بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [سورة الكهف: ١] حَمِدَ نَفْسَهُ، وَهُوَ أَهْلُ الْحَمْدِ.
﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الكهف: ١] مُحَمَّدٍ.
﴿الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] الْقُرْآنَ.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ﴿١﴾ قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١-٢] فِيهَا تَقْدِيمٌ.
يَقُولُ: أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: أَنْزَلَهُ قَيِّمًا لا عِوَجَ فِيهِ وَلا اخْتِلافَ.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] عَذَابًا شَدِيدًا.
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ مِنْ عِنْدِهِ، مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢] عِنْدَ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] .
قَوْلُهُ: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾ [الكهف: ٣] فِي ذَلِكَ الثَّوَابِ، وَهُوَ الْجَنَّةُ.
﴿أَبَدًا ﴿٣﴾ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴿٤﴾ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف: ٣-٥] أَنَّ
[ ١ / ١٧١ ]
لِلَّهِ وَلَدًا.
﴿وَلا لآبَائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] قَبْلَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الشِّرْكِ.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] هِيَ عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ عَمَلٌ فِي بَابِ كَانَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْرَأُهَا بِالرَّفْعِ: كَلِمَةٌ، يَقُولُ: كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ أَنْ قَالُوا: إِنَّ لِلَّهِ وَلَدًا.
قَالَ: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] قَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] قَاتِلٌ نَفْسَكَ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ وَالْعَامَّةِ.
﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]
﴿أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]، أَيْ: حُزْنًا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَيْ: حُزْنًا عَلَيْهِمْ ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ [الكهف: ٦]، يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
أَيْ: فَلا تَفْعَلْ.
فِيهَا تَقْدِيمٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]، أَيْ: غَضَبًا.
قَالَ يَحْيَى: مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أَغْضَبُونَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَسَفًا، جَزَعًا.
ذَكَرَهُ عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧] لِنَخْتَبِرَهُمْ.
﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧] أَيُّهُمْ أَطْوَعُ لِلَّهِ، وَقَدْ عَلِمَ مَا هُمْ فَاعِلُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ [الكهف: ٨] مَا عَلَى الأَرْضِ.
﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] وَالْجُرُزُ هَاهُنَا: الْخَرَابُ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ وَلا بِنَاءٌ.
[ ١ / ١٧٢ ]
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: بَلْقَعًا.
قَالَ يَحْيَى: وَهِيَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَيْثُ قَالُوا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] الْيَابِسَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة: ٢٧] .
قَوْلُهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ [الكهف: ٩] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: أَفَحَسِبْتَ.
﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيْ قَدْ كَانَ فِي آيَاتِنَا مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: هُوَ عَجَبٌ.
قَالَ يَحْيَى: مَعْنَى تَفْسِيرِ قَتَادَةَ يَقُولُ: لَيْسَ هُمْ أَعْجَبُ آيَاتِنَا.
وَالْكَهْفُ: كَهْفُ الْجَبَلِ.
وَالرَّقِيمُ: الْوَادِي الَّذِي فِيهِ الْكَهْفُ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
قَالَ: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا﴾ [الكهف: ١٠] أَعْطِنَا.
﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ [الكهف: ١٠] مِنْ عِنْدِكَ.
﴿رَحْمَةً﴾ [الكهف: ١٠]، يَعْنِي: رِزْقًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] كَانُوا قَوْمًا قَدْ آمَنُوا، فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَإِنَّ قَوْمَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَخَشَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْقَتْلَ.
قَالَ: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴿١١﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﴿١٢﴾﴾ [الكهف: ١١-١٢] الْمُنْتَهَى الَّذِي بُعِثُوا فِيهِ، أَيْ: لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عِلْمٌ لا لِكَافِرِهِمْ وَلا لِمُؤْمِنِهِمْ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢]، عَدَدًا، أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِمَا لَبِثُوا.
قَالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] خَبَرَهُمْ بِالْحَقِّ.
[ ١ / ١٧٣ ]
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، يَعْنِي: إِيمَانًا.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤] بِالإِيمَانِ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ.
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] جَوْرًا، أَيْ: كَذِبًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ.
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا﴾ [الكهف: ١٥] هَلا.
﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ﴾ [الكهف: ١٥] بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.
تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ فِي هَذَا الْحَرْفِ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ.
وَتَفْسِيرُ قَتَادَةَ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ: عُذْرٌ بَيِّنٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: أَيْ: بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ.
قَالَ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥]، أَيْ: لا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْهُ فِي تَفسِيرِ الْحَسَنِ.
قَالَ: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦] يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]، أَيْ: وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَيْ: وَمَا يَعْبُدُونَ سِوَى اللَّهِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَهَذَا تَفْسِيرُهَا.
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦]، يَعْنِي: فَانْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ.
﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [الكهف: ١٦]، يَعْنِي: يَبْسُطُ لَكُمْ رَبُّكُمْ.
﴿مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦] .
قَالَ: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧] تَعْدِلُ عَنْ كَهْفِهِمْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمِيلُ.
﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧] وقَالَ قَتَادَةُ: تَدَعُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ.
﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧]، يَقُولُ:
[ ١ / ١٧٤ ]
تَدَعُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لا تَدْخُلُ الشَّمْسُ كَهْفَهُمْ عَلَى حَالٍ.
﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَيْ فِي قَضَاءٍ مِنَ الْكَهْفِ.
وَتِلْكَ آيَةٌ.
قَالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴿١٧﴾﴾ [الكهف: ١٧-١٧] .
قَالَ: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] مُفَتَّحَةٌ أَعْيُنُهُمْ وَهُمْ مَوْتَى.
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨] قَالَ قَتَادَةُ: ذَاكَ فِي رَقْدَتِهِمُ الأُولَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا.
قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ أَبُو عِيَاضٍ: لَهُمْ فِي كُلِّ عَامٍ تَقْلِيبَتَانِ.
﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] قَالَ قَتَادَةُ: بِفِنَاءِ الْكَهْفِ.
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨] لِحَالِهِمْ.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وَكَانُوا دَخَلُوا الْكَهْفَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ.
قَالَ: فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الشَّمْسِ بَقِيَّةٌ، فَقَالُوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فَرَدُّوا عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.
فـ ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف: ١٩]، أَيْ: بِدَرَاهِمِكُمْ هَذِهِ.
﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] وَكَانَتْ مَعَهُمْ دَارَهِمُ.
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَيُّهَا أَحَلُّ.
قَالَ يَحْيَى: وَقَدْ كَانَ مِنْ طَعَامِ قَوْمِهِمْ مَا لا يَسْتَحِلُّونَ أَكْلَهُ.
[ ١ / ١٧٥ ]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَطْيَبُ.
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ﴾ [الكهف: ١٩] لا يُعْلِمَنَّ.
﴿بِكُمْ أَحَدًا ﴿١٩﴾ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف: ١٩-٢٠] يَقْتُلُوكُمْ بِالْحِجَارَةِ.
﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٠] فِي الْكُفْرِ.
﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠] إِنْ فَعَلْتُمْ.
قَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] قَالَ قَتَادَةُ: أَطْلَعْنَا عَلَيْهِمْ، عَلَى أَصْحَابِ الْكَهْفِ، أَطْلَعْنَا أَهْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي أَحْيَاهُمُ اللَّهُ فِيهِ وَلَيْسَ بِحَيَاةِ النُّشُورِ.
﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف: ٢١] كَانَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنْهُمْ قَدْ بَادَتْ وَخُلِقَتْ بَعْدَهُمْ أُمَّةٌ أُخْرَى، وَكَانُوا عَلَى الإِسْلامِ.
ثُمَّ إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْبَعْثِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُبْعَثُ النَّاسُ فِي أَجْسَادِهِمْ.
وَهَؤُلاءِ الْمُؤْمِنُونَ، وَكَانَ الْمَلِكُ مِنْهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُبْعَثُ الأَرْوَاحُ بِغَيْرِ أَجْسَادٍ فَكَفَرُوا، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَوْمَ.
فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ آيَةً لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] رُوحُ كُلِّ شَيْءٍ فِي جَسَدِهِ.
وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] .
فَلَمَّا بَعَثَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ صَاحِبَهُمْ بِالدَّرَاهِمِ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ بِهَا طَعَامًا وَهُمْ
[ ١ / ١٧٦ ]
يَرَوْنَ أَنَّهَا تِلْكَ الأُمَّةُ الْمُشْرِكَةُ الَّذِينَ فَرُّوا مِنْهُمْ، فَأَمَرُوا صَاحِبَهُمْ أَنْ يَتَلَطَّفَ وَلا يُشْعِرَ بِهِمْ أَحَدًا.
فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ بِالرُّومِ يُقَالُ لَهَا: فسوس، فَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ؛ لِيَشْتَرِيَ بِهَا الطَّعَامَ، اسْتُنْكِرَتِ الدَّرَاهِمُ وَأُخِذَ، فَذُهِبَ بِهِ إِلَى مَلِكِ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا الدَّرَاهِمُ دَرَاهِمُ الْمَلِكِ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ.
فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ وَجَدَ كَنْزًا.
فَلَمَّا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُعَذَّبَ أَطْلَعَ عَلَى أَصْحَابِهِ.
فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَعْلَمَكُمْ أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ.
فَرَكِبَ الْمَلِكُ وَالنَّاسُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ، وَتَقَدَّمُ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَرَآهُمْ وَرَأَوْهُ مَاتُوا؛ لأَنَّهُمْ قَدْ كَانَتْ أَتَتْ عَلَيْهِمْ آجَالُهُمْ.
فَقَالَ الْقَوْمُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ؟ ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف: ٢١] فـ ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] رُؤَسَاؤُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُؤْمِنُوهُمْ.
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُمْ كَانُوا بَنِي الأَكْفَاءِ وَالرُّقَبَاءِ، مُلُوكِ الرُّومِ، رَزَقَهُمُ اللَّهُ الإِسْلامَ فَفَرُّوا بِدِينِهِمُ، اعْتَزَلُوا قَوْمَهُمْ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ.
فَلَبِثُوا دَهْرًا طَوِيلا حَتَّى هَلَكَتْ أُمَّتُهُمْ وَجَاءَتْ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ.
وَكَانَ مَلِكُهُمْ مُسْلِمًا، فَاخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، فَقَالَ قَائِلُونَ: يُبْعَثُ الأَرْوَاحُ وَالْجَسَدُ مَعًا، وَقَالَ قَائِلُونَ: يُبْعَثُ الرُّوحُ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَتَأْكُلُهُ الأَرْضُ وَلا يَكُونُ شَيْئًا.
فَشَقَّ عَلَى مَلِكِهِمُ اخْتِلافُهُمْ، فَانْطَلَقَ فَلَبِسَ الْمُسُوحَ وَقَعَدَ عَلَى الرَّمَادِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ، فَقَالَ: رَبِّ إِنَّكَ قَدْ تَرَى اخْتِلافَ هَؤُلاءِ فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ آيَةً تُبَيِّنُ لَهُمْ.
فَبَعَثَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ، فَبَعَثُوا أَحَدَهُمْ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ، فَجَعَلَ يُنْكِرُ الْوُجُوهَ وَيَعْرِفُ الطُّرُقَ وَرَأَى الإِيمَانَ فِي الْمَدِينَةِ ظَاهِرًا.
فَانْطَلَقَ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَجُلٍ لِيَشْتَرِيَ مِنْ طَعَامِهِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ صَاحِبُ الطَّعَامِ الْوَرِقَ أَنْكَرَهَا.
قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَلَيْسَ مَلِكُكُمْ فُلانًا؟ قَالَ: لا، بَلْ مَلِكُنَا فُلانٌ.
فَلَمْ يَزَالا بَيْنَهُمَا حَتَّى
[ ١ / ١٧٧ ]
رَفَعَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَأَخْبَرَهُ صَاحِبُ الْكَهْفِ بِحَدِيثِهِ وَأَمَرَهُ.
فَبَعَثَ الْمَلِكُ فِي النَّاسِ فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّكُمُ اخْتَلَفْتُمْ فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ آيَةً وَبَيَّنَ لَكُمُ الَّذِي اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَهَذَا رَجُلٌ مِنْ قَوْمِ فُلانٍ، يَعْنِي مَلِكَهُمُ الَّذِي مَضَى، فَقَالَ صَاحِبُ الْكَهْفِ: انْطَلِقُوا إِلَى أَصْحَابِي.
فَرَكِبَ الْمَلِكُ وَرَكِبَ مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: دَعُونِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أَصْحَابِي.
فَلَمَّا أَبْصَرَهُمْ وَأَبْصَرُوهُ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ.
فَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَجْسَادٌ لا يُنْكِرُونَ مِنْهَا شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ لا أَرْوَاحَ فِيهَا.
فَقَالَ الْمَلِكُ: هَذِهِ آيَةٌ بَعَثَهَا اللَّهُ لَكُمْ.
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] مُلُوكُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ.
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] قَالَ اللَّهُ: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ [الكهف: ٢٢] سَيَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ.
﴿ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ قَذْفًا بِالْغَيْبِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: رَمْيًا بِقَوْلِ الظَّنِّ.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنْهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: إِلا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا مِنْ أُولَئِكَ الْقَلِيلِ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ، كَانُوا سَبْعَةً وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.
قَالَ: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] يَقُولُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ: فَلا تُمَارِ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ ﴿إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] إِلا بِمَا أَخْبَرْتُكَ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وقَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ: حَسْبُكَ مَا قَصَصْتُ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِهِمْ.
﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ.
﴿مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢] مِنَ الْيَهُودِ.
يَقُولُ: لا تَسَلْ عَنْهُمْ مِنَ الْيَهُودِ أَحَدًا.
وَهُمُ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُمْ لِيُعَنِّتُوهُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] يَقُولُ إِلا أَنْ تَسْتَثْنِيَ.
[ ١ / ١٧٨ ]
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنَا أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: «أُخْبِرُكُمْ عَنْهُمْ غَدًا»، فَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
قَالَ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] إِذَا نَسِيتَ الاسْتِثْنَاءَ.
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤] وَمَتَى مَا ذَكَرَ الَّذِي حَلَفَ فَلْيَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لأَنَّ اللَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاسْتَثْنَى قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَيْنَ الْيَمِينِ وَبَيْنَ الاسْتِثْنَاءِ بِشَيْءٍ فَلَهُ ثُنْيَاهُ، وَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى بَعْدَ مَا تَكَلَّمَ بَعْدَ الْيَمِينِ قَبْلَ الاسْتِثْنَاءِ، مَتَى مَا اسْتَثْنَى فَالْكَفَّارَةُ لازِمَةٌ لَهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْمَأْثَمُ حَيْثُ اسْتَثْنَى؛ لأَنَّهُ كَانَ رَكِبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ تَرْكِهِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الاسْتِثْنَاءِ، أَيْ: لا يَقُولُ: إِنِّي أَفْعَلُ حَتَّى يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا يَقُولُ: لا أَفْعَلُ حَتَّى يَقُولَ:
إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
عَمَّارٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أُمِرَ أَلا يَقُولَ لِشَيْءٍ فِي الْغَيْبِ: إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا دُونَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ، إِلا أَنْ يَنْسَى الاسْتِثْنَاءَ، وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ إِذَا ذَكَرَهُ.
فَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلاسْتِثْنَاءِ فَلَمْ يَسْتَثْنِ فَلا ثُنْيَا لَهُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ نَاسٍ لِلاسْتِثْنَاءِ فَلَهُ ثُنْيَاهُ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، تَكَلَّمَ أَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ مَا لَمْ يَقُمْ.
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَلَفَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
- حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ حَلَفَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ ".
حَدَّثَنِي مُحِلٌّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَيْسَ الاسْتِثْنَاءُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَجْهَرَ بِهِ كَمَا
[ ١ / ١٧٩ ]
تَجْهَرُ بِالْيَمِينِ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي أَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ فِي قَلْبِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِهِ لِسَانُهُ.
الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرِهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ، الإِطْلاقُ أَوْ عِتَاقٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ [الكهف: ٢٥] ثُمَّ أَخْبَرَ مَا تِلْكَ الثَّلاثُ مِائَةٍ، فَقَالَ: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، أَيْ: تِسْعَ سِنِينَ.
تَفْسِيرُ قَتَادَةَ قَالَ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ، رَجَعَ إِلَى أَوَّلِ الْكَلامِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]
وَيَقُولُونَ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] قَالَ قَتَادَةُ: فَرَدَّ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ فَقَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف: ٢٦] يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦]، يَقُولُ: مَا أَبْصَرَهُ وَأَسْمَعَهُ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: أَفْقِهْ بِهِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لا أَحَدَ أَبْصَرَ مِنَ اللَّهِ وَلا أَسْمَعَ مِنَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [الكهف: ٢٦] يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] وَهِيَ تُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ.
يَقُولُونَ: وَلا تُشْرِكْ يَا مُحَمَّدُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، يَقُولُ: حَتَّى تَجْعَلَهُ مَعَهُ شَرِيكًا فِي حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَأُمُورِهِ.
وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ يَقُولُ: وَلا يُشْرِكُ اللَّهُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] لا يَحْكُمُ فِي الآخِرَةِ بِخِلافِ مَا قَالَ فِي الدُّنْيَا.
هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] قَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]
[ ١ / ١٨٠ ]
قَالَ قَتَادَةُ: وَلِيًّا وَلا مَوْلًى.
قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] قَالَ قَتَادَةُ: وَهُمَا الصَّلاتَانِ: صَلاةُ الْفَجْرِ وَصَلاةُ الْعَصْرِ.
وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الصَّلَوَاتُ قَبْلَ خُرُوجِ النَّبِيِّ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ.
نَزَلَتْ فِي سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَبِلالٍ، وَصُهَيْبٍ، وَخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ نُجَالِسَكَ فَاطْرُدْ عَنَّا هَؤُلاءِ الْقَوْمِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] .
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ [الكهف: ٢٨] مُحَقّرَةً لَهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ.
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]
الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨]، قَالَ: فِي الصَّلاةِ.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَصْبِرُ نَفْسِي مَعَهُ»، أَوْ قَالَ: «مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ» .
- أَشْعَثُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِذِكْرِ اللَّهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ أَفْضَلُ مِنْ خَطْمِ السُّيُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمِنْ إِعْطَاءِ الْمَالِ سَحًّا» .
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ١٨١ ]
وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ أَمْسَكَ، وَرُئِيَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ النَّبِيَّ أَحَقُّ بِالْمَجْلِسِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «حَدَّثَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً
مُحَرَّرِينَ» .
- الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لأَنْ أُجَالِسَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ ثَمَانِيَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، يَعْنِي: شَهْوَتَهُ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] ضَيَاعًا فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ.
وَقَالَ: كَانَ مُقَصِّرًا مُضَيِّعًا وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، يَعْنِي: ضَيَّعْتُ وَقَصَّرْتُ.
قَالَ يَحْيَى: وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١] .
قَالَ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: وَهُوَ الْقُرْآنُ.
قَالَ: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] هَذَا وَعِيدٌ.
أَيْ: مَنْ آمَنَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ كَفَرَ دَخَلَ النَّارَ.
قَالَ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ [الكهف: ٢٩] أَعْدَدْنَا.
﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ [الكهف: ٢٩] لِلْمُشْرِكِينَ.
﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] سُورُهَا.
وَلَهَا عُمُدٌ، فَإِذَا مُدَّتْ تِلْكَ الْعُمُدُ أُطْبِقَتْ عَلَى أَهْلِهَا، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَإِذَا قَالَ
[ ١ / ١٨٢ ]
ذَلِكَ أُطْبِقَتْ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴿٨﴾ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴿٩﴾﴾ [الهمزة: ٨-٩] .
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ هُدِيَتْ لَهُ سِقَايَةُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَأَمَرَ بِخُدُودٍ فَخُدَّتْ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ قَذَفَ فِيهَا مِنْ جَزْلِ الْحَطَبِ، ثُمَّ قَذَفَ فِيهَا تِلْكَ السِّقَايَةَ، حَتَّى إِذَا أَزْبَدَتْ وَامَّاعَتْ، قَالَ لِغُلامِهِ: ادْعُ مَنْ بِحَضْرَتِنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
فَدَعَا رَهْطًا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ: أَتَرَوْنَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا شَبَهًا لِلْمُهْلِ أَدْنَى مِنْ هَذَا الذَّهَبِ وَهَذِهِ الْفِضَّةِ حِينَ أَزْبَدَ وَامَّاعَ.
عُثْمَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: الْمُهْلُ: الْقَيْحُ وَالدَّمُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] يَحْرِقُ الْوُجُوهَ إِذَا أَهْوَى لِيَشْرَبَهُ.
﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] قَالَ قَتَادَةُ: مَنْزِلا وَمَأْوًى، يَعْنِي النَّارَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] مُجْتَمَعًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَاءَتْ﴾ [الكهف: ٢٩] بِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمَأْوَى هِيَ.
وَهَذَا وَعِيدٌ لِمَنْ كَفَرَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ بِوَعْدِهِ لِمَنْ آمَنَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا ﴿٣٠﴾ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف: ٣٠-٣١] قَدْ فَسَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[ ١ / ١٨٣ ]
قَوْلُهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] ابْنُ لَهِيعَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَوْ بَدَا إِسْوَارُهُ لَغَلَبَ عَلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ» .
وَأَخْبَرَنِي بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَحَدٌ إِلا وَفِي يَدِهِ ثَلاثَةُ أَسْوِرَةٍ: إِسْوَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَإِسْوَارٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَإِسْوَارٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ.
قَالَ: وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر: ٣٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] .
قَوْلُهُ: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أَمَّا السُّنْدُسُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ.
قَالَ يَحْيَى: السُّنْدُسُ الَّذِي قَالَ عِكْرِمَةُ يُعْمَلُ بِالسُّوسِ، وَهُوَ الْخَزُّ.
قَالَ عِكْرِمَةُ: وَأَمَّا الإِسْتَبْرَقُ: فَالدِّيبَاجُ الْغَلِيظُ.
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: هِيَ بْالْفَارِسِيَّةِ اسْتَبْرَهْ.
- قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف: ٣١] حَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: عَلَى السُّرِرِ فِي الْحِجَالِ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهَا أَيْضًا مَزْمُولَةٌ بِقُضْبَانِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَرْمُولَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ.
وَحَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، قَالَ: يُعَانِقُ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ قَدْرَ عُمُرِ الدُّنْيَا كُلِّهِ لا يَمَلُّهَا وَلا تَمَلُّهُ.
- وَبَلَغَنِي عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:
[ ١ / ١٨٤ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيَتَنَعَّمُ فِي تكاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ عَامًا» .
- وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَّكِئُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَوْجَتِهِ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، ثُمَّ يَتَّكِئُ عَلَى الشِّقِّ الآخَرِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَلَهَا أَلْفُ بَابٍ وَلَهُ فِيهَا سَبْعُ مِائَةِ امْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] مَنْزِلا وَمَأْوًى، يَعْنِي: الْجَنَّةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٢-٣٣] أَطْعَمَتْ ثَمَرَتَهَا.
قَالَ: وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴿قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ: وَلَمْ تُنْقِصْ مِنْهُ شَيْئًا.
﴾ وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا ﴿[الكهف: ٣٣] بَيْنَهُمَا نَهْرًا.
﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴿[الكهف: ٣٤] وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: ثُمْرٌ وَهُوَ الأَصْلُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مِنَ الْمَالِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ.
وَثَمَرٌ وَهِيَ الثَّمَرَةُ.
﴾ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ ﴿[الكهف: ٣٤] بَلَغَنَا أَنَّهُمَا كَانَا أَخَوَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرِثَا عَنْ أَبِيهِمَا مَالا فَاقْتَسَمَاهُ، فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعَةَ آلافِ دِينَارٍ.
فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ مُؤْمِنًا فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَقَدَّمَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ كَافِرًا فَاتَّخَذَ بِهَا الأَرَضِينَ وَالْجِنَانَ وَالدُّورَ وَالرَّقِيقَ وَتَزَوَّجَ.
فَاحْتَاجَ الْمُؤْمِنُ وَلَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ.
فَجَاءَ إِلَى أَخِيهِ يَزُورُهُ وَيَتَعَرَّضُ لِمَعْرُوفِهِ.
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: فَأَيْنَ مَا وَرِثْتَ؟ قَالَ: أَقْرَضْتُهُ رَبِّي، وَقَدَّمْتُهُ لِنَفْسِي.
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: لَكِنِّي اتَّخَذْتُ بِهِ لِنَفْسِي وَلِوَلَدِي مَا قَدْ رَأَيْتَ.
[ ١ / ١٨٥ ]
قَالَ اللَّهُ:﴾ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ﴿[الكهف: ٣٤] وَالْمُحَاوَرَةُ: مُرَاجَعَةُ الْكَلامِ.
﴾ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿[الكهف: ٣٤] أَكْثَرُ رِجَالا وَنَاصِرًا.
قَالَ اللَّهُ:﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴿[الكهف: ٣٥]، يَعْنِي: بِشِرْكِهِ.
﴾ قَالَ مَا أَظُنُّ ﴿[الكهف: ٣٥] مَا أُوقِنُ.
﴾ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿[الكهف: ٣٥]، أَيْ: تَفْنَى هَذِهِ أَبَدًا.
تَفْسِيرُ الْحَسَنِ لَيْسَ يَعْنِي أَنَّهَا لا تَفْنَى فَتَذْهَبُ وَلَكِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ يَعِيشُ فِيهِ حَتَّى يَأْكُلَهَا حَيَاتَهُ، كَقَوْلِهِ:﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿[الهمزة: ٣]، أَيْ: يَحْسَبُ أَنَّهُ يُخَلَّدُ فِي مَالِهِ حَتَّى يَأْكُلَهُ.
﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴿[الكهف: ٣٦] وَمَا أُوقِنُ أَنَّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ.
يَجْحَدُ بِالْبَعْثِ.
﴾ وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا ﴿[الكهف: ٣٦] مِنْ جَنَّتِي.
﴾ مُنْقَلَبًا ﴿[الكهف: ٣٦] فِي الآخِرَةِ إِنْ كَانَتْ آخِرَةٌ، كَقَوْلِهِ:﴾ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى ﴿[فصلت: ٥٠] الْجَنَّةُ إِنْ كَانَتْ جَنَّةٌ، أَيْ وَلَكِنْ لَيْسَ جَنَّةٌ وَلا مَرَدٌّ.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ: لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهُمَا مُنْقَلَبًا، يَعْنِي: الْجَنَّتَيْنِ، وَهِيَ فِي مَوْضِعٍ جَنَّةٌ وَفِي مَوْضِعٍ جَنَّتَانِ.
قَالَ:﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ﴿[الكهف: ٣٥] وَقَالَ:﴾ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ﴿[الكهف: ٣٢] فَهِيَ جَنَّةٌ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ فَصَارَتْ جَنَّتَيْنِ، وَهِيَ جَنَّةٌ، وَهِيَ جَنَّتَانِ.
﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ ﴿[الكهف: ٣٧] الْمُؤْمِنُ.
﴾ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ﴿[الكهف: ٣٧] يَعْنِي أَوَّلَ خَلْقِ الإِنْسَانِ، يَعْنِي آدَمَ.
﴾ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا ﴿٣٧﴾ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٣٨﴾ وَلَوْلا ﴿[الكهف: ٣٧-٣٩] فَهَلا.
﴾ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ﴿[الكهف: ٣٩] .
[ ١ / ١٨٦ ]
ثُمَّ قَالَ:﴾ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا ﴿٣٩﴾ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ ﴿[الكهف: ٣٩-٤٠] فِي الآخِرَةِ.
﴾ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ ﴿[الكهف: ٤٠] نَارًا مِنَ السَّمَاءِ، أَيْ: عَذَابًا مِنَ السَّمَاءِ، وَهِيَ النَّارُ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ:﴾ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿[الكهف: ٤٠] لا نَبَاتَ فِيهَا، وَالصَّعِيدُ الزَّلَقُ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ: الزَّلَقُ، التُّرَابُ الَّذِي لا نَبَاتَ فِيهِ.
وَفِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ: أَيْ قَدْ حُصِدَ مَا فِيهَا فَلَمْ يُتْرَكْ فِيهَا شَيْءٌ.
قَالَ:﴾ أَوْ يُصْبِحَ ﴿[الكهف: ٤١]، يَعْنِي: أَوْ يَصِيرُ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴾ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴿[الكهف: ٤١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الأَرْضِ.
﴾ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴿[الكهف: ٤١] قَدْ غَارَ فِي الأَرْضِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَالْغَوْرُ الَّذِي لا تَنَالُهُ الدِّلاءُ.
قَالَ اللَّهُ:﴾ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿[الكهف: ٤٢] مِنَ اللَّيْلِ.
﴾ فَأَصْبَحَ ﴿[الكهف: ٤٢] مِنَ الْغَدِ قَائِمًا.
﴾ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴿[الكهف: ٤٢] يُسَفِّقُ كَفَّيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَضْرِبُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى نَدَامَةً.
﴾ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴿[الكهف: ٤٢] وَقَالَ قَتَادَةُ: تَلَهُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ:﴾ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿[الكهف: ٤٢] مِثْلُ قَوْلِهِ:﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴿[الكهف: ٣٤]: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ.
قَالَ:﴾ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴿[الكهف: ٤٢] قَالَ الْحَسَنُ: عُرُوشُهَا: التُّرَابُ، قَدْ ذَهَبَ مَا فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ.
[ ١ / ١٨٧ ]
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَقْلُوبَةٌ عَلَى رُءُوسِهَا.
﴾ وَيَقُولُ ﴿[الكهف: ٤٢] فِي الآخِرَةِ.
﴾ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي ﴿[الكهف: ٤٢] فِي الدُّنْيَا.
أَحَدًا.
قَالَ اللَّهُ:﴾ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ ﴿[الكهف: ٤٣] تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: عَشِيرَةٌ.
﴾ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿[الكهف: ٤٣] يَمْنَعُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
﴾ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿[الكهف: ٤٣] مُمْتَنِعًا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ:﴾ هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ﴿[الكهف: ٤٤] فِي الآخِرَةِ.
هُنَالِكَ يَتَوَلَّى اللَّهُ كُلَّ عَبْدٍ، لا يَبْقَى أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ إِلا تَوَلَّى اللَّهُ، فَلا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي وِلايَةَ الدِّينِ.
هِيَ مَفْتُوحَةٌ عِنْدَهُ.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِرَفْعِ الْحَقِّ، وَالآخَرُ بِجَرِّهِ.
فَمَنْ قَرَأَهَا بِالرَّفْعِ يَقُولُ: هُنَاكَ الْوِلايَةُ الْحَقُّ لِلَّهِ، فِيهَا تَقْدِيمٌ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْجَرِّ يَقُولُ: لِلَّهِ الْحَقِّ.
وَالْحَقُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ.
﴾ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا ﴿[الكهف: ٤٤] خَيْرُ مَنْ أَثَابَ وَخَيْرٌ ثَوَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الأَوْثَانِ لِمَنْ عَبَدَهَا.
﴾ وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴿[الكهف: ٤٤] وَخَيْرُ مَنْ أَثَابَ.
قَوْلُهُ:﴾ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ﴿[الكهف: ٤٥] وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَالَ:﴾ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴿[الكهف: ٤٥] هَشَّمَتْهُ الرِّيَاحُ فَأَذْهَبَتْهُ.
فَأَخْبَرَ أَنَّ الدُّنْيَا ذَاهِبَةٌ زَائِلَةٌ كَمَا ذَهَبَ ذَلِكَ النَّبَاتُ بَعْدَ بَهْجَتِهِ وَحُسْنِهِ.
﴾ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿[الكهف: ٤٥] قديرًا.
[ ١ / ١٨٨ ]
قَوْلُهُ:﴾ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ [الكهف: ٤٦] الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
- حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْحَمِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ هِيَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
وَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُهَا جَمِيعًا.
هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦] عَاقِبَةً.
﴿وَخَيْرٌ أَمَلا﴾ [الكهف: ٤٦] خَيْرُ مَا يَأْمَلُ الْعِبَادُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُثَابُوهُ فِي الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] مُسْتَوِيَةً.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا بِنَاءٌ وَلا شَجَرٌ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: لَيْسَ عَلَيْهَا خَمَرٌ وَلا غَيَايَةٌ.
قَالَ: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ٤٧]، يَعْنِي: وَجَمَعْنَاهُمْ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] أُحْضِرُوا فَلَمْ يَغِبْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] صُفُوفًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَفًّا، يَعْنِي: جَمِيعًا.
- مَنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ: " يَسُرُّكُمْ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: يَسُرُّكُمْ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: فَقَالَ: النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ وَأَنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا ".
- الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ الأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهَا فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ الثَّلاثَةُ، وَرَأَيْتُ
[ ١ / ١٨٩ ]
النَّبِيَّ يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ الْعِصَابَةُ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ الرَّجُلانِ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ الْوَاحِدُ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ لا يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ أَحَدٌ، فَاهْتَمَمْتُ بِأُمَّتِي فَقُلْتُ: أَيْ رَبِّ، أُمَّتِي.
قَالَ: انْظُرْ هَاهُنَا.
فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الأُفُقُ سَادٍّ.
قَالَ: أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: انْظُرْ هَاهُنَا.
فَنَظَرْتُ فَإِذَا شِعَابُ مَكَّةَ وَظِرَابُهَا مَوَاشٍ نَاسًا.
قَالَ: أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ.
قَالَ: وَمَعَ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ: مَا تَرَوْنَ هَؤُلاءِ؟ هَؤُلاءِ قَوْمٌ يُولَدُونَ فِي الإِسْلامِ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، لَمْ يُدْرِكُوا الْجَاهِلِيَّةَ وَلا جَهْلَهَا وَلا ضَلالَتَهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَا تَقُولُونَ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: بَلْ هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَكْتَوُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
فَقَامَ عُكَّاشَةُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ.
ثُمَّ قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ ".
- إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: «يُعْرَفُ بِعَمَلِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ حِسَابًا فَذَلِكَ الْهَالِكُ» .
- هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا آخِذٌ بِيَدِ ابْنِ عُمَرَ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي مِنْهُ الْمُؤْمِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرُئِيَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ: فَإِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقُونَ فَإِنَّهُ يُنَادِي الأَشْهَادَ ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ".
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨] حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا، أَيْ: غُلْفًا غَيْرُ مُخَتَّنِينَ.
﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: ٤٨] يَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ.
[ ١ / ١٩٠ ]
﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٨] أَنْ لَنْ تُبْعَثُوا.
- وَبَلَغَنَا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا يَحْتَشِمُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ قَالَ: «هُمْ أَشْغَلُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَوْرَةِ بَعْضٍ» .
حَدَّثَنِي الأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا سَوْأَتَاهْ لَكِ يَا ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «النَّاسُ يَوْمَئِذٍ أَشْغَلُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ» .
قَالَ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: ٤٩] مَا كَانَتْ تَكْتُبُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالِهِمْ.
﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الكهف: ٤٩] الْمُشْرِكِينَ.
﴿مُشْفِقِينَ﴾ [الكهف: ٤٩] أَيْ: خَائِفِينَ.
﴿مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] فِي كُتُبِهِمْ.
﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] قَالَ الْحَسَنُ: وَهُوَ أَوَّلُ الْجِنِّ، كَمَا أَنَّ آدَمَ مِنَ الإِنْسِ وَهُوَ أَوَّلُ الإِنْسِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ مِنَ الْجِنِّ قَبِيلٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ يُقَالُ لَهُ الْجِنُّ.
قَالَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلائِكَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ.
وَكَانَ عَلَى خَزَانَةِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي قَوْلِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: جَنَّ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ.
قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ: أَنْحَاهُ اللَّهُ إِلَى نَسَبِهِ.
قَالَ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] عَصَى أَمْرَ رَبِّهِ عَنِ السُّجُودِ لآدَمَ، تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: فَكَفَرَ وَاسْتَكْبَرَ.
قَالَ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: ٥٠]، يَعْنِي: الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ إِلَى الشِّرْكِ.
﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠]
[ ١ / ١٩١ ]
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠] مَا اسْتَبْدَلُوا بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ إِذْ أَطَاعُوا إِبْلِيسَ فَبِئْسَ ذَلِكَ لَهُمْ بَدَلا.
قَوْلُهُ: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أَيْ: مَا أَشْهَدْتُهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ أَيْنَ ادَّعَوْا أَنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ؟ ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] أَعْوَانًا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ: مَا كُنْتُ لأَتَوَلَّى الْمُضَلِّينَ.
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: الْمُضِلُّونَ: الشَّيَاطِينُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَوْبِقًا، مُهْلِكًا.
يَقُولُ: جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَصْلَهُمُ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا مُهْلِكًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: هُوَ وَادٍ عَمِيقٌ فُرِّقَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى وَأَهْلِ الضَّلالَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْبَقْنَاهُمْ: أَدْخَلْنَاهُمُ النَّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ﴾ [الكهف: ٥٣] الْمُشْرِكُونَ.
﴿النَّارَ فَظَنُّوا﴾ [الكهف: ٥٣] فَعَلِمُوا.
﴿أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] إِلَى غَيْرِهَا.
[ ١ / ١٩٢ ]
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف: ٥٤]، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩] .
﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [الكهف: ٥٤] يَعْنِي: الْكَافِرَ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ.
- الْحَسَنُ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ: «قُمْ صَلِّهِ» .
قَالَ: فَقَالَ كَذَا وَكَذَا وَتَمَطَّى وَقَالَ: إِنَّمَا نُصَلِّي مَا قُدِّرَ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [الكهف: ٥٤] ".
- أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ فِي الْمَسْجِدِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: «قُمْ صَلِّهِ» .
فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: إِنَّمَا نُصَلِّي هَكَذَا عَلَى مَا قُدِّرَ لِي.
فَمَضَى نَبِيُّ اللَّهِ وَهُوَ يَقُولُ: " ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [الكهف: ٥٤] ".
قَوْلُه: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٥٥] أَيْ: مِنْ شِرْكِهِمْ.
﴿إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الكهف: ٥٥] مَا عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ الأُمَمَ السَّالِفَةَ.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ [الكهف: ٥٥] عِيَانًا.
تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: فَجْأَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦] بِالْجَنَّةِ.
﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦] مِنَ النَّارِ.
وَيُبَشِّرُونَهُمْ أَيْضًا بِالرِّزْقِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْجَنَّةِ إِنْ آمَنُوا.
وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَيُنْذِرُونَهُمُ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ عَذَابِ الآخِرَةِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
قَوْلُهُ: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا﴾ [الكهف: ٥٦] لِيُذْهِبُوا.
﴿بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] فِيمَا يَظُنُّونَ وَلا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴿٥٦﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الكهف: ٥٦-٥٧] يَقُولُهُ عَلَى الاسْتِفْهَامِ.
وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ عَلَى مَعْرِفَةٍ.
[ ١ / ١٩٣ ]
﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧] لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا.
﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ مَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ الْكَثِيرَةِ.
قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ: عَمَلُهُ السُّوءَ.
أَيْ: لا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧] غُلُفًا.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧]، يَعْنِي: لِئَلا يَفْقَهُوهُ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧] وَهُوَ الصَّمَمُ عَنِ الْهُدَى.
﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] يَعْنِي: الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلَى شِرْكِهِمْ.
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] لِمَنْ آمَنَ وَلا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ.
﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الكهف: ٥٨] بِمَا عَمِلُوا.
﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا﴾ [الكهف: ٥٨] قَالَ الْحَسَنُ: مَلْجَأً.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَلِيًّا وَلا مَلْجَأً.
وَقَالَ الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ: مَا لَهُمْ مَلْجَأٌ.
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ وَابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: مُحْرِزًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩] لَمَّا أَشْرَكُوا وَجَحَدُوا رُسُلَهُمْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ٥٩] يَعْنِي: عَذَّبْنَاهُمْ ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩] لَمَّا أَشْرَكُوا.
﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩] الْوَقْتُ الَّذِي جَاءَهُمْ فِيهِ الْعَذَابُ.
[ ١ / ١٩٤ ]
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: مَوْعِدًا أَجَلا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩] يَعْنِي: لِعَذَابِهِمْ مَوْعِدًا، يَعْنِي: أَجَلا وَوَقْتًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠] وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وَهُوَ الْيَسَعُ.
﴿لا أَبْرَحُ﴾ [الكهف: ٦٠] لا أَزَالُ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، أَمْضِي قُدُمًا.
﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: ٦٠] بَحْرُ فَارِسَ وَالرُّومِ، حَيْثُ الْتَقَيَا وَهُمَا مُحِيطَانِ بِالْخَلْقِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: بَحْرُ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَبَحْرُ الرُّومِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ.
﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] سَبْعِينَ سَنَةً فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ ثَمَانِينَ.
وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَقَامًا فَقَالَ: مَا بَقِيَ الْيَوْمَ أَحَدٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ مَا أَعْطَاكُمْ: أَنْجَاكُمْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَقَطَعَ بِكُمُ الْبَحْرَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ التَّوْرَاةَ.
وَرَأَى فِي نَفْسِهِ حِينَ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ وَعَلَّمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَبْدًا أَعْلَمُ مِنْكَ يُقَالُ لَهُ: «الْخَضِرُ» فَاطْلُبْهُ.
فَقَالَ لَهُ مُوسَى: رَبِّ كَيْفَ لِي بِلِقَائِهِ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ حُوتًا فِي مَتَاعِهِ وَيَمْضِي عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، بَحْرُ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَجَعَلَ الْعِلْمَ عَلَى لِقَائِهِ أَنْ يَفْتَقِدَ الْحُوتَ، فَإِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَاطْلُبْ صَاحِبَكَ عِنْدَ ذَلِكَ.
فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وَحَمَلا مَعَهُمَا مِكْتَلا فِيهِ حُوتٌ مَمْلُوحٌ.
قَالَ: فَسَايَرَا الْبَحْرَ زَمَانًا ثُمَّ أَوَيَا يَعْنِي: انْتَهَيَا.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، إِلَى الصَّخْرَةِ
[ ١ / ١٩٥ ]
عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ الَّذِي عِنْدَ مُجْتَمَعِ الْبَحْرَيْنِ عِنْدَهَا عَيْنُ مَاءٍ، فَبَاتَا بِهَا وَأَكَلا نِصْفَ الْحُوتِ وَبَقِيَ نِصْفُهُ، فَانْسَرَبَ الْحُوتُ فِي الْعَيْنِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَدْنَى فَتَاهُ الْمِكْتَلَ مِنَ الْعَيْنِ فَأَصَابَهُ الْمَاءُ، فَعَاشَ الْحُوتُ فَدَخَلَ فِي الْبَحْرِ.
وَارْتَحَلَ مُوسَى وَفَتَاهُ فَسَايَرَا الْبَحْرَ حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] شِدَّةً، يَعْنِي: نَصَبَ السَّفَرِ.
قَالَ فَتَاهُ.
﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٦٣] السُّدِّيُّ: يَعْنِي لَمْ أَحْفَظْ ذِكْرَهُ.
قَالَ: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] لَكَ، وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: أَنْ أُدْرِكَهُ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مُوسَى لَمَّا قَطَعَ الْبَحْرَ وَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ جَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ وَأَعْلَمُهُ، قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّكُمْ، وَأَقْطَعَكُمُ الْبَحْرَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ التَّوْرَاةَ.
قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلا هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ.
فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ يَطْلُبَانِهِ وَتَزَوَّدَا مَمْلُوحَة فِي مِكْتَلٍ لَهُمَا، وَقِيلَ لَهُمَا: إِذَا نَسِيتُمَا بَعْضَ مَا مَعَكُمَا لَقِيتُمَا رَجُلا عَالِمًا يُقَالُ لَهُ: «خَضِرٌ» .
فَلَمَّا أَتَيَا ذَلِكَ الْمَكَانَ رَدَّ اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ رُوحَهُ فَسَرَبَ لَهُ مِنَ الْجِدِّ حَتَّى أَفْضَى إِلَى الْبَحْرِ، ثُمَّ سَلَكَ فَجَعَلَ لا يَسْلُكُ فِيهِ طَرِيقًا إِلا صَارَ الْمَاءُ جَامِدًا.
وَمَضَى مُوسَى وَفَتَاهُ، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴿٦٢﴾ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا﴾ [الكهف: ٦٢-٦٣] يَعْنِي: إِذِ انْتَهَيْنَا.
وَهُوَ
[ ١ / ١٩٦ ]
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] أَنْ أَذْكُرَهُ، وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنْ أُدْرِكَهُ، فَرَجَعَا عَوْدُهُمَا عَلَى بَدْئِهِمَا.
قَالَ: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] فَلَقِيَا الْخَضِرَ.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ لأَنَّهُ قَعَدَ عَلَى قَرْدَدٍ بَيْضَاءَ فَاهْتَزَّتْ بِهِ خَضْرَاءَ» .
قَالَ: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣] مُوسَى يَعْجَبُ مِنْ أَثَرِ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ.
﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ حَيْثُ أُمِرْتُ أَنْ أَجِدَ «خَضِرًا» حَيْثُ يُفَارِقُنِي الْحُوتُ.
قَالَ يَحْيَى: وَالْخَضِرُ هُوَ إِلْيَاسُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ [الكهف: ٦٤] اتَّبَعَ مُوسَى وَفَتَاهُ الْحُوتَ يَشُقُّ الْبَحْرَ رَاجِعًا.
هَذَا تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ.
قَالَ: ﴿قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] عَوْدُهُمَا عَلَى بَدْئِهِمَا رَاجِعَيْنِ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ فَاتَّبَعَا أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ.
وَكَانَ الْحُوتُ حَيْثُ مَرَّ جَعَلَ يَضْرِبُ بِذَنَبِهِ يَمِينًا وَشِمَالا فِي الْبَحْرِ، فَجَعَلَ كُلُّ شَيْءٍ يَضْرِبُهُ الْحُوتُ بِذَنَبِهِ يَيْبَسُ فَصَارَ كَهَيْئَةِ طَرِيقٍ فِي الْبَحْرِ.
فَاتَّبَعَا أَثَرَهُ حَتَّى خَرَجَا إِلَى جَزِيرَةٍ، فَإِذَا هُمَا بِالْخَضِرِ فِي رَوْضَةٍ يُصَلِّي.
فَأَتَيَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَأَنْكَرَ الْخَضِرُ التَّسْلِيمَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ بِمُوسَى فَعَرَفَهُ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا نَبِيَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
فَقَالَ مُوسَى:
[ ١ / ١٩٧ ]
وَمَا يُدْرِيكَ أَنِّي رَسُولُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: أَدْرَانِي بِكَ الَّذِي أَدْرَاكَ بِي.
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] تَرْشُدُنِي.
﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٦٧﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴿٦٨﴾ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴿٦٩﴾ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٧٠﴾ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ﴾ [الكهف: ٦٧-٧١] مُوسَى.
﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٧١] أَتَيْتَ شَيْئًا.
﴿إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] عَظِيمًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُنْكَرًا.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢] وَكَانَ مُوسَى يُنْكِرُ الظُّلْمَ.
قَالَ لَهُ مُوسَى.
﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] يَعْنِي: ذَهَبَ مِنِّي ذُكْرُهُ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
- ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴿٧٣﴾ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٣-٧٤] سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: طُبِعَ الْغُلامُ كَافِرًا.
قَالَ يَحْيَى: قَوْلُهُ: طُبِعَ كَافِرًا لَعَلَّهُ لَوْ بَلَغَ كَانَ يَكُونُ كَافِرًا، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] أَيْ: مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ ثُمَّ كَفَرَ وَفَجَرَ.
﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] أَيْ: لَمْ تُذْنِبْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الزَّكِيَّةُ التَّائِبَةُ.
﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]
[ ١ / ١٩٨ ]
ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: النُّكْرُ: الْمُنْكَرُ.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٥﴾ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي﴾ [الكهف: ٧٥-٧٦] مِنْ عِنْدِي.
﴿عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] قَدْ أُعْذِرْتَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] دَفَعَهُ بِيَدِهِ.
قَالَ لَهُ مُوسَى.
﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] أَيْ: مَا يَكْفِينَا الْيَوْمَ.
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] يَعْنِي: عَاقِبَتَهُ.
وَتَفْسِيرُهُ هَذَا تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنْ أَخْرِقَهَا.
قَالَ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾ [الكهف: ٧٩] أَيْ: أَمَامَهُمْ.
﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا.
قَالَ قَتَادَةُ: وَلَعَمْرِي لَوْ عَمَّ السُّفُنَ مَا انْفَلَتَتْ، وَلَكِنْ كَانَ يَأْخُذُ خِيَارَ السُّفُنِ.
﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ وَكَانَ كَافِرًا.
قَالَ قَتَادَةُ: وَلَعَمْرِي مَا قَتَلَهُ إِلا عَلَى عِلْمٍ كَانَ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: هِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: فَخَافَ رَبُّكَ أَنْ يُرْهِقَهُمَا
[ ١ / ١٩٩ ]
طُغْيَانًا وَكُفْرًا.
قَالَ يَحْيَى: تَفْسِيرُ فَخَافَ رَبُّكَ: فَكَرِهَ رَبُّكَ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] .
قَالَ: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١] فِي التَّقْوَى.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] يَعْنِي: بِرًّا فِي قَوْلِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَأَقْرَبَ خَيْرًا.
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: عِلْمٌ.
سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: عِلْمٌ.
سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: مَالٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَالٌ.
فَلا يَقُولَنَّ رَجُلٌ: مَا شَأْنُ الْكَنْزِ أُحِلَّ لِمَنْ قَبْلَنَا وَحُرِّمَ عَلَيْنَا، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ لأُمَّةٍ وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ عَلَى أُمَّةٍ.
قَالَ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] يَعْنِي: كَانَ ذَا أَمَانَةٍ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ.
قَالَ: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢] لَهُمَا.
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾ [الكهف: ٨٢] أَيْ مَا فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ.
﴿عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] إِنَّمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ [الكهف: ٨٢] تِبْيَانٌ.
﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]
[ ١ / ٢٠٠ ]
بَلَغَنِي أَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ طَيْرًا فَطَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ، ثُمَّ طَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ طَارَ نَحْوَ السَّمَاءِ، ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الْبَحْرِ فَتَنَاوَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ بِمِنْقَارِهِ وَهُمَا يَنْظُرَانِ.
فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: أَتَعْلَمُ مَا يَقُولُ هَذَا الطَّيْرُ؟ يَقُولُ: وَرَبِّ الْمَشْرِقِ، وَرَبِّ الْمَغْرِبِ، وَرَبِّ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَرَبِّ الأَرْضِ السَّابِعَةِ مَا عِلْمُكَ يَا خَضِرُ وَعِلْمُ مُوسَى فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلا قَدْرُ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي تَنَاوَلْتُهُ مِنَ الْبَحْرِ فِي الْبَحْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلْتِ الْيَهُودُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] يَعْنِي خَبَرًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] بَلاغًا بِحَاجَتِهِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: عِلْمًا.
وَفِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ: عِلْمًا، يَعْنِي: عِلْمَهُ الَّذِي أُعْطِيَ.
بَلَغَنَا أَنَّهُ مَلَكَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا.
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] طُرُقَ الأَرْضِ وَمَعَالِمَهَا بِحَاجَتِهِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ مُجَاهِدٍ: طُرُقُ الأَرْضِ وَمَنَازِلُهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: عِلْمًا، يَعْنِي: عَلِمَ مَنَازِلَ الأَرْضِ وَالطُّرُقَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مَنَازِلُ الأَرْضِ وَمَعَالِمُهَا.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: حَمِئَةٍ وَحَامِيَةً.
[ ١ / ٢٠١ ]
- حَدَّثَنِي الْمُعلَّى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: مَارَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِي فِي: ﴿عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، وَقَالَ عَمْرٌو: «عَيْنٍ حَامِيَةٍ» فَجَعَلا بَيْنَهُمَا كَعْبًا الْحَبْرَ، فَقَالَ كَعْبٌ: نَجِدُهَا فِي التَّوْرَاةِ: تَغْرُبُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي بِالْحَمْأَةِ: الطِّينَ الْمُنْتِنَ.
وَمَنْ قَرَأَهَا حَامِيَةٍ يَقُولُ: حَارَّةٍ.
قَالَ: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الْقَتْلَ.
وَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ أَظْهَرَ الشِّرْكَ إِلا مَنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا لَمْ يُسْلِمْ وَأَقَرَّ بِالْجِزْيَةِ، وَمَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ الْيَوْمَ.
﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] يَعْنِي الْعَفْوَ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ: فَحَكَّمُوهُ فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ، فَوَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ اللَّهِ.
﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [الكهف: ٨٧] يَعْنِي: مِنَ الشِّرْكِ.
﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف: ٨٧] يَعْنِي: الْقَتْلَ.
﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٨٧] عَظِيمًا فِي الآخِرَةِ.
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٨] سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٨] قَالَ: هِيَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، أَيِ: الْحُسْنَى: هِيَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ صَاحِبِ الرُّمَّانِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْجَنَّةُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٨] يَعْنِي: الْعَفْوَ.
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الكهف: ٨٨] مَا صَحِبْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَصَحِبَنَا.
[ ١ / ٢٠٢ ]
﴿يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٨] يَعْنِي الْعَارِفَ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: ﴿مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٨] مَعْرُوفًا وَهُوَ وَاحِدٌ.
قَالَ: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩] طُرُقَ الأَرْضِ وَمَعَالِمَهَا لِحَاجَتِهِ عَلَى مَا وُصِفَتْ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ فِيهَا.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهْمُ كَانُوا فِي مَكَانٍ لا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِمُ الْبِنَاءُ وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي أَسْرَابٍ لَهُمْ حَتَّى إِذَا زَالَتْ عَنْهُمُ الشَّمْسُ خَرَجُوا فِي مَعَائِشِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ انْسَرَبُوا فِي الْبَحْرِ فَكَانُوا فِيهِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا فَتَسَوَّقُوا وَتَبَايَعُوا فِي أَسْوَاقِهِمْ وَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ بِاللَّيْلِ.
قَالَ: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] أَيْ: هَكَذَا كَانَ مَا قَصَّ مِنْ أَمْرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ.
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٩٢] طُرُقَ الأَرْضِ وَمَعَالِمَهَا لِحَاجَتِهِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: جَبَلانِ، يَعْنِي بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ.
قَالَ: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] كَلامُ غَيْرِهِمْ.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] لا يَفْقَهُ أَحَدٌ كَلامَهُمْ.
[ ١ / ٢٠٣ ]
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤] يَعْنِي: قَاتِلِينَ النَّاسَ فِي الأَرْضِ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
يَعْنِي أَرْضَ الْعَرَبِ، أَرْضَ الإِسْلامِ.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] قَالَ قَتَادَةُ: جَعَلا.
﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴿٩٤﴾ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٤-٩٥] مِنْ جُعْلِكُمْ.
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] يَعْنِي عَدَدًا مِنَ الرِّجَالِ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ.
﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿٩٥﴾ آتُونِي﴾ [الكهف: ٩٥-٩٦] أَعْطُونِي.
﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] قِطَعَ الْحَدِيدِ.
الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قِطَعَ الْحَدِيدِ.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] يَعْنِي: أَحْمَاهُ بِالنَّارِ.
قَالَ: ﴿آتُونِي﴾ [الكهف: ٩٦] أَعْطُونِي.
﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] فِيهَا تَقْدِيمٌ.
أَعْطُونِي قَطْرًا أُفْرِغُ عَلَيْهِ.
وَالْقَطْرُ: النُّحَاسُ.
فَجَعَلَ أَسَاسَهُ الْحَدِيدَ، وَجَعَلَ مِلاطَهُ النُّحَاسَ لِيَلْزَمَهُ.
تَفْسِيرُ قَتَادَةَ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَأَيْتُ سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوحَ قَالَ: «انْعَتْهُ لِي» .
فَقَالَ: هُوَ كَالْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ سَوْدَاءُ وَطَرِيقَةٌ حَمْرَاءُ.
قَالَ: «قَدْ رَأَيْتَهُ» .
قَالَ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] مِنْ فَوْقِهِ أَوْ يَظْهَرُوا عَلَيْهِ.
[ ١ / ٢٠٤ ]
﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] مِنْ أَسْفَلِهِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ قَتَادَةَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] يَعْنِي: يَرْتَقُوهُ فَيَعْلُوهُ.
- سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَخْرِقُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا.
فَيُعِيدُهُ اللَّهُ كَأَشَدَّ مَا كَانَ.
حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ حَفَرُوا، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَخْرِقُونَهُ، فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيَنْشِفُونَ الْمِيَاهَ وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ فَيَقُولُونَ: قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ،
فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتَسْمَنُ وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شَكَرًا» .
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] يَعْنِي: خُرُوجَهُمْ.
﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَعْنِي الْجَبَلَيْنِ، أَيْ: يَعْفِرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي السَّدَّ.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ: دَكَّاءَ مَمْدُودَةً، أَيْ: أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ.
[ ١ / ٢٠٥ ]
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨]
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَجُلَيْنِ حَدَّثَا أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ حَدَّثَهُمَا، قَالَ: كَانَ يَوْمِي الَّذِي كُنْتُ أَخْدُمُ فِيهِ النَّبِيَّ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَإِذَا أَنَا بِرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَهُمْ مَصَاحِفُ أَوْ كُتُبٌ، فَقَالُوا: اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ.
فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَكَانِهِمْ، فَقَالَ: " مَا لِي وَلَهُمْ يَسْأَلُونَنِي عَمَّا لا أَدرِي، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ لا أَعْلَمُ إِلا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ: أَبْلِغْنِي وُضُوءًا فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَسْجِدِ فِي بَيْتِهِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَمَا انْصَرَفَ حَتَّى بَدَا لِي السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: أَدْخِلْهُمْ وَمَنْ وَجَدْتَ بِالْبَابِ مِنْ أَصْحَابِي.
فَأَدْخَلْتُهُمْ، فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَيْهِ قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْأَلُونِي عَنْهُ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا، وَإِنْ شِئْتُمْ سَأَلْتُمْ وَأَخْبَرْتُكُمْ.
قَالُوا: بَلْ أَخْبِرْنَا بِمَا جِئْنَا لَهُ قَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ.
قَالَ: جِئْتُمْ تَسْأُلوِني هَكَذَا عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَسَوْفَ أُخْبِرُكُمْ كَمَا تَجِدُونَهُ فِي كُتُبِكُمْ مَكْتُوبًا.
إِنَّ أَوَّلَ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ غُلامًا مِنَ الرُّومِ وَأُعْطِيَ مُلْكًا، فَسَارَ حَتَّى أَتَى أَرْضَ مِصْرَ فَبَنَى عِنْدَهَا مَدِينَةً يُقَالُ لَهَا: الإِسْكَنْدَرِيَّةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِهَا، أَتَاهُ مَلَكٌ فَعَرَجَ بِهِ حَتَّى اسْتَقَلَّهُ فَرَفَعَهُ ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ مَا تَحْتَكَ.
قَالَ: أَرَى مَدِينَتِي وَأَرَى مَدَائِنُ مَعَهَا.
ثُمَّ عَرَجَ بِهِ فَقَالَ: انْظُرْ.
فَقَالَ: قَدِ اخْتَلَطَتْ مَدِينَتِي مَعَ الْمَدَائِنِ.
ثُمَّ زَادَ فَقَالَ: انْظُرْ.
فَقَالَ: أَرَى مَدِينَتِي وَحْدَهَا لا أَرَى غَيْرَهَا.
فَقَالَ الْمَلَكُ: إِنَّمَا تِلْكَ أَرْضٌ كُلُّهَا، وَهَذَا السَّوَادُ الْبَحْرُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُرِيَكَ الأَرْضَ وَقَدْ جَعَلَ لَكَ سُلْطَانًا فِيهَا، فَسِرْ فِي الأَرْضِ، فَعَلِّمِ الْجَاهِلَ، وَثَبِّتِ الْعَالِمَ.
فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى بَلَغَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، ثُمَّ أَتَى السَّدَّيْنِ وَهُمَا جَبَلانِ لَيِّنَانِ يُزْلَقُ عَنْهُمَا كُلُّ شَيْءٍ، فَبَنَى السَّدَّ فَوَجَدَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يُقَاتِلُونَ قَوْمًا، وُجُوهُهُمْ كَوُجُوهِ الْكِلابِ، ثُمَّ قَطَعَهُمْ فَوَجَدَ أُمَّةً قِصَارًا يُقَاتِلُونَ الَّذِينَ وُجُوهَهُمْ كَوُجُوهِ الْكِلابِ، ثُمَّ مَضَى فَوَجَدَ أُمَّةً مِنَ الْغَرَانِيقِ يُقَاتِلُونَ الْقَوْمَ الْقِصَارَ، ثُمَّ مَضَى فَوَجَدَ أُمَّةً مِنَ الْحَيَّاتِ تَلْتَقِمُ الْحَيَّةُ مِنْهَا الصَّخْرَةَ
الْعَظِيمَةَ، ثُمَّ أَفْضَى إِلَى الْبَحْرِ الْمُدِيرِ بِالأَرْضِ.
فَقَالُوا: نَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّ أَمْرَهُ كَانَ هَكَذَا وَإِنَّا نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا هَكَذَا ".
[ ١ / ٢٠٦ ]
- عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ مِنْ بَعْدِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَثَلاثَ أُمَمٍ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهُمْ إِلا اللَّهُ هاويلَ وَتارسَ وَمنسكَ.
- سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ مَلِكًا وَلا نَبِيًّا، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا نَاصَحَ اللَّهَ فَنَصَحَهُ، دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الإِيمَانِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَضَرُبوُه عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلُوهُ.
فَأَحْيَاهُ اللَّهُ، ثُمَّ دَعَا قَوْمَهُ أَيْضًا فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلُوهُ.
فَأَحْيَاهُ اللَّهُ فَسُمِّي ذَا الْقَرْنَيْنِ.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي أَوِ ابْنُ عَمِّي قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ الأَذْرُعُ هُمْ أَمِ الأَشْبَارُ؟ قَالَ: يَابْنَ أَخِي مَا أَجِدُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ بِأَعْظَمَ مِنْهُمْ وَلا أَطْوَلَ، وَلا يَمُوتُ الْمَيِّتُ مِنْهُمْ حَتَّى يُولَدَ لَهُ أَلْفٌ فَصَاعِدًا.
قَالَ: فَقُلْتُ مَا طَعَامُهُمْ؟ قَالَ: هُمْ فِي مَاءٍ مَا شَرِبُوا، وَفِي شَجَرٍ مَا هَضَمُوا، وَفِي نِسَاءٍ مَا نَكَحُوا.
يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ هَؤُلاءِ التُّرْكَ مِمَّا سَقَطَ مِنْ دُونِ الرُّومِ مِنْ وَلَدِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.
- صَاحِبٌ لَهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَخْرُجُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ يَمُوجُونَ فِي الأَرْضِ فَيُفْسِدُونَ فِيهَا ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] .
ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَابَّةً مِثْلَ النَّغَفِ فَتَلِجُ فِي أَسْمَاعِهِمْ وَمَنَاخِرِهِمْ فَيَمُوتُونَ مِنْهَا.
قَالَ: فَتُنْتِنُ الأَرْضُ مِنْهُمْ فَتَجْأَرُ إِلَى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ مَاءً فَيُطَهِّرُ الأَرْضَ مِنْهُمْ.
أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ أَبِي الضَّيْفِ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يُنَقِّرُونَ كُلَّ يَوْمٍ بِمَنَاقِيرِهِمْ فِي السَّدِّ فَيَشْرَعُونَ فِيهِ فَإِذَا أَمْسَوْا قَالُوا: نَرْجِعُ غَدًا فَنَفْرُغُ مِنْهُ، فَيَصْبَحُونَ وَقَدْ عَادَ كَمَا كَانَ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خُرُوجَهُمْ قَذَفَ عَلَى أَلْسُنِ بَعْضِهِمُ الاسْتِثْنَاءَ فَقَالَ: نَرْجِعُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَنَفْرُغُ مِنْهُ، فَيُصْبِحُونَ
[ ١ / ٢٠٧ ]
وَهُوَ كَمَا تَرَكُوهُ، فَيُنَقِّبُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَلا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ
إِلا أَفْسَدُوهُ.
فَيَمُرُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى الْبُحَيْرَةِ فَيَشْرَبُونَ مَاءَهَا، وَيَمُرُّ أَوْسَطُهُمْ فَيَلْحَسُونَ طِينَهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُ: قَدْ كَانَ هَاهُنَا مَرَّةً مَاءٌ، فَيَقْهَرُونَ النَّاسَ وَيَفِرُّ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ وَالْجِبَالِ فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ فَهَلُمُّوا إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ.
فَيَرْمُونَ نِبَالَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ تَقْطُرُ دَمًا فَيَقُولُونَ: قَدْ فَرَغْنَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ وَأَهْلِ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَضْعَفَ خَلْقِهِ: النَّغَفَ، دُودَةً تَأْخُذُهُمْ فِي رِقَابِهِمْ فَتَقْتُلُهُمْ حَتَّى تُنْتِنَ الأَرْضُ مِنْ جِيَفِهِمْ، وَيُرْسِلُ اللَّهُ الطَّيْرَ فَتَنْقُلُ جِيَفَهُمْ إِلَى الْبَحْرِ.
ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ السَّمَاءَ فَيُطَهِّرُ الأَرْضَ، وَتُخْرِجُ الأَرْضُ زَهْرَتَهَا وَبَرَكَتَهَا وَيَتَرَاجَعُ النَّاسُ حَتَّى إِنَّ الرُّمَّانَةَ لَتُشْبِعُ السَّكْنَ.
قِيلَ: وَمَا السَّكْنُ؟ قَالَ: أَهْلُ الْبَيْتِ.
وَتَكُونُ سُلْوَةً مِنْ عَيْشٍ.
فَبَيْنَمَا النَّاسُ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ خَبَرٌ أَنَّ ذَا السُّوَيْقَتَيْنِ صَاحِبَ الْجَيْشِ قَدْ غَزَا الْبَيْتَ.
فَيَبْعَثُ اللَّهُ جَيْشًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْهِمْ وَلا يَرْجِعُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً يَمَانِيَّةً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ.
فَتَكْفِتُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، ثُمَّ لا أَجِدُ مِثْلَ السَّاعَةِ إِلا كَرَجُلٍ أَنْتَجَ مُهْرًا لَهُ فَهُوَ يَنْتَظِرُ مَتَى يَرْكَبُهُ.
فَمَنْ تَكَلَّفَ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ مَا وَرَاءَ هَذَا فَهُوَ مُتَكَلِّفٌ.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَدْرَكَ، أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقْتُلُ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ أَوْ عِنْدَهَا، فَبَيْنَمَا النَّاسُ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لا يَدِينُ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَاحْرُزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ.
وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ كَمَا قَصَّ: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] .
فَيَمُرُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: قَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَاءٌ مَرَّةً، وَيَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ لا يَعْدُونَهُ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ دَانَ لَنَا، فَهَلُمُّوا فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ.
فَيَرْمُونَ بِنِشَابِهِمْ نَحْوَ السَّمَاءِ فَيَرُدُّهَا اللَّهُ مَخْضُوبَةً دِمَاءً، وَيَحْصُرُونَ نَبِيَّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابَهُ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ رَغِبُوا
[ ١ / ٢٠٨ ]
إِلَى اللَّهِ، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
وَيَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ فَلا يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتِنُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ.
فَيَرْغَبُ عِيسَى وَمَنْ مَعَهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتُلْقِيهِمْ فِي الْمَهِيلِ.
قُلْتُ: يَا أَبَا زَيْدٍ وَأَيْنَ الْمَهِيلُ؟ قَالَ: مَطْلَعُ الشَّمْسِ.
- سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَليُعمرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ السَّدِّ.
قَالَ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩]
- عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَسْلَمَ الْعِجْلِيِّ عَنْ بِشْرِ بْنِ شعافٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنِ الصُّورِ فَقَالَ: «قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠]
- حَدَّثَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثًا فِي الْبَعْثِ قَالَ: ثُمَّ يَتَمَثَّلُ اللَّهُ لِلْخَلْقِ فَيَلْقَاهُمْ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلا وَهُوَ مَرْفُوعٌ لَهُ يَتْبَعُهُ.
فَيَلْقَى الْيَهُودَ فَيَقُولُ: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعْبُدُ عُزَيْرًا.
فَيَقُولُ: هَلْ يَسُرُّكُمُ الْمَاءُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُرِيهِمْ جَهَنَّمَ وَهِيَ كَهَيْئَةِ السَّرَابِ.
ثُمَّ يَقْرَأُ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠] .
ثُمَّ يَلْقَى النَّصَارَى فَيَقُولُ: مَنْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: الْمَسِيحَ.
فَيَقُولُ: هَلْ يَسُرُّكُمُ الْمَاءُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُرِيهِمْ جَهَنَّمَ وَهِيَ كَهَيْئَةِ السَّرَابِ.
قَالَ ثُمَّ كَذَلِكَ بِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ شَيْئًا.
ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١] كَانَتْ عَلَى أَعْيُنِهِمْ غِشَاوَةُ الْكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] غِطَاءَ الْكُفْرِ.
[ ١ / ٢٠٩ ]
﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أَبْصَرَ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُ الْبَصَرُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] يَعْنِي: سَمْعَ الإِيمَانِ، لا يَسْمَعُونَ الْهُدَى بِقُلُوبِهِمْ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: لا يَعْقِلُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢] يَعْنِي مَنْ عَبَدَ الْمَلائِكَةَ، أَفَحَسِبُوا أَنْ تَتَوَلاهُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى ذَلِكَ.
أَيْ: لا يَتَوَلَّوْنَهُمْ وَلَيْسَ بِهَذَا أَمَرْتُهُمْ، إِنَّمَا أَمَرْتُهُمْ أَنْ يَعْبُدُونِي وَلا يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا.
وَقَرَأَهُ مُجَاهِدٌ: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الكهف: ١٠٢] خَفِيفَةً، ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢] أَيْ: فَحَسْبُهُمْ ذَلِكَ.
قَالَ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا﴾ [الكهف: ١٠٢] قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ [الكهف: ١٠٣] يَقُولُ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ.
﴿بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤] يَعْنِي: يضل سعيهم.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ.
وَحَدَّثَنِي الْمُعَلَّى، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ عَلِيًّا عَنْهَا قَالَ: وَيْلَكَ مِنْهُمْ أَهْلِ حَرُورَاءَ.
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] قَالَ: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧]
[ ١ / ٢١٠ ]
- إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: الْفِرْدَوْسُ: جَبَلٌ فِي الْجَنَّةِ يُفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الكهف: ١٠٨] لا يَمُوتُونَ وَلا يَخْرُجُونَ مِنْهَا.
﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨] مُتَحَوَّلا، فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] قَالَ مُجَاهِدٌ: لِلْقَلَمِ يُسْتَمَدُّ مِنْهُ لِلْكِتَابِ.
﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] آخَرُ مِثْلُهُ مِنْ بَابِ الْمَدِّ.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ: وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَادًا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ لِلْقَلَمِ.
﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] عِلْمُهُ الَّذِي خَلَقَ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] يَعْنِي: لِعِلْمِ رَبِّي وَعَجَائِبِهِ، ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، يَعْنِي: عِلْمَ رَبِّي وَعَجَائِبَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لَهُ: مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا.
فَقَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] وَلَكِنْ: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] وَأَنْتُمْ لا يُوحَى إِلَيْكُمْ.
﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ يَعْنِي: فَمَنْ كَانَ يَخْشَى الْبَعْثَ.
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] يَقول: لا يُرِيدُ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ يَحْيَى: يُخْلِصُ لَهُ الْعَمَلَ، فَإِنَّهُ لا يَقْبَلُ إِلا مَا أُخْلِصَ لَهُ.
حَدَّثَنِي الْفُرَاتُ، عَنْ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ طَاوُسَ أَنَّ رَجُلا قَالَ:
[ ١ / ٢١١ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَقِفُ الْمَوَاقِفَ أُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ وَأُحِبُّ أَنْ يُرَى مَكَانَي.
فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
- هَمَّامٌ وَهِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» .
هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ: مَنْ حَفِظَ خَاتِمَةَ سُورَةِ الْكَهْفِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ لَدُنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ.
[ ١ / ٢١٢ ]