بسم اللَّه الرحمن الرحيم قَوْلُهُ ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حَمِدَ نَفْسَهُ وَهُوَ أَهْلُ الْحَمْدِ.
﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: ١] فِي أَمْرِهِ، أَحْكَمَ كُلَّ شَيْءٍ.
﴿الْخَبِيرُ﴾ بِخَلْقِهِ.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢] مِنَ الْمَطَرِ.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [سبأ: ٢] مِنَ النَّبَاتِ.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٢] مِنَ الْمَطَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢]، أَيْ: وَمَا يَصْعَدُ، مَا تَصْعَدُ بِهِ الْمَلائِكَةُ.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢] قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ: ٣] الْقِيَامَةُ.
﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣] مَنْ قَرَأَهَا بِالرَّفْعِ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢]
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣] وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْجَرِّ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣] يَقُولُ: ﴿بَلَى وَرَبِّي﴾
[ ٢ / ٧٤٤ ]
[سبأ: ٣]
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣] وَفِيهَا تَقْدِيمٌ.
وَالْغَيْبُ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، مَا لَمْ يَكُنْ.
قَالَ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] السَّاعَةُ.
﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ [سبأ: ٣] لا يَغِيبُ عَنْهُ.
﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وَزْنَ ذَرَّةٍ، لا يَغِيبُ عَنْهُ عِلْمُ ذَلِكَ، أَيْ: لِيَعْلَمَ ابْنُ آدَمَ أَنَّ عَمَلَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ لا يَغِيبُ عَنِ اللَّهِ مِنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ.
﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ﴾ [سبأ: ٣] قَالَ: ﴿إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣] وَقَدْ فَسَّرْنَا ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: مَا هُوَ كَائِنٌ، فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَعْمَالُ الْعِبَادِ تُعْرَضُ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فَيَجِدُونَهُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ.
قَالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سبأ: ٤] يَجْزِيهِمُ الْجَنَّةَ.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [سبأ: ٤] لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤] الْجَنَّةُ.
قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا﴾ [سبأ: ٥] عَمِلُوا.
﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٣٨] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ سَبَقُونَا حَتَّى لا نَقْدِرَ عَلَيْهِمْ فَنَبْعَثَهُمْ وَنُعَذِّبَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٩] .
تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥] يُثَبِّطُونَ النَّاسَ عَنِ الإِيمَانِ بِآيَاتِنَا وَلا يُؤْمِنُونَ بِهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَعَوْا﴾ عَمِلُوا ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ فِي الْقُرْآنِ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُبْطِئِينَ، يَعْنِي: يُثَبِّطُونَ النَّاسَ، عَنِ الإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
قَوْلُهُ ﷿: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ [سبأ: ٥] وَالرِّجْزُ، الْعَذَابُ.
﴿أَلِيمٌ﴾ مُوجِعٌ، لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ عَذَابٍ مُوجِعٍ.
قَالَ ﷿: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: ٦]، يَعْنِي: وَيَعْلَمُ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ.
﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [سبأ: ٦] الْقُرْآنُ.
﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] يَعْلَمُونَ أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ.
﴿وَيَهْدِي﴾ [سبأ: ٦] وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْقُرْآنَ يَهْدِي.
﴿إِلَى صِرَاطِ﴾ [سبأ: ٦] إِلَى طَرِيقِ.
﴿الْعَزِيزِ﴾ الَّذِي ذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ.
﴿الْحَمِيدِ﴾ الْمُسْتَحْمِدِ إِلَى خَلْقِهِ، الَّذِي اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْمَدُوهُ، وَالطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أَلا نَدُلُّكُمْ.
﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ.
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ [سبأ: ٧] يُخْبِرُكُمْ.
﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] إِذَا مِتُّمْ وَتَفَرَّقَتْ عِظَامُكُمْ وَكَانَتْ رُفَاتًا إِنَّكُمْ لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، إِنْكَارٌ لِلْبَعْثِ.
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]، أَيْ: جُنُونٌ.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
قَالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ﴾ [سبأ: ٨] فِي الآخِرَةِ.
﴿وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨] فِي الدُّنْيَا ﴿الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨] الَّذِي لا يُصِيبُونَ بِهِ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا وَلا الآخِرَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَعِيدُ مِنَ الْهُدَى.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨]، يَعْنِي: الشَّقَاءَ الطَّوِيلَ.
قَالَ: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ [سبأ: ٩] يَنْظُرُوا.
﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [سبأ: ٩]، يَعْنِي: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [سبأ: ٩] أَمَامَهُمْ، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [سبأ: ٩] وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ يَحْيَى: حَيْثُمَا قَامَ الإِنْسَانُ فَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مِثْلَ مَا خَلْفَهُ مِنْهَا.
قَالَ: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وَالْكِسْفُ الْقِطْعَةُ، وَالْكِسْفُ مُذَكَّرٌ، وَالْقِطْعَةُ مُؤَنَّثَةٌ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْقِطْعَةِ.
قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ لَعِبْرَةً.
﴿لِكُلِّ عَبْد مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩] وَهُوَ الْمُقْبِلُ إِلَى اللَّهِ بِالإِخْلاصِ لَهُ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُد مِنَّا فَضْلا﴾ [سبأ: ١٠] النُّبُوَّةَ.
﴿يَا جِبَالُ﴾ [سبأ: ١٠] قُلْنَا يَا جِبَالُ.
﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: سَبِّحِي مَعَهُ.
﴿وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] .
قَالَ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] أَلانَهُ اللَّهُ لَهُ فَكَانَ يَعْمَلُهُ بِلا نَارٍ وَلا مِطْرَقَةٍ، بِأَصَابِعِهِ الثَّلاثِ كَهَيْئَةِ الطِّينِ بِيَدِهِ.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
قَالَ: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] وَهِيَ الدُّرُوعُ.
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: لا تُصَغِّرِ الْمِسْمَارَ، وَتُعَظِّمِ الْحَلَقَةَ فَيَسْلُسُ، وَلا تُعَظِّمْهُ وَتُصَغِّرِ الْحَلَقَةَ، فَتَنْقَسِمَ الْحَلَقَةُ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنَا أَنَّ لُقْمَانَ حَضَرَ دَاوُدَ عِنْدَ أَوَّلِ دِرْعٍ عَمِلَهَا، فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ فِيمَا يُرِيدُ بِهَا، وَلا يَدْرِي مَا يُرِيدُ بِهَا، فَلَمْ يَسْأَلْهُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا دَاوُدُ قَامَ فَلَبِسَهَا فَقَالَ لُقْمَانُ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ.
قَالَ: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١﴾ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [سبأ: ١١-١٢]، أَيْ: وَسَخَّرْنَا لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ.
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] أَبُو أُمَيَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَتْ تَحْمِلُ سُلَيْمَانَ الرِّيحُ مِنْ إِصْطَخَرَ إِلَى كَابُلَ، وَمِنَ الشَّامِ إِلَى إِصْطَخَرَ.
وَحَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ يَغْدُو مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَقِيلُ إِصْطَخَرَ، فَيَرُوحُ مِنْهَا فَتَكُونُ رَوْحَتُهُ إِلَى كَابُلَ.
وَفِي تَفْسِيرِ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ جَاءَتِ الرِّيحُ فَوَضَعَ سَرِيرَ مَمْلَكَتِهِ عَلَيْهَا، وَوُضِعَتِ الْكَرَاسِيُّ وَالْمَجَالِسُ عَلَى الرِّيحِ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَجَلَسَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ فِي الدِّينِ عِنْدَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَالْجِنُّ يَوْمَئِذٍ ظَاهِرَةٌ لِلإِنْسِ، رِجَالٌ أَمْثَالُ الإِنْسِ إِلا إِنَّهُمْ أُدْمٌ، يَحُجُّونَ جَمِيعًا وَيُصَلُّونَ جَمِيعًا، وَيَعْتَمِرُونَ جَمِيعًا، وَالطَّيْرُ تُرَفْرِفُ عَلَى رَأْسِهِ وَرُءُوسِهِمْ،
وَالشَّيَاطِينُ حَرَسُهُ لا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
[ ٢ / ٧٤٨ ]
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧] فَهُمْ يُدْفَعُونَ أَلا يَتَقَدَّمَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَزَعَةٌ يَرِدُ أُولاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ، وَهُوَ وَاحِدٌ.
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢] الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: الصُّفْرُ سَالَتْ لَهُ مِثْلَ الْمَاءِ.
قَالَ: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ١٢] لَهُ تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ: ١٢] بِالسُّخْرَةِ الَّتِي سَخَّرَهَا اللَّهُ لَهُ.
قَالَ: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَن أَمْرِنَا﴾ [سبأ: ١٢] عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَعَنْ عِبَادَتِهِ.
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢] فِي الآخِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَتَسَخَّرُ مِنْهُمْ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ، وَلا يُصَفَّدُ فِي الأَصْفَادِ، أَيْ: وَلا يُسَلْسَلُ فِي السَّلاسِلِ مِنْهُمْ إِلا الْكَافِرُ فَإِذَا تَابُوا فَآمَنُوا حَلَّهُمْ مِنْ تِلْكَ الأَصْفَادِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢] جُعِلَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ، فَإِذَا خَالَفَ سُلَيْمَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ ضَرَبَهُ الْمَلَكُ بِذَلِكَ السَّوْطِ.
قَالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ: ١٣] وَالْمَحَارِيبُ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ: الْمَسَاجِدُ، وَفِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ: دُونَ الْقُصُورِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ: الْمَسَاجِدُ وَالْقُصُورُ.
﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣] الصُّوَرَ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ، قَالَ: وَلَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحَرَّمَةً، وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا تَمَاثِيلُ مِنْ نُحَاسٍ.
قَالَ: ﴿وَجِفَانٍ﴾ [سبأ: ١٣] وَصِحَافٍ، فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
﴿كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣]
[ ٢ / ٧٤٩ ]
الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَالْحِيَاضِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ.
قَالَ: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] عِظَامٍ، تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ.
وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: ﴿رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، يَعْنِي: ثَابِتَاتٍ فِي الأَرْضِ، عِظَامٍ تَنْقُرُ مِنَ الْجِبَالِ بِأَثَافِيِّهَا لا تُحَوَّلُ عَنْ أَمَاكِنِهَا.
حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالُوا لَهُ: زَوْبَعَةُ الشَّيْطَانُ لَهُ عَيْنٌ فِي جَزِيرَةٍ مِنَ الْبَحْرِ يَرِدُهَا كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، فَأَتَوْهَا فَنَزَحُوهَا ثُمَّ صَبُّوا فِيهَا خَمْرًا، فَجَاءَ لِوِرْدِهِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْخَمْرَ قَالَ فِي كَلامٍ لَهُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّكِ إِذَا شَرِبَكِ صَاحِبُكِ لَمَمًا تُظْهَرِينَ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، فِي أَسَاجِيعَ لَهُ، لا أَذُوقُكِ الْيَوْمَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ لِظَمَإٍ آخَرَ، فَلَمَّا
رَآهَا قَالَ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يَشْرَبْ، حَتَّى جَاءَ لِظَمَئِهِ لإِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّكِ لِتُذْهِبِينَ الْهَمَّ فِي سَجْعٍ لَهُ، فَشَرِبَ مِنْهَا، فَسَكِرَ فَجَاءُوا إِلَيْهِ فَأَرَوْهُ خَاتَمَ السُّخْرَةِ، فَانْطَلَقَ مَعَهُمْ إِلَى سُلَيْمَانَ،
[ ٢ / ٧٥٠ ]
فَأَمَرَهُمْ بِالْبِنَاءِ، فَقَالَ زَوْبَعَةُ: دُلُّونِي عَلَى بَيْضِ الْهُدْهُدِ، فَدُلَّ عَلَى عُشِّهِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ جُمْجُمَةً، يَعْنِي: زُجَاجَةً فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَجَعَلَ لا يَصِلُ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ
بِالْمَاسِ الَّذِي يُثْقَبُ بِهِ الْيَاقُوتُ، فَوَضَعَهُ عَلَيْهَا فَقَطَّ الزُّجَاجَةَ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ، فَأَزْعَجُوهُ فَجَاءَ بِالْمَاسِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَجَعَلُوا يَسْتَعْرِضُونَ الْجِبَالَ كَأَنَّمَا يَخُطُّونَ، أَيْ: فِي نَوَاحِيهَا، فِي نَوَاحِي الْجَبَلِ فِي طِينٍ.
قَالَ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُد شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] قَالَ بَعْضُهُمْ: تَوْحِيدًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا نَزَلَتْ لَمْ يَزَلْ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ قَائِمًا يُصَلِّي.
قَالَ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، أَيْ: أَقَلُّ النَّاسِ الْمُؤْمِنُ.
قَالَ: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ: ١٤] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: يَعْنِي: فَلَمَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ.
قَالَ: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ [سبأ: ١٤] وَهِيَ الأَرَضَةُ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] وَالْمِنْسَأَةُ الْعَصَا، فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
ذَكَرَهُ عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، وَالْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ، وَهِيَ بِالْحَبَشَةِ.
مَكَثَ حَوْلا وَهُوَ مُتَوَكِّئٌ عَلَى عَصَاهُ، لا يَرَى الْجِنُّ وَالإِنْسُ إِلا أَنَّهُ حَيٌّ عَلَى حَالِهِ الأَوَّلِ، لِتَعْظُمَ الآيَةُ بِمَنْزِلَةِ مَا أَذْهَبَ اللَّهُ مِنْ عَمَلِهِمْ تِلْكَ الأَرْبَعِينَ اللَّيْلَةَ الَّتِي غَابَ عَنْهَا سُلَيْمَانُ عَنْ مُلْكِهِ حَيْثُ خَلَفَهُ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ فِي مُلْكِهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فَجْأَةً وَهُوَ مُتَوَكِّئٌ عَلَى عَصَاهُ حَوْلا لا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَاتَ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ
[ ٢ / ٧٥١ ]
تَزْعُمُ لِلإِنْسِ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، فَكَانُوا يَعْمَلُونَ لَهُ حَوْلا لا
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَاتَ.
قَالَ ﷿: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ [سبأ: ١٤] سَقَطَ لَمَّا أَكَلَتِ الأَرَضَةُ الْعَصَا خَرَّ سُلَيْمَانُ فَقَالَ: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ [سبأ: ١٤] لِلإِنْسِ.
﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] فِي تِلْكَ السُّخْرَةِ، فِي تِلْكَ الأَعْمَالِ فِي السَّلاسِلِ تُبَيِّنُ لِلإِنْسِ أَنَّ الْجِنَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ [سبأ: ١٥] كَانُوا بِالْيَمَنِ، وَهِيَ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَرْضٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَقَدْ تَبَيَّنَ لأَهْلِ سَبَإٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ.
- وَحَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَعْلَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبَإٍ أَرْضٌ، أَمِ امْرَأَةٌ، أَمْ رَجُلٌ؟ فَقَالَ: " بَلْ هُوَ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً، فَبِالْيَمَنِ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَبِالشَّامِ أَرْبَعَةٌ، فَأَمَّا الْيَمَانِيُّونَ: فَمَذْحِجٌ، وَحِمْيَرُ، وَكِنْدَةُ، وَأَنْمَارٌ، وَالأَزْدُ وَالأَشْعَرِيُّونَ، وَأَمَّا الشَّامِيُّونَ: فَلَخْمٌ، وَجُذَامٌ، وَعَامِلَةُ، وَغَسَّانُ ".
قَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ [سبأ: ١٥] ثُمَّ أَخْبَرَ بِتِلْكَ الآيَةِ فَقَالَ: ﴿جَنَّتَانِ﴾ [سبأ: ١٥] وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: فِيهَا تَقْدِيمٌ: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسَاكِنِهِمْ جَنَّتَانِ فَوَصَفَهُمَا ثُمَّ قَالَ: ﴿آيَةٌ﴾ .
[ ٢ / ٧٥٢ ]
قَوْلُهُ ﷿: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ: ١٥] جَنَّةٌ عَنْ يَمِينٍ وَجَنَّةٌ عَنْ شِمَالٍ.
﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [سبأ: ١٥]، أَيْ: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ.
﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] لِمَنْ آمَنَ.
﴿فَأَعْرَضُوا﴾ [سبأ: ١٦] عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦]
حَدَّثَنِي شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: وَالْعَرِمُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ: الْمُسَنَّاةُ.
قَالَ يَحْيَى: هَذَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْجِسْرَ يُحْبَسُ بِهِ الْمَاءُ، وَكَانَ سَدًّا قَدْ جُعِلَ فِي مَوْضِعِ الْوَادِي تَجْتَمِعُ فِيهِ الْمِيَاهُ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ إِنَّمَا نَقَبَهُ دَابَّةٌ يُقَالُ لَهُ الْخَلْدُ، لَيْسَ لَهُ عَيْنَانِ، لَهُ نَابَانِ يَحْفُرُ بِهِمَا الأَرْضَ.
وَفِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ أَنَّ ذَلِكَ السَّيْلَ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَرِمِ كَانَ مَاءً أَحْمَرَ أَتَى اللَّهُ بِهِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ هُوَ شَقَّ السَّدَّ وَهَدَمَهُ، وَحَفَرَ بَطْنَ الْوَادِي عَنِ الْجَنَّتَيْنِ، فَارْتَفَعَتَا وَغَارَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا.
وَفِي تَفْسِيرِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي هِلالٍ الرَّاسِبِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ وَادٍ
[ ٢ / ٧٥٣ ]
يَمْتَلِئُ كُلَّ عَامٍ لِسَقْيِ جَنَّاتِهِمْ فَلَمَّا أَعْرَضُوا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا الْجُرَذُ، فَحَفَرَ السَّدَّ فَسَالَ الْمَاءُ، فَغَرَقَتْ جَنَّاتُهُمْ وَأَرَاضِيهِمْ.
قَالَ ﷿: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ [سبأ: ١٦] وَالأَكْلُ الثَّمَرَةُ.
﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: ١٦] الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: وَالَخَمْطُ هُوَ الأَرَاكُ، وَأُكُلُهُ الْبَرِيرُ.
قَالَ: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿١٦﴾﴾ [سبأ: ١٦] قَالَ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي﴾ [سبأ: ١٧]، أَيْ: يُعَاقَبُ.
﴿إِلا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ لَمَّا أَعْرَضُوا عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ فَغَيَّرَ مَا بِهِمْ ثُمَّ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى﴾ [سبأ: ١٨] رَجَعَ إِلَى قِصَّةِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ حُسْنِ عَيْشِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُهْلِكَهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [سبأ: ١٨]، أَيْ: وَكُنَّا ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ: ١٨]، يَعْنِي: أَرْضَ الشَّامِ.
﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: ١٨]، أَيْ: مُتَّصِلَةً يَنْظُرُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ.
﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٨] يُصْبِحُونَ فِي مَنْزِلٍ وَقَرْيَةٍ وَمَاءٍ، وَيُمْسُونَ فِي
[ ٢ / ٧٥٤ ]
مَنْزِلٍ وَقَرْيَةٍ وَمَاءٍ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٨] الْمَقِيلَ وَالْمَبِيتَ ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنْينَ﴾ [سبأ: ١٨] وَكَانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي أَمَانٍ لا يُحَرِّكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ لَمْ يُحَرِّكْهُ.
أَبُو سَهْلٍ، عَنْ أَبِي هِلالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَمْشِي وَمِكْتَلُهَا عَلَى رَأْسِهَا، وَهِيَ تَغْزِلُ بِيَدَيْهَا، وَإِنَّ مِكْتَلَهَا لَيَمْتَلِئُ مِنَ الثِّمَارِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَجْنِيَهُ قَالَ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: إِنَّهُمْ مَلُّوا النِّعْمَةَ كَمَا مَلَّتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.
وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ: إِنَّهُمْ قَالُوا لِرُسُلِهِمْ حِينَ ابْتُلُوا حِينَ كَذَّبُوهُمْ: قَدْ كُنَّا نَأْتِي عَلَيْكُمْ وَأَرْضُنَا عَامِرَةٌ، خَيْرُ أَرْضٍ، فَكَيْفَ الْيَوْمَ وَأَرْضُنَا خَرَابٌ.
وَبَعْضُهُمْ يَقْرَأُهَا: رَبُّنَا بَاعَدَ، وَبَعْضُهُمْ يَقْرَأُهَا: بَعَّدَ وَبَعْضُهُمْ يَقْرَأُهَا: بَعُدَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سبأ: ١٩] بِشِرْكِهِمْ.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ: ١٩] لِمَنْ بَعْدَهُمْ.
﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩] بَدَّدْنَا عِظَامَهُمْ وَأَوْصَالَهُمْ فَأَكَلَهُمُ التُّرَابُ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أَيْ: فِي إِهْلاكِ الْقَرْيَةِ، وَمَنْ فِيهَا مِنْ أَهْلِهَا.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
﴿لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ [سبأ: ١٩] عَلَى أَمْرِ اللَّهِ.
﴿شَكُورٍ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْمُؤْمِنُ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠]، يَعْنِي: جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ.
﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠] وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُطِيفُ بِجَسَدِ آدَمَ قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ لا يَتَمَالَكُ، ثُمَّ وَسْوَسَ بَعْدُ إِلَى آدَمَ، فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إِنَّ نَسْلَ هَذَا سَيَكُونُ مِثْلَهُ فِي الضَّعْفِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] وَقَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] قَالَ: ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] وَأَشْبَاهَ
ذَلِكَ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ: خُلِقْتُ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ طِينٍ، وَالنَّارُ تَأْكُلُ الطِّينَ، فَلِذَلِكَ ظَنَّ أَنَّهُ سَيُضِلُّ عَامَّتَهُمْ.
وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسَ ظَنُّهُ، أَيْ: وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّ إِبْلِيسَ فِيهَا تَقْدِيمٌ، ثُمَّ قَالَ: ظَنَّ ظَنَّهُ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بِعِلْمٍ، يَقُولُ: فَصَدَقَ ظَنُّهُ فِيهِمْ.
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ: وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسَ ظنُّهُ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقْرَأُهَا: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] يَقُولُ: صَدَّقَ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فِيهِمْ حَيْثُ جَاءَ أَمْرُهُمْ عَلَى مَا ظَنَّ.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢١] كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ [الصافات: ١٦١]، أي: يَا بني إبليس ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴿١٦١﴾ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ﴿١٦٢﴾﴾ [الصافات: ١٦١-١٦٢] لَسْتُمْ بِمُضِلِّي أَحَدٍ ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] .
قَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنِي بِهِ أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ.
قَالَ: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ﴾ [سبأ: ٢١] وَهَذَا عِلْمُ الْفِعَالِ.
﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا﴾ [سبأ: ٢١] مِنَ الآخِرَةِ.
﴿فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢١] وَإِنَّمَا جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ الآخِرَةَ ظَنًّا مِنْهُمْ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى الشَّكِّ.
قَالَ: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١] حَتَّى يُجَازِيَهُمْ فِي الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ: ٢٢] يَعْنِي أَوْثَانَهُمْ، زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ آلِهَةٌ.
﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ [سبأ: ٢٢] لا تَمْلِكُ تِلْكَ الآلِهَةُ.
﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٢٢] وَزْنَ ذَرَّةٍ.
﴿فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا﴾ [سبأ: ٢٢] فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢] مَا خَلَقُوا شَيْئًا مِمَّا فِيهِمَا، وَمَا خَلَقَهُمَا وَمَا فِيهِمَا إِلا اللَّهُ.
﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ﴾ [سبأ: ٢٢]، أَيْ: وَمَا لِلَّهِ مِنْهُمْ مِنْ أَوْثَانِهِمْ.
﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] مِنْ عَوِينٍ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] عِنْدَ اللَّهِ.
﴿إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] لا يَشْفَعُ الشَّافِعُونَ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، تَشْفَعُ
[ ٢ / ٧٥٧ ]
الْمَلائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، لَيْسَ، يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَشْفَعُونَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَلا يُشَفَّعُونَ.
وَحَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَهْلُ الْكَبَائِرِ لا شَفَاعَةَ لَهُمْ، قَالَ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
وَقَالَ: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقُلُوبُهُمْ مُخْلِصَةٌ بِشَهَادَةِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ، وَقَالَ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، أَيْ: أَنَّ الشَّافِعِينَ لا يَشْفَعُونَ لَهُمْ، إِنَّمَا يَشْفَعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [سبأ: ٢٣] لا أَعْلَى مِنْهُ.
﴿الْكَبِيرُ﴾ لا أَكْبَرَ مِنْهُ.
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] إِنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ لَمْ يَسْمَعُوا الْوَحْيَ فِيمَا بَيْنَ عِيسَى إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ بِالْوَحْيِ إِلَى مُحَمَّدٍ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ صَوْتَ الْوَحْيِ مِثْلَ جَرِّ السَّلاسِلِ عَلَى الصُّخُورِ أَوِ الصَّفَا، فَصَعِقَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ
مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوَحْيِ، وَانْحَدَرَ جِبْرِيلُ جَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِأَهْلِ سَمَاءٍ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَسَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسَأَلَ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ الَّذِي فَوْقَهُمْ إِذَا جُلِّيَ عَنْ قُلُوبِهِمْ: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] فَيَقُولُونَ: ﴿الْحَقَّ﴾، أَيْ: هُوَ الْحَقُّ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [سبأ: ٢٣]، أَيْ: لا أَعْلَى مِنْهُ ﴿الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] لا أَكْبَرَ مِنْهُ.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا حَتَّى إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ.
حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ.
مُحَمَّدُ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: يَسْمَعُونَ مِثْلَ جَرِّ السَّلاسِلِ عَلَى الصُّخُورِ أَوِ الصَّفَا.
وَحَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ أَبِي الضَّيْفِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ أَقْرَبَ الْمَلائِكَةِ إِلَى اللَّهِ إِسْرَافِيلُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا أَنْ يُوحِيَهُ جَاءَ اللَّوْحُ حَتَّى يُصَفِّقَ جَبْهَتَهُ، فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَيَنْظُرُ فَإِذَا الأَمْرُ مَكْتُوبٌ، فَيُنَادِي جِبْرِيلَ فَيُلَبِّيهِ فَيَقُولُ: أُمِرْتَ بِكَذَا، أُمِرْتَ بِكَذَا، فَلا يَهْبِطُ جِبْرِيلُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ إلا فَزِعَ أَهْلُهَا مَخَافَةَ السَّاعَةِ حَتَّى يَقُولَ جِبْرِيلُ: الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ الْحَقِّ، فَيَهْبِطُ
عَلَى النَّبِيِّ ﵇ فَيُوحِي إِلَيْهِ.
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا: حَتَّى إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ إِذَا تَجَلَّى عَنْ قُلُوبِهِمْ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ
[ ٢ / ٧٥٩ ]
عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] كُشِفَ عَنْهُمُ الْغِطَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَحَدَّثَنِي الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] قَالَ: حَتَّى إِذَا رَأَوُا الْحَقَّ لَمْ يَنْفَعْهُمْ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٤] يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٢٤]، أَيْ: أَنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ نَحْنُ وَأَنْتُمْ ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ ﴿لَعَلَى هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤] أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ، أَيْ: فَنَحْنُ عَلَى الْهُدَى، وَأَنْتُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَهِيَ كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: إِنَّ أَحَدَنَا لَصَادِقٌ، يَعْنِي: نَفْسَهُ، وَكَقَوْلِهِ: إِنَّ أَحَدَنَا لَكَاذِبٌ، يَعْنِي: صَاحِبَهُ، وَكَانَ هَذَا بِمَكَّةَ وَأَمْرُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ ضَعِيفٌ.
قَالَ ﷿: ﴿قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ [سبأ: ٢٦] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٢٦]، يَعْنِي: ثُمَّ يَقْضِي بَيْنَنَا رَبُّنَا الْحَقَّ.
﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ [سبأ: ٢٦]، يَعْنِي: الْقَاضِي.
﴿الْعَلِيمُ﴾ وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ [سبأ: ٢٧] جَعَلْتُمُوهُمْ شُرَكَاءَهُ فَعَبَدْتُمُوهُمْ، يَعْنِي: أَوْثَانَهُمْ مَا نَفَعُوكُمْ وَأَجَابُوكُمْ بِهِ.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
كَلا لَسْتُمْ بِالَّذِينَ تَأْتُونَ بِمَا نَفَعُوكُمْ وَأَجَابُوكُمْ بِهِ إِذْ كُنْتُمْ تَدْعُونَهُمْ، أَيْ: لَمْ يَنْفَعُوكُمْ وَلَمْ يُجِيبُوكُمْ وَلا يَنْفَعُونَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْكَلامَ فَقَالَ: ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾ [سبأ: ٢٧] الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ وَلا يَنْفَعُ إِلا هُوَ.
﴿الْعَزِيزُ﴾ الَّذِي ذَلَّتْ لَهُ الْخَلائِقُ.
﴿الْحَكِيمُ﴾ الَّذِي أَحْكَمَ كُلَّ شَيْءٍ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَتَفْسِيرُ قَتَادَةَ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي أَمْرِهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ.
قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] إِلَى جَمَاعَةِ الْخَلْقِ، الْجِنِّ وَالإِنْسِ ﴿بَشِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] بِالْجَنَّةِ.
﴿وَنَذِيرًا﴾ مِنَ النَّارِ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ وَمُجَازَوْنَ.
قَالَ: ﴿وَيَقُولُونَ﴾، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.
﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ: ٣٠] .
كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ مَتَى هَذَا الْعَذَابُ الَّذِي تُعَذِّبُنَا بِهِ؟ وَذَلِكَ مِنْهُمُ اسْتِهْزَاءٌ وَتَكْذِيبٌ، فَهَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ [سبأ: ٣١] لَنْ نُصَدِّقَ.
﴿بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١] يَعْنُونَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ.
إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصَدِّقُوا بِالْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَبِالإِنْجِيلِ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلا يَعْمَلُ بِمَا فِيهَا إِلا مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ عَمِلَ بِهِ، فَإِذَا نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ مَا
[ ٢ / ٧٦١ ]
يَنْسَخُهُ تَرَكَهُ، وَقَدْ نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَلَمْ يُنْسَخْ فِي الْقُرْآنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَنَحْنُ نَعْمَلُ بِهَا لأَنَّهَا لَمْ تُنْسَخْ، فَجَحَدَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ الْقُرْآنَ
وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١] .
وَقَالَ الْحَسَنُ: قَدْ كَانَ كِتَابُ مُوسَى حُجَّةً عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، قَالَ: ﴿قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص: ٤٨] مُوسَى وَمُحَمَّدٌ ﵉، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُوسَى وَهَارُونُ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] .
قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ: ٣١] الْمُشْرِكُونَ.
﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ: ٣١] وَهُمُ السَّفِلَةُ.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣] وَهُمُ الرُّؤَسَاءُ وَالْقَادَةُ فِي الشِّرْكِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ: ٣١]، يَعْنِي: الأَتْبَاعَ مِنَ الْكُفَّارِ، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣]، يَعْنِي: الْكُبَرَاءَ وَالْقَادَةَ فِي الْكُفْرِ.
﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴿٣١﴾ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [سبأ: ٣١-٣٢]، يَعْنِي: الْكُبَرَاءَ وَالْقَادَةَ فِي الْكُفْرِ.
﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾، يَعْنِي: الأَتْبَاعَ.
﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ [سبأ: ٣٢] عَلَى الاسْتِفْهَامِ.
﴿عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ: ٣٢]، يَعْنِي: عَنِ الإِيمَانِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ: ٣٢] مُشْرِكِينَ.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣] أَبُو حَفْصٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ: قَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا: بَنُو آدَمَ، لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: الشَّيَاطِينُ.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، أَيْ: بَلْ مَكْرُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَيْ: كَذِبُكُمْ وَكُفْرُكُمْ.
﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [سبأ: ٣٣] فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَتَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] بَلْ قَوْلُكُمْ لَنَا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣]، يَعْنِي: أَوْثَانَهُمْ عَدَلُوهَا بِاللَّهِ فَعَبَدُوهَا دُونَهُ.
قَالَ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [سبأ: ٣٣] فِي أَنْفُسِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا﴾ [سبأ: ٣٣] عَلَى الاسْتِفْهَامِ.
﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أَيْ: أَنَّهُمْ لا يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٣٤] مِنْ نَبِيٍّ يُنْذِرُهُمْ عَذَابَ الدُّنْيَا وَعَذَابَ الآخِرَةِ.
﴿إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: ٣٤] جَبَابِرَتُهَا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ، وَالْمُتْرَفُونَ أَهْلُ السَّعَةِ وَالنِّعْمَةِ.
﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤] فَاتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ السَّفِلَةُ، فَجَحَدُوا كُلُّهُمْ.
قَالَ: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا﴾ [سبأ: ٣٥] قَالُوا ذَلِكَ لِلأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ يُعَيِّرُونَهُمْ بِالْفَقْرِ وَبِقِلَّةِ الْمَالِ.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ: ٣٦]، أَيْ: وَيُقَتِّرُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٧٦٣ ]
الرِّزْقَ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَذَلِكَ نَظَرٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ.
قَالَ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٣٦]، يَعْنِي: جَمَاعَةُ الْمُشْرِكِينَ لا يَعْلَمُونَ.
قَالَ: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ﴾ [سبأ: ٣٧] يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ.
﴿بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧] وَالزُّلْفَى الْقَرَابَةُ.
لِقَوْلِهِمْ لِلأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا مِنْكُمْ.
- يَحْيَى، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلا إِلَى أَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِكُمْ وَإِلَى أَعْمَالِكُمْ» .
قَالَ: ﴿إِلا﴾ اسْتَثْنَى.
﴿مَنْ آمَنَ﴾، أَيْ: لَيْسَ الْقُرْبَةُ عِنْدَنَا إِلا لِمَنْ آمَنَ.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ [سبأ: ٣٧] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: تَضْعِيفُ الْحَسَنَاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] ثُمَّ صَارَتْ بَعْدُ فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كُلِّهَا، الْوَاحِدُ سَبْعُ مِائَةٍ.
- وَحَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ، أَوْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ
[ ٢ / ٧٦٤ ]
الْحَسَنِ أَوْ كِلاهُمَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لأَنْ أَعْلَمَ أَنَّهُ تُقُبِّلَتْ مِنِّي تَسْبِيحَةٌ وَاحِدَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
- عُثْمَانُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ مُخَارِقِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي، يُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَكَعَ رَكْعَةً أَوْ سَجَدَ سَجْدَةً دَخَلَ الْجَنَّةَ وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً» .
- أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَمَاطَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ كَتَبَ لَهُ حَسَنَةً دَخَلَ الْجَنَّةَ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَنْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً دَخَلَ الْجَنَّةَ.
﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ [سبأ: ٣٧]، يَعْنِي: غُرَفِ الْجَنَّةِ.
﴿آمِنُونَ﴾ مِنَ النَّارِ، وَمِنَ الْمَوْتِ، وَمِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَمِنَ الأَحْزَانِ وَمِنَ الأَسْقَامِ.
قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ﴾ [سبأ: ٣٨] يَعْلَمُونَ.
﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٣٨] تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٣٨] يُبَطِّئُونَ النَّاسَ عَنْ آيَاتِنَا، أَيْ: عَنِ الإِيمَانِ بِهَا وَيَجْحَدُونَ بِهَا.
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَسْبِقُونَا حَتَّى لا نَقْدِرَ عَلَيْهِمْ فَنُعَذِّبَهُمْ، قَالَ: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ: ٣٨] مُدْخَلُونَ فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ.
وَتَفْسِيرُ قَتَادَةَ: مُحْضَرُونَ فِي الْعَذَابِ، وَهُوَ وَاحِدٌ.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
قَوْلُهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وَهِيَ مِثْلُ الأُولَى.
قَالَ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سبأ: ٣٩]، أَيْ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] لَيْسَ، يَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا أَنْفَقَ شَيْئًا أَخْلَفَ لَهُ مِثْلَهُ وَلَكِنْ يَقُولُ الْخُلْفُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَنْفَقَ أَوْ أَقَلَّ، لَيْسَ يُخْلِفُ النَّفَقَةَ وَيَرْزُقُ الْعِبَادَ إِلا اللَّهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، يَعْنِي: فِي الآخِرَةِ، أَيْ: أَنْ يَخْلُفُوا خَيْرًا فِي الآخِرَةِ وَيُعَوِّضُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ.
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ يَحْيَى: أَرَاهُ ابْنَ سَعْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: إِذَا كَانَ فِي يَدَيْ أَحَدِكُمْ مَا يُقِيمُهُ، فَلْيَقْتَصِدْ وَلا يَتَأَوَّلْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: لا يُنْفِقْ أَحَدُكُمْ كُلَّ مَا فِي يَدَيْهِ، يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] .
سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلائِيِّ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلا تَقْتِيرٍ.
- وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ لَمَّا تِيبَ عَلَيْهِ جَاءَ بِمَالِهِ كُلِّهِ إِلَى النَّبِيِّ صَدَقَةً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ
[ ٢ / ٧٦٦ ]
اللَّهِ ﷺ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ الشَّطْرَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» .
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [سبأ: ٤٠]، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ وَمَا عَبَدُوا.
﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْمَلائِكَةِ وَمَنْ عَبَدَهَا فَيَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] عَلَى الاسْتِفْهَامِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ.
قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: سُبْحَانَكَ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَمَّا قَالَ الْمُشْرِكُونَ.
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١]، أَيْ: أَنَّا لَمْ نَكُنْ نُوَالِيهِمْ عَلَى عِبَادَتِهِمْ إِيَّانَا.
﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: الشَّيَاطِينَ.
قَالَ يَحْيَى: أَيِ: الشَّيَاطِينُ مِنَ الْجِنِّ هِيَ الَّتِي دَعَتْهُمْ إِلَى عِبَادَتِنَا وَلَمْ نَدْعُهُمْ إِلَى عِبَادَتِنَا، فَهُمْ بِطَاعَتِهِمُ الشَّيَاطِينَ عَابِدُونَ لَهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] .
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، يَعْنِي: يُطِيعُونَ فِي الشِّرْكِ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١]، يَعْنِي: يُطِيعُونَ الشَّيَاطِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّانَا.
قَالَ: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.
﴿بِهِمْ﴾ بِالشَّيَاطِينِ.
﴿مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدِّقُونَ بِمَا وُسْوِسَ إِلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَةِ مَنْ عَبَدُوا فَعَبَدُوهُمْ.
وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ جَمَاعَتُهُمْ.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
قَالَ اللَّهُ: ﴿فَالْيَوْمَ﴾، يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [سبأ: ٤٢] الشَّيَاطِينُ وَالْكُفَّارُ.
﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سبأ: ٤٢] أَشْرَكُوا.
﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ: ٤٢] وَهُمْ جَمِيعًا قُرَنَاءُ فِي النَّارِ: الشَّيَاطِينُ وَمَنْ أَضَلُّوا، يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَبْرَأُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْبَعْضِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [سبأ: ٤٣] الْقُرْآنُ.
﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ [سبأ: ٤٣] يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ.
﴿إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا﴾ [سبأ: ٤٣]، أَيِ: الْقُرْآنُ.
﴿إِلا إِفْكٌ﴾ [سبأ: ٤٣] كَذِبٌ.
﴿مُفْتَرًى﴾ [سبأ: ٤٣] افْتَرَاهُ مُحَمَّدٌ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ [سبأ: ٤٣] لِلْقُرْآنِ.
﴿لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣] قَالَ: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ [سبأ: ٤٤] يَقْرَءُونَهَا بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] كَقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] مِنْ أَنْفُسِهِمْ، يَعْنِي: قُرَيْشًا.
قَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِمْ حُجَّةً.
قَالَ: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سبأ: ٤٥] مِنْ قَبْلِ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ، يَعْنِي: مِنْ أَهْلِكَ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ.
قَالَ: ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ [سبأ: ٤٥]، أَيْ: وَمَا بَلَغَ هَؤُلاءِ.
﴿مِعْشَارَ﴾ [سبأ: ٤٥]، أَيْ: عُشْرَ.
﴿مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ: ٤٥] مِنَ الدُّنْيَا، يَعْنِي: الأُمَمَ السَّالِفَةَ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا﴾ [التوبة: ٦٩] .
[ ٢ / ٧٦٨ ]
الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ: ٤٥] قَالَ: مَا عَمِلُوا بِعُشْرِ مَا أُمِرُوا بِهِ.
قَالَ: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ [سبأ: ٤٥] فَأَهْلَكْتُهُمْ.
﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٥]، أَيْ: عِقَابِي، عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَيْ: كَانَ شَدِيدًا، يُحَذِّرُهُمْ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ مَا نَزَلَ بِهِمْ.
قَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] قَالَ: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، مَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ جُنُونٍ.
﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٦] مِنَ الْعَذَابِ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ: ٤٦] وَاحِدٌ وَاثْنَانِ.
قَالَ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] جَهَنَّمَ أَرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]، يَعْنِي: عَذَابَ جَهَنَّمَ.
- حَدَّثَنِي أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ وَالْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ فَمَا فَضْلُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى» وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ: الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
قَوْلُهُ ﷿: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧] عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى الْقُرْآنِ.
﴿مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧] كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: قُلْ مَا، يَعْنِي: الَّذِي سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ.
﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ [سبأ: ٤٧] إِنْ جَزَائِي، إِنْ ثَوَابِي.
﴿إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٧] شَاهِدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَشَاهِدُ كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٤٨] يُنَزِّلُ الْوَحْيَ.
﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨] غَيْبَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، غَيْبَ السَّمَاءِ مَا يَنْزِلُ مِنْهَا مِنَ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ، وَغَيْبَ الأَرْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ النَّبَاتِ وَغَيْرِهِ.
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: الْبَاطِلُ إِبْلِيسُ قَالَ: أَيْ: وَمَا يَخْلُقُ إِبْلِيسُ أَحَدًا وَلا يَبْعَثُهُ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]، أَيْ: فَأَنْتُمُ الضَّالُّونَ وَأَنَا عَلَى الْهُدَى، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] تَفْسِيرُ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١]، يَعْنِي: النَّفْخَةَ الأُولَى الَّتِي يُهْلِكُ اللَّهُ بِهَا كُفَّارَ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿فَلا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١] لا يَفُوتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ دُونَ أَنْ يَهْلِكَ بِالْعَذَابِ.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] النَّفْخَةَ الآخِرَةَ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَقْرَبُ مِنْ أَنْ كَانُوا فِي بَطْنِ الأَرْضِ فَإِذَا هُمْ عَلَى ظَهْرِهَا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ.
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [سبأ: ٥٢] بِالْقُرْآنِ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ [سبأ: ٥٢] وَكَيْفَ لَهُمْ تَنَاوُلُ التَّوْبَةِ.
﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٥٢﴾ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٢-٥٣]، أَيْ: كَيْفَ لَهُمُ التَّوْبَةُ وَلَيْسَ بِالْحِينِ الَّذِي تُقْبَلُ مِنْهُمْ فِيهِ التَّوْبَةُ قَدْ فَاتَهُمْ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] عَذَابَنَا.
- حَدَّثَنِي عُثْمَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢] فَقَالَ: يَسْأَلُونَ الرَّدَّ وَلَيْسَ بِحِينِ الرَّدِّ.
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: إِذَا فَزِعُوا مِنْ قُبُورِهِمْ، يَعْنِي: النَّفْخَةَ الآخِرَةَ ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] .
قَالَ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣] كَذَّبُوا بِالْبَعْثِ وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي عِنْدَهُمْ بَعِيدٌ لأَنَّهُمْ لا يُقِرُّونَ بِهِ.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] وَهَذَا تَبَعٌ لِلْكَلامِ الأَوَّلِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿٥١﴾ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٥٢﴾﴾ [سبأ: ٥١-٥٢] مِنَ الآخِرَةِ فِي الدُّنْيَا، فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: التَّنَاوُشُ التَّنَاوُلُ.
[ ٢ / ٧٧١ ]
وَحَدَّثَنِي عُثْمَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ [سبأ: ٥٢]، أَيْ: أَنَّى لَهُمُ الإِيمَانُ.
وَحَدَّثَنِي الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢] وَأَنَّى لَهُمُ الرَّدُّ عَلَى الدُّنْيَا وَلَيْسَ بِحِينِ الرَّدِّ.
قَالَ: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣] الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ، وَكَذَّبُوا بِالْبَعْثِ، وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ.
وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: قَوْلُهُمْ سَاحِرٌ، وَكَاهِنٌ، وَهُوَ شَاعِرٌ.
قَالَ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] الإِيمَانَ فَلا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] رُجُوعَهُمْ إِلَى الدُّنْيَا.
قَالَ: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤] أَشْيَاعُهُمْ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ وَدِينِهِمُ الشِّرْكُ لَمَّا كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ جَاءَهُمُ الْعَذَابُ، فَآمَنُوا عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] عَذَابَنَا ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ﴾ [غافر: ٨٥] مَضَتْ ﴿فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥]
الْمُشْرِكِينَ، إِنَّهُمْ إِذَا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابِ الاسْتِئْصَالِ وَلا يُقْبَلُ مِنْهُمُ الإِيمَانُ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَآخِرُ عَذَابِ كُفَّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَى النَّفْخَة الأُولَى بِالاسْتِئْصَالِ، بِهَا يَكُونُ هَلاكُهُمْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤]، يَعْنِي: أَهْلَ مِلَّتِهِمْ.
قَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ قَبْلَ أَنْ يَجِيئَهُمُ الْعَذَابُ.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
﴿فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥٤] مِنَ الرِّيبَةِ وَذَلِكَ أَنَّ جُحُودَهُمْ بِالْقِيَامَةِ، وَبِأَنَّ الْعَذَابَ لا يَأْتِيهِمْ إِنَّمَا ظَنٌّ مِنْهُمْ، فَهُوَ مِنْهُمْ شَكٌّ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ عِلْمٌ.
[ ٢ / ٧٧٣ ]