بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١] أَيْ هَذِهِ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا.
﴿وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١] لِكَيْ تَذَّكَّرُوا.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]، وَفَرَّضْنَاهَا، عَلَى التَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ.
فَرَضَ فِيهَا فَرَائِضَهُ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّ فِيهَا حُدُودَهُ، وَسَنَّ فِيهَا سُنَّتَهُ.
يَعْنِي مَا فُرِضَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَسُنَّ فِيهَا.
وقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] يَعْنِي بَيَّنَّاهَا.
قَوْلُهُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] هَذَا فِي الأَحْرَارِ إِذَا لَمْ يَكُونَا مُحْصِنَيْنِ، فَإِنْ كَانَا مُحْصِنَيْنِ رُجِمًا.
- نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْبِكْرِ يَنْكِحُ ثُمَّ يَزْنِي قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ قَالَ: الْجَلْدُ عَلَيْهِ وَلا رَجْمَ عَلَيْهِ حَتَّى يُحْصِنَ.
وَأَمَّا الْمَمْلُوكَانِ فَيُجْلَدَانِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا رَجْمٌ، وَلا يُقَامُ حَدُّ الزِّنَا عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَحْرَارٍ عُدُولٍ يَجِيئُونَ جَمِيعًا غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ حُرًّا كَانَ الزَّانِي أَوْ
[ ١ / ٤٢٢ ]
مَمْلُوكًا.
فَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ، أَحَدُهُمْ زَوْجُهَا، لَمْ تُرْجَمْ، وَلاعَنَهَا زَوْجُهَا وَجُلِدَ الثَّلاثَةُ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ.
فَإِذَا جَاءَ الشُّهُودُ الأَرْبَعَةُ مُتَفَرِّقِينَ جُلِدُوا ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ.
فَأَمَّا الرَّجُلُ الزَّانِي فَتُوضَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ إِذَا جُلِدَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُتْرَكُ عَلَيْهَا مِنَ الثِّيَابِ مَا يَصِلُ إِلَيْهَا الْجَلْدُ.
وَإِنْ أَقَرَّ الزَّانِي عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا، حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ: وَالْجَلْدُ فِي الزِّنَا بِالسَّوْطِ.
- نا بَحْرٌ السَّقَّاءُ، عَنِ ١٩ الزُّهْرِيِّ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا.
فَرَدَّهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
فَجَاءَهُ فِي الرَّابِعَةِ فَأَخَذَهُ أَخْذًا شَدِيدًا فَقَالَ: " يَجِيءُ أَحَدُكُمْ يَنِبُّ نَبِيبَ التَّيْسِ.
أَنَدَعُ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ.
فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: أَتَعْلَمُونَ بِهِ جُنُونًا؟ قَالُوا: لا.
فَرَجَمَهُ ".
- نا الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ.
فَدَعَا بِسَوْطٍ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ شَدِيدٍ فَقَالَ: سَوْطٌ دُونَ هَذَا.
فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مُنْكَسِرِ الْعَجُزِ فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا.
فَأُتِيَ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ جَلْدًا بَيْنَ الْجَلْدَيْنِ.
نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: الْجَلْدُ فِي الزِّنَا الْمَتْحُ الشَّدِيدُ.
وَيَقُولُ: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أَيِ الْجَلْدُ الشَّدِيدُ.
نا سَعِيدٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ قَالا: أَيْ حَتَّى لا تُعَطَّلَ الْحُدُودُ.
[ ١ / ٤٢٣ ]
قَالَ يَحْيَى: وَسَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فَقَالَ لِي مِثْلَ قَوْلِهِمَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] يَعْنِي فِي حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَى الزُّنَاةِ.
- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لا يُقَامُ الْحَدُّ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَدْخُلُ كَمَا يَدْخُلُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ.
قَالَ يَحْيَى: وَأَمَّا الرَّجْمُ فَهُوَ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَفِي مُصْحَفِنَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤] حَيْثُ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودِيَّيْنِ حِينَ ارْتَفَعُوا إِلَيْهِ.
- حَدَّثَنِي الْمُعَلَّى، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا زِرُّ، كَمْ تَقْرَءُونَ سُورَةَ الأَحْزَابِ؟ قُلْتُ: ثَلاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً.
قَالَ: قَطُّ؟ قُلْتُ: قَطُّ.
قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَتُوَازِي سُورَةَ الْبَقَرَةِ.
وَإِنَّ فِيهَا لآيَةَ الرَّجْمِ.
قُلْتُ: وَما آيَةُ الرَّجْمِ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: إِذَا زَنَى الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
- نا يَحْيَى قَالَ: نا الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَكُنَّا نَقْرَأُ: وَلا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ، وَآيَةُ الرَّجْمِ.
وَإِنِّي
[ ١ / ٤٢٤ ]
قَدْ خِفْتُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ قَوْمٌ يَقُولُونَ: لا رَجْمَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَجَمَ وَرَجَمْنَا.
وَاللَّهِ لَوْلا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ عُمَرَ زَادَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا.
وَلَقَدْ نَزَلَتْ وَكَتَبْنَاهَا.
قَالَ يَحْيَى: وَقَدْ رَجَمَ عُثْمَانُ.
- وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا أُقِرَّ بِالزِّنَا فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ، ثُمَّ يَرْجُمُ النَّاسُ، وَإِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ رَجَمْتُ الْبَيِّنَةَ ثُمَّ يَرْجُمُ النَّاسُ.
قَالَ يَحْيَى: وَلا تُحْصِنُ الأَمَةُ وَلا الْيَهُودِيَّةُ وَلا النَّصْرَانِيَّةُ، وَلا يُحْصِنُ الْمَمْلُوكُ الْحُرَّةَ وَلا يُحْصَنُ الْحُرُّ إِذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلا تُحْصَنُ امْرَأَةٌ لَهَا زَوْجٌ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
وَإِذَا أُحْصِنَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ بِوَطْءٍ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ زَنَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَتْ لَهُ امْرَأَةٌ يَوْمَ زَنَى، أَوْ زَنَتِ امْرَأَةٌ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ يَوْمَ زَنَتْ فَهُمَا مُحْصَنَانِ يُرْجَمَانِ.
وَإِذَا زَنَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَقَدْ أُحْصِنَ وَلَمْ يُحْصَنِ الآخَرُ رُجِمَ الَّذِي أُحْصِنَ مِنْهُمَا وَجُلِدَ الَّذِي لَمْ يُحْصَنْ مِنْهُمَا مِائَةً.
وَلا تُحْصِنُ أُمُّ الْوَلَدِ وَإِنْ وَلَدَتْ لَهُ أَوْلادًا.
وَإِذَا زَنَى الْغُلامُ أَوِ الْجَارِيَةُ وَقَدْ تَزَوَّجَا، وَقَدْ دَخَلَ الْغُلامُ بِامْرَأَتِهِ، أَوْ دَخَلَ عَلَى الْجَارِيَةِ زَوْجُهَا، وَلَمْ يَكُنِ الْغُلامُ احْتَلَمَ وَلَمْ تَكُنِ الْجَارِيَةُ حَاضَتْ فَلا حَدَّ عَلَيْهِمَا، لا رَجْمَ وَلا جَلْدَ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَتَحِيضَ وَيَغْشَى امْرَأَتَهُ بَعْدَ مَا احْتَلَمَ وَيَغْشَى الْجَارِيَةَ زَوْجُهَا بَعْدَ ما حَاضَتْ فَحِينَئِذٍ يَكُونَانِ مُحْصَنَيْنِ.
وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ أُمُّ وَلَدٍ قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَأَعْتَقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ زَنَى قَبْلَ أَنْ يَغْشَاهَا بَعْدَ مَا أُعْتِقَتْ، فَلا رَجْمَ عَلَيْهِ، وَلا هِيَ إِنْ زَنَتْ حَتَّى يَغْشَاهَا بَعْدَمَا
[ ١ / ٤٢٥ ]
أُعْتِقَتْ.
وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَدَخَلَ بِهَا، فَأُعْتِقَ، فَزَنَى قَبْلَ أَنْ يَغْشَاهَا بَعْدَ مَا أُعْتِقَ فَلا رَجْمَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ يَهُودِيَّيْنِ أَوْ نَصْرَانِيَّيْنِ فَأَسْلَمَا جَمِيعًا ثُمَّ زَنَى أَحَدُهُمَا أَيُّهُمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَغْشَاهَا بَعْدَمَا أَسْلَمَا، فَلا رَجْمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَغْشَاهَا فِي الإِسْلامِ.
وَإِنَّمَا رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودِيَّيْنِ لأَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَإِحْصَانُ أَهْلِ الشِّرْكِ فِي شِرْكِهِمْ لَيْسَ بِإِحْصَانٍ حَتَّى يَغْشَى فِي الإِسْلامِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] رَحْمَةٌ.
﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] فِي حُكْمِ اللَّهِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور: ٢] قَدْ فَسَّرْنَاهَا فِي صَدْرِ الآيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ [النور: ٢] أَيْ: جَلْدَهُمَا.
﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] يُقَالُ: الطَّائِفَةُ رَجُلٌ فَصَاعِدًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلْيَشْهَدْ﴾ [النور: ٢] يَعْنِي وَلْيَحْضُرْ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ [النور: ٢] يَعْنِي جَلْدَهُمَا.
قَوْلُهُ: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَبِهَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِمَاءٌ مُشْرِكَاتٌ مِنْ إِمَاءِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، مُجَاهِرَاتٌ بِالزِّنَا، لَهُنَّ رَايَاتٌ مِثْلُ رَايَاتِ الْبَيَاطِرَةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يَحِلُّ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا الْعَفَائِفُ الْحَرَائِرُ، وَلا نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَإِمَاءُ الْمُشْرِكِينَ حَرَامٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] يَعْنِي مَنْ كَانَ يَزْنِي بِتِلْكَ الْمُؤَاجِرَاتِ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْ إِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً مِنَ
[ ١ / ٤٢٦ ]
الْمُشْرِكَاتِ، لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مُشْرِكٌ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
قَالَ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] تَزْوِيجُهُنَّ.
ثُمَّ حُرِّمَ نِسَاءُ الْمُشْرِكَاتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ زَوَانِيَ كُنَّ أَوْ عَفَائِفَ فَقَالَ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] قَالَ: وَلا بَأْسَ بِتَزْوِيجِ الْحُرَّةِ الَّتِي قَدْ زَنَتْ وَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: نَزَلَتْ فِي كُلِّ زَانِيَةٍ ثُمَّ نُسِخَتْ فِيمَا حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ وَأَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: نَسَخَتْهَا: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]
- وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ مِنَ امْرَأَةٍ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ ذَلِكَ وَرَزَقَنِي تَوْبَةً، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا، وَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] .
فَقَالَ: كُنَّ بَغَايَا لَهُنَّ رَايَاتٌ مِثْلُ رَايَاتِ الْبَيَاطِرَةِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ النَّاسُ.
اذْهَبْ فَتَزَوَّجْهَا.
فَمَا كَانَ مِنْ إِثْمٍ فَهُوَ عَلَيَّ.
- وَحَدَّثَنِي هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَرَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا إِذَا زَنَى الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَقَالُوا: الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنُونَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُشْرِكَةً ثُمَّ تُسْلِمُ، فَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الزِّنَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] يَقْذِفُونَ الْمُحْصَنَاتِ بِالزِّنَا.
وَالْمُحْصَنَاتُ الْحَرَائِرُ الْمُسْلِمَاتُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] يَعْنِي الْعَفَائِفَ عَنِ
[ ١ / ٤٢٧ ]
الْفَوَاحِشِ: الْحَرَائِرَ الْمُسْلِمَاتِ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ إِذَا قُذِفَ.
قَالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] يَجِيئُونَ جَمِيعًا يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا.
﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] يُجْلَدُ بِالسَّوْطِ ضَرْبًا بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ، لا تُوضَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ، وَلا يَرْفَعُ الْجَلادُ يَدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ وَيُجْلَدُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قَذَفَ فِيهَا إِلا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَرْوٌ، أو قَبَاءٌ مَحْشُوٌّ، أَوْ جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ.
وَلَيْسَ عَلَى قَاذِفِ الْمَمْلُوكِ، وَلا الْمُكَاتِبِ، وَلا أُمِّ الْوَلَدِ، وَلا الْمُدْبِرِ، وَلا الذِّمِّيِّ، وَلا الذِّمِّيَّةِ حَدٌّ.
وَإِنْ قَذَفَ الْمَمْلُوكُ حُرًّا جُلِدَ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً، وَإِنْ قَذَفَ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ الْمُسْلِمَ جُلِدَ ثَمَانِينَ.
وَلا يُجْلَدُ الْوَالِدُ إِذَا قَذَفَ وَلَدَهُ، وَيُجْلَدُ الْوَلَدُ إِذَا قَذَفَ وَالِدَهُ.
وَلا يُجْلَدُ الْمَمْلُوكَانِ إِذَا قَذَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَإِذَا أُقِيمَ عَلَى الرَّجُلِ أَوِ الْمَرْأَةِ الْحَدُّ فِي الزِّنَا، ثُمَّ افْتَرَى عَلَيْهِ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَإِذَا جُلِدَ الْقَاذِفُ ثُمَّ عَادَ لِقَذْفِ الَّذِي كَانَ قَذَفَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلا الْحَدُّ الأَوَّلُ.
- وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوِ افْتَرَى أَبُو بَكْرَةَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مِائَةَ مَرَّةٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ إِلا الْحَدُّ الأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] الْعَاصُونَ، وَلَيْسَ بِفِسْقِ الشِّرْكِ.
وَهِيَ كَبِيرَةٌ.
[ ١ / ٤٢٨ ]
- وَحَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ» .
قَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالا: تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلا شَهَادَةَ لَهُ.
قَالَ يَحْيَى: رَجْعٌ إِلَى أَوَّلِ الآيَةِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]
- وَحَدَّثَنِي بَحْرٌ السَّقَّاءُ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الرَّجُلِ يُجْلَدُ فِي الْقَذْفِ ثُمَّ يَتُوبُ أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَبُو بَكْرَةَ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الْبَجَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَزِيَادٌ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ قِيلَ لَهُمْ: أَشَهِدْتُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَأَمْضَى أَبُو بَكْرَةَ
الشَّهَادَةَ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ.
وَأَبَى زِيَادٌ أَنْ يُمْضِيَ الشَّهَادَةَ.
قَالَ: رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَبِيحًا.
فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: مَنْ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ أَجَزْنَا شَهَادَتَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَرَجَعَ شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ شَهَادَتِهِ.
فَأَجَازَ عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا وَتَأَوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٤﴾ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٥﴾﴾ [النور: ٤-٥] قَالَ يَحْيَى: يَرَى عُمَرُ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ النَّاسُ، لأَنَّهُ لا شَهَادَةَ لَهُمْ بَعْدُ أَبَدًا.
قَالَ يَحْيَى: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ
[ ١ / ٤٢٩ ]
الشَّعْبِيِّ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَقُومُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَيُكَذِّبُ نَفْسَهُ.
وَالنَّاسُ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ شَهَادَتَهُ لا تَجُوزُ أَبَدًا.
- وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ تُقْبَلْ لأَبِي بَكْرَةَ شَهَادَةٌ لأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ شَهَادَتِهِ.
وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: شَهَادَةُ كُلِّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ جَائِزَةٌ إِذَا تَابَ، غَيْرَ الْقَاذِفِ.
نا عَمَّارٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الْعَبْدِ يَقْذِفُ الْحُرَّ قَالَ: يُجْلَدُ أَرْبَعِينَ وَلا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ أُعْتِقَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٦﴾ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٧﴾ وَيَدْرَأُ عَنْهَا﴾ [النور: ٦-٨] عَنِ الْمَرْأَةِ.
﴿الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] الْحَدَّ، الرَّجْمُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا أَوْ أُحْصِنَتْ قَبْلَهُ، أَوِ الْجَلْدُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً.
﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٨﴾ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٩﴾﴾ [النور: ٨-٩] يَعْنِي زَوْجَهَا فِي قَذْفِهِ إِيَّاهَا.
وَذَلِكَ إِذَا ارْتَفَعَا إِلَى الإِمَامِ.
وَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعَا إِلَى الإِمَامِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ.
وَإِنِ ارْتَفَعَا إِلَى الإِمَامِ وَثَبَتَ عَلَى قَذْفِهَا، قَالَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ عِنْدَ الإِمَامِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَصَادِقٌ، أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَصَادِقٌ، أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَصَادِقٌ، أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَصَادِقٌ.
ثُمَّ يَقُولُ الْخَامِسَةَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
وَتَقُولُ هِيَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ يَعْنِي زَوْجَهَا، أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، أَشْهَدُ
[ ١ / ٤٣٠ ]
بِاللَّهِ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ.
ثُمَّ تَقُولُ الْخَامِسَةَ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
قَالَ يَحْيَى: ذَكَرَهُ حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
- نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِذَا لاعَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا.
فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَا مِنَ الْمُلاعَنَةِ جُلِدَ حَدَّ الْقَاذِفِ ثَمَانِينَ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ.
ذَكَرَهُ حَمَّادٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءٍ.
وَإِنْ كَانَ لاعَنَهَا فِي إِنْكَارِ وَلَدِهَا، أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِهَا وَهِيَ عَصَبَتُهُ وَعَصَبَتُهَا بَعْدَهَا.
وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْمُلاعَنَةِ شَيْءٌ جُلِدَ حَدَّ الْقَذْفِ وَهِيَ امْرَأَتُهُ وَالْوَلَدُ لَهُ.
وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ، جُلِدَ وَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ بِهِ.
أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: إِذَا لاعَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، جُلِدَ وَرُدَّ إِلَيْهِ وَلَدُهُ.
وَلا يُلاعِنِ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ الأَمَةَ، وَلا الْيَهُودِيَّةَ، وَلا النَّصْرَانِيَّةَ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ لَزِمَهُ الْوَلَدُ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَلَدَهُ مِنَ الأَمَةِ، بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لَزِمَهُ الْوَلَدُ.
وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ الْحُرَّةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، ثُمَّ ارْتَفَعَا إِلَى السُّلْطَانِ، تَلاعَنَا.
وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ الْحُرَّةَ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ قَذَفَهَا، تَلاعَنَا مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ إِنِ ارْتَفَعَا إِلَى السُّلْطَانِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٠] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] قَالَ: فَضْلُ اللَّهِ الإِسْلامُ، وَرَحْمَتُهُ الْقُرْآنُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾ [النور: ١٠] يَعْنِي: وَلَوْلا مَنُّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، يَعْنِي وَنِعْمَتُهُ أَيْ لأَهْلَكَ الْكَاذِبَ مِنَ الْمُتَلاعِنَيْنِ.
[ ١ / ٤٣١ ]
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] تَوَّابٌ عَلَى مَنْ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ، حَكِيمٌ فِي أَمْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور: ١١] بِالْكَذِبِ.
﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] جَمَاعَةٌ مِنْكُمْ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَذَا فِي شَأْنِ عَائِشَةَ وَمَا أُذِيعَ عَلَيْهَا أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي الرَّحِيلِ، وَانْقَطَعَتْ قِلادَةٌ لَهَا، فَطَلَبَتْهَا فِي الْمَنْزِلِ وَمَضَى النَّاسُ.
وَقَدْ كَانَ صَفْوَانُ بْنُ مُعَطَّلٍ تَخَلَّفَ عَنِ الْمَنْزِلِ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَقْبَلَ، فَوَجَدَ النَّاسُ قَدِ ارْتَحَلُوا وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَإِذَا هُوَ بِعَائِشَةَ.
فَجَاءَ بِبَعِيرِهِ وَوَلاهَا ظَهْرَهُ حَتَّى رَكِبَتْ، ثُمَّ قَادَ بِهَا.
فَجَاءَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ.
فَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ قَوْمٌ وَاتَّهَمُوهَا.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، وَمِسْطَحًا، وَحَمْنَةَ ابْنَةَ جَحْشٍ هُمُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ.
ثُمَ شَاعَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهَا جَلَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَدَّ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور: ١١] بِالْكَذِبِ ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] يَعْنِي هَؤُلاءِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور: ١١] يعني عائشة وصفوان، يعني ما قيل فيهما.
﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١] يَعْنِي الَّذِينَ قَالُوا مَا قَالُوا.
﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور: ١١] عَلَى قَدْرِ مَا أَشَاعَ.
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] قَالَ مُجَاهِدٌ: بَدَأَ بِهِ.
﴿مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١] وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: بَدَأَهُ.
﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِسْطَحٌ.
فَذَهَبَ بَصَرُهُ وَهُوَ الْعَذَابُ الْعَظِيمُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ الْمُنَافِقُ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، جَهَنَّمُ.
[ ١ / ٤٣٢ ]
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١] رَجُلانِ: أَحَدُهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ اسْمُهُ مِسْطَحٌ، وَالآخَرُ مِنَ الأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا﴾ [النور: ١٢] هَلا.
﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] أَيْ كَمَا كَانُوا يَظُنُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ، لَوْ كَانُوا مَكَانَ صَفْوَانَ مَا كَانَ مِنْهُمْ إِلا خَيْرًا.
فَلْيَظُنَّ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَا يَظُنُّ بِنَفْسِهِ.
﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢] مَا خَاضَ فِيهِ الْقَوْمُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿لَوْلا﴾ [النور: ١٣] هَلا.
﴿جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ.
﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٤] هِيَ مِثْلُ الأُولَى.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٤] يَعْنِي وَنِعْمَتُهُ.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤] فِيهَا تَقْدِيمٌ.
يَقُولُ: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَالإِفَاضَةُ فِيهِ مَا كَانَ يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: أَمَا بَلَغَكَ مَا قِيلَ مِنْ أَمْرِ عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ.
قَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: ١٥] يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ.
تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ.
﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْقَذْفُ قَذْفَانِ، أَحَدُهُمَا أَنْ تَقُولَ: إِنَّ فُلانَةَ زَانِيَةٌ.
هَذَا فِيهِ الْحَدُّ.
وَالآخَرُ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ فُلانَةَ زَانِيَةٌ.
فَلَيْسَ فِي هَذَا حَدٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا﴾ [النور: ١٦] هلا.
﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦] يَعْنِي لا يَنْبَغِي لَنَا.
وَهُوَ
[ ١ / ٤٣٣ ]
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] كَذِبٌ عَظِيمٌ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ [النور: ١٧] يَنْهَاكُمُ اللَّهُ.
﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٧﴾ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ١٧-١٨] بِخَلْقِهِ.
﴿حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨] فِي أَمْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] أَنْ يَظْهَرَ الزِّنَا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] يَعْنِي تَفْشُو.
وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ قَتَادَةَ: يَظْهَرُ.
﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] هُمُ الْمُنَافِقُونَ.
كَانُوا يُحِبُّونَ ذَلِكَ لِيَعِيبُوا بِهِ النَّبِيَّ وَيَغِيظُوهُ.
قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] وَعَذَابُ الدُّنْيَا لِلْمُنَافِقِينَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمُ الزَّكَاةُ كَرْهًا، وَمَا يُنْفِقُونَ فِي الْغَزْوِ كَرْهًا.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ٢٠] هِيَ مِثْلُ الأُولَى، أَيْ لأَهْلَكَهُمْ فَاسْتَأْصَلَهُمْ.
يَعْنِي الَّذِينَ قَالُوا مَا قَالُوا.
وَلَيْسَ يَعْنِي بِالْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ فِيهِمْ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّهُ فِي النَّارِ.
قَالَ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠] بِالْمُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ﴾ [النور: ٢١] خَطَايَا.
﴿الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١] وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَمْرَ الشَّيْطَانِ.
﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ﴾ [النور: ٢١] فَإِنَّ الشَّيْطَانَ.
﴿يَأْمُرُ﴾ [النور: ٢١] بِالْخَطِيئَةِ وَيَأْمُرُ.
﴿بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١] قَالَ: النُّذُورُ فِي الْمَعَاصِي.
- عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:
[ ١ / ٤٣٤ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا نَذْرَ فِي غَضَبٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» .
قَالَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ٢١] هِيَ مِثْلُ الأُولَى.
﴿مَا زَكَا مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢١] مَا صَلُحَ مِنْكُمْ.
﴿مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي﴾ [النور: ٢١] يُصْلِحُ.
﴿مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١] قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور: ٢٢] قَالَ قَتَادَةُ: وَلا يَحْلِفُ.
﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الْغِنَى.
﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] أَيْ فَكَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمِسْطَحٍ.
كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ قَرَابَةٌ، وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ، وَكَانَ الَّذِي أَذَاعَ عَلَى عَائِشَةَ مَا أُذِيعَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَهَا وَعُذْرَهَا تَأَلَّى أَبُو بَكْرٍ، حَلَفَ أَلا يَرْزَأَهُ خَيْرًا أَبَدًا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
- قَالَ يَحْيَى: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَعَا أَبَا بَكْرٍ فَتَلاهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: أَمَا تُحِبُّ أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْكَ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَاعْفُ وَتَجَاوَزْ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا جَرَمَ، وَاللَّهِ لا أَمْنَعُهُ مَعْرُوفًا كُنْتُ أُولِيهِ إِيَّاهُ قَبْلَ الْيَوْمِ.
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَفَّرَ يَمِينَهُ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] الْعَفَائِفَ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿الْغَافِلاتِ﴾ [النور: ٢٣] أَيْ لَمْ يَفْعَلْنَ الَّذِي قُذِفْنَ بِهِ.
﴿الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾﴾ [النور: ٢٣-٢٤]
[ ١ / ٤٣٥ ]
بَلَغَنِي أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ.
- أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَالَ: قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ عَمَلَهُمُ الْحَقَّ، أَهْلُ الْحَقِّ بِحَقِّهِمْ، وَأَهْلُ الْبَاطِلِ بِبَاطِلِهِمْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي حِسَابَهُمُ الْعَدْلُ.
قَالَ يَحْيَى: يُدَانُونَ بِعَمَلِهِمْ.
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] الْبَيِّنُ.
وَالْحَقُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هِيَ الأَعْمَالُ الْخَبِيثَةُ وَالْكَلامُ الْخَبِيثُ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النَّاسِ وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ الْكَلامِ وَالْعَمَلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النَّاسِ.
قَالَ يَحْيَى: مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَهَذَا فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦] يَعْنِي الْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] يَعْنِي الطَّيِّبَاتُ مِنَ الْقَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
قَالَ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [النور: ٢٦] لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦] الْجَنَّةُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَهُوَ الاسْتِئْذَانُ.
- ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] حَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
[ ١ / ٤٣٦ ]
قَالَ: أَخْطَأَ الْكَاتِبُ، حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] حَتَّى تَنَحْنَحُوا وَتَنَخَّمُوا.
قَالَ يَحْيَى: وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ مُؤَخَّرَةٌ: حَتَّى تُسَلِّمُوا وَتَسْتَأْذِنُوا.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: أَدْخُلُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: قُمْ فَعَلِّمْ هَذَا كَيْفَ يَسْتَأْذِنُ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ يَسْتَأْذِنُ، فَسَمِعَهَا الرَّجُلُ فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ.
- عُثْمَانُ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: جِئْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي بَيْتِهِ فَقُلْتُ: أَلِجُ؟ فَأَذِنَ لِي.
فَدَخَلْتُ فَقَالَ: يَابْنَ أَخِي، إِذَا اسْتَأْذَنْتَ فَلا تَقُلْ: أَلِجُ وَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا قَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلامُ فَقُلْ: أَدْخُلُ؟ فَإِذَا قَالُوا: ادْخُلْ، فَادْخُلْ.
- وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذِنْ لَهُ فَرَجَعَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ: مَا رَدَّكَ عَنْ بَابِنَا؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنِ اسْتَأْذَنَ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» .
قَالَ: لَتَجِيئَنَّ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ لأَجْعَلَنَّكَ نَكَالا.
فَأَتَى طَلْحَةَ، فَجَاءَ، فَشَهِدَ لَهُ.
وَفِي تَفْسِيرِ عَمْرٍو عَنِ الْحَسَنِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ: الأُولَى إِذْنٌ، وَالثَّانِيَةُ مُؤَامَرَةٌ، وَالثَّالِثَةُ عَزْمَةٌ، إِنْ شَاءُوا أَذِنُوا وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوا.
قَالَ يَحْيَى: كُنَّا وَنَحْنُ نَطْلُبُ الْحَدِيثَ إِذَا جِئْنَا إِلَى بَابِ الْفَقِيهِ اسْتَأْذَنَ مِنَّا رَجُلٌ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُؤْذِنْ لَنَا تَقَدَّمَ آخَرُ فَاسْتَأْذَنَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُؤْذِنْ لَنَا تَقَدَّمَ آخَرُ فَيَسْتَأْذِنُ مَرَّتَيْنِ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنَّا ثَلاثًا فَلا يُؤْذَنُ لَهُ، ثُمَّ يُؤْذَنُ بَعْدُ فَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ لأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَقَدْ أُذِنَ لِغَيْرِهِ.
- وَحَدَّثَنِي ابْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا جَاءَكَ الرَّسُولُ فَهُوَ إِذْنُكَ» .
- وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَوْ غَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا تَأْذَنُ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا وَهُوَ شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ» .
[ ١ / ٤٣٧ ]
- هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ.
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى وَالِدَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا، أَوْ عَلَى أُخْتِهِ وَأَخَوَاتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
- وَحَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» .
قَالَ إِنِّي أَخْدُمُهَا.
فَقَالَ: «اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا» .
فَعَاوَدَهُ ثَلاثًا فَقَالَ: «أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟» .
قَالَ: لا، قَالَ: «فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا» .
- وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كُنَّ لِي أَخَوَاتٌ أَنَا مَعَهُنَّ فِي بَيْتٍ، فَحَرَصْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يُرَخِّصَ لِي أَنْ أَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَأَبَى.
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ إِلا عَلَى امْرَأَتِهِ.
- وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَجُلٍ وَمَعَهُ نَفَرٌ فَقَالَ الرَّجُلُ: ادْخُلْ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَمَنْ مَعِي؟ فَقَالَ: وَمَنْ مَعَكَ.
وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَيْسَ فِي الدُّورِ إِذْنٌ.
قَالَ يَحْيَى: أَظُنُّهُ يَعْنِي الدَّارَ الْمُشْتَرَكَةَ الَّتِي فِيهَا حُجَرٌ، وَلَيْسَ فِي الْحَوَانِيتِ إِذْنٌ.
سَعِيدٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْقَصَّافِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذْنُهُمْ أَنَّهُمْ جَاءُوا بِبُيُوعِهِمْ فَجَعَلُوهَا فِيهَا وَقَالُوا لِلنَّاسِ: هَلُمَّ.
- وَحَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَ إِلَى بُيُوتِ التُّجَّارِ فَسَلَّمَ لِيَدْخُلَ فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ، رَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ لِقَوْلِهِمُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧] لِكَيْ تَذَكَّرُوا.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ [النور: ٢٨] يَعْنِي الْبُيُوتَ الْمَسْكُونَةَ.
﴿فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ [النور: ٢٨] إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا
[ ١ / ٤٣٨ ]
مَتَاعٌ فَلا تَدْخُلُوهَا إِلا بِإِذْنٍ.
﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لا تَقِفْ عَلَى بَابِ قَوْمٍ رَدُّوكَ عَنْ بَابِهِمْ فَإِنَّ لِلنَّاسِ حَاجَاتٍ وَلَهُمْ أَشْغَالٌ.
قَالَ: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] خَيْرٌ لَكُمْ.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩] يَعْنِي الْخَانَاتِ، وَهِيَ الْفَنَادِقُ.
﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩] يَنْزِلُهَا الرَّجُلُ فِي سَفَرِهِ فَيَجْعَلُ فِيهَا مَتَاعَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَهْلٌ يَسْكُنُونَهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩] مَنَافِعُ لَكُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: كَانُوا يَضَعُونَ بِالطَّرِيقِ أَقْتَابًا وَأَمْتِعَةً فِي بُيُوتٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ فَأُحِلَّتْ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩] أَيْ: خَرِبَةٌ ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩] فِيهَا مَنْفَعَةٌ.
قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [النور: ٢٩] مَا تُعْلِنُونَ.
﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٩] مَا تُسِرُّونَ فِي صُدُورِكُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] يَعْنِي: يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي.
مَنْ هَاهُنَا صِلَةٌ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا لا يَحِلُّ لَهُمْ مِنَ النَّظَرِ.
- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمرِو بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ عَنِ النَّظَرِ فَجْأَةً فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» .
[ ١ / ٤٣٩ ]
- الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «ابْنَ آدَمَ، لَكَ أَوَّلُ نَظْرَةٍ فَمَا بَالُ الثَّانِيَةِ»؟
قَوْلُهُ: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: عَنْ مَا لا يَحِلُّ لَهُمْ.
وَهَذِهِ فِي الأَحْرَارِ وَالْمَمْلُوكِينَ.
﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] قَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يَعْنِي يَغْضُضْنَ أَبْصَارَهُنَّ.
مَنْ هَاهُنَا صِلَةٌ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: عَمَّا لا يَحِلُّ لَهُمْ مِنَ النَّظَرِ.
﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] مِمَّا لا يَحِلُّ لَهُنَّ وَهَذِهِ فِي الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] هَذِهِ فِي الْحَرَائِرِ.
- وَحَدَّثَنِي شَرِيكٌ وَسُفْيَانُ وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالَ: الثِّيَابُ.
وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَ ذَلِكَ.
- الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالَ: الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ.
الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] يَعْنِي: إِلا مَا بَدَا فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
- قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ شَبِيبٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ فَقَالَتِ: الْقُلْبُ وَالْفَتْخَةُ.
قَالَ حَمَّادٌ: يَعْنِي الْخَاتَمَ.
وَقَالَتْ بِثَوْبِهَا عَلَى ثَوْبِهَا فَشَدَّتْهُ.
[ ١ / ٤٤٠ ]
قَالَ يَحْيَى: هَذِهِ الآيَةُ فِي الْحَرَائِرِ.
وَأَمَّا الإِمَاءُ
- فحَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى أَمَةً عَلَيْهَا قِنَاعٌ فَضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ.
وَقَالَ عُثْمَانُ: فَتَنَاوَلَهَا بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: اكْشِفِي رَأْسَكِ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: وَلا تَشَبَّهِي بِالْحَرَائِرِ.
- قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَمَّادٌ وَنَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّ جَوَارِي عُمَرَ يَخْدُمْنَنَا كَاشِفَاتِ الرُّءُوسِ، تَضْطَرِبُ ثُدِيُّهُنَّ بَادِيَةً خِدَامُهُنَّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] تُسْدِلُ الْخِمَارَ عَلَى جَيْبِهَا وَهُوَ نَحْرُهَا.
﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وَهَذِهِ الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ.
﴿إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يَعْنِي أَزْوَاجَهُنَّ.
﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الْمُسْلِمَاتُ يَرَيْنَ مِنْهَا مَا يَرَى ذُو الْمَحْرَمِ، وَلا تَرَى ذَلِكَ مِنْهَا الْيَهُودِيَّةُ، وَلا النَّصْرَانِيَّةُ، وَلا الْمَجُوسِيَّةُ.
قَالَ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] فَهَذِهِ ثَلاثُ حُرَمٍ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ مِنْهُنَّ الزَّوْجُ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا فَهَذِهِ حُرْمَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ.
وَمِنْهُنَّ الأَبُ، وَالابْنُ، وَالأَخُ، وَالْعَمُّ، وَالْخَالُ، وَابْنُ الأَخِ، وَابْنُ الأُخْتِ.
وَالرَّضَاعُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فَلا يَحِلُّ لَهَا وَلا فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى الشَّعْرِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
نا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لا تَضَعُ الْمَرْأَةُ خِمَارَهَا عِنْدَ أَبِيهَا وَلا ابْنِهَا وَلا أُخْتِهَا وَلا أَخِيهَا.
[ ١ / ٤٤١ ]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَنْظُرُونَ إِلَى مَوْضِعِ الْقُرْطَيْنِ وَالْقِلادَةِ وَالسِّوَارَيْنِ وَالْخَلْخَالَيْنِ.
قَالَ يَحْيَى: وَهَذِهِ الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ.
- حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لا يَنْبَغِي أَنْ يَبْدُوَ مِنَ الْمَرْأَةِ لِذَوِي الْمَحْرَمِ إِلا السِّوَارُ وَالْخَاتَمُ وَالْقُرْطُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: القُصَّةُ وَالْقُرْطَانِ، وَالْقِلادَةُ، مِنَ الزِّينَةِ.
نا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أَوْ أَبْنَائِهِنَّ وَالأَخِ وَابْنِ الأَخِ وَابْنِ الأُخْتِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ.
قَالَ: مَا فَوْقَ الذِّرَاعِ.
وَحُرْمَةٌ أُخْرَى الثَّالِثَةُ فِيهِمْ أَبُو الزَّوْجِ وَابْنُ الزَّوْجِ وَالتَّابِعُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] غَيْرِ أُولِي الْحَاجَةِ إِلَى النِّسَاءِ.
وَهُمْ قَوْمٌ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ فُقَرَاءُ طُبِعُوا عَلَى غَيْرِ شَهْوَةِ النِّسَاءِ.
نا عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] الَّذِينَ لا يَهُمُّهُمْ إِلا بُطُونَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: وَلا يَخَافُونَ عَلَى النِّسَاءِ.
نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ الأَحْمَقُ الَّذِي لا تَشْتَهِيهِ الْمَرْأَةُ وَلا يَغَارُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ.
نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: هُوَ الْكَبِيرُ الَّذِي لا يُطِيقُ النِّسَاءَ.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَتْبَعُ الرَّجُلُ مِنْهُمُ الرَّجُلَ يَخْدُمُهُ بِطَعَامِ بَطْنِهِ.
وَمَمْلُوكُ الْمَرْأَةِ لا بَأْسَ أَنْ تَقُومَ بَيْنَ يَدَيْ هَؤُلاءِ فِي دِرْعٍ ضَيِّقٍ، وَخِمَارٍ ضَيِّقٍ بِغَيْرِ جِلْبَابٍ.
- وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لا تَخْلُو الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ إِلا أَنْ يَكُونَ مَحْرَمًا وَإِنْ قِيلَ: حَمْؤُهَا، إِنَّمَا حَمْؤُهَا الْمَوْتُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لا تَضَعُ الْمَرْأَةُ خِمَارَهَا عِنْدَ مَمْلُوكِهَا فَإِنْ فَجَأَهَا فَلا شَيْءَ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] الإِمَاءُ وَلَيْسَ الْعَبِيدُ.
- قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لا تَضَعُ الْمَرْأَةُ خِمَارَهَا عِنْدَ عَبْدِ سَيِّدِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: الْغُلامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْحُلْمَ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْحُلْمَ وَلا النِّكَاحَ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: لَمْ يَدْرُوا مَا هُنَّ لِصِغَرٍ قَبْلَ الْحُلْمِ.
قَالَ: وَأَمَّا أَبُو زَوْجِهَا، وَابْنُ زَوْجِهَا، وَالتَّابِعُ غَيْرُ أُولِي الإِرْبَةِ،
[ ١ / ٤٤٣ ]
وَمَمْلُوكُهَا فَإِنَّهُمْ لا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ الابْنُ، وَالأَبُ، وَالأَخُ، وَابْنُ الأَخِ، وَابْنُ الأُخْتِ، وَالْعَمُّ، وَالْخَالُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ رَضَاعٌ، لأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ كَانَتْ تَحِلُّ لابْنِ زَوْجِهَا قَبْلَ نِكَاحِ الأَبِ إِيَّاهَا، وَقَدْ كَانَتْ تَحِلُّ لأَبِي زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ لِلتَّابِعِ.
فَلَيْسَ هَؤُلاءِ مِثْلُ هَؤُلاءِ فِي الْحُرْمَةِ، فَلا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ وَلَكِنْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا دِرْعٌ وَخِمَارٌ لأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ تَحِلُّ لَهُمْ فِي حَالٍ.
وَكَذَلِكَ مَمْلُوكُ الْمَرْأَةِ، لأَنَّهُ إِذَا أُعْتِقَ حَلَّتْ لَهُ.
فَهَؤُلاءِ مِثْلُ الأَجْنَبِيِّينَ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهَا.
كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ مَعَ حَمُوهَا.
قَالَ يَحْيَى: وَلا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ لَمْ تَكُنْ تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ ثُمَّ صَارَتْ لا تَحِلُّ لَهُ بَعْدُ فَلا تُسَافِرُ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] نا سَعِيدُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَضْرِبُ بِرِجْلَيْهَا إِذَا مَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ لِتُسْمِعَ قَعْقَعَةَ الْخَلْخَالَيْنِ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَضْرِبُ إِحْدَى رِجْلَيْهَا بِالأُخْرَى حَتَّى يُسْمَعَ صَوْتُ الْخَلْخَالَيْنِ فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] مِنْ ذُنُوبِكُمْ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] لِكَيْ تُفْلِحُوا فَتَدْخُلُوا الْجَنَّةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] يَعْنِي: كُلَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ.
قَالَ الْحَسَنُ: هَذِهِ فَرِيضَةٌ.
قَالَ: ونا عُثْمَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ قَوْمًا
[ ١ / ٤٤٤ ]
نَزَلُوا مَنْزِلا ثُمَّ ارْتَحَلُوا، وَبَغَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ فَرُفِعَتْ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَجَلَدَهَا عُمَرُ الْحَدَّ وَقَالَ: اسْتَوْصُوا بِهَا خَيْرًا وَزَوِّجُوهَا فَإِنَّهَا مِنَ الأَيَامَى.
- وَحَدَّثَنِي الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا وَيَقُولُ: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْبَشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
- وَحَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ الدِّينِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي» .
قَوْلُهُ: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] أَيْ: وَأَنْكِحُوا الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ، يَعْنِي الْمَمْلُوكِينَ الْمُسْلِمِينَ.
﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] أَيْ: وَأَنْكِحُوا الصَّالِحِينَ مِنْ إِمَائِكُمُ الْمُسْلِمَاتِ.
وَهَذِهِ رُخْصَةٌ.
وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ بِوَاجِبٍ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ وَعَبْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي الرَّوَّادِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " اطْلُبُوا الْغِنَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] ".
- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ رَجُلٍ لَمْ يَلْتَمِسِ الْغِنَى فِي الْبَاءَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] .
[ ١ / ٤٤٥ ]
قَالَ: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] وَاسِعٌ لِخَلْقِهِ عَلِيمٌ بِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] حَتَّى يَجِدُوا مَا يَتَزَوَّجُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وَلَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ إِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] قَالَ السُّدِّيُّ: مَالا.
نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنْ عَلِمْتُمْ عِنْدَهُمْ مَالا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنْ عَلِمْتُمْ مِنْهُمْ صِدْقًا وَوَفَاءً وَأَمَانَةً.
نا الْمُعَلَّى، عَنِ الأَشْعَثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِذَا صَلَّوْا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ.
قَالَ يَحْيَى: كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ أَنْ يُكَاتِبَ الْمَمْلُوكَ وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ، يَكُونُ عِيَالا عَلَى النَّاسِ.
قَالَ يَحْيَى: نَكْرَهُ أَنْ نُكَاتِبَهُ وَلَيْسَتْ لَهُ حِرْفَةٌ وَلا عَمَلٌ إِلا عَلَى مَسْأَلَةِ النَّاسِ.
فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حِرْفَةٌ أَوْ عَمَلٌ ثُمَّ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرِيضَةِ أَوِ التَّطَوُّعِ فَلا بَأْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ عَجَزَ فَلَمْ يُؤَدِّ الْمُكَاتَبَةَ عَلَى نُجُومِهَا كَمَا اشْتَرَطَ سَيِّدُهُ فَهُوَ رَقِيقٌ إِلا إِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ.
فَإِنْ رَجَعَ مَمْلُوكًا وَقَدْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ جَعَلَ سَيِّدُهُ مَا أَخَذَ مِنْهُ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي الْمُكَاتَبِينَ.
وَإِذَا كَاتَبَهُ وَعِنْدَهُ مَالٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ سَيِّدُهُ ثُمَّ أَدَّى مُكَاتَبَتَهُ فَذَلِكَ الْمَالُ لِلسَّيِّدِ.
وَكُلُّ مَالٍ أَصَابَهُ فِي كِتَابَتِهِ فَهُوَ لَهُ إِذَا أَدَّى كِتَابَتَهُ وَوَلاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَتُهُ فَوَلَدَتْ فِي مُكَاتَبَتِهَا فَأَوْلادُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، إِذَا أَدَّتْ خَرَجُوا أَحْرَارًا مَعَهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ فَرَجَعَتْ مَمْلُوكَةً رَجَعُوا مَمْلُوكِينَ مَعَهَا.
[ ١ / ٤٤٦ ]
- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَحَمَّادٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالا: لِمَوَالِيهِ شُرُوطُهُمْ، فَإِنْ عَجَزَ رُدَّ فِي الرِّقِّ.
بِهِ يَأْخُذُ يَحْيَى.
- وَحَدَّثَنِي بَحْرُ بْنُ كُنَيْزٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ عَبْدٌ قِنٌّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ.
قَالَ: وَلَوْ تَرَكَ مَالا فَهُوَ عَبْدٌ أَبَدًا حَتَّى يُؤَدَّى، لَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ حَتَّى يُوَفِّيَهُ.
- وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ أَوْقَفَ رَقَبَتَهُ فَهُوَ غَرِيمٌ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي بِالْوُقُوفِ الثَّمَنَ.
وَحَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: الْمُكَاتَبُ تُجْرَى فِيهِ الْعِتَاقَةُ فِي أَوَّلِ نَجْمٍ يُؤَدَّى.
- وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلاسٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: إِذَا عَجَزَ اسْتَسْعَى سَنَتَيْنِ فَإِنْ أَدَّى وَإِلا رُدَّ فِي الرِّقِّ.
لا يَأْخُذُ بِهِ يَحْيَى.
- قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ مُكَاتَبًا لَهُ جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: لا تَفْعَلْ فَإِنِّي رَادُّكَ فِي الرِّقِّ.
فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ.
فَرَدَّهُ فِي الرِّقِّ ثُمَّ أَعْتَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُمِرُوا أَنْ يَدَعَ طَائِفَةً مِنْ مُكَاتِبِيهِ أَوْ يُسَاغُ لَهُ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: يَدَعُ لَهُ الرُّبُعَ.
- قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ فَضَالَةَ أَبِي الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْمُكَاتَبَةُ عَلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةِ وَقِيَّةٍ، فَفَعَلَ وَلَمْ يَسْتَزِدْنِي.
ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَفْصَةَ فَقَالَ: إِنِّي كَاتَبْتُ غُلامِي، وَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي الْيَوْمَ شَيْءٌ، فَابْعَثِي لِي بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى يَأْتِيَنِي شَيْءٌ، أَوْ قَالَ: يَخْرُجُ عَطَائِي.
فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] ثُمَّ قَالَ: هَاكَ
[ ١ / ٤٤٧ ]
بَارَكَ اللَّهُ لَكَ.
فَدَفَعَهَا إِلَيَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُؤَدِّيَ شَيْئًا.
فَبَارَكَ اللَّهُ لِي حَتَّى أَدَّيْتُ مُكَاتَبَتِي، وَعُتِقْتُ، وَفَعَلْتُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣] يَعْنِي الزِّنَا.
﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: عِفَّةً وَإِسْلامًا.
﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُكْرِهُ مَمْلُوكَتَهُ عَلَى الْبِغَاءِ فَيَكْثُرُ وَلَدُهَا.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَمَةٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كَانَ يُكْرِهُهَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ رَجَاءَ أَنْ تَلِدَ مِنْهُ، فَيَفْدِي وَلَدَهُ، فَذَلِكَ الْعَرَضُ الَّذِي كَانَ ابْنُ أُبَيٍّ يَبْتَغِي.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَيْسَتْ لَهُمْ.
وَكَذَلِكَ هِيَ فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ٣٤] الْحَلالَ، وَالْحَرَامَ، وَالأَمْرَ، وَالنَّهْيَ وَالإِحْكَامَ.
﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النور: ٣٤] أَخْبَارَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: سُنَنَ الْعَذَابِ فِي الأُمَمِ الْخَالِيَةِ.
قَالَ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤] قَالَ قَتَادَةُ: وَهُوَ الْقُرْآنُ.
- وَحَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سِتِّ آيَاتٍ: آيَةٌ مُبَشِّرَةٌ، وَآيَةٌ مُنْذِرَةٌ، وَآيَةُ فَرِيضَةٍ، وَآيَةُ قِصَصٍ وَإِخْبَارٍ، وَآيَةٌ تَأْمُرُكَ، وَآيَةٌ تَنْهَاكَ.
قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] يَعْنِي هُدَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] يَعْنِي مِثْلَ هُدَاهُ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] قَالَ قَتَادَةُ: مُنِيرٌ ضَخْمٌ.
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ
[ ١ / ٤٤٨ ]
تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥]
- حَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] لا مَثَلَ لِنُورِ اللَّهِ، مَثَلُ نُورِ الْمُؤْمِنِ كَمِشْكَاةٍ.
قَالَ يَحْيَى: يَقُولُ مَثَلُ نُورِهِ الَّذِي أَعْطَى الْمُؤْمِنَ فِي قَلْبِهِ كَمِشْكَاةٍ.
- قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الْمِشْكَاةُ: الْكُوَّةُ فِي الْبَيْتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ.
وَهِيَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ.
وَهِيَ مِثْلُ صَدْرِ الْمُؤْمِنِ.
- أَشْعَثُ، عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمِشْكَاةُ الرَّزْوَنَةُ فِي الْبَيْتِ.
قَالَ يَحْيَى: وَهِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ.
قَالَ: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] وَهُوَ النُّورُ الَّذِي فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
قَالَ: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥] صَافِيَةٍ.
وَالزُّجَاجَةُ الْقِنْدِيلُ.
وَهُوَ مِثْلُ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
قَلْبٌ صَافٍ.
﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] قَالَ قَتَادَةُ: مُنِيرٌ ضَخْمٌ.
﴿يُوقَدُ﴾ [النور: ٣٥] مَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ يَعْنِي الْمِصْبَاحَ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّاءِ: تُوقَدُ يَعْنِي الزُّجَاجَةَ بِمَا فِيهَا.
فَكَذَلِكَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ يَتَوَقَّدُ نُورًا.
﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] وَهِيَ مِثْلُ الْمُؤْمِنِ.
﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] قَالَ بَعْضُهُمْ: لا شَرْقِيَّةٌ تُصِيبُهَا الشَّمْسُ إِذَا أَشْرَقَتْ وَلا تُصِيبُهَا إِذَا غَرَبَتْ، وَلا غَرْبِيَّةٌ تُصِيبُهَا الشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ وَلا تُصِيبُهَا إِذَا أَشْرَقَتْ لَيْسَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا الشَّرْقُ دُونَ الْغَرْبِ، وَلا الْغَرْبُ دُونَ الشَّرْقِ، وَلَكِنْ يُصِيبُهَا الشَّرْقُ وَالْغَرْبُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لا يَفِيءُ عَلَيْهَا ظِلٌّ شَرْقِيٌّ وَلا غَرْبِيٌّ.
كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهَا ضَاحِيَةٌ لِلشَّمْسِ.
وَهِيَ أَصْفَى الزَّيْتِ، وَأَعْذَبُهُ، وَأَطْيَبُهُ.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تُصِيبُهَا فِي شَرْقٍ وَلا فِي غَرْبٍ.
هِيَ فِي سَفْحِ جَبَلٍ، وَهِيَ شَدِيدَةُ الْخُضْرَةِ، وَهِيَ مِثْلُ الْمُؤْمِنِ.
لا شَرْقِيَّةٌ، لا نَصْرَانِيَّةٌ تُصَلِّي إِلَى الشَّرْقِ، وَلا غَرْبِيَّةٌ، وَلا يَهُودِيَّةٌ تُصَلِّي إِلَى الْمَغْرِبِ، إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
الْمَوْضِعُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ غَرْبِيُّهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ.
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] يَكَادُ زَيْتُ الزُّجَاجَةِ يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ وَهُوَ مِثْلُ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ يَكَادُ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبَيَّنَ لَهُ فِيمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ قَلْبُهُ مِنْ مُوَافَقَةِ الْحَقِّ فِيمَا أُمِرَ بِهِ وَفِيمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ مِنْ كَرَاهِيَةِ مَا نُهِيَ عَنْهُ.
وَهُوَ مَثَلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] قَالَ مُجَاهِدٌ: نُورُ النَّارِ عَلَى الزَّيْتِ فِي الْمِصْبَاحِ، فَكَذَلِكَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ صَارَ نُورًا عَلَى نُورٍ كَمَا صَارَ الْمِصْبَاحُ حِينَ جَعَلْتَ فِيهِ النَّارَ نُورًا عَلَى نُورٍ.
فَكَذَلِكَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ نُورًا عَلَى نُورٍ، نُورُ الزُّجَاجَةِ، وَنُورُ الزَّيْتِ، وَنُورُ الْمِصْبَاحِ.
﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي لِدِينِهِ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] يَعْنِي: نَبِيًّا مِنْ نَسْلِ نَبِيٍّ.
قَالَ: ﴿مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] قَوْلُهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنْ تُبْنَى.
﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هِيَ الْمَسَاجِدُ.
- مَنْدَلٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» .
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
[ ١ / ٤٥٠ ]
«مَنْ بَنَى مَسْجِدًا مِنْ مَالِهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» .
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ كَعْبًا قَالَ: إِنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا: إِنَّ بُيُوتِي فِي الأَرْضِ الْمَسَاجِدَ فَمَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي أَكْرَمْتُهُ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ كَرَامَةُ الزَّائِرِ.
قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] الْغُدُوُّ صَلاةُ الصُّبْحِ، وَالآصَالُ الْعَشِيُّ، الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَجَمِيعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسُ فِي غَيْرِ آيَةٍ.
قَالَ: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور: ٣٧] التِّجَارَةُ، الْجَالِبُ، وَالْبَيْعُ الَّذِي يَبِيعُ عَلَى يَدَيْهِ.
قَالَ: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي عَنِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
قَالَ: ﴿وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧] كَانُوا إِذَا سَمِعُوا الْمُؤَذِّنَ تَرَكُوا بَيْعَهُمْ وَقَامُوا إِلَى الصَّلاةِ.
وَذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الأَذَانَ وَالصَّلاةَ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ.
وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ، الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَوْمٌ لا تُلْهِيهِمُ التِّجَارَةُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ، وَهُمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ.
- إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى امْرَأَةً فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «يَأَيُّهَا النَّاسُ كُفُّوا عَلَيْكُمْ نِسَاءَكُمْ فَإِنَّمَا عُذِّبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ أَرْسَلُوا نِسَاءَهُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ» .
- حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ فِي مَكَانٍ خَيْرٌ مِنْ قَعْرِ بَيْتِهَا، إِلا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ النَّبِيِّ، إِلا أَنْ تَخْرُجَ فِي مَنْقَلَيْهَا.
قَالَ حَمَّادٌ: الْمَنْقَلانِ: الْخُفَّانِ.
- إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أسيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ السَّاعِدِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أُمِّ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا
[ ١ / ٤٥١ ]
أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَحُجْرَتُهَا خَيْرٌ لَهَا مِنْ دَارِهَا، وَدَارُهَا خَيْرٌ لَهَا مِنْ مَسْجِدِ عَشِيرَتِهَا، وَمَسْجِدُ عَشِيرَتِهَا خَيْرٌ لَهَا مِنْ مَسْجِدِي» .
هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ كَعْبًا قَالَ: صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي صُفَّتِهَا وَصَلاتُهَا فِي صُفَّتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا.
ثُمَّ يَتْبَعُهُ قَتَادَةُ: وَمَا سَتَرَ امْرَأَةٍ فَهُوَ خَيْرٌ لَهَا.
قَالَ يَحْيَى: وَهَذَا الْحَرْفُ يُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ [النور: ٣٦] فِي الْمَسْجِدِ ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٧]، قَالَ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ﴿٣٦﴾ رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦-٣٧] وَالْحَرْفُ الآخَرُ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ثُمَّ قَالَ: ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٧] فَهُمُ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] قُلُوبُ الْكُفَّارِ وَأَبْصَارُهُمْ.
وَتَقَلُّبُ الْقُلُوبِ أَنَّ الْقُلُوبَ انْتُزِعَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا، فَغَصَّتْ بِهِ الْحَنَاجِرُ، فَلا هِيَ تَرْجِعُ إِلَى أَمَاكِنِهَا وَلا هِيَ تَخْرُجُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] وَأَمَّا تَقَلُّبُ الأَبْصَارِ، فَالزَّرَقُ بَعْد الْكَحَلِ، وَالْعَمَى بَعْدَ الْبَصَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٣٨] ثَوَابَ مَا عَمِلُوا، الْجَنَّةَ.
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٨] فَأَهْلُ الْجَنَّةِ أَبَدًا فِي مَزِيدٍ.
حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: وَجَدْتُ فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّ بُيُوتِي فِي الأَرْضِ الْمَسَاجِدَ فَمَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي أَكْرَمْتُهُ وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائِرَ، وَوَجَدْتُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ﴿٣٦﴾ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ
يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ﴿٣٧﴾
[ ١ / ٤٥٢ ]
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٨﴾﴾ [النور: ٣٦-٣٨] قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨] بِغَيْرِ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ، أَيْ: لا يَنْقُصُ مَا عِنْدَ اللَّهِ كَمَا يَنْقُصُ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨] يَقُولُ: لَيْسَ فِيهِ تِبَاعَةٌ فِيمَا يَرْزُقُ.
وَيَقُولُ: أَنَا الْمَلَكُ أُعْطِي مَنْ شِئْتُ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَخَافُهُ مِنْ أَحَدٍ، لَيْسَ فَوْقِي مَلِكٌ يُحَاسِبُنِي.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لا أَحَدٌ يُحَاسِبُهُمْ بِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] غَيْرُ مَحْسُوبٍ.
وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ الْقَاعُ الْقَرْقَرَةُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: بِقِيعَةٍ مِنَ الأَرْضِ.
﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ [النور: ٣٩] الْعَطْشَانُ.
﴿مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] وَالْعَطْشَانُ مِثْلُ الْكَافِرِ، وَالسَّرَابُ مِثْلُ عَمَلِهِ، يَحْسَبُ أَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، فَإِذَا جَاءَهُ الْمَوْتُ لَمْ يَجِدْ عَمَلَهُ أَغْنَى عَنْهُ شَيْئًا إِلا كَمَا يَنْفَعُ السَّرَابُ الْعَطْشَانَ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَذَا مِثْلُ عَمَلِ الْكَافِرِ، يَرَى أَنَّ لَهُ خَيْرًا وَأَنَّهُ قَادِمٌ عَلَى خَيْرٍ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ يَجِدْ خَيْرًا قَدِمَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] ثَوَابَ عَمَلِهِ.
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] قَالَ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ [النور: ٤٠] هَذَا مِثْلُ قَلْبِ الْكَافِرِ.
﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠]
[ ١ / ٤٥٣ ]
قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ عَمِيقٌ قَعِيرٌ.
أَيْ غَمْرٌ.
﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] ثُمَّ وَصَفَ ذَلِكَ الْمَوْجَ فَقَالَ: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: ٤٠] ظُلْمَةُ الْبَحْرِ، وَظُلْمَةُ الْمَوْجِ وَظُلْمَةُ السَّحَابِ، وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي بِهِ الْكَافِرَ يَقُولُ: قَلْبُهُ مُظْلِمٌ، فِي صَدْرٍ مُظْلِمٍ، فِي جَسَدٍ مُظْلِمٍ.
قَلْبُهُ بِالشِّرْكِ، وَصَدْرُهُ بِالْكُفْرِ، وَجَسَدُهُ بِالشَّكِّ، وَهُوَ النِّفَاقُ.
قَالَ: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] مِنْ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] يَعْنِي الْكَافِرَ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَذَا مِثْلُ عَمَلِ الْكَافِرِ، فِي ضَلالاتٍ مُتَكَسِّعٌ فِيهَا.
قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١] قَالَ قَتَادَةُ: صَافَّاتٌ بِأَجْنِحَتِهَا.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] الصَّلاةُ لِلإِنْسَانِ يَعْنِي الْمُؤْمِنَ، ﴿وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] التَّسْبِيحُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ خَلْقِهِ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢] الْبَعْثُ.
قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣] يُنْشِئُ سَحَابًا.
﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣] يَجْمَعُ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور: ٤٣] بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
[ ١ / ٤٥٤ ]
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ [النور: ٤٣] الْمَطَرَ.
﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] يُنَزِّلُ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَرَدٍ.
إِنَّ فِي السَّمَاءِ جِبَالًا مِنْ بَرَدٍ.
﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٣] فَيُهْلِكُ الزَّرْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] بَرْدٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رِيحٌ بَارِدَةٌ ﴿أَصَابَتْ﴾ [آل عمران: ١١٧] الرِّيحُ ﴿حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧] وَمَا أَصَابَ الْعِبَادَ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِذُنُوبِهِمْ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: بِتْنَا اللَّيْلَةَ نُمْطِرُ الضَّفَادِعَ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَدَقَ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ بِحَارًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٣] يَصْرِفُ ذَلِكَ الْبَرْدَ عَمَّنْ يَشَاءُ.
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور: ٤٣] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ ضَوْءُ بَرْقِهِ.
﴿يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]
- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عُوَيْمِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الْبَرْقَ أَوِ الْوَدْقَ فَلا يُشِرْ إِلَيْهِ وَلْيَنْعَتْ» .
- وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «اطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ» .
قَوْلُهُ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [النور: ٤٤] هُوَ أَخْذُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦]
[ ١ / ٤٥٥ ]
قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [النور: ٤٤] لآيَةً.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَعْرِفَةً.
﴿لأُولِي﴾ [النور: ٤٤] لِذَوِي.
﴿الأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤] وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ أَبْصَرُوا الْهُدَى.
قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] يَعْنِي النُّطْفَةَ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
- وَحَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنَ الْمَاءِ» .
أَرَاهُ يَعْنِي الْحَيَوَانَ.
نَحْوَ قَوْلِ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] الْحَيَّةُ.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] أَيْ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا قَالَ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى كَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى كَذَا، وَمِنْهُمْ يَمْشِي عَلَى كَذَا، خَلْقُ اللَّهِ كَثِيرٌ.
قَالَ: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] قَوْلُهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥] قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ٤٦] الْقُرْآنَ، مَا يُبَيِّنُ اللَّهُ فِيهِ.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] إِلَى دِينٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَالصِّرَاطُ: الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ إِلَى الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٤٧] مِنْ بَعْدِ مَا قَالُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٤٧] ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٤٨﴾﴾ [النور: ٤٧-٤٨] عَن اللَّه، وَعَنْ رَسُولِهِ، وَكِتَابِهِ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، يُظْهِرُونَ الإِيمَانَ وَيُسِرُّونَ الشِّرْكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ وَابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩]، سِرَاعًا.
الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ
[ ١ / ٤٥٦ ]
عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ، فَإِذَا قَالَ: انْطَلِقْ مَعِي إِلَى النَّبِيِّ، فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ الْحَقَّ لَهُ ذَهَبَ مَعَهُ، وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ يَطْلُبُ بَاطِلًا أَبَى أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٤٨﴾ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿٤٩﴾ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ
أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٥٠﴾ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥١﴾﴾ [النور: ٤٨-٥١] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ خُصُومَةٌ فَدَعَاهُ إِلَى حَكَمٍ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهُوَ ظَالِمٌ» .
- وَحَدَّثَنِي أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «مَنْ دُعِيَ إِلَى حَكَمٍ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهُوَ ظَالِمٌ لا حَقَّ لَهُ» .
وَفِي تَفْسِيرِ عَمْرٍو عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَدْعُونَ إِلَى وَثَنٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهِ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [النور: ٥٠] وَهُوَ الشِّرْكُ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: نِفَاقٌ.
﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور: ٥٠] فَشَكُّوا فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَيْ قَدْ فَعَلُوا.
﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠] وَالْحَيْفُ: الْجَوْرُ.
أَيْ قَدْ خَافُوا ذَلِكَ.
﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] ظُلْمُ النِّفَاقِ وَالشِّرْكِ.
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] فَهَذَا قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ الْقَوْلُ الأَوَّلُ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ [النور: ٥٢] فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ.
﴿وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] فِيمَا بَقِيَ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] النَّاجُونَ مِنَ النَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: ٥٣] يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ.
﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور: ٥٣] إِلَى الْجِهَادِ.
وَأَقْسَمُوا وَلَمْ يَسْتَثْنَوْا، وَفِيهُمُ
[ ١ / ٤٥٧ ]
الضَّعِيفُ وَالْمَرِيضُ، وَمَنْ يُوضَعُ عَنْهُ الْخُرُوجُ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ [النور: ٥٣] أَيْ: لا تَحْلِفُوا.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْكَلامَ فَقَالَ: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣] خَيْرٌ.
وَهَذَا إِضْمَارٌ.
أَيْ: خَيْرٌ مِمَّا تُضْمِرُونَ مِنَ النِّفَاقِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣] ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [النور: ٥٤] يَعْنِي: فَإِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنْهُمَا، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، عَنِ اللَّهِ وَعَنِ الرَّسُولِ.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ [النور: ٥٤] أَيْ مِنَ الْبَلاغِ.
﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤] مِنْ طَاعَتِهِ.
وَهَذَا تَفْسِيرُ الْحَسَنِ.
- وَحَدَّثَنِي حَمَّادٌ وَشَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: قَامَ يَزِيدُ بْنُ سَلَمَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءٌ يَأْخُذُونَنَا بِالْحَقِّ وَمَنَعُونَاهُ فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ فَأَخَذَ الأَشْعَثُ بِثَوْبِهِ فَأَجْلَسَهُ فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ، ثُمَّ قَامَ فَعَادَ فَأَخَذَ الأَشْعَثُ بِثَوْبِهِ فَقَالَ: لا أَزَالُ أَسْأَلُهُ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ أَوْ تُخْبِرُنِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّمَا عَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا» .
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾ [النور: ٥٤] يَعْنِي النَّبِيَّ.
﴿تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧] تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ حَتَّى تُجَازِيَهُمْ بِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] أَيْ: سَيَنْصُرُهُمْ بِالإِسْلامِ حَتَّى يُظْهِرَهُمْ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، فَيَكُونُوا الْحُكَّامَ عَلَى أَهْلِ الأَدْيَانِ.
- عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ الْكَلاعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «لا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا
[ ١ / ٤٥٨ ]
وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الإِسْلامِ بِعِزٍّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلٍّ ذَلِيلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا وَإِمَّا يُذِلُّهُمُ اللَّهُ فَيَدِينُونَ لَهَا» .
الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ الْجَزَرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: اللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَتَّخِذَ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً وَاحِدًا وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]، وَلَكِنِّي أَثْقَلَكُمْ حِمْلًا.
قَالَ: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] كَقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال: ٢٦] فَارِسُ وَالرُّومُ.
﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأنفال: ٢٦] قَالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] يَقُولُ: مَنْ أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ بَعْدَ هَذَا الَّذِي أَنْزَلْتُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] يَعْنِي فِسْقَ الشِّرْكِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النور: ٥٦] الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَإِقَامَتُهَا أَنْ تُحَافِظَ عَلَى وُضُوئِهَا، وَمَوَاقِيتِهَا، وَرُكُوعِهَا، وَسُجُودِهَا.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النور: ٥٦] يَعْنِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ.
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] لِكَيْ تُرْحَمُوا، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ رُحِمْتُمْ.
قَوْلُه: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النور: ٥٧] قَالَ قَتَادَةُ: سَابِقِينَ فِي الأَرْضِ.
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] أَيْ: لا تَحْسَبَنَّهُمْ يَسْبِقُونَنَا حَتَّى لا تَقْدِرَ عَلَيْهِمْ فَنُحَاسِبُهُمْ، وَحِسَابُهُمْ أَنْ يَكُونَ ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] الْمَرْجِعُ.
وَالْمَأْوَى، الْمَنْزِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: لَمْ يَحْتَلِمُوا.
﴿ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨] وَهُوَ نِصْفُ النَّهَارِ عِنْدَ الْقَائِلَةِ.
[ ١ / ٤٥٩ ]
﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] وَهِيَ السَّاعَاتُ الَّتِي يَخْلُو فِيهِنَّ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ لِحَاجَتِهِ مِنْهَا.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] فَهُمُ الْمَمْلُكُونَ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الَّذِينَ يَخْدُمُونَ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ وَمَنْ كَانَ مِنَ الأَطْفَالِ مِنَ الْمَمْلُوكِينَ.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٨] قَالَ: الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ، يَعْنِي الأَطْفَالَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ الْوَصْفَ إِذَا رَأَوْا شَيْئًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مَثَلَهُمْ مِنَ الْمَمْلُوكِينَ، إِلا الصِّغَارَ الَّذِينَ لا يُحْسِنُونَ الْوَصْفَ إِذَا رَأَوْا شَيْئًا مِنَ الأَحْرَارِ وَالْمَمْلُوكِينَ فَلا يَنْبَغِي لَهَا وَلا الْكِبَارِ، وَالَّذِينَ يُحْسِنُونَ الْوَصْفَ أَنْ يَدْخُلُوا هَذِهِ الثَّلاثَ سَاعَاتٍ إِلا بِإِذْنٍ، إِلا أَلا يَكُونَ لِلرَّجُلِ إِلَى أَهْلِهِ حَاجَةٌ.
وَلا يَنْبَغِي لَهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ إِلَى أَهْلِهِ حَاجَةٌ أَنْ يَطَأَ أَهْلَهُ وَمَعَهُ فِي الْبَيْتِ مِنْ هَؤُلاءِ أَحَدٌ.
فَلِذَلِكَ لا يَدْخُلُونَ فِي هَذِهِ الثَّلاثِ سَاعَاتٍ إِلا بِإِذْنٍ.
قَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور: ٥٨] بَعْدَ هَذِهِ الثَّلاثِ السَّاعَاتِ أَنْ يَدْخُلُوا بِغَيْرِ إِذْنٍ.
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ وَأَشْعَثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَرَانِي وَصِيفَةً لَهُ خُمَاسِيَّةً.
وَقَالَ نَصْرٌ: نَحْوُ الْخُمَاسِيَّةِ أَوْ أَصْغَرُ.
فَقَالَ: مَا تَدْخُلُ عَلَيَّ هَذِهِ فِي هَذِهِ الثَّلاثِ السَّاعَاتِ إِلا بِإِذْنٍ.
نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِذَا كَانُوا مَعَكَ فِي الْبَيْتِ فَهُوَ إِذْنُهُمْ.
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: إِنَّا قَوْمٌ تُجَّارٌ نُسَافِرُ وَنَشْتَرِي الْجَوَارِيَ فَنَنْزِلُ فِي الْخِبَاءِ، فَنَكُونُ جَمِيعًا.
أَفَيَغْشَى الرَّجُلُ مِنَّا جَارِيَةً مِنْ جَوَارِيهِ فِي الْخِبَاءِ وَهُنَّ فِيهِ فَغَضِبَ وَقَالَ: لا.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] يَعْنِي مَنِ احْتَلَمَ.
[ ١ / ٤٦٠ ]
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ [النور: ٥٩] هَكَذَا يُبَيِّنُ اللَّهُ.
﴿لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٥٩] بِخَلْقِهِ.
﴿حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩] فِي أَمْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي﴾ [النور: ٦٠] قَدْ قَعَدَتْ مِنَ الْمَحِيضِ وَالْوَلَدِ.
﴿لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠] لا يُرِدْنَهُ.
تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ.
قَالَ يَحْيَى: قَدْ كَبِرْنَ عَنْ ذَلِكَ.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] غَيْرَ مُتَزَيِّنَةٍ وَلا مُتَشَوِّفَةٍ.
وَأَمَّا الَّتِي قَعَدَتْ مِنَ الْمَحِيضِ وَلَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْحَدَّ فَلا.
وَالْجِلْبَابُ: الرِّدَاءُ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ الثِّيَابِ، وَإِنْ كَانَ كِسَاءً، أَوْ سَاجًا أَوْ مَا كَانَ مِنْ ثَوْبٍ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لا تَحِيضُ وَلا تُحَدِّثُ نَفْسَهَا بِالأَزْوَاجِ، رَخَّصَ لَهَا أَنْ تَضَعَ جِلْبَابَهَا.
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] قَالَ: تَضَعُ الْجِلْبَابَ.
قَالَ: فَلَقِيتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فَقَالَ: تَضَعُ الْخِمَارَ إِنْ شَاءَتْ.
- وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لا يَنْبَغِي أَنْ يَبْدُوَ مِنَ الْمَرْأَةِ لِذَوِي الْمَحْرَمِ إِلا السِّوَارُ وَالْخَوَاتِمُ وَالْقُرْطُ.
ذَكَرَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ.
قَالَ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ [النور: ٦٠] يَعْنِي ﴿اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠] عَنْ تَرْكِ الْجِلْبَابِ.
﴿خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠] قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] يَعْنِي مَنْ كَانَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَرَضٍ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
وَتَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا كَانُوا يَعْزِلُونَ الأَعْمَى وَالأَعْرَجَ وَالْمَرِيضَ فَلا يُؤَاكِلُونَهُمْ.
وَكَانَتِ الأَنْصَارُ فِيهِمْ تَنَزُّهٌ وَتَكَرُّمٌ.
فَقَالُوا: إِنَّ الأَعْمَى لا
[ ١ / ٤٦١ ]
يُبْصِرُ طَيِّبَ الطَّعَامِ، وَالأَعْرَجَ لا يَسْتَطِيعُ الزِّحَامَ عِنْدَ الطَّعَامِ، وَالْمَرِيضُ لا يَأْكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الصَّحِيحُ، فَاعْزِلُوا لَهُمْ طَعَامَهُمْ عَلَى نَاحِيَةٍ.
وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ عَلَيْهِمْ فِي مُؤَاكَلَتِهِمْ جُنَاحًا.
وَكَانَ الأَعْمَى وَالأَعْرَجُ وَالْمَرِيضُ يَقُولُونَ: لَعَلَّنَا نُؤْذِيهِمْ إِذَا أَكَلْنَا مَعَهُمْ، فَاعْتَزَلُوا مُؤَاكَلَتَهُمْ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ وَلا عَلَى الَّذِينَ تَأَثَّمُوا مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ يَغْزُونَ وَيُخَلِّفُونَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مَنْ يَحْفَظُهَا، فَكَانُوا يَتَأَثَّمُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا شَيْئًا، فَرُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا يُخَلِّفُونَ عَلَيْهَا الأَعْرَجَ وَالأَعْمَى وَالْمَرِيضَ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ فِي الْغَزْوِ، فَرُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مُنِعَتِ الْبُيُوتُ زَمَانًا.
كَانَ الرَّجُلُ لا يَتَضَيَّفُ أَحَدًا وَلا يَأْكُلُ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ تَأَثُّمًا مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَخَّصَ اللَّهُ لَهُ الأَعْمَى، وَالأَعْرَجَ، وَالْمَرِيضَ.
ثُمَّ رَخَّصَ لِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١] مِمَّا تُحِبُّونَ.
هَكَذا.
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] قَالَ قَتَادَةُ: فَلَوْ أَكَلْتَ مِنْ بَيْتِ صَدِيقِكَ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَتِهِ لَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَحَلَّ لَكَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]
ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَغْزُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ
[ ١ / ٤٦٢ ]
اللَّهِ ﷺ فَيُخَلِّفُونَ الضُّمَنَاءَ عَلَى خَزَائِنِهِمْ، فَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْهَا شَيْئًا، فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ أَنْ يُصِيبُوا مِنْهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْمَمْلُوكُونَ الَّذِينَ هُمْ خَزَنَةٌ عَلَى بُيُوتِ مَوَالِيهِمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١] خَزَانَتُهُ مِمَّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ أُمَنَاءَ.
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ، يَعْنِي صَدِيقَهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ وَيَرَى الآخَرُ الشَّيْءَ مِنَ الطَّعَامِ فِي الْبَيْتِ، أَيَأْكُلُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: كُلْ مِنْ طَعَامِ أَخِيكَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ: كُنَّا فِي بَيْتِ قَتَادَةَ فَأُتِينَا بِبُسْرٍ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَّا بُسُرَاتٍ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا الْخَطَّابِ، إِنِّي قَدْ أَخَذْتُ مِنْ هَذَا الْبُسْرِ.
فَقَالَ: هُوَ لَكَ حَلالٌ وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْهُ لِي لأَنَّكَ مُؤَاخِيَّ.
قَالَ يَحْيَى: لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بَيْتَ الابْنِ، فَرَأَيْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ إِنَّمَا قَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» .
مِنْ هَذِهِ الآيَةِ، لأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وَلَمْ يَقُلْ: أَوْ بُيُوتِ أَبْنَائِكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْقَرَابَةِ حَتَّى ذَكَرَ الصَّدِيقَ وَلَمْ يَذْكُرِ الابْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ بَنُو كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَرَى أَحَدُهُمْ أَنَّ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَسُوقُ الذَّوْدَ وَالْحُفَّلَ وَهُوَ جَائِعٌ حَتَّى يَجِدَ مَنْ يُؤَاكِلُهُ وَيُشَارِبُهُ.
وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَّخِذُ الْخَيَالَ إِلَى جَنْبِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُؤَاكِلُ وَيُشَارِبُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] يَعْنِي عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.
﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] لِكَيْ تَعْقِلَوُا.
[ ١ / ٤٦٣ ]
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِذْ دَخَلْتَ فَسَلِّمْ عَلَى أَهْلِكَ فَهُمْ أَحَقُّ مَنْ سَلَّمْتَ عَلَيْهِ.
فَإِذَا دَخَلْتَ بَيْتًا لا أَحَدَ فِيهِ فَقُلْ: سَلامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ.
حُدِّثْنَا أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ سَلَّمَ، وَإِنْ مَرَّ بِهِمْ أَوْ لَقِيَهُمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا وَاحِدًا، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] عَلَى إِخْوَانِكُمْ.
وَإِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ سَلامٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَافْتَحْ لِي بَابَ رَحْمَتِكَ.
فَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا كَثِيرَ الأَهْلِ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ يُسْمِعُ نَفْسَهُ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلًا أَسْمَعَهُمُ التَّسْلِيمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ قَالَ: السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا.
وَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ مَسْكُونٍ مِمَّا قَالَ اللَّهُ: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩] وَهِيَ الْفَنَادِقُ يَنْزِلُهَا الرَّجُلُ الْمُسَافِرُ وَيَجْعَلُ فِيهَا مَتَاعَهُ، فَإِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ قَالَ: السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
السَّلامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا.
- خَالِدٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالرَّاكِبُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» .
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي وَيُسَلِّمُ رَاكِبُ الدَّابَّةِ عَلَى رَاكِبِ الْبَعِيرِ، وَيُسَلِّمُ الْفَارِسُ عَلَى صَاحِبِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ.
- خَالِدٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِذَا سَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى الْقَوْمِ فَرَدَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، وَإِذَا كَانُوا نَاسًا فَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى الْمَجْلِسِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ» .
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: كُنَّ النِّسَاءُ يُسَلِّمْنَ عَلَى الرِّجَالِ، وَلا يُسَلِّمُ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ عَلَى النِّسَاءِ.
وَحَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ زَهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ وَأَبَا حَازِمٍ يُسَلِّمَانِ عَلَى النِّسَاءِ إِذَا مَرَّا عَلَيْهِنَّ.
- وَحَدَّثَنِي خِدَاشٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ
[ ١ / ٤٦٤ ]
ﷺ إِلَيْنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا.
- وَحَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «إِنَّ السَّلامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ» .
وَحَدَّثَنِي الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ أَنَّ مَسْعُودَ قَالَ: السَّلامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَضَعَهُ فِي الأَرْضِ، فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ إِذَا مَرَّ بِالْقَوْمِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضِيلَةُ دَرَجَةٍ بِأَنَّهُ ذَكَّرَهُمُ السَّلامَ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَطْيَبُ: الْمَلائِكَةُ.
- وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: فَمَرَرْنَا بِقَوْمٍ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِمْ قَالَ: فَلا أَدْرِي أَشَغَلَهُمُ الْحَدِيثُ أَوْ مَا مَنَعَهُمْ مِنْ أَنْ يَرُدُّوا السَّلامَ.
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ: سَلامُ رَبِّي وَالْمَلائِكَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ، سَلامُ رَبِّي وَالْمَلائِكَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ.
- وَحَدَّثَنِي الْمُبَارَكُ وَالْحَسَنُ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ مِنَ الْمَعْرُوفِ سِتُّ خِصَالٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا تَغَيَّبَ عَنْهُ، وَيَشْهَدُ جِنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ» .
- وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: " بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ، عَشْرٌ، أَيْ عَشْرُ حَسَنَاتٍ.
ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، عِشْرُونَ حَسَنَةً.
ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثَلاثُونَ حَسَنَةً.
ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ، مَنْ قَعَدَ فَلْيُسَلِّمْ، وَمَنْ قَامَ فَلْيُسَلِّمْ.
قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ فَلَمْ يُسَلِّمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَسْرَعُ مَا نَسِيَ هَذَا ".
- وَحَدَّثَنِي حَمَّادٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا لَقِيتُمُ الْيَهُودِيَّ أَوِ النَّصْرَانِيَّ فَلا تَبْدَءوهُ بِالسَّلامِ.
وَإِذَا لَقِيتُمُوهُ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» .
- سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ» .
فَجَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ
[ ١ / ٤٦٥ ]
فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكَ مَا قُلْتَ ".
- حَمَّادٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا حَسَدَكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدُوكُمْ عَلَى السَّلامِ وَآمِينَ» .
قَوْلُه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ [النور: ٦٢] الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالاسْتِسْقَاءِ، وَكُلِّ شَيْءٍ تَكُونُ فِيهِ الْخُطْبَةُ.
﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] أَيْ: مُخْلِصِينَ غَيْرَ مُنَافِقِينَ.
﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور: ٦٢] كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَنِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ.
﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالإِمَامِ بَعْدَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ وَلَكِنْ زَادَ اللَّهُ بِذَلِكَ إِكْرَامَ النَّبِيِّ ﵇ وَإِعْظَامَ مَنْزِلَتِهِ.
فَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ حَاجَةٌ قَامَ حِيَالَ الإِمَامِ وَأَمْسَكَ بِأَنْفِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ.
قَالَ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ سَعِيدًا يَذْكُرُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا نُسِخَتِ الآيَةُ فِي بَرَاءَةٍ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] وَهِيَ عِنْدَهُ فِي الْجِهَادِ، لأَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي الْمُقَامِ عَنِ الْغَزْوِ بِالْعِلَلِ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا إِذَا كَانَ لَهُمْ عُذْرٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ [النور: ٦٢] عَلَى أَمْرِ طَاعَةٍ، وَهُوَ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْعُوهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي لِينٍ وَتَوَاضُعٍ وَلا يَقُولُوا: يَا مُحَمَّدُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُهَابَ نَبِيُّهُ، وَأَنْ يُعَظَّمَ وَيُسَوَّدَ، وَأُمِرُوا أَنْ يُجِيبُوهَ لِمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ وَالدِّينِ.
[ ١ / ٤٦٦ ]
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيْ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ وَعَنْ كِتَابِهِ وَذِكْرِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَلْفًا يَعْنِي التَّخَلُّفَ، أَيْ: فِرَارًا مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ يَلُوذُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ اسْتِتَارًا مِنَ النَّبِيِّ حَتَّى يَذْهَبُوا.
قَالَ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ.
﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] بَلِيَّةٌ.
يَقُولُ: فَلْيَحْذَرُوا أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، بَلِيَّةٌ.
﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] أَيْ: يَسْتَخْرِجُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُظْهِرُوُه شِرْكًا فَيُصِيبُهُمْ بِذَلِكَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ، الْقَتْلُ.
قَوْلُهُ: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤] مِنَ النِّفَاقِ، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ.
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤] يَقُولُ لِلنَّبِيِّ: يَوْمَ يَرْجِعُ الْمُنَافِقُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٦٤] مِنَ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٤]
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، خَاتِمَةَ النُّورِ، فَجَعَلَ إِصْبَعَهُ تَحْتَ عَيْنِهِ فَقَالَ: بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ.
[ ١ / ٤٦٧ ]