «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يغفر الله لهم» «١» .
_________________
(١) نص الآية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ «سورة محمد: ٣٤» . وعلى فرض صحته (إن أبى وأبيك فى النار) يؤول الأب بجنس الأب البعيد وأهل الفطرة ناجون لقوله- تعالى- وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا سورة الإسراء: ١٥. ومن الخير عدم إقحام مثل هذه الآثار التي تفهد أن والدي النبي فى النار وهي دعوى لا برهان عليها وعلمها عند الله. جاء فى كتاب غالية المواعظ ومصباح المتعظ وقبس الواعظ لنعمان آلوسي: ١٢٥» طبعة مطبعة السعادة بمصر: موضوع (ولادته﵊) «فلما كانت أمهﷺ- بالأبواء توفيت، وقد اختلف فى نجاتها والبحث مشهور، ولقد أحسن الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي حيث قال: حسبي الله النبي مزيد فضل على فضل وكان به رءوفا فأحيا أمه وكذا أباء لإيمان به فضلا لطيفا فسلم فالقديم بذا قدير وان كان الحديث به ضعيفا وقد أخرج ابن شاهين فى الناسخ والمنسوخ (مكتبة الأزهر) . عن عائشةرضي الله عنها- أن النبيﷺ- نزل إلى الحجون كثيبا حزينا فأقام ما شاء الله﷿- ثم رجع مسرورا فقلت بيا رسول الله نزلت إلى الحجون كثيبا حزينا فأقمت به ما شاء الله، ثم رجعت مسرورا فقال: سألت الله﷿- فأحيا لي أمى فآمنت بى ثم ردها. قال الحافظ أبو الفضل بن ناصر موضوع. ومحمد بن زياد هو النقاش ليس بثقة. وأحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى مجهولان. وقال السيوطي: والصواب الحكم عليه بالضعف لا بالوضع، واستشهد بكلام الحافظ ابن حجر فى لسان الميزان بعد ذكر كلام ابن الجوزي: بأن محمد بن يحيى وأحمد بن يحيى معروفان لا مجهولان. وقال السهيلي: والله قادر على كل شيء وليس يعجز رحمته وقدرته عن شيء.
[ ٤ / ٥٢ ]
ثم قال: فَلا تَهِنُوا يقول فلا تضعفوا وَتَدْعُوا يعني نبدؤهم بالدعاء إِلَى السَّلْمِ يقول فلا تضعفوا وتدعوا العرب إلى الصلح والموادعة وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يقول وأنتم الغالبون عليهم، وكان هذا يوم أحد يقول:
وَاللَّهُ مَعَكُمْ في النصر يا معشر المؤمنين لكم وَلَنْ يَتِرَكُمْ يقول ولن يبطلكم أَعْمالَكُمْ- ٣٥- الحسنة إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يقول وإن تصدقوا بالله وحده لا شريك له وتتقوا معاصي الله يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ في الآخرة يعنى جزاءكم فى الآخرة جزاء أعمالكم وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ- ٣٦-
_________________
(١) وقال القرطبي فى التذكرة لا تعارض بين أحاديث الأبوين، وأحاديث عدم الإذن فى الاستغفار لأن إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما بدليل أن حديث عائشة فى حجة الوداع، ولذلك جعله ابن شاهين ناسخا كما ذكر من الأخبار الواردة فى الاستغفار. وقال الحافظ فتح الدين بن سيد: الناس فى السيرة قد روى أن عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب أبوى النبيﷺ- أسلما وأن الله أحياهما له فأمنا به وروى ذلك أيضا فى حق عبد المطلب وهو مخالف لحديث أحمد عن أبى رزين العقيلي. وأرى من الخير تفويض علم ذلك إلى الله- سبحانه- وفى الحديث «إن الله سكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها» . خاصة وإن علم ذلك ليس من أصول الدين، ولا يترتب عليه أمر ضروري. مع ثقتنا أن رحمة الله واسعة، وإن الله أعطى نبيه الشفاعة والمقام المحمود يوم القيامة، ولكننا نمسك عن القول بأن فلانا بخصوصه فى الجنة وأن فلانا بخصوصه فى النار. ملاحظة: عرض هذا التفسير على إرادة البحوث والنشر بالأزهر للسماح بطبعه ونشره فقرأ التفسير أساتذة أجلاء من الإدارة فى مدة وجيزة وكانت لهم نظرات ثاقبة وتوجيهات مفيدة، استفدت منها حقا فى التعليق على هذا الكتاب قبل طبعه، ورأيت فى هذه الإدارة إخلاص العلماء وتواضعهم واشتغالهم بالعلم وإحاطتهم بفروعه المتعددة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وقد أمدنى أساتذة ادارة البحوث والنشر بالنص السابق الذي أخرجه ابن شاهين فى الناسخ والمنسوخ. []
[ ٤ / ٥٣ ]
ثم نزلت بعد إِنْ يَسْئَلْكُمُوها يعني الأموال فنسخت هذه الآية وَلا يَسْأَلْكُمْ أموالكم «١»، ثم قال: فَيُحْفِكُمْ ذلك يعني كثرة المسألة تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ- ٣٧- يعني ما في قلوبكم من الحب للمال والغش والغل ولكنه فرض عليكم يَسِيرًا «٢»، ثم قال: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ معشر المؤمنين تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا أموالكم فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في طاعة الله فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ بالنفقة في سبيل الله وَمَنْ يَبْخَلْ بالنفقة فَإِنَّما يَبْخَلُ بالخير والفضل عَنْ نَفْسِهِ في الآخرة لأنه لو أنفق في حق الله أعطاه الله الجنة في الآخرة وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عما عندكم [١٥٩ ب] من الأموال وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى ما عنده من الخير والرحمة والبركة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يقول تعرضوا عما افترضت عليكم من حقي يَسْتَبْدِلْ بكم قَوْمًا غَيْرَكُمْ يعني أمثل منكم وأطوع لله منكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ- ٣٨- في المعاصي بل يكونوا خيرا منكم وأطوع.
قوله: «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ» حتى يوحد «يَنْصُرْكُمْ» على عدوكم «وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ» فلا تزول «عند» «٣» اللقاء «عن التوحيد» «٤» .
قَالَ، وَقَالَ النَّبِيُّﷺ-: نصرت بالرعب «مسيرة» «٥» شهر فما ترك التوحيد قوم إلا سقطوا من عين الله وسلط الله عليهم السبي،
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ «٦» يعنى الأنصار.
_________________
(١) انظر ما كتبته فى موضوع النسخ عند مقاتل.
(٢) فى أ: «يسير»، وفى ف: «يسيرا» .
(٣) فى أ: «عن»، وفى ف: «عند» .
(٤) فى أ، ف: «بالتوحيد» والأنسب «عن التوحيد» .
(٥) فى أ، ف: «على مسيرة»، ولفظ البخاري «مسيرة» .
(٦) سورة محمد: ٣٨.
[ ٤ / ٥٤ ]