بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)
قالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ (٩)
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يَا أَبانا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ (١٤)
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يَا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ (١٨) وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يَا بُشْرى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)
وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤)
وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)
فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يَا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يَا أَبانا مَا نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤)
قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ (٧٩)
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩)
قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)
قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤)
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩)
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)
[ ٢ / ٣٠٥ ]
سورة يوسف مكية كلها وهي مائة وإحدى عشرة آية كوفى وحسبنا الله ونعم الوكيل «١»
_________________
(١) المقصود الإجمالى من سورة يوسف ما يأتى: عرض العجائب التي تتضمنها: من حديث يوسف، ويعقوب، والوقائع التي فى هذه القصة: من تعبير الرؤيا، وحسد الإخوة، وحيلهم فى التفريق بين يوسف وأبيه. وتفصيل الصبر الجميل من جهة يعقوب، وبشارة مالك بن دعر بوجدان يوسف. وبيع الإخوة أخاهم بثمن بخس، وعرضه على البيع والشراء، بسوق مصر، ورغبة زليخا وعزيز مصر فى شرائه، ونظر زليخا إلى يوسف، واحتراز يوسف منها، وحديث رؤية البرهان، وشهادة الشاهد، وتعبير النسوة زليخا، وتحيرهن فى حسن يوسف، وجماله، وحبسه فى السجن، ودخول الساقي والطباخ إليه، وسؤالهما إياه ودعوته إياهما إلى التوحيد ونجاة الساقي، وهلاك الطباخ، ووصية يوسف للساقي بأن يذكره عند ربه. وحديث رؤيا مالك بن الريان، وعجز العابرين عن تعبير رؤياه. وتذكر الساقي يوسف، وتعبيره لرؤياه فى السجن، وطلب مالك يوسف، وإخراجه من السجن، وتسليم مقاليد الخزائن إليه، ومقدم إخوته لطلب الميرة، وعهد يعقوب مع أولاده، ووصيتهم فى كيفية الدخول إلى مصر وقاعدة تعريف يوسف نفسه لبنيامين، وقضائه حاجة الإخوة، وتغييبه الصاع فى أحمالهم، وتوقيف بنيامين بعلة السرقة، واستدعائهم منه توقيف غيره من الإخوة مكانه، ورده الإخوة إلى أبيهم، وشكوى يعقوب من جور الهجران، وألم الفراق وإرسال يعقوب إياهم فى طلب يوسف وأخيه، وتضرع الإخوة بين يدي يوسف، وإظهار يوسف لهم ما فعلوه معه من الإساءة وعفوه عنهم، وإرساله بقميصه صحبتهم إلى يعقوب، وتوجه يعقوب من كنعان إلى مصر، وحوالة يوسف ذنب إخوته على مكايد الشيطان، وشكره لله- تعالى- على ما خوله من الملك، ودعائه وسؤاله حسن الخاتمة، وجميل العاقبة، وطلب السعادة، والشهادة، وتعبير الكفار على الإعراض عن الحجة، والإشارة إلى أن فى قصة يوسف عبرة للعالمين فى قوله: «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ» . (بصائر ذوى التمييز للفيروزآبادي: ٢٥٧)
[ ٢ / ٣١٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ- ١- يعنى بين ما فيه إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَعْقِلُونَ- ٢- ما فيه لو كان القرآن غير عربي ما فهموه ولا عقلوه نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ يعنى القرآن بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ بالذي أوحينا إليك نظيرها في يس «بِما غَفَرَ لِي رَبِّي «١»» هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ يعني من قبل نزول القرآن عليك لَمِنَ الْغافِلِينَ- ٣- عنه إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يعقوب يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ في المنام أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [١٧٨ ا] هبطوا إلى الأرض من السماء ف رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ- ٤- فالكواكب الأحد عشر إخوته والشمس أم يوسف وهي راحيل بنت لاتان، ولاتان هو خال يعقوب، والقمر أبوه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد علم تعبير ما رأى يوسف قالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فيحسدوك إضمار فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا فيعلموا بك شرا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ- ٥- يعني بين. وقال «٢» يعقوب ليوسف: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ يقول وهكذا يستخلصك ربك بالسجود وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني ويعلمك تعبير الرؤيا: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ يعنى بآل
_________________
(١) سورة يس: ٢٧ وتمامها «بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ» .
(٢) فى أ: قال. []
[ ٢ / ٣١٨ ]
يعقوب: هو وامرأته وإخوته الأحد عشر بالسجود لك كَما أَتَمَّها يعني النعمة عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ يعني بأبويه إِبْراهِيمَ حين رأى في المنام أن يذبح ابنه إسحاق، وألقي إبراهيم في النار فنجاه الله- تعالى- منها وأراد ذبح ابنه فخلصه الله بالسجود «١» وَإِسْحاقَ في رؤيا إبراهيم في ذبح إسحاق إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بتمامها حَكِيمٌ- ٦- يعني القاضي لها لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ يعني علامات لِلسَّائِلِينَ- ٧- وذلك أن اليهود لما سمعوا ذكر يوسف﵇- من النبيﷺ- منهم كعب بن الأشرف، وحيي وجدي ابنا أخطب، والنعمان بن أوفى، وعمرو، وبحيرا، وغزال «٢» بن السموأل، ومالك بن الضيف، فلم يؤمن بالنبيﷺ- منهم غير جبر غلام بن الحضرمي، ويسار أبو فكيهة «٣»، وعداس، فكان ما سمعوا من النبيﷺ- من ذكر يوسف وأمره «آياتٌ لِلسَّائِلِينَ» وذلك أن اليهود سألوا النبيﷺ- عن أمر يوسف فكان ما سمعوا علامة لهم وهم السائلون عن أمر يوسف﵇- وكان يوسف قد فضل في زمانه بحسنه على الناس كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب إِذْ قالُوا إخوة يوسف وهو روبيل أكبرهم سنا، ويهوذا أكبرهم في العقل وهو الذي قال الله «قالَ كَبِيرُهُمْ «٤»» في العقل ولم يكن كبيرهم في السن، وشمعون، ولاوى، ونفتولن،
_________________
(١) هكذا فى: ا، ل، ولا أرى له معنى.
(٢) فى ل، عرال، ا: غزال.
(٣) فى أ: ويسار فكيهة، ل: ويسار أبو فكيهة.
(٤) سورة:
[ ٢ / ٣١٩ ]
وربولن «١»، وآشر «٢»، واستاخر، وجاب «٣» ودان، ويوسف، وبنيامين «٤»، بعضهم لبعض لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ وهو بنيامين أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يعني عشرة إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٨- يعني خسران مبين يعني في شقاء بين نظيرها فى سورة القمر «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ «٥»» يعني في شقاء، من حب يعقوب لابنه يوسف وذكره ثم قال بعضهم لبعض: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا بعيدة: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ فيقبل عليكم بوجهه وَتَكُونُوا يعني وتصيروا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ- ٩- يعني يصلح أمركم وحالكم عند أبيكم قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ وهو يهوذا بن يعقوب [١٧٨ ب] لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فإن قتله عظيم وَلكن أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ على طريق الناس فيأخذونه فيكفونكم أمره. يعني الزائغة «٦» من البئر ما يتوارى عن العين ولا يراه أحد فهو غيابت الجب «٧» يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ فيذهبوا به فيكفونكم أمره إِنْ كُنْتُمْ لا بد فاعِلِينَ- ١٠- من الشر الذي تريدون به فأتوا يعقوب ف قالُوا يَا أَبانا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ- ١١- أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ يعني ينشط ويفرح والعرب تقول: رتعت لك يعنى فرحت لك وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ- ١٢-
_________________
(١) فى أ: وربولن، ل: وربوان.
(٢) فى ل: وآسر، ا: وآشر.
(٣) فى ل: وجاد، ا: وجاب.
(٤) أى تمام الاثنى عشر، ولم يشترك يوسف وبنيامين فى مقالة الإخوة.
(٥) سورة القمر: ٤٧.
(٦) فى ل: البراتقه، ا: الزائغة.
(٧) فى الجلالين: غيابت الجب: مظلم البئر.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
من الضيعة قال يعقوب لهم: إني أخاف عليه فقالوا لأبيهم «مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ» في الحفظ له قالَ أبوهم: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ- ١٣- لا تشعرون به، وكانت أرضا مذئبة فمن ثم قال يعقوب: «أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ» قالُوا أي العشرة»
لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يعنى ونحن جماعة إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ- ١٤- يعنى لعجزة فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ بيوسف وَأَجْمَعُوا أمرهم أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ على رأس ثلاثة «٢» فراسخ فألقوه في الجب والماء يومئذ كدر غليظ فعذب الماء وصفا حين ألقي فيه وقام على صخرة في قاصية البئر فوكل الله به ملكا يحرسه في الجب ويطعمه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ١٥- وذلك أن الله أوحى إلى يوسف﵇- بعد ما انصرف إخوته إنك ستخبر «٣» إخوتك بأمرهم هذا الذي ركبوا «٤» منك ثم قال: «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» أنك يوسف حين تخبرهم فأنبأهم يوسف بعد ذلك حين قال لهم: وضرب «٥» الإناء. فقال: إن الإناء ليخبرني بما فعلتم «٦» بيوسف من الشر ونزع الثياب.
_________________
(١) فى أ: قال العشرة.
(٢) فى أ: ثلاث.
(٣) فى أ: تخبر. []
(٤) هكذا فى: ا، ل.
(٥) الأنسب: وقد ضرب، والواو فى وضرب واو الحال أى كلمهم حال كونه قد ضرب الإناء بيده.
(٦) فى أ، ل: ما فعلتم.
[ ٢ / ٣٢١ ]
«قال أبو محمد عبد الله بن ثابت «١»» وسمعت أبي يحدثني عن الْهُذَيْلِ عن مُقَاتِلٍ في قوله: «وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» «قال لا يشعرون «٢»» أنك يوسف.
قال: وذلك أن يوسف لما استخرج الصاع من وعاء «٣» أخيه بنيامين قطع بالقوم وتحيروا فأحضرهم وأخذ بنيامين مكان سرقته ثم تقدم إلى أمينه. فقال له: أحضر الصاع إذا حضروا وانقره ثلاث نقرات واستمع طنين كل نقرة حتى تسكن ثم قل في النقرة الأولى كذا، وفي الثانية كذا، وفي الثالثة كذا، وأوهمهم «٤» أنك إنما تخبرني عن شيء تفهمه من طنين الصاع قال: فأمر بهم فجمعوا. ثم قال يوسف للذي استخرج الصاع: وهو أمينه أحضر الصاع الذي سرقوه وتقدم إليه ألا يكتمنا من أخبارهم شيئا فإنه غضبان عليهم ويوشك أن يصدق عنهم، قال: «فأحضره والقوم «٥»» وقال له الأمين: أيها الصاع، إن الملك يأمرك [١٧٩ أ] أن تبين له أمر هؤلاء القوم ولا تكتمه شيئا من أمرهم ثم نقره نقرة شديدة وأصغى إليه يسمعه كأنه يستمع منه شيئا فقال: أيها الملك، إن الصاع يقول لك: إنهم أخبروك أنهم لأم واحدة، وأنهم لأمهات شتى ولذلك وقع بينهم ما يقع بين الأولاد العتاة.
_________________
(١) ما بين القوسين «»: من ل. وفى أ: عبد الله.
(٢) «قال لا يشعرون»: ساقطة من أ، وهي فى: ل.
(٣) فى أ: رحل، ل: وعاء.
(٤) فى أ: ووهمهم، ل: وأهمهم.
(٥) من ل. وفى أ: فأحضره القوم.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
قال: قل له لا يكتمنا من أخبارهم شيئا، ثم نقره الثانية وأصغى إليه يسمعه. فلما سكن قال: أيها الملك، إنهم أخبروك أن لهم أخا مفقودا ولن تنصرم الأيام والليالي حتى يأتي ذلك الغلام فيتبين الناس أخبارهم.
قال: مره ألا يكتمنا من أخبارهم شيئا، قال: فطن الثالثة فلما سكن قال:
أيها الملك «١» إنه ما دخل على أبيهم غم ولا هم ولا حزن إلا بسببهم وجرائرهم، قال:
أوعز «٢» إليه ألا يكتمنا من أخبارهم شيئا.
قال: فنظر بعضهم إلى بعض وخافوا أن يظهر عليهم ما كتموه من أمر يوسف﵇- فقاموا إليه بجمعهم يقبلون رأسه وعينيه ويقولون:
بالذي أشبهك بالنبيين وفضلك على العالمين ألا أقلت العثرة وسترت العورة وحفظتنا في أبينا يعقوب فرق لهم، وقال: لولا حفاظي لكم في أبيكم لنكلت بكم ولألحقتكم بالسراق واللصوص اعزبوا عني فلا حاجة لي فيكم.
قال: فلما قدموا على أبيهم أخبروه بأخبارهم، قال فردهم بالبضاعة المزجاة «٣» وكتب معهم كتابا إليه فيه بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني ما سرقت ولا ولدت سارقا ولكنا أهل بيت البلاء موكل بنا، أما جدي فألقي في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما.
_________________
(١) من: ل. وفى أ: إن.
(٢) من: ا. وفى ل: أوح.
(٣) قال فى الجلالين: بضاعة مزجاة: مدفوعة يدفعها كل من رآها لرداءتها، وكانت دراهم زيوفا أو غيرها.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وأما أبي فأضجع للذبح ففداه الله بذبح عظيم، وأما أنا فبليت بفقد حبيبي وقرة عيني يوسف.
قال: فلما وصلوا إليه أوصلوا كتابه فلما قرأ كتابه انتحب، فقيل له: كأنك صاحب الكتاب. قال: أجل، فذلك قوله «لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» ثم تعرف إليهم فعرفوه.
وَجاؤُ أَباهُمْ يعقوب عِشاءً يَبْكُونَ- ١٦- صلاة العتمة قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ يعنى نتصيد وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ليحفظه فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا يعنى بمصدق لنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ- ١٧- بما تقول وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ يعني على قميص يوسف بِدَمٍ كَذِبٍ وذلك أنهم حين ألقوه في البئر انتزعوا ثيابه وهو قميصه ثم عمدوا إلى سخلة فذبحوها على القميص ليروا أباهم يعقوب، فلما رأى أباهم القميص صحيحا اتهمهم وكان لبيبا عاقلا فقال: ما أحلم «١» هذا السبع حين خلع القميص [١٧٩ ب] كراهية أن يتمزق «٢» ثم بكى ف قالَ بَلْ سَوَّلَتْ يقول بل زينت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا وكان الذي أردتم هو منكم فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني صبري صبرا حسنا لا جزع فيه وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
- ١٨- يقول بالله أستعين على ما تقولون حين تزعمون أن الذئب أكله. فبكى عليه يعقوب﵇- حتى امتنع عن النوم ومن أهل بيته «٣» فكان يبكى ويئود
_________________
(١) من: ل، وفى أ: هلا حلم.
(٢) من: ل، وفى أ: يتخرق.
(٣) هكذا فى: ا، ل. []
[ ٢ / ٣٢٤ ]
فمن هناك تئود اليهود إذا قرءوا التوراة وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ وهي العير وقالوا:
رفقة من العرب فنزلوا على البئر يريدون مصر فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فبعثوا رجلين مالك بن دعر، وعود بن عامر، إلى الماء فَأَدْلى أحدهم دَلْوَهُ واسمه مالك بن دعر بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن فتعلق يوسف بالدلو فصاح مالك قالَ فقال: يا عود للذي يسقى «١»، وهو عود بن عامر بن الدرة «٢» ابن حزام يَا بُشْرى يقول: يا مالك أبشر «٣» هَذَا غُلامٌ والجب بواد في أرض الأردن يسمى ادنان «٤» .
فبكى يوسف﵇- وبكى الجب لبكائه وبكى مد صوته من الشجر، والمدر، والحجارة، وكان إخوته لما دلوه في البئر «٥» تعلق يوسف في شفة البئر فعمدوا إليه فخلصوا قميصه وأوثقوا يده فقال: يا إخوتاه ردوا على القميص أتوارى به في البئر. فقالوا «٦» له: ادع الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر يؤنسونك. فلما انتصف في الجب ألقوه حتى وقع في البئر فأدلوه في قعرها فأراد أن يموت فدفع الله عنه. ودعا يوسف ربه حين أخرجه مالك أن يهب لمالك ولدا فولد له أربعة وعشرون ولدا قوله: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً يعني أخفوه من أصحابهم الذين مروا على الماء في الرفقة وقالوا: هو بضاعة لأهل الماء نبيعه لهم
_________________
(١) من ا، وفى ل: الذي يستقى.
(٢) فى أ: المدرة، ل: الدرة.
(٣) من: ل، وفى أ: يقول ما البشرى.
(٤) فى ل: والجب بأرض الأردن فى واد يسمى إدمان.
(٥) من: ل، ا.
(٦) فى ا: فقال.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
بمصر لأنهما لو قالا: إنا وجدناه أو اشتريناه سألوهما الشركة فيه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ- ١٩- يعني بما يقولون من الكذب «١» .
يقول الله تعالى: وَشَرَوْهُ يعني وباعوه بِثَمَنٍ بَخْسٍ بثمن حرام لا يحل لهم بيعه لأنه حر وثمن الحر حرام وبيعه حرام «٢» دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وهي عشرون درهما وكانت العرب تبايع بالأقل فإذا كانت أربعين فهي أوقية وما كان دون الأربعين فهي دراهم معدودة وَكانُوا فِيهِ يعني الذين باعوه كانوا في يوسف مِنَ الزَّاهِدِينَ- ٢٠- حين باعوه ولم يعلموا منزلة يوسف عند الله. ومن أبوه. ولو علموا ذلك ما باعوه فانطلق القوم حتى أتوا به مصر فبينا هو قريب منها إذ مر براكب منها يقال له: مالك بن دعر اللخمي «٣»، قال له يوسف: أين تريد أيها الراكب؟ قال: أريد أرض كنعان. قال: إذا أتيت كنعان فأت الشيخ يعقوب [١٨٠ ا] فأقرئه السلام، وصفني له وقل له: إني لقيت غلاما بأرض مصر. ووصفه له، وهو يقرئك السلام، فبكى يعقوب﵇- ثم قال: هل لك إلى الله حاجة. قال: نعم عندي امرأة وهي من أحب الخلائق إلي لم تلد مني ولدا قط، فوقع يعقوب ساجدا فدعا الله فولد له أربعة وعشرون ذكرا وكان يوسف﵇- بأرض مصر فأنزل الله عليهم البركة ثم باعه
_________________
(١) من ل. وفى أ: «والله عليم بما يقولون» من الكذب.
(٢) فى حاشية أ: يقال إنه لم يكن فيما تقدم أحد من بنى آدم يباع إلا البهائم.
(٣) الذي أدلى الدلو فتعلق به يوسف هو مالك بن دعر بن مدين بن إبراهيم. ولعله بعد أن باع يوسف توجه راكبا إلى أرض كنعان فحمله يوسف السلام إلى والده يعقوب. والدليل أنهما شخص واحد: البائع ومن بلغ السلام، أن دعوة يوسف لمالك كانت أن يرزقه الله ولدا. وكذلك كانت دعوة يعقوب له.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
المشتري من قطفير بن ميشا، فقال يوسف: من يشترى «١» ويبشر فاشتراه قطفير ابن ميشا بعشرين دينارا وزيادة حلة ونعلين وأخذ البائع قيمة الدنانير دراهم «٢» وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ وهو قطفير بن ميشا لِامْرَأَتِهِ زليخا بنت يمليخا أَكْرِمِي مَثْواهُ يعني أحسني منزلته وولايته عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أو نصيب منه خيرا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ الملك والسلطان في أرض مصر وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني من تعبير الرؤيا وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ يعني والله متم ليوسف أمره الذي هو كائن مما لا يعلمه الناس فذلك قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- ٢١- ذلك وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ يعني ثماني عشرة سنة آتَيْناهُ حُكْمًا يقول أعطيناه فهما وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ- ٢٢- يعني وهكذا نجزي المخلصين بالفهم والعلم وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ على نفسها وعلى يوسف في أمر الجماع وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ يعني هلم لك نفسي تريد المرأة الجماع فغلبته «٣» بالكلام قالَ مَعاذَ اللَّهِ يعني أعوذ بالله إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ يقول إنه سيدي يعني زوجها أكرم مثواي يعني منزلتي إِنَّهُ لا يُفْلِحُ يعني لا يفوز الظَّالِمُونَ- ٢٣- إن ظلمته في أهله وألقي عليها شهوة أربعين إنسانا وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ يقول همت المرأة
_________________
(١) فى ل: من يشترينى، أ: من يشترى.
(٢) هكذا فى: أ، ل.
(٣) هكذا فى أ، ل.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
بيوسف حتى استلقت «١» للجماع وَهَمَّ بِها «٢» يوسف حين حل سراويله وجلس
_________________
(١) من ل، وفى أ: استقلت.
(٢) أورد ابن الطبري آثارا متعددة عن السلف خلاصتها أن زليخا همت بيوسف تريد منه الزنا وأن يوسف هم بها واستعد لتلبية طلبها حتى خلع سراويله، لولا أن رأى صورة أبيه أو رأى صورة زوجها أو رأى آيات من القرآن تنهى عن الزنا وبعد أن ساق الطبري نصوصا وآثارا وآراء، مع أسانيدها فى تفسير الآية فى ست صفحات من تفسيره عقب عليها بقوله: «وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله- جل ثناؤه- أخبر عن هم يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه لولا أن رأى يوسف برهان ربه وذلك آية من آيات الله زجرته عن ركوب ما هم به يوسف من الفاحشة وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب وجائز أن تكون صورة الملك وجائز أن يكون الوعيد فى الآيات التي ذكرها الله فى القرآن على الزنا، والصواب أن يقال ما قاله الله﵎- والإيمان به وترك ما عدا ذلك إلى عالمه «١٠ هـ تفسير الطبري: ١٢/ ١١٣ طبعة بولاق الطبعة الأولى ١٣٢٨ هـ. وعند تأمل الآيات نجد أن الله قد أخبرنا عن رغبة المرأة فى يوسف وأخبرنا عن عصمة يوسف ونفوره من الزنا. قال تعالى: «وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» . وقد أخبر القرآن عن عفة يوسف ونزاهته، قال تعالى: «كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ» سورة يوسف: ٢٤. وأخبر عن زليخا أنها قالت «وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ» سورة يوسف: ٣٢. وقالت أيضا «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ» سورة يوسف: ٦١. ولكن بعض الروايات نسبت إلى يوسف أنه هم بالزنا وذلك لا يتفق مع عصمة الأنبياء. قال فى تفسير المنار (ونقل رواة الإسرائيليات عن زليخا وعن يوسف من الوقاحة ما يعلم بالضرورة أنه كذب فإن مثله لا يعلم إلا من الله- تعالى- أو بالرواية الصحيحة عنها أو عنه ولا يستطيع أن يدعى هذا أحد) تفسير المنار: ١٢/ ٢٧٦. وقد فسر صاحب المنار الآيات بما يفيد أن زليخا عرضت نفسها على يوسف فلم يلتفت إليها فصرحت له يقصدها وقالت هيت لك فاستعاذ يوسف بالله وذكرها بحق زوجها ونفرها من الظلم فاستبدت بها الثورة وهمت به لتنتقم منه، وهم بها ليفر بها أو يدفعها عن نفسه لولا أن رأى برهان []
[ ٢ / ٣٢٨ ]
بين رجليها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يعني آية ربه لواقعها والبرهان مثل له يعقوب عاض على إصبعه فلما رأى ذلك ولى دبرا واتبعته المرأة كَذلِكَ يعنى
_________________
(١) ربه بأن فتحت له الأبواب أمامه فأسرع منها وأسرعت خلفه وأمسكت بقميصه فانقطع فى يدها وقد ساق صاحب المنار العديد من الأدلة على نزاهة يوسف كما انتقد الروايات التي تنسب إليه الاستعداد الزنا أو أنه جلس بين رجليها فقال: (رأى الجمهور فى همت به وهم بها وبيان بطلانه) ذهب الجمهور المخدوعون بالروايات إلى أن المعنى أنها همت بفعل الفاحشة ولم يكن لها معارض ولا مانع منها، وهم هو بمثل ذلك ولولا أنه رأى برهان ربه لاقترفها، ولم يستح بعضهم أن يروى من أخبار اهتياجه ونهوكه فيه ووصف انهماكه وإسرافه فى تنفيذه وتهتك المرأة فى تبذلها بين يديه مالا يقع مثله إلا من أوقع الفساق المسرفين المستهترين، الذين طال عليهم عهد استباحة الفواحش وألفتها حتى خلعوا العذار، وتجردوا من جلابيب الحياء، وأمسوا عراة من لباس التقوى وحال الأدب فإن مثل هذا الذي افتروه فى قصة هذا النبي الكريم لا يقع مثله ممن ابتلى بالمعصية أول مرة من سليمى الفطرة، ولا من سذج الأعراب الذين لم تغلبهم سورة الشهوة الجامحة على حيائهم الفطري وإيمانهم وحيائهم من نظر ربهم إليهم فضلا عن نبى عصمه الله ووصفه بما وصف وشهد له بما شهد، وقد بلغ ببعضهم الجهل بالدين والوقاحة وقلة الأدب أن يزعموا أن يوسف﵇- لم ير برهانا واحدا بل رأى عدة براهين من رؤية والده متمثلا له منكرا عليه، وتكرار وعظه له، ومن رؤية بعض الملائكة ونزولهم عليه بأشد زواجر القرآن بآيات من سورة فلم تنهنه من سبقه، ولم تنهه عن غيه، حتى كان أن خرجت شهوته من أظافره، ومعنى هذا أنه لم يكف إلا عجزا عن الإمضاء، أفبهذا صرف الله عنه السوء والفحشاء وكان من عباد الله المخلصين، وأنبيائه المصطفين الأخيار؟ ولئن كان عقلاء المفسرين أنكروا هذه الروايات الإسرائيلية الحمقاء، حماية لعقيدة عصمة الأنبياء فإنه لم يكد يسلم أحد من تأثير بعضها فى أنفسهم، وتسليمهم أن الهمم من الجانبين كان بمعنى العزم على الفاحشة تفسير المنار: ١٢/ ٢٨٠، ٢٨١. وقد ساق صاحب المنار قصة لمصور سورى هاجر إلى أمريكا ودفع جعلا لفتاة وجعل يصورها فى أوضاع مختلفة ثم راودها عن نفسها فأبت وامتنعت فسألها عن سبب هذا الامتناع؟ فقالت سببه أننى عاهدت رجلا يحبني وأحبه على أن يكون كل منا للآخر لا يشرك فى الاستمتاع به أحدا، ولا يبتغى به بدلا.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
هكذا لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ يعني الإثم وَالْفَحْشاءَ يعني المعاصي إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ- ٢٤- بالنبوة والرسالة نظيرها «إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ «١»» يعنى بالنبوة وَاسْتَبَقَا الْبابَ ويوسف أمامها هارب منها وهي ورائه تتبعه لتحبسه على نفسها فأدركته قبل أن ينتهي إلى الباب وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ يقول فمزقت قميصه من ورائه حتى سقط القميص عن يوسف وَأَلْفَيا يقول وجدا كقوله «أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا «٢»» يعنى وجدا سَيِّدَها [١٨٠ ب] يعني زوجها لَدَى الْبابِ يعني عند الباب ومعه ابن عمها يمليخا بن زليخا «٣» قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا يعنى الزنا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ حبسا في نصب «٤» أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٢٥- يعني ضربا وجيعا قالَ يوسف للزوج: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها وهو يمليخا ابن عم المرأة فتكلم بعقل ولب قال: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ- ٢٦- أي إن كان يوسف هو الذي راودها، فقدت- يعني فمزقت قميصه من قبل يعني من قدامه- فصدقت- على يوسف، ويوسف من الكاذبين في قوله. وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ٢٧- أي وإن كان يوسف هو الهارب منها فأدركته فقدت قميصه من دبر فكذبت على يوسف، ويوسف من الصادقين في قوله وقد سمعا جلبتهما وتمزيق القميص من وراء الباب فَلَمَّا رَأى الزوج
_________________
(١) سورة ص: ٤٦.
(٢) سورة البقرة: ١٧.
(٣) من: ل. وفى أ: زليخا.
(٤) هكذا فى: أ، ل.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ يقول مزق من ورائه قالَ لها: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ يقول تمزيق القميص من فعلكن يعني امرأته ثم قال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ يعني فعلكن عَظِيمٌ- ٢٨- لأن المرأة لا تزال بالرجل حتى يقع في الخطيئة العظيمة ثم قال الشاهد ليوسف: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا الأمر الذي فعلت بك ولا تذكره لأحد ثم أقبل الشاهد على المرأة فقال: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ يعني واعتذري إلى زوجك واستعفيه ألا يعاقبك إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ- ٢٩- وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ وهن خمس نسوة. امرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة صاحب السجن، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب الإذن، قلن: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها العبراني يعني عبدها الكنعاني عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا يعني غلبها حبا شديدا هلكت عليه إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٣٠- يعني في خسران بين يعني شقاء من حب يوسف﵇- حتى فشا عليها فَلَمَّا سَمِعَتْ زليخا بِمَكْرِهِنَّ يعني بقولهن لها أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ فجئنها وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وهو الأترج وكل شيء يحز بالسكين فهو متكأ وَآتَتْ يعني وأعطت كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وأمرت يوسف﵇- فتزين وترجل، وكان أعطي يوسف في زمانه ثلث الحسن وآتاه الحسن من قبل جده إسحاق من قبل أمه سارة، وورثت سارة «حسنها «١»» من قبل حواء امرأة آدم﵇- وحسن حواء من آدم لأنها خلقت منه.
وقال مُقَاتِلُ: كل ذكر أحسن من الأنثى، من الأشياء كلها «٢»، وفضل يوسف في زمانه بحسنه على الناس كفضل القمر ليلة البدر على الكواكب.
_________________
(١) من: ل. وهي ساقطة من أ:.
(٢) هكذا فى: أ، ل.
[ ٢ / ٣٣١ ]
وَقالَتِ أي ثم قالت: يا يوسف اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ من البيت فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ يعني أعظمنه وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ يعني وحززن أصابعهن [١٨١ ا] بالسكين حين نظرن إليه وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ يعني معاذ الله مَا هَذَا بَشَرًا إنسانا إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ- ٣١- يعني حسن فأعجبها ما صنعن وما قلن قالَتْ زليخا: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ الذي افتتنتن به وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ يعني فامتنع عن الجماع وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ- ٣٢- يعني المذلين. قالت النسوة «١»: يا يوسف ما يمنعك أن تقضي لها حاجتها فدعى يوسف ربه: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من الزنا حين قلن ليوسف ما يحملك على ألا تقضي لها حاجتها وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ يقول أفضى إليهن وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ- ٣٣- يعني من المذنبين فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ يعني مكرهن وشرهن إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعاء يوسف الْعَلِيمُ- ٣٤- به ثُمَّ بَدا لَهُمْ يعني ثم بدا للزوج مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ يعني من بعد ما رأوا العلامات في تمزيق القميص من دبر أنه برىء لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ- ٣٥- وذلك أنها قالت لزوجها حين لم يطاوعها يوسف: احبس يوسف في السجن لا يلج «٢» علي فصدقها فحبسته. فقال له صاحب السجن: من أنت؟ قال: ولم تسألني من أنا؟ قال: لأني أحبك. قال: أعوذ بالله من حبك، أحبنى والدي
_________________
(١) فى أ: قلن.
(٢) من: ل، وفى أ: يولج.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
فلقيت من إخوتي ما لقيت، وأحبتني امرأة العزيز فلقيت من حبها ما لقيت فلا حاجة لي في حب أحد إلا في إلهي الذي في السماء. قال: أخبرني من أنت؟
قال: أنا يوسف- نبي الله- ابن يعقوب- صفي الله- ابن إسحاق- ذبيح الله- ابن إبراهيم خليل الله. وكان يوسف في السجن يؤنس الحزين ويطمئن الخائف ويقوم على المريض ويعبر لهم الرؤيا ورقى إلى الملك أن غلامه الخباز يريد أن يجعل في طعامه سما ورقى إليه في غلامه الساقي مثل ذلك فذلك قوله: وَدَخَلَ مَعَهُ «السِّجْنَ «١»» فَتَيانِ الخباز والساقي اسم أحدهما شرهم أقم «٢» وهو الساقي، واسم الخباز شرهم أشم قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي في المنام كأني أَعْصِرُ خَمْرًا يعني عنبا قال كأني دخلت البستان فإذا فيه أصل كرم وعليه ثلاث عناقيد فكأني أعصرهن وأسقي الملك وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي رأيت في المنام «٣» كأني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا ثلاث سلال وأعلاهن جفنة من خبز فوق رأسى مثل قوله: «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ «٤»» ومثل قوله: «اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ» «٥» يعني أعلى الأرض تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ يقول أخبرنا بتفسير ما رأينا في المنام إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ- ٣٦- وكان إحسانه في السجن أنه كان يعود مرضاهم [١٨١ ب] ويداويهم ويعزي مكروبهم ورآه متعبدا لربه فهذا إحسانه قالَ
_________________
(١) ساقط من الأصل.
(٢) هكذا فى أ، ل.
(٣) مكررة فى: أ.
(٤) سورة الأنفال: ١٢.
(٥) سورة إبراهيم: ٢٦. []
[ ٢ / ٣٣٣ ]
يوسف ألا أخبركما بأعجب من الرؤيا التي رأيتما قال: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ إلا أخبرتكما بألوانه قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما الطعام فقالوا ليوسف: إنما يعلم هذا «١» الكهنة، والسحرة، وأنت لست في هيئة ذلك فقال يوسف لهما: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ أولئك الكهنة، والسحرة، يعني أهل مصر لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني لا يصدقون بتوحيد الله ولا بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ- ٣٧- وَاتَّبَعْتُ «٢» مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ- ٣٨- ثم دعاهما إلى الإسلام وهما كافران فقال:
يَا صاحِبَيِ السِّجْنِ يعني الخباز والساقي أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أآلهة شتى تعبدون خير يعني أفضل أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ- ٣٩- لخلقه لأن الآلهة مقهورة كقوله في النمل «٣»: «آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ «٤»» من الآلهة ثم قال يوسف﵇-: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ من الآلهة إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أنها آلهة «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ «٥»» إِنِ الْحُكْمُ يعني القضاء إِلَّا لِلَّهِ في التوحيد أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ يقول أمر الله أن يوحد، ويعبد وحده، له التوحيد ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
_________________
(١) فى ل: هذا، ا: هذه.
(٢) الآية ٣٨ ساقطة من الأصل هي وتفسيرها.
(٣) من: ل، وفى أ: النحل.
(٤) سورة النمل: ٥٩.
(٥) ما بين القوسين «» ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
يعني المستقيم وغيره من الأديان ليس بمستقيم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني أهل مصر لا يَعْلَمُونَ- ٤٠- بتوحيد ربهم يَا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وهو الساقي قال له يوسف: تكون في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتكون على عملك فتسقي سيدك خمرا وَأَمَّا الْآخَرُ وهو الخباز فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ واسمه شرهم أشم، قال له يوسف:
تكون في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك فكره الخباز تعبير رؤياه، فقال: ما رأيت شيئا إنما كنت ألعب. فقال له يوسف:
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ- ٤١- يقول رأيتما أو لم تريا فقد وقع بكما ما عبرت لكما وَقالَ يوسف: لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا من القتل إضمار وهو الساقي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ يعني سيدك فإنه يسرني أن يخرجني من السجن، يقول الله: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ يعني يوسف دعاء ربه «فلم يدع يوسف ربه الذي في السماء «١»» ليخرجه من السجن واستغاث بعبد مثله يعني الملك فأقره الله في السجن عقوبة حين رجا أن يخرجه غير الله﷿- فذلك قوله: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ- ٤٢- يعني خمس سنين حتى رأى الملك الرؤيا وكان في السجن قبل ذلك سبع سنين وعوقب ببضع سنين يعني خمس سنين فكان فى السجن اثنتا عشرة سنة فذلك قوله [١٨٢ ا]: «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ
«٢»»
وقال النبيﷺ-: لو أن يوسف ذكر ربه ولم يستغث بالملك لم يلبث فى السجن بضع
_________________
(١) من: ل.
(٢) سورة يوسف: ٣٥.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
سنين ولخرج من يومه ذاك «١» . قال: وأتى جبريل يوسف حين استغاث بالملك «٢» وترك دعاء ربه، فقال له: إن الله يقول لك: يا بن يعقوب من حببك إلى أبيك وأنت أصغرهم «٣»؟. قال: أنت يا إلهي. قال: إن الله يقول: من عصمك من الخطيئة وقد هممت بها؟ قال: أنت يا إلهي. قال: فكيف تركتني، واستغثت بعبد مثلك؟ فلما سمع يوسف ذكر الخطيئة قال: يا إلهي إن كان خلق وجهي عندك من أجل خطيئتي فأسألك بوجه أبي وجدي أن تغفر لي خطيئتي.
وَقالَ الْمَلِكُ وهو الريان بن الوليد، للملأ من قومه: إِنِّي أَرى فى المنام سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ أى بقرات عِجافٌ وَرأيت سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ثم قال: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ وهم علماء أهل الأرض وكان أهل مصر «من أمهر «٤»» الكهنة والعرافين إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ- ٤٣- ولم يعلموا تأويل رؤياه ف قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ يعني أحلام مختلطة كاذبة، ثم علموا أن لها تعبيرا وأنها ليست من الأحلام المختلطة، فمن ثم قالوا: وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ- ٤٤- وجاءه «٥» جبريل﵇- فأخبره أنه
_________________
(١) من ل، وفى أ: ويخرج من يومه ذلك.
(٢) فى أ، ل: وأتاه جبريل﵇- حين استغاث يوسف بالملك.
(٣) هكذا فى: ا، ل.
(٤) فى أ: وكان أهل مصر الكهنة والعرافين، وفى ل: وكانت أهل مصر والكهنة والعرافين.
(٥) من ل، وفى أ: وجاء.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
يخرج من السجن غدا وأن الملك قد رأى رؤيا فلما نظر يوسف إلى جبريل عليه «١» البياض مكلل باللؤلؤ.
قال مُقَاتِلُ: قال له: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه. أي رسل ربي أنت؟ قال: أنا جبريل. قال: ما أتى بك؟ قال: أبشرك «٢» بخروجك. قال: ألك علم بيعقوب أبي ما فعل؟ قال:
نعم، ذهب بصره من الحزن عليك.
قال: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، ما بلغ من حزنه؟ قال: بلغ حزنه حزن سبعين مثكلة بولدها. قال: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، فما له من الأجر؟ قال أجر مائة شهيد «٣» وألف مثكلة «٤» موجعة «٥» . قال: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، هل رأيت «٦» يعقوب؟
قال: نعم. قال: أيها الملك من ضم إليه بعدي؟ قال: أخاك بنيامين. قال يوسف: يا ليت السباع تقسمت لحمى، ولم يلق يعقوب فى سببى ما لقي، فلما سمع الساقي رؤيا الملك ذكر تصديق عبارة «٧» يوسف﵇- في نفسه وفي الخباز فذلك قوله: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما من القتل وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ
_________________
(١) عليه: ساقطة من أ، وهي فى: ل.
(٢) فى أ: أبشر، ل: أبشرك. []
(٣) من ل. وفى اتصحيف إلى: أجر مر شهيد.
(٤) فى حاشية أ: الثكلى هي التي ليس لها إلا ولد واحد ويموت.
(٥) فى أ: مرجعه، وفى حاشية ا. تقول إنا لله وإنا إليه راجعون، وفى ل: موجعه.
(٦) من ل. وفى أ: برئ.
(٧) أى: تعبيره الرؤيا.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
يعني وذكر بعد حين أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ [١٨٢ ب] يعني بتعبيره فَأَرْسِلُونِ- ٤٥- إلى يوسف فلما أتى يوسف قال له الساقي: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ يعني أيها الصادق فيما عبرت لي ولصاحبي أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ قال: أما البقرات السبع السمان، والسنبلات الخضر، فهن «١» سبع سنين مخصبات.
وأما البقرات العجاف السبع، والسنبلات السبع الأخر اليابسات، فهن المجدبات.
ثم قال الساقي: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ يعني أهل مصر لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَعْلَمُونَ- ٤٦- تعبيرها يعني تعبير هذه الرؤيا، ثم علمهم كيف يصنعون؟ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا يعني دائبين في الزرع ثم علمهم يوسف ما يصنعون فقال: فَما حَصَدْتُمْ من حب فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ «٢» فإنه أبقى له لئلا يأكله السوس «٣» إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ- ٤٧- فتشقونه «٤» ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني من بعد السنين المخصبات سَبْعٌ شِدادٌ يعنى مجدبات يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ يعني ما ذخرتم لهن في هذه السنين الماضية «٥» إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ- ٤٨- يعني مما تدخرون فتحرزونه ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني من بعد السنين المجدبات عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ يعني أهل مصر بالمطر وَفِيهِ يَعْصِرُونَ- ٤٩- العنب، والزيت من
_________________
(١) من ل، وفى أ: فهو.
(٢) فى ا، ل: يعنى فى كعبره.
(٣) فى أ، ل: يعنى فى كعبره فإنه أبقى له لا يتكل. وفى القرطبي: لئلا يأكله السوس.
(٤) فى الجلالين: فادرسوه، وفى أ. فتشقونه، وهي ساقطة من: ل.
(٥) من: ل، وفى أ: الماضيات.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
الخصب. هذا من قول يوسف وليس من رؤيا الملك فرجع الرسول فأخبره فعجب وَقالَ الْمَلِكُ واسمه الريان بن الوليد: ائْتُونِي بِهِ يعنى بيوسف فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ يعني رسول الملك وهو الساقي قالَ له ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ يعنى سيدك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ الخمس اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ يعني حززن أصابعهن بالسكين إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ يعني بقولهن عَلِيمٌ- ٥٠- حين قلن ما يمنعك أن تقضى لها حاجتها، أراد يوسف﵇- أن يستبين عذره عند الملك قبل أن يخرج من السجن ولو خرج يوسف حين أرسل إليه الملك قبل أن يبرئ نفسه لم يزل متهما في نفس الملك فمن ثم «قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ» فيشهدن أن امرأة العزيز قالت: «لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ «١»» فلما سألهن الملك قالَ لهن: مَا خَطْبُكُنَّ يعني ما أمركن كقوله: «فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ «٢»» يعني ما أمركم إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ وذلك أنهن قلن حين خرج عليهن يوسف من البيت «٣» ما عليك أن تقضي لها حاجتها فأبى عليهن فرددن على الملك قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ يعني معاذ الله مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ يعني الزنا فلما سمعت زليخا قول النسوة. قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ عند ذلك الْآنَ حَصْحَصَ يعني الآن تبين الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ يوسف لَمِنَ الصَّادِقِينَ- ٥١-[١٨٣ ا] في قوله فأتاه الرسول في السجن فأخبره بقول النسوة عند الملك قال يوسف:
_________________
(١) سورة يوسف: ٣٢.
(٢) سورة الحجر: ٥٧، وسورة الذاريات: ٣١.
(٣) فى ل زيادة: فى الفيطور وهي الخزانة. وفى ازيادة: يعنى القيطون وهي الخزانة.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
ذلِكَ لِيَعْلَمَ يقول هذا ليعلم سيده أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ في أهله ولم أخالفه فيهن «١» وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ- ٥٢- يعني لا يصلح عمل الزناة يقول يخذلهم فلا يعصمهم من الزنا، فأتاه الملك- وهو جبريل- بالبرهان الذي رأى فقال ليوسف: أين ما هممت به أولا حين حللت سراويلك وجلست بين رجليها؟ فلما ذكر الملك ذلك قال عند ذلك: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي يعني قلبي من الهم لقد هممت بها إِنَّ النَّفْسَ يعني القلب لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ للجسد «٢» يعني بالإثم، ثم استثنى فقال: إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي يعني إلا ما عصم ربي فلا تأمر بالسوء إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ لما هم به من المعصية رَحِيمٌ- ٥٣- به حين عصمه وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي يعني أتخذه فَلَمَّا أتاه يوسف وكَلَّمَهُ «٣» أي كلم الملك قالَ ليوسف: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ يقول عندنا وجيه أَمِينٌ- ٥٤- على ما وكلت به كقوله: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ «٤» ثم قالَ يوسف للملك: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ بمصر إِنِّي حَفِيظٌ لما وكلتني به عَلِيمٌ- ٥٥- يعني عالم بلغة الناس كلها.
قَالَ مُقَاتِلُ: قَالَ النَّبِيُّﷺ-: لو قال: «إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» إن شاء الله- لملك من يومه ذلك.
وقال ابن عباس: لبث بعد ذلك سنة ونصفا ثم ملك أرض مصر.
وقال مُقَاتِلُ:
قَالَ النَّبِيُّﷺ- عجبت من صبر يوسف، وكرمه، والله يغفر
_________________
(١) فى ل: فيهن، ا: فيهم. []
(٢) فى ل: الجسد، ا: للجسد.
(٣) «كَلَّمَهُ»: ساقطة من: ا: ل.
(٤) سورة التكوير: ٢٠ وتمامها «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» .
[ ٢ / ٣٤٠ ]
له، لو كنت أنا لبادرت الباب «١» . حين بعث إليه الملك يدعوه.
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ يعني وهكذا مكنا ليوسف الملك فِي الْأَرْضِ في أرض مصر ل يَتَبَوَّأُ يقول ينزل مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا يعني سعتنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ- ٥٦- يعني نوفيه جزاءه، فجزاه الله بالصبر على البلاء والصبر عن المعصية بأن ملكه على مصر، ثم قال: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يعني أكبر يعني جزاء الآخرة أفضل مما أعطي في الدنيا من الملك لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بالتوحيد وَكانُوا يَتَّقُونَ- ٥٧- الشرك مثل الذي اتقى يوسف﵇- وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ من أرض كنعان فَدَخَلُوا عَلَيْهِ أي على يوسف بمصر «٢» فَعَرَفَهُمْ يوسف وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ- ٥٨- يقول وهم لا يعرفون يوسف. فقال: من أنتم؟ قالوا:
نحن بنو يعقوب، نحن من أهل كنعان: قال: كم أنتم؟ قالوا: نحن أحد عشر. قال: ما لي لا أرى الأحد عشر: قالوا واحد منا عند أبينا. قال: ولم ذلك؟ قالوا: إن أخاه لأمه أكله الذئب، فلذلك تركناه عند أبينا فهو يستريح إليه «٣» وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ يوسف بِجَهازِهِمْ يعني في أمر الطعام قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ يعني بنيامين وكان أخاهم من أبيهم وكان أخا يوسف «٤» [١٨٣ ب] لأبيه وأمه أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي يعنى أوفى لكم
_________________
(١) هذا جزءا من حديث فى صحيح البخاري.
(٢) فى أ، ل: (فدخلوا على) يوسف بمصر.
(٣) فى أ، ل: «قالوا: إن أخاه أكله الذئب لأم الذي تركناه عند أبينا فلذلك تركناه عنده فهو يستريح إليه.
(٤) فى أ: وكان أخوهم من أبيهم، وكان أخو يوسف. وفى ل: بالنصب.
[ ٢ / ٣٤١ ]
الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ- ٥٩- وأنا أفضل من يضيف بمصر فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ يعني فلا بيع لكم عِنْدِي من الطعام وَلا تَقْرَبُونِ- ٦٠- بلادي قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ يعقوب وَإِنَّا لَفاعِلُونَ- ٦١- ذلك بأبيه وَقالَ يوسف: لِفِتْيانِهِ يعني لخدامه وهم يكيلون لهم الطعام اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ يعني دراهمهم فِي رِحالِهِمْ يعني في أوعيتهم «لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ «١»» يعني لكي يَرْجِعُونَ- ٦٢- إلينا فلا يحبسهم عنا حبس الدراهم إذا ردت إليهم «٢»، لأنهم كانوا أهل ماشية فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ يعني منع كيل الطعام فيه إضمار فيما يستأنف فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا بنيامين نَكْتَلْ الطعام بثمن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ- ٦٣- من الضيعة قالَ أبوهم: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ في قراءة ابن مسعود: «هل تحفظونه إلا كما حفظتم أخاه يوسف من قبل» بنيامين فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا يعنى فالله خير حفظا منكم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ- ٦٤- يعني أفضل الراحمين وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ يعني حلوا أوعيتهم وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ يعني دراهمهم فيها إضمار رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يَا أَبانا ما نَبْغِي بعد هذِهِ إضمار فإنهم قد ردوا علينا الدراهم. هذه بِضاعَتُنا يعني دراهمنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا الطعام وَنَحْفَظُ أَخانا بنيامين من الضيعة «٣» وَنَزْدادُ من أجله كَيْلَ بَعِيرٍ
_________________
(١) «لَعَلَّهُمْ » إلى لَعَلَّهُمْ»: ساقطة من: أ. وهي من: ل.
(٢) هكذا فى: أ، ل.
(٣) مكررة مرتين فى: أ.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وكان أهل مصر يبيعون الطعام على عدة الرجال ولا يبيعون على عدة الدواب وكان الطعام عزيزا «١» فذلك قوله «وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ» من أجله ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ- ٦٥- سريع لا حبس فيه قالَ أبوهم: لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ يعني تعطوني عهدا من الله لَتَأْتُنَّنِي بِهِ يعني بنيامين ولا تضيعوه كما ضيعتم أخاه يوسف إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ يعني يحيط بكم الهلاك فتهلكوا جميعا فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ يعني عهدهم قالَ يعقوب:
اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ- ٦٦- يعني شهيدا بيني وبينكم نظيرها في القصص «وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ «٢»» فلما سرح بنيامين معهم خشي عليهم العين وكان بنوه لهم جمال وحسن وَقالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مصر مِنْ بابٍ واحِدٍ يعني من طريق واحد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ من طرق شتى ثم قال:
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ إذا جاء قضاء الله مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يعني ما القضاء إلا لله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يقول به أثق وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ- ٦٧- يعني به فليثق الواثقون وَلَمَّا دَخَلُوا مصر مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ من طرق شتى أخذ كل واحد منهم في طريق على حدة «٣» .
يقول الله تعالى: مَا كانَ يعقوب يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها [١٨٤ ا] كقوله
_________________
(١) فى الأصل: عزيز.
(٢) سورة القصص: ٢٨ وتمامها «قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ» .
(٣) على حدة: فى أ، وليست فى ل.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
«وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً «١»» وهذا من كلام العرب يعني إلا أمرا شجر في نفس يعقوب وَإِنَّهُ يعني أباهم لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ لأن الله- تعالى- علمه أنه لا يصيب بنيه إلا ما قضى الله عليهم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- ٦٨- وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ يعني ضم إليه أخاه قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- ٦٩- يقول فلا تحزن بما سرقوك، وجاءوا بالدراهم التي كانت في أوعيتهم فردوها إلى يوسف﵇- فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ يقول فلما قضى في أمر الطعام حاجتهم جَعَلَ السِّقايَةَ وهي الإناء الذي يشرب به الملك فِي رَحْلِ أَخِيهِ بنيامين ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ يعني نادى مناد، اسمه بعرايم بن بربري، من فتيان يوسف:
أَيَّتُهَا الْعِيرُ يعني الرفقة إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ- ٧٠- فانقطعت ظهورهم وساء ظنهم ف قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ فيها تقديم «٢» يقول وأقبلوا على المنادي ثم قالوا: مَاذَا تَفْقِدُونَ- ٧١- قالُوا «٣» المنادي «ومن معه» لإخوة يوسف: نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ يعني إناء الملك وكان يكال به كفعل أهل العساكر وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ يعنى وقر بعير وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ- ٧٢- يعني به كفيل، فرد الإخوة القول على المنادي قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر بالمعاصي وَما كُنَّا سارِقِينَ
_________________
(١) سورة الحشر: ٩ وتمامها «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» . []
(٢) أى أن الإقبال على المنادى كان مقدما على القول، وهذا معنى فيها تقديم.
(٣) فى أ: «قال» المنادى. وفى حاشية أ: قالوا. وفى ل. قال. ثم صلحت إلى «قالوا» المنادى.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
- ٧٣- وقد رددنا «١» عليكم الدراهم التي كانت في أوعيتنا ولو كنا سارقين ما رددناها عليكم قالُوا «٢» أي المنادي «ومن معه»: فَما جَزاؤُهُ أى السارق إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ- ٧٤- قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ يعني في وعائه يعني المتاع فَهُوَ جَزاؤُهُ يعني هو مكان سرقته كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ- ٧٥- يعني هكذا نجزي السارقين كقوله في المائدة «فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ «٣»» يعني بعد سرقته وكان الحكم بأرض مصر أن يغرم السارق عبدا يستخدم على قدر ضعف ما سرق ويترك «٤»، وكان الحكم بأرض كنعان أن يتخذ السارق عبدا يستخدم على قدر سرقته ثم يخلى سبيله فيذهب حيث شاء فحكموا بأرض مصر بقضاء أرضهم.
فَبَدَأَ المنادي بِأَوْعِيَتِهِمْ فنظر فيها فلم ير شيئا قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثم انصرف ولم ينظر في وعاء بنيامين فقال: ما كان هذا الغلام ليأخذ الإناء قال إخوته لا ندعك حتى تنظر في وعائه فيكون أطيب لنفسك فنظر فإذا هو بالإناء ثُمَّ «اسْتَخْرَجَها «٥»» مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ يعني من متاع أخيه وهو أخو يوسف لأبيه وأمه كَذلِكَ كِدْنا يعني هكذا صنعنا لِيُوسُفَ أن يأخذ أخاه خادما بسرقته في دين الملك يعني في سلطان الملك، فذلك قوله:
_________________
(١) فى أ: ردنا، وعليها علامة تمريض. وفى ل: رددنا.
(٢) فى أ: «قال» المنادى، وفى حاشية أ، الآية: «قالوا» .
(٣) سورة المائدة: ٣٩.
(٤) فى ل: أن يغرم السارق ضعف ما سرك ويترك. وفى البيضاوي (فِي دِينِ الْمَلِكِ) ملك مصر لأن عينه الضرب وتغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق وهو بيان للكيد: ٣٢٠.
(٥) فى أ، ل: فاستخرجها.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ يعنى ليحبس أخاه فِي دِينِ الْمَلِكِ يعني حكم الملك، لأن حكم الملك أن يغرم السارق ضعف ما سرق [١٨٤ ب] ثم يترك «١» إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ذلك ليوسف نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني فضائل يوسف حين أخذ أخاه، ثم قال: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ- ٧٦- يقول الرب- تعالى- عالم «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» يقول يوسف أعلم إخوته. ثم قال إخوة يوسف:
قالُوا «٢» إِنْ يَسْرِقْ بنيامين فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ بنيامين يعنون يوسف﵇- وذلك أن جد يوسف أبا أمه كان اسمه لاتان كان يعبد الأصنام، فقالت راحيل لابنها يوسف﵇-: خذ الصنم ففر به من البيت لعله يترك عبادة الأوثان وكان من ذهب ففعل ذلك يوسف﵇- فتلك سرقة يوسف التي قالوا. فلما سمع يوسف مقالتهم «٣» فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ولم يظهرها لهم قالَ في نفسه أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ولم يسمعهم قال أنتم أسوأ صنعا فيما صنعتم بيوسف وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ- ٧٧- يعني بما تقولون من الكذب أن يوسف سرق، فعندها قالوا: ما لقينا من ابني راحيل يوسف وأخيه؟ فقال بنيامين: ما لقي ابنا راحيل منكم؟ أما يوسف فقد فعلتم به ما فعلتم، وأما أنا فسرقتموني. قالوا: فمن جعل الإناء في متاعك؟
قال: جعله في متاعي الذي جعل الدراهم في أمتعتكم. فلما ذكر الدراهم شتموه وقالوا: لا تذكر الدراهم مخافة أن يؤخذوا «٤» بها.
_________________
(١) من ل. وفى أ: ثم يبرأ.
(٢) «قالوا»: ساقطة من ا. وهي فى ل: قال.
(٣) فى أ، ل: قولهم، ثم تغير فى ترتيب الآية وتفسير للجزء الأخير قبل الوسط. ففسرها هكذا- «قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا» . «فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ» .
(٤) فى ل: يأخذوا، أ: يأخذ.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
قالُوا «١» أى إخوة يوسف ليوسف يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ وذلك أن أرض مصر صارت إليه وهو خازن الملك إِنَّ لَهُ يعنى لبنيامين أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا حزينا على ابن مفقود فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ- ٧٨- إلينا إن فعلت بنا ذلك قالَ يوسف: مَعاذَ اللَّهِ يقول نعوذ بالله أَنْ نَأْخُذَ يعني أن نحبس بالسرقة إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ- ٧٩- أن نأخذ البريء مكان السقيم «٢» فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ يقول يئسوا من بنيامين خَلَصُوا نَجِيًّا يعني خلوا يتناجون بينهم على حدة وقال بعضهم لبعض: قالَ كَبِيرُهُمْ يعني عظيمهم في أنفسهم وأعلمهم، وهو يهوذا، ولم يكن أكبرهم في السن أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ يعني في أمر بنيامين لتأتينه به وَمِنْ قَبْلُ بنيامين ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ يعنى ضيعتم فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ يعني أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي فى الرجعة أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي فيرد علي بنيامين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ- ٨٠- يعني أفضل القاضين ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ يعني بنيامين وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا يعني رأينا، الصواع حين أخرج من متاعه «٣» .
وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ- ٨١- يعنى وما كنا نرى أنه يسرق [١٨٥ ا] ولو علمنا ما ذهبنا به معنا وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يعنى مصر الَّتِي كُنَّا فِيها أنه سرق وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ- ٨٢-
_________________
(١) فى أ، ل: «وقال» .
(٢) هكذا فى: أ، ل، والمراد: المذنب.
(٣) من ل. وفى أ: لما رأينا، الصواع أخرج من متاعه. []
[ ٢ / ٣٤٧ ]
فيما نقول. قال لهم يعقوب كلما ذهبتم نقص منكم واحد وكان يوسف﵇- حبس بنيامين وأقام شمعون ويهوذا فاتهمهم يعقوب﵇- ف قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ يعني ولكن زينت لكم أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا كان هو منكم هذا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني صبرا حسنا لا جزع فيه عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا يعني بنيه الأربعة إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بخلقه الْحَكِيمُ- ٨٣- يعني الحاكم فيهم ولم يخبر الله يعقوب بأمر يوسف ليختبر صبره وَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني وأعرض يعقوب عن بنيه ثم أقبل على نفسه وَقالَ يا أَسَفى يعني يا حزناه عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ ست سنين لم يبصر بهما مِنَ الْحُزْنِ على يوسف فَهُوَ كَظِيمٌ- ٨٤- يعني مكروب يتردد الحزن في قلبه قالُوا أي قال بنوه يعيرونه تَاللَّهِ تَفْتَؤُا يعني والله ما تزال تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا يعنى الدنف أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ- ٨٥- يعنى الميتين قالَ
لهم أبوهم: إنَّما أَشْكُوا بَثِّي
يعنى ما بثه فى الناس حُزْنِي
يعنى ما بطن لَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ
يعني من تحقيق رؤيا يوسف أنه كائن الا تَعْلَمُونَ
- ٨٦- يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يعني فابحثوا عن يُوسُفَ وَأَخِيهِ بنيامين وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ يعني من رحمة الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ يعني من رحمة الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ- ٨٧- وذلك أن يعقوب﵇- رأى ملك الموت في المنام فقال له: هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا، وبشره.
فلما أصبح قال: «يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا» فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ يوسف قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ يعني الشدة والبلاء من الجوع
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ يعني دراهم «١» نفاية فجوزها «٢» عنا فَأَوْفِ يعني فوفر لَنَا الْكَيْلَ بسعر «٣» الجياد وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا يقول: تكون هذه صدقة منك يعنون معروفا أن تأخذ النفاية وتكيل لنا الطعام بسعر الجياد إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ- ٨٨- لمن كان على ديننا إضمار ولو علموا أنه مسلم لقالوا: إن الله يجزيك بصدقتك فلما سمع ما ذكروا من الضر قالَ لهم:
هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ يعني بي وبأخي بنيامين إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ- ٨٩- يعني مذنبين قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يقول قد أنعم الله علينا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الزنا وَيَصْبِرْ على الأذى فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ- ٩٠- يعني جزاء من أحسن حتى يوفيه جزاءه قالُوا تَاللَّهِ يعني والله لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا يعني اختارك كقوله في طه: «لَنْ نُؤْثِرَكَ «٤»» [١٨٥ ب] يعني لن نختارك، علينا عند يعقوب وأعطاك وملكك الملك وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ- ٩١- في أمرك فأقروا بخطيئتهم قالَ يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يقول لا تعيير عليكم، لم يثرب عليهم بفعلهم القبيح يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ما فعلتم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ- ٩٢- من غيره اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا بعد البياض وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ- ٩٣- فلا يبقى منكم أحد وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ من مصر إلى كنعان ثمانين فرسخا
_________________
(١) فى ل: جزاهم، أ: دراهم.
(٢) فى أ: تجوزها، ل: فجوزها.
(٣) فى أ: سعر، ل: بسعر.
(٤) سورة طه: ٧٢.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
قالَ أَبُوهُمْ يعقوب لبني بنيه: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ- ٩٤- يعني لولا أن تجهلون قالُوا بنو بنيه: تَاللَّهِ والله إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ- ٩٥- مثل قوله «إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ» «١» يقول في شقاء «٢» وعناء، يعني في شقاء من حب يوسف وذكره فما تنساه وقد أتى عليه أربعون سنة «فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ» «٣» فلما أتاه البشير وهو الذي ذهب بالقميص الأول الذي كان عليه الدم، وألقى القميص على وجه يعقوب فَارْتَدَّ يعني فرجع بَصِيرًا بعد البياض قالَ يعقوب:
يا بني أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ- ٩٦- وذلك أن يعقوب قال لهم: ِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
«٤»» من تحقيق رؤيا يوسف قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ- ٩٧- في أمر يوسف قالَ أبوهم: إني سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي سحرا من الليل إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ للذنوب الرَّحِيمُ- ٩٨- بالمؤمنين فَلَمَّا دَخَلُوا «٥» يعني يعقوب وأهله أرض مصر عَلى يُوسُفَ آوى يعنى ضم إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ لهم: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ- ٩٩- من الخوف فدخل منهم اثنان وسبعون إنسانا من ذكر وأنثى وَرَفَعَ يوسف أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ يعني على السرير وجعل أحدهما عن يمينه،
_________________
(١) سورة القمر: ٢٤.
(٢) فى أ: شقاق، ل: شقاء.
(٣) ما بين القوسين «»: ساقط من أ، ل، ومكثوبة بالمعنى وليس بنص الآية.
(٤) سورة يوسف: ٨٦.
(٥) فى أزيادة: عليه، وليست فى ل.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
والآخر عن يساره، وكانت أمه راحيل قد ماتت وخالته تحت يعقوب «١» - ﵇- وهي التي رفعها على السرير وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا أبوه، وخالته، وإخوته قبل أن يرفعهما على السرير في التقديم «٢» . قال أبو صالح: هذه سجدة التحية لا سجدة العبادة، وَقالَ يوسف: يَا أَبَتِ هَذَا السجود تَأْوِيلُ يعني تحقيق رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا يعني صدقا وكان بين رؤيا يوسف وبين تصديقها أربعون «٣» سنة وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ كانوا أهل عمود ومواشى مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ «٤» يعني أزاغ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ حين أخرجه من السجن ومن البئر وجمع بينه وبين أهل بيته [١٨٦ ا] بعد التفريق فنزع من قلبه نزع الشيطان على إخوته بلطفه إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ- ١٠٠- مات يعقوب قبل يوسف بسنتين، ودفن يعقوب والعيص بن إسحاق في قبر واحد وخرجا من بطن واحد في ساعة واحدة، فلما جمع الله ليوسف شمله فأقر بعينه وهو مغموس في الملك والنعمة اشتاق إلى الله وإلى آياته فتمنى الموت.
حدثنا عبيد الله قال: حدثني أبي قال: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ قَالَ «٥»: قال مُقَاتِلُ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «٦»: لَمْ يَتَمَنَّ الموت نبى قط غير يوسف-
_________________
(١) فى حاشية ل: لا حاجة إلى هذه الرواية لأن النصوص الظاهرة تدل على أن أمه حية مثل قوله: «آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ»، «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ» والرؤيا تدل عليه وحمله على التغليب إنما يمكن بدليل قوى يدل على أن أمه ماتت فلم يوجد، والله أعلم. ظهر لي.
(٢) أى: أن معنى الجملة مقدم على التي قبلها: فقد سجد له أبواه قبل أن يرفعهما على السرير.
(٣) فى ل: أربعين سنة، ا: أربعون سنة.
(٤) فى أ، ل: أزاغوا.
(٥) السند السابق: ساقط من ل. ويبدأ فى ل: قال مقاتل. []
(٦) قال: ساقطة من أ، وهي من ل.
[ ٢ / ٣٥١ ]
﵇- قال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي يعنى قد أعطيتنى مِنَ الْمُلْكِ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ ثَمَانِينَ سَنَةً وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ من «١» هاهنا صلة، يعنى تعبير الرؤيا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَعْنِي خَالِقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كُنْ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا يعنى مخلصا بتوحيدك وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ- ١٠١- يَعْنِي أَبَاهُ يَعْقُوبَ، وَإِسْحَاقَ، وَإِبْرَاهِيمَ، ذلِكَ الخبر مِنْ أَنْباءِ يعني من أحاديث الْغَيْبِ غاب يا محمد أمر يوسف، ويعقوب، وبنيه، عنك حتى أعلمناك نُوحِيهِ إِلَيْكَ لم تشهده ولم تعلمه وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يعني عند إخوة يوسف إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ- ١٠٢- بيوسف﵇- وَما أَكْثَرُ النَّاسِ يعنى كفار مكة وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ- ١٠٣- يعنى بمصدقين.
فيها تقديم. وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني على الإيمان من جعل إِنْ هُوَ يعنى القرآن إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ- ١٠٤- وَكَأَيِّنْ يعنى وكم مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والرياح، والمطر، وَالْأَرْضِ الجبال «٢»، والبحور، والشجر، والنبات، عاما بعد عام يَمُرُّونَ عَلَيْها يعني يرونها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ- ١٠٥- أفلا يتفكرون فيما يرون من صنع الله فيوحدونه وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ أي أكثر «٣» أهل مكة بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ- ١٠٦- في إيمانهم فإذا سئلوا: من خلقهم وخلق الأشياء كلها؟ قالوا: الله. وهم في ذلك يعبدون الأصنام فخوفهم فقال: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ
_________________
(١) فى أ، ل: المن.
(٢) فى ل: الجبال، ا: والجبال.
(٣) فى أ، ل: أكثر.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
يعني أن تغشاهم عقوبة مِنْ عَذابِ اللَّهِ فى الدنيا أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً يعني فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ١٠٧- بإتيانها هذا وعيد قُلْ هذِهِ ملة الإسلام سَبِيلِي يعني سنتي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ يعني إلى معرفة الله وهو التوحيد عَلى بَصِيرَةٍ يعني على بيان أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي على ديني «١» وَسُبْحانَ اللَّهِ نزه الرب نفسه عن شركهم وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ١٠٨- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى لأن أهل الريف أعقل وأعلم من أهل العمود «٢» وذلك [١٨٦ ب] حين قال كفار مكة بألا بعث الله ملكا رسولا أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني من قبل أهل مكة كان عاقبتهم الهلاك في الدنيا يعني قوم عاد، وثمود، والأمم الخالية وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يعني أفضل من الدنيا لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ- ١٠٩- أن الآخرة أفضل من الدنيا حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من إيمان «٣» قومهم، أوعدتهم رسلهم العذاب في الدنيا، بأنه «٤» نازل بهم وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا حسب قوم الرسل قد كذبوهم العذاب في الدنيا بأنه نازل بهم يقول: جاءَهُمْ يعني الرسل نَصْرُنا فَنُجِّيَ «٥» مَنْ نَشاءُ
_________________
(١) فى أ، ل: «أنا ومن اتبعنى على بصيرة» فقدم جزءا من الآية على مكانه.
(٢) هكذا فى: أ، ل. والمراد: أهل الحضر.
(٣) فى أ: إيمان إيمان.
(٤) فى أ: أنه، ل: بأنه.
(٥) فى أ: فننجى.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
من المؤمنين من العذاب مع رسلهم فهذه مشيئته وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا يقول لا يقدر أحد أن يرد عذابنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ- ١١٠- لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ يعني في خبرهم يعني نصر الرسل وهلاك قومهم حين خبر الله عنهم في كتابه في- طسم- الشعراء «١»، وفى- اقتربت الساعة «٢» -، وفى سورة هود «٣»، وفي الأعراف «٤»، ماذا لقوا من الهلاك عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني لأهل اللب والعقل مَا كانَ هذا القرآن حَدِيثًا يُفْتَرى يعني يتقول لقول كفار مكة إن محمدا تقوله من تلقاء نفسه وَلكِنْ تَصْدِيقَ الكتاب الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يقول: يصدق «٥» القرآن الذي أنزل على محمد «٦» الكتب التي قبله كلها أنها من الله وَتَفْصِيلَ يقول فيه بيان كُلِّ شَيْءٍ وَهو هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- ١١١- يعني يصدقون بالقرآن أنه من الله﷿.
_________________
(١) اشتملت سورة الشعراء على: قصة موسى من الآية ١٠- ٦٨، وقصة إبراهيم من الآية ٦٩- ١٠٤، وقصة نوح ١٠٥- ١٢٢، وقصة عاد ١٢٣- ١٤٠، وقصة ثمود ١٤١- ١٥٩، وقصة لوط ١٦٠- ١٧٥، وقصة شعيب ١٧٦- ١٩١.
(٢) انظر سورة القمر وفيها حديث عن: نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وعن قوم لوط.
(٣) تحدثت سورة هود عن قصة نوح من الآية ٢٥: ٤٩، وعن قصة عاد قوم هود من الآية ٥٠- ٦٠، وعن قصة ثمود قوم صالح من الآية ٦١: ٦٨، وعن قصة إبراهيم خليل الله من الآية ٦٩- ٧٦، وعن لوط من الآية ٧٧- ٨٢، وعن قصة مدين قوم شعيب من الآية ٨٤- ٩٥، وعن قصة موسى وفرعون من الآية ٩٦- ١٠٠.
(٤) فى سورة الأعراف: قصة آدم من الآية ١٩- ٢٥، وقصة هود مع قومه من الآية ٦٥- ٧٢، وقصة صالح من الآية ٧٣- ٧٩، وقصة لوط من الآية ٨٠- ٨٤، وقصة شعيب من الآية ٨٥- ١٠٢، وقصة موسى من الآية ١٠٣- ١٧١.
(٥) ا: الصدق، ل: يصدق. []
(٦) فى أ، ل زيادة: يعنى.
[ ٢ / ٣٥٤ ]