بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿طه﴾ [سورة طه: ١] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ﴿طه﴾ [طه: ١]: يَا رَجُلُ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿طه﴾ [طه: ١]: يَا رَجُلُ.
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: ﴿طه﴾ [طه: ١] يَا رَجُلُ.
قَالَ: وَهِيَ بِالنَّبَطِيَّةِ ثُمَّ قَالَ الضَّحَّاكُ: ايطه ايطه.
قَوْلُهُ: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] يَقُولُ: يَا رَجُلُ ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] .
أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: لِتَشْقَى فِي الصَّلاةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وَكَانُوا يُعَلِّقُونَ الْحِبَالَ بِصُدُورِهِمْ فِي الصَّلاةِ.
- وَحَدَّثَنِي خِدَاشٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى حَبْلًا مَمْدُودًا بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: " مَا هَذَا الْحَبْلُ، فَقَالُوا: فُلانَةٌ ابْنَةُ فُلانٍ تُصَلِّي فَإِذَا غُلِبَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَقَالَ: لَتُصَلِّ مَا
[ ١ / ٢٥١ ]
عَقَلَتْ فَإِذَا غُلِبَتْ فَلْتَنَمْ ".
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَيُصَلِّ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ مَا عَقَلَ صَلاتَهُ، فَإِذَا اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَلْيَنَمْ» .
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ إِنَّهُ شَقِيٌّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُه: ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٣] يَقُولُ: وَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ ﵎ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَمْ يَقْبَلِ التَّذْكِرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلا﴾ [طه: ٤] أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَنْزِيلا.
قَالَ: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤] يَعْنِي نَفْسَهُ.
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]
- حَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بَيْنَ هَذِهِ السَّمَاءِ وَبَيْنَ الَّتِي فَوْقَهَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَغِلَظُهَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَغِلَظُهَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ هَكَذَا، قَالَ: وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْعَرْشِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءَيْنِ، وَغِلَظُ هَذِهِ الأَرْضِ
مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَغِلَظُهَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ هَكَذَا ".
- وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، رِجْلاهُ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى، وَعَلَى قَرْنِهِ الْعَرْشُ، وَبَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ خَفَقَانُ الطَّيْرِ
[ ١ / ٢٥٢ ]
مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ سَنَةٍ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ حَيْثُ كُنْتَ ".
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّ اسْمَهُ زُرَوْفِيلُ.
قَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٦] الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: الثَّرَى، الَّذِي تَحْتَ الْمَاءِ، الَّذِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَهُوَ يَعْلَمُ مَا تَحْتَ ذَلِكَ الثَّرَى الَّذِي مُسْتَقَرُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الثَّرَى كُلُّ شَيْءٍ مُبْتَلٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: السِّرُّ مَا حَدَّثْتَ بِهِ نَفْسَكَ، وَأَخْفَى مِنْهُ مَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ.
الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: السِّرُّ مَا أَخْفَيْتَ فِي نَفْسِكَ، وَأَخْفَى مِنْهُ مَا عَلِمَ اللَّهُ ﵎ أَنَّكَ عَامِلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
خِدَاشٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩] أَيْ: قَدْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُ: قَدْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى.
﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ [طه: ١٠] أَيْ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نُورًا.
﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠] يَعْنِي: أَنِّي رَأَيْتُ نُورًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
[ ١ / ٢٥٣ ]
﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] وقَالَ فِي آية أخرى: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] لِكَيْ تَصْطَلُوا، وَكَانَ شَاتِيًا.
وَقَالَ فِي هَذِهِ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] هُدَاةً يَهْدُونَهُ الطَّرِيقَ فِي تَفْسِيرِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُرْشِدًا لِلطَّرِيقِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ، كَانَ يَمْشِي مُتَوَكِّلًا عَلَى رَبِّهِ مُتَوَجِّهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ [طه: ١١] يَعْنِي: أَتَى النَّارَ الَّتِي ظَنَّ أَنَّهَا نَارٌ.
﴿نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١١-١٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ.
فَخَلَعَهُمَا ثُمَّ أَتَى.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] وَالْمُقَدَّسُ: الْمُبَارَكُ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ، أَيْ بُورِكَ مَرَّتَيْنِ، وَاسْمُهُ طُوًى.
الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: ﴿طُوًى﴾ [طه: ١٢] يَعْنِي: إِيطَأِ الْوَادِي.
وَقَالَ الْحَسَنُ: طُوِيَ بِالْبَرَكَةِ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه: ١٣] أَيْ لِرِسَالَتِي وَلِكَلامِي.
﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣] إِلَيْكَ.
[ ١ / ٢٥٤ ]
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]
- هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ» .
قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: لأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» .
قَالَ قَتَادَةُ: لأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]
- سَعِيدٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» .
قَالَ قَتَادَةُ: لأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]
وَتَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: إِذَا صَلَّى الْعَبْدُ ذَكَرَ اللَّهَ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ [طه: ١٥] يَعْنِي الْقِيَامَةَ.
﴿آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]
- حَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] مِنْ نَفْسِي.
[ ١ / ٢٥٥ ]
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي.
وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَضَى اللَّهُ ﵎ أَلا تَأْتِيكُمُ السَّاعَةُ إِلا بَغْتَةً.
قَوْلُهُ: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] إِنَّمَا تَجِيءُ السَّاعَةُ ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] بِمَا تَعْمَلُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ [طه: ١٦] عَنِ الإِيمَانِ بِهَا، بِالسَّاعَةِ.
﴿مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [طه: ١٦] يَعْنِي شَهْوَتَهُ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦] فِي النَّارِ.
وَالتَّرَدِّي التَّبَاعُدُ مِنَ اللَّهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦] يَقُولُ: فَتُهْلَكُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَصَا الَّتِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا.
﴿قَالَ﴾ [طه: ١٨] مُوسَى.
﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ يَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِهِ وَرَقَ الشَّجَرِ، أَيْ يَخْبِطُ بِهَا وَرَقَ الشَّجَرِ لِغَنَمِهِ.
﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْمَآرِبُ، الْحَوَائِجُ.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّ مِنْ تِلْكَ الْحَوَائِجِ الأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَظِلُّ بِهَا.
قَالَ: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى ﴿١٩﴾ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴿٢٠﴾﴾ [طه: ١٩-٢٠] أَيْ: تَزْحَفُ عَلَى بَطْنِهَا بِسُرْعَةٍ.
[ ١ / ٢٥٦ ]
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ أشعر ذكر.
قَوْلُهُ: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه: ٢١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالا: أَيْ عَلَى هَيْئَتِهَا الأُولَى: عَصًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: أَمَرَهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ تَحْتَ عَضُدِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، قَالا: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ.
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْرَجَهَا وَاللَّهِ كَأَنَّهَا مِصْبَاحٌ، فَعَلِمَ مُوسَى أَنْ قَدْ لَقِيَ رَبَّهُ.
قَوْلُهُ: ﴿آيَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٢] الْيَدُ بَعْدَ الْعَصَا.
قَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه: ٢٣] الْعَصَا وَالْيَدُ.
وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٢٠] الْيَدَ وَالْعَصَا وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] كَانَتِ الْيَدُ أَكْبَرَ مِنَ الْعَصَا.
قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] يَعْنِي: إِنَّهُ كَفَرَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّهُ عَصَى اللَّهَ.
وَهُوَ وَاحِدٌ.
﴿قَالَ﴾ [طه: ٢٥] مُوسَى.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] أَيْ: وَسِّعْ لِي صَدْرِي.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
دُعَاءٌ أَنْ يَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ بِالإِيمَانِ.
[ ١ / ٢٥٧ ]
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴿٢٦﴾ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴿٢٧﴾ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴿٢٨﴾﴾ [طه: ٢٦-٢٨] فَفَعَلَ اللَّهُ ﵎ ذَلِكَ بِهِ.
وَكَانَتِ الْعُقْدَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي لِسَانِهِ أَنَّهُ تَنَاوَلَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ وَقَالَ: هَذَا عَدُوٌّ لِي.
فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّ هَذَا صَغِيرٌ لا يَعْقِلُ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ فَادْعُ بِتَمْرَةٍ وَجَمْرَةٍ فَاعْرِضْهُمَا عَلَيْهِ.
فَأَتَى بِتَمْرَةٍ وَجَمْرَةٍ فَعَرَضَهُمَا عَلَيْهِ فَتَنَاوَلَ الْجَمْرَةَ فَأَلْقَاهَا فِي فِيهِ، فَمِنْهَا كَانَتِ الْعُقْدَةُ الَّتِي فِي لِسَانِهِ.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: لَمَّا تَنَاوَلَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، قَالَ فِرْعَوْنُ: هَذَا عَدُوٌّ لِي.
وَإِنَّمَا قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ تَرُدُّ عَنْ مُوسَى عُقُوبَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] أَيْ عَوِينًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿هَارُونَ أَخِي ﴿٣٠﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿٣١﴾﴾ [طه: ٣٠-٣١] يَعْنِي عَوْنِي.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: قُوَّتِي.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ظَهْرِي.
﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٢] وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْرَأُهَا بِالرَّفْعِ.
وَهِيَ تُقْرَأُ أَيْضًا بِالنَّصْبِ.
﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٢] دُعَاءٌ مِنْ مُوسَى لِرَبِّهِ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي أَمْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣] قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الصَّلاةَ، أَيْ نُصَلِّي لَكَ كَثِيرًا.
[ ١ / ٢٥٨ ]
﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿٣٤﴾ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ﴿٣٥﴾ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴿٣٦﴾﴾ [طه: ٣٤-٣٦] فَاسْتَجَابَ اللَّهُ ﵎ لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٣٧] فَذَكَّرَهُ النِّعْمَةَ الأُولَى يَعْنِي قَوْلُهُ: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه: ٣٨]، شَيْءٌ قُذِفَ فِي قَلْبِهَا، أُلْهَمَتْهُ، وَلَيْسَ بِوَحْيِ نُبُوَّةٍ.
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ [طه: ٣٩] أَيِ: اجْعَلِيهِ فِي التَّابُوتِ.
﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] أَيْ: فَأَلْقِيهِ فِي الْبَحْرِ، فَأَلْقِي التَّابُوتَ فِي الْبَحْرِ.
﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ [طه: ٣٩] الْبَحْرُ.
﴿بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] يَعْنِي فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنْهُ فَأَحَبُّوهُ حِينَ رَأَوْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَقُولُ: وَلِتُغَذَّى عَلَى عَيْنِي، أَيْ بِعَيْنِي.
قَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠] عَلَى مَنْ يَضُمُّهُ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَقَالُوا: نَعَمْ.
فَجَاءَتْ بِأُمِّهِ، فَقَبِلَ ثَدْيَهَا.
وَقَالَ فِي سُورَةِ طسم الْقَصَصِ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] فَكَانَ كُلَّمَا جِيءَ بِهِ إِلَى امْرَأَةٍ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَهَا.
﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴿١٢﴾ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٢-١٣]، ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠] وَقَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠] .
﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [طه: ٤٠] يَعْنِي الْقِبْطِيَّ الَّذِي كَانَ قَتَلَهُ خَطَأً، وَلَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَهُ
[ ١ / ٢٥٩ ]
ضَرْبُهُ وَلا قَتْلُهُ.
﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه: ٤٠] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: مِنَ النَّفْسِ الَّتِي قُتِلَتْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مِنَ الْخَوْفِ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ الْقَوْمُ، وَغَفَرْنَا لَكَ ذَلِكَ الذَّنْبَ.
﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ابْتَلَيْنَاكَ ابْتِلاءً.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ الْبَلاءُ فِي أَثَرِ الْبَلاءِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] يَعْنِي: ابْتَلَيْنَاكَ ابْتِلاءً عَلَى أَثَرِ ابْتِلاءٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [طه: ٤٠] عِشْرِينَ سَنَةً، أَقَامَ عَشْرًا ثُمَّ آخِرَ الأَجَلَيْنِ، ثُمَّ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرًا.
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٠] يَعْنِي: عَلَى مَوْعِدٍ يَا مُوسَى فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] قَالَ: وَاخْتَرْتُكَ لِنَفْسِي وَلِرِسَالَتِي.
وَالاخْتِيَارُ وَالاجْتِبَاءُ وَالاصْطِفَاءُ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: وَلا تَضَعُّفًا فِي ذِكْرِي.
قَالَ الْحَسَنُ: فِي الدُّعَاءِ إِلَيَّ وَالتَّبْلِيغِ عَنِّي رِسَالَتِي.
قَالَ: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٤٣] إِنَّهُ كُفْرٌ.
﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] سَمِعْتُ بَعْضَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: كَنِّيَاهُ.
[ ١ / ٢٦٠ ]
قَالَ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ أَنَّ الأَلِفَ هَاهُنَا صِلَةٌ يَقُولُ: لَعَلَّهُ يَذَّكَّرُ وَيَخْشَى اللَّهَ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: ٤٥] أَنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنَا بِالْعُقُوبَةِ يَطْغَى فَيَقْتُلُنَا.
قَالَ: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالَّذِي يَصِلُ إِلَى قَتْلِكُمَا حَتَّى تُبَلِّغَا الرِّسَالَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِنْدَ الْقِبْطِ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْجِزْيَةِ فِينَا.
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] قَالَ الْحَسَنُ: الْعَصَا وَالْيَدِ.
﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]
- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ كَتَبَ: «السَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» .
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا﴾ [طه: ٤٨] وَهَذَا تَبَعٌ لِلْكَلامِ الأَوَّلِ.
﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَتَوَلَّى عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
قَالَ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴿٤٩﴾ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٤٩-٥٠] قَالَ قَتَادَةُ: صَلاحُهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: صَلاحُهُ وَقُوَّتُهُ الَّذِي يَقُومُ بِهِ وَيَعِيشُ بِهِ.
﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]
[ ١ / ٢٦١ ]
قَالَ قَتَادَةُ: إِلَى أَخْذِهِ.
قَالَ يَحْيَى: يَقُولُ ثُمَّ هَدَاهُ فَدَلَّهُ حَتَّى أَخَذَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَوَّى خَلْقَ كُلِّ دَابَّةٍ، ثُمَّ هَدَاهَا لِمَا يَصْلُحُهَا وَعَلَّمَهَا إِيَّاهُ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَعْطَاهُ شَكْلَهُ مِنْ نَحْوِهِ: أَعْطَى الرَّجُلَ الْمَرْأَةَ، وَالْجَمَلَ النَّاقَةَ، وَالذَّكَرَ الأُنْثَى، ثُمَّ هَدَاهُ: عَرَّفَهُ كَيْفَ يَأْتِيهَا.
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] ثُمَّ قَالَ: أَمْ تَرَ إِلَى كُلِّ دَابَّةٍ كَيْفَ تَتَّقِي عَلَى نَفْسِهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] يَعْنِي: صُورَتَهُ الَّتِي تَصْلُحُ لَهُ.
قَالَ: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] يَعْنِي: أَلْهَمَهُ لِمَرْعَاهُ، فَمِنْهَا مَا يَأْكُلُ النَّبْتَ، وَمِنْهَا مَا يَأْكُلُ الْحَبَّ، وَمِنْهَا مَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، أَلْهَمَهُ كَيْفَ يَأْتِي مَعِيشَتَهُ وَمَرْعَاهُ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه: ٥١] دَعَاهُ مُوسَى إِلَى الإِيمَانِ بِالْبَعْثِ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه: ٥١] قَدْ هَلَكَتْ فَلَمْ تُبْعَثْ.
﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] لا يَضِلُّهُ فَيَذْهَبُ وَلا يَنْسَى مَا فِيهِ.
هَذَا تَفْسِيرُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه: ٥١] أَيْ أَيْنَ أَعْمَالُ الْقُرُونِ الأُولَى؟ ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ذَلِكَ الْكِتَابَ، ﴿وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] عَلِمَ أَعْمَالَهَا وَآجَالَهَا.
[ ١ / ٢٦٢ ]
- وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَزَّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ فِرْعَوْنُ: يَا هَامَانَ، إِنَّ مُوسَى يَعْرِضُ عَلَيَّ أَنَّ لِي مُلْكِي حَيَاتِي مَا بَقِيتُ، وَأَنَّ لِي الْجَنَّةَ إِذَا مِتُّ.
وَقَالَ لَهُ هَامَانُ: بَيْنَمَا أَنْتَ إِلَهٌ تُعْبَدُ إِذْ صِرْتَ عَبْدًا تَعْبُدُ، فَرَدَّهُ عَنْ رَأْيِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣] مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩] .
﴿فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢] قَوْلُه: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا﴾ [طه: ٥٣] أَيْ: وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا طُرُقًا.
﴿وَأَنْزَلَ﴾ [طه: ٥٣] لَكُمْ.
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه: ٥٣] مُخْتَلِفٌ فِي لَوْنِهِ وَطَعْمِهِ.
وَكُلُّ مَا يَنْبُتُ فِي الأَرْضِ فَالْوَاحِدُ مِنْهُ زَوْجٌ.
قَالَ: فَالَّذِي يُنْبِتُ هَذِهِ الأَزْوَاجَ الشَّتَّى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَكُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] مِنْ ذَلِكَ النَّبَاتِ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لأُولِي الْوَرَعِ.
وَقَالَ الْحَسَن: لأُولِي الْعُقُولِ.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] يَعْنِي مِنَ الأَرْضِ خَلَقْنَاكُمْ.
قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي خَلَقَ آدَمَ.
﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] سَعِيدٌ ١: ٢٦٤ -، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَرَّةً أُخْرَى.
[ ١ / ٢٦٣ ]
- يَحْيَى، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يُؤْمَرُ الْمَلَكُ أَنْ يَكْتُبَ أَرْبَعًا: رِزْقَهُ، وَعَمَلَهُ، وَأَثَرَهُ، وَشَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا.
وَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَدْخُلَهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُدْخَلَهَا ".
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ تُرْبَةِ الأَرْضِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا، فَيُخْلَطُ بِخَلْقِهِ أَوْ فَتُذْرَى عَلَى خَلْقِهِ وَهُوَ قَوْلُه: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ [طه: ٥٦] التِّسْعَ: يَدَهُ، وَعَصَاهُ، وَالطُّوفَانَ، وَالْجَرَادَ، وَالْقُمَّلَ، وَالضَّفَادِعَ، وَالدَّمَ، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] قَالَ: ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه: ٥٦] أَنْ يُؤْمِنَ.
قَالَ: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ﴿٥٧﴾ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ﴿٥٨﴾﴾ [طه: ٥٧-٥٨] قَالَ مُجَاهِدٌ: مُنْصِفًا بَيْنَهُمْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مَكَانًا عَدْلًا.
[ ١ / ٢٦٤ ]
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَوْمُ زِينَةٍ وَاعَدُوهُ فِيهِ.
قَالَ: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] يَعْنِي أَهْلَ مِصْرَ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَوْمَ يَجْتَمِعُونَ لِذَلِكَ الْمِيعَادِ الَّذِي وَاعَدُوهُ فِيهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَوْمَ عِيدٍ كَانَ لَهُمْ، يَجْتَمِعُونَ فِيهِ ضُحًى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] يَعْنِي: نَهَارًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] يَعْنِي: مَا جَمَعَ مِنْ سَحَرَةٍ.
﴿ثُمَّ أَتَى﴾ [طه: ٦٠] قَالَ: ثُمَّ جَاءَ.
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: فَيَسْتَأْصِلُكُمْ بِعَذَابٍ.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] قَوْلُهُ: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: ٦٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَتِ السَّحَرَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ سَاحِرًا فَإِنَّا سَنَغْلِبُهُ، وَإِنْ يَكُنْ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا زَعَمَ فَلَهُ أَمْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَعْنُونَ مُوسَى وَهَارُونَ.
﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتْ طَرِيقَتَهُمُ الْمُثْلَى يَوْمَئِذٍ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
كَانُوا أَكْثَرَ
[ ١ / ٢٦٥ ]
الْقَوْمِ عَدَدًا وَأَمْوَالًا، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: إِنَّمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَذْهَبَا بِهِمْ لأَنْفُسِهِمَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَيَذْهَبَا بِعَيْشِكُمُ الأَمْثَلِ يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْقِبْطِ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْجِزْيَةِ فِينَا، يَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الْخَرَاجَ وَيَسْتَعْبِدُونَهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] يَعْنِي: سِحْرَكُمْ، يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أَيْ: تَعَالَوْا جَمِيعًا.
﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٤] مَنْ ظَهَرَ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَنْ غَلَبَ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴿٦٥﴾ قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٥-٦٦] فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ.
﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] حَيَّاتٌ.
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ﴿٦٧﴾ قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى ﴿٦٨﴾﴾ [طه: ٦٧-٦٨] الظَّاهِرُ.
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩] يَعْنِي الْعَصَا.
﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩] يَعْنِي الْعَصَا.
وَقَوْلُهُ: تَلْقَفُ، تَأْكُلُ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ، فِيمَا حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ، تَلْقَفُهُ بِفِيهَا.
﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] حَيْثُ كَانَ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَيْثُ جَاءَ.
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴿٧٠﴾ قَالَ﴾ [طه: ٧٠-٧١] فِرْعَوْن.
﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١] فِرْعَوْنُ يَقُولُهُ عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَصَدَقْتُمُوهُ؟ ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١] أَيْ: قَدْ فَعَلْتُمْ.
[ ١ / ٢٦٦ ]
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ [طه: ٧١] فِي السِّحْرِ.
﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي لَعَالِمُكُمْ فِي عِلْمِ السِّحْرِ، وَلَمْ يَكُنْ أَكْبَرَهُمْ فِي السِّنِّ.
﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [طه: ٧١] الْيَدُ الْيُمْنَى وَالرِّجْلُ الْيُسْرَى.
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] يَعْنِي: عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧١] أَنَا أَوْ مُوسَى.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه: ٧٢] وَعَلَى الَّذِي فَطَرَنَا.
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] يَقُولُونَ افْعَلْ فِي أَمْرِنَا مَا أَنْتَ فَاعِلٌ ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] يَعْنِي إِنَّمَا تَفْعَلُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ
﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣] خَيْرٌ مِمَّا دَعَوْتَنَا إِلَيْهِ وَأَبْقَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْكَ يَا فِرْعَوْنُ وَأَبْقَى.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانُوا أَوَّلَ النَّهَارِ سَحَرَةً وَآخِرَهُ شُهَدَاءَ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤] مُشْرِكًا.
﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥]
- حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ١ / ٢٦٧ ]
ﷺ: " الدَّرَجَةُ فِي الْجَنَّةِ فَوْقَ الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَرْفَعُ بَصَرَهُ فَيَلْمَعُ لَهُ بَرْقٌ يَكَادُ أَنْ يَخْتَطِفَ بَصَرَهُ، فَيَفْزَعُ لِذَلِكَ فَيَقُولُ: مَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: هَذَا نُورُ أَخِيكَ فُلانٍ، فَيَقُولُ: أَخِي فُلانٌ، كُنَّا فِي الدُّنْيَا نَعْمَلُ جَمِيعًا، وَقَدْ فُضِّلَ عَلَيَّ هَكَذَا، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ
أَحْسَنَ مِنْكَ عَمَلًا، قَالَ: ثُمَّ يُجْعَلُ فِي قَلْبِهِ الرِّضَى حَتَّى يَرْضَى ".
- قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ أَسْفَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً، لَلَّذِي يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ وَإِنَّ أَرْفَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً لَلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ غُدْوَةً وَعَشِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [طه: ٧٦] وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [طه: ٧٦] وَقَدْ فَسَّرْنَا الأَنْهَارَ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [طه: ٧٦] لا يَمُوتُونَ وَلا يَخْرُجُونَ مِنْهَا.
﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦] يَعْنِي: مَنْ آمَنَ.
وَهُوَ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧] أَيْ لَيْلًا.
﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] قَالَ الْحَسَنُ: أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ، فَصَارَ طَرِيقًا يَبِسًا.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُ صَارَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ.
[ ١ / ٢٦٨ ]
قَوْلُهُ: ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لا تَخَافُ دَرَكًا أَنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ مِنْ بَعْدِكَ، ﴿وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] الْغَرَقَ أَمَامَكَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨] وَكَانَ جَمِيعُ جُنُودِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفٍ.
﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وَالْيَمُّ الْبَحْرُ.
فَغَرِقُوا.
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩] مَا هَدَاهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ [طه: ٨٠] مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ.
﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] أَيْمَنَ الْجَبَلِ، وَالطُّورُ هُوَ الْجَبَلُ يَعْنِي مُوَاعَدَتَهُ لِمُوسَى.
قَوْلُهُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [طه: ٨٠] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْمَنُّ كَانَ يُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ فِي مَحَلَّتِهِمْ مِثْلَ الْعَسَلِ، مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالسَّلْوَى هُوَ الطَّيْرُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ السُّمَانَى.
الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: السَّلْوَى السُّمَانَى.
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: السَّلْوَى السُّمَانَى.
قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٨١] الْمَنُّ وَالسَّلْوَى.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٨١] يَعْنِي مِنَ الْحَلالِ، الْمَنُّ وَالسَّلْوَى.
﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ يَعْنِي: لا تَعْصُوا اللَّهَ فِي رَفْعِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى.
[ ١ / ٢٦٩ ]
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانُوا لا يَأْخُذُونَ مِنْهُ لِغَدٍ، لأَنَّهُ كَانَ يَفْسُدُ عِنْدَهُمْ وَلا يَبْقَى إِلا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَفَرَّغُونَ فِي السَّبْتِ لِلْعِبَادَةِ وَلا يَعْلَمُونَ شَيْئًا.
- حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْلا بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا خَنِزَ لَحْمٌ، وَلا أَنْتَنَ طَعَامٌ، إِنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا أَنْ يَأْخُذُوا لِيَوْمِهِمِ ادَّخَرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ لِغَدِهِمْ.
- خِدَاشٌ عَنْ، مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلا بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا خَنِزَ لَحْمٌ، وَلَمْ
الطَّعَام، وَلَوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا» .
قَوْلُهُ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَعْنِي فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ غَضَبِي.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ: فَيَحُلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي أَيْ: فَيَنْزِلُ عَلَيْكُمْ غَضَبِي.
﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] هُوَ مِثْلُ الْحَرْفِ الأَوَّلِ، إِلا أَنَّ قَتَادَةَ قَالَ: وَمَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ غَضَبِي.
قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١] فِي النَّارِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي فَقَدْ هَلَكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] مِنَ الشِّرْكِ.
﴿وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] أَيْ: أَخْلَصَ الإِيمَانَ لِلَّهِ.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢] فِي إِيمَانِهِ.
[ ١ / ٢٧٠ ]
﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] ثُمَّ مَضَى عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ حَتَّى يَمُوتَ.
تَفْسِيرُ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] ثُمَّ عَرَفَ الثَّوَابَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ﴿٨٣﴾ قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴿٨٤﴾﴾ [طه: ٨٣-٨٤] قَالَ: هُمْ أُولاءِ يَنْتَظِرُونَنِي مِنْ بَعْدِي بِالَّذِي آتِيهِمْ بِهِ، وَلَيْسَ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي السَّبْعِينَ الَّذِي اخْتَارُوا فَذَهَبُوا مَعَهُ لِلْمِيعَادِ.
قَالَ: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] يَقُولُ: إِنَّ السَّامِرِيَّ قَدْ أَضَلَّهُمْ.
﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٦] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيْ حَزِينًا عَلَى مَا صَنَعَ قَوْمُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: شَدِيدَ الْغَضَبِ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] فِي الآخِرَةِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] يَعْنِي حَقًّا.
﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٦] قَالَ مُجَاهِدٌ: الْوَعْدُ.
﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [طه: ٨٦]
[ ١ / ٢٧١ ]
قَالَ قَتَادَةُ: أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ.
وَهُوَ مِثْلُ الْحَرْفِ الأَوَّلِ.
﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴿٨٦﴾ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٦-٨٧] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بِطَاقَتِنَا.
﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا﴾ [طه: ٨٧] وَهِيَ تُقْرَأُ أَيْضًا: حَمَلْنَا، خَفِيفَةً.
﴿أَوْزَارًا﴾ [طه: ٨٧] قَالَ الْحَسَنُ: آثَامًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَثْقَالًا.
وَهُوَ وَاحِدٌ، ذَلِكَ الثِّقْلُ الإِثْمُ.
﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧] يَعْنِي قَوْمَ فِرْعَوْنَ.
﴿فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى كَانَ وَاعَدَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَعَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فَقَالُوا: هَذِهِ أَرْبَعُونَ، قَدْ أَخْلَفَ مُوسَى الْوَعْدَ.
وَكَانُوا اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ حُلِيًّا لَهُمْ، كَانَ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعَارُوا مِنْ نِسَاءِ آلِ فِرْعَوْنَ لِيَوْمِ الزِّينَةِ، يَعْنِي يَوْمَ الْعِيدِ الَّذِي وَاعَدَهُمْ مُوسَى.
وَكَانَ اللَّهُ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا، فَكَرِهَ الْقَوْمُ أَنْ يَرَدُّوا الْعَوَارِيَ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ فَيَفْطُنُ بِهِمْ آلُ فِرْعَوْنَ، فَأُسِرُوا مِنَ اللَّيْلِ وَالْعَوَارِي مَعَهُمْ.
فَقَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ بَعْدَ مَا مَضَتْ عِشْرُونَ يَوْمًا وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فِي غَيْبَةِ مُوسَى فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ بَعْدَ مَا مَضَى الثَّلاثُونَ: إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ بِهَذَا الْحُلِيِّ فَهَاتُوهُ.
وَأَلْقَى مَا مَعَهُ مِنَ الْحُلِيِّ، وَأَلْقَى الْقَوْمُ مَا مَعَهُمْ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] مَا مَعَهُ كَمَا أَلْقَيْنَا مَا مَعَنَا.
فَصَاغَهُ عِجْلًا، ثُمَّ أَلْقَى فِي فِيهِ التُّرَابَ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ اللَّهُ ﵎ وَقَّتَ لِمُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً
[ ١ / ٢٧٢ ]
ثُمَّ أَتَمَّهَا بِعَشْرٍ، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلاثُونَ قَالَ السَّامِرِيُّ: إِنَّمَا أَصَابَكُمُ الَّذِي أَصَابَكُمْ عُقُوبَةً لِلْحُلِيِّ الَّذِي مَعَكُمْ فَهَابُوهُ.
وَهُوَ الْحُلِيُّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.
فَدَفَعُوا إِلَيْهِ الْحُلِيَّ، فَصَوَّرَ لَهُمْ مِنْهَا صُورَةَ بَقَرَةٍ.
وَقَدْ كَانَ صُرَّ فِي عِمَامَتِهِ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ يَوْمَ جَازَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ، فَقَذَفَهَا فِيهَا ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٨]، جَعَلَ يَخُورُ خُوَارَ الْبَقَرَةِ.
فَقَالَ عَدُوُّ اللَّهِ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهَا: سَامِرَةُ، وَلَكِنْ نَافَقَ بَعْدَمَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ مُوسَى.
قَالَ: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٨] يَخُورُ خُوَارَ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٨] حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ بِخُوَارِهِ.
فقَالَ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] أَيْ: فَنَسِيَ مُوسَى.
يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى إِنَّمَا طَلَبَ هَذَا وَلَكِنْ نَسِيَهُ وَخَالَفَهُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ﴾ [طه: ٨٩] أَنَّ ذَلِكَ الْعِجْلَ لا ﴿يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ﴿٨٩﴾ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ [طه: ٨٩-٩٠] أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مُوسَى حِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ.
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ [طه: ٩٠] يَعْنِي بِالْعِجْلِ.
﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴿٩٠﴾ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ﴾ [طه: ٩٠-٩١]
[ ١ / ٢٧٣ ]
لَنْ نَزَالَ.
﴿عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] نَعْبُدُهُ.
﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴿٩١﴾ قَالَ﴾ [طه: ٩١-٩٢] مُوسَى لِهَارُونَ لَمَّا رَجَعَ وَرَأَى أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ.
﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿٩٢﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴿٩٣﴾ قَالَ يَابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٢-٩٤] وَقَدْ قَالَ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: و
﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] قَالَ: أَيْ وَلَمْ
يَعْنِي الْمِيعَادَ لِرُجُوعِهِ، وَلَكِنْ تَرَكْتُهُمْ وَجِئْتُ وَقَدِ اسْتَخْلَفْتُكَ فِيهِمْ.
يَقُولُ: لَوِ اتَّبَعْتُكَ وَتَرَكْتُهُمْ لَخَشِيتُ أَنْ تَقُولَ لِي هَذَا الْقَوْلَ.
ثُمَّ أَقْبَلَ مُوسَى عَلَى السَّامِرِيِّ، قَالَ لَهُ: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] أَيْ: مَا حُجَّتُكَ؟ ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي فَرَسَ جِبْرِيلَ.
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ.
﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: ٩٦] أَيْ: أَلْقَيْتُهَا فِي الْعِجْلِ، يَعْنِي حِينَ صَاغَهُ، وَكَانَ صَائِغًا،
[ ١ / ٢٧٤ ]
فَخَارَ الْعِجْلُ.
وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنْ أَثَرِ الْفَرَسِ، كَانَ أَخَذَهَا مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ، فَصَرَّهَا فِي عِمَامَتِهِ ثُمَّ قَطَعَ الْبَحْرَ فَكَانَتْ مَعَهُ.
- وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَارُونَ أَتَى عَلَى السَّامِرِيِّ وَهُوَ يَصْنَعُ الْعِجْلَ فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: أَصْنَعُ مَا يَضُرُّ وَلا يَنْفَعُ.
فَقَالَ هَارُونُ: اللَّهُمَّ أَعْطِهِ الَّذِي سَأَلَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ.
فَلَمَّا صَنَعَهُ قَالَ هَارُونُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ يَخُورَ، فَخَارَ الْعِجْلُ وَذَلِكَ بِدَعْوَةِ هَارُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] وَكَذَلِكَ زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي.
وَقَعَ فِي نَفْسِي إِذَا أَلْقُيْتَها فِي فِي الْعِجْلِ خَارَ.
﴿قَالَ﴾ [طه: ٩٢] لَهُ مُوسَى.
﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ﴾ [طه: ٩٧] يَعْنِي حَيَاةَ الدُّنْيَا.
﴿أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧] لا تَمَاسَّ النَّاسَ وَلا يَمَاسُّونَكَ، فَهَذِهِ عُقُوبَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَالسَّامِرَةُ صِنْفٌ مِنَ الْيَهُودِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: بَقَايَا السَّامِرَةِ حَتَّى الآنَ بِأَرْضِ الشَّامِ يَقُولُونَ: لا مَسَاسَ.
قَالَ: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ [طه: ٩٧] يَعْنِي يَوْمَ الِقْيَامَةِ ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ [طه: ٩٧]، أَيْ: تُوَافِيهِ فَيُجْزِيكَ اللَّهُ فِيهِ بِأَسْوَأِ عَمَلِكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ [طه: ٩٧] أَيْ: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ.
[ ١ / ٢٧٥ ]
قَوْلُهُ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ﴾ [طه: ٩٧] صِرْتَ.
﴿عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] عَابِدًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] يَعْنِي أَقَمْتَ عَلَيْهِ عَابِدًا.
قَالَ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧] قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ بَعْضَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: لَنُبَرِّدَنَّهُ.
﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ذَبَحَهُ مُوسَى، ثُمَّ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ ذَرَاهُ فِي الْبَحْرِ.
وَهُوَ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ هَذَا أَنَّهُ تَحَوَّلَ لَحْمًا وَدَمًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧] هُوَ حِينَ ذَرَاهُ فِي الْبَحْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَلأَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
قَالَ يَحْيَى: أَيْ لا يَكُونُ شَيْءٌ إِلا بِعِلْمِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] مِنْ أَخْبَارِ مَا قَدْ مَضَى.
﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ [طه: ٩٩] أَيْ: وَقَدْ أَعْطَيْنَاكَ.
﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ [طه: ٩٩] مِنْ عِنْدِنَا.
﴿ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] الْقُرْآنَ.
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ [طه: ١٠٠] عَنِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.
﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠]
[ ١ / ٢٧٦ ]
قَالَ مُجَاهِدٌ: إِثْمًا.
﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠١] قَالَ الْحَسَنُ: فِي ثَوَابِ ذَلِكَ الْوِزْرِ، وَهِيَ النَّارُ.
﴿وَسَاءَ لَهُمْ﴾ [طه: ١٠١] أَيْ: وَبِئْسَ لَهُمْ.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا﴾ [طه: ١٠١] مَا يَحْمِلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ مِنَ الْوِزْرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]
- يَحْيَى، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا بَعَثَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَعَثَ مَعَ كُلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، بَعَثَ مَعَ الْمُؤْمِنِ عَمَلَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ رَآهَا قَطُّ، أَحْسَنَهُ حُسْنًا، وَأَجْمَلَهُ جَمَالًا، وَأَطْيَبَهُ رِيحًا، لا يَرَى شَيْئًا يَخَافُهُ وَلا شَيْئًا يَرُوعُهُ إِلا قَالَ: لا تَخَفْ وَأَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، لا وَاللَّهِ مَا
أَنْتَ الَّذِي تُرَادُ وَلا أَنْتَ الَّذِي تُعْنَى، فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا قَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ مِنْكَ وَجْهًا، وَلا أَطْيَبَ مِنْكَ رِيحًا، وَلا أَحْسَنَ مِنْكَ لَفْظًا، فَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَنَا وَاللَّهِ عَمَلُكَ، إِنَّ عَمَلَكَ وَاللَّهِ كَانَ حَسَنًا، إِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي فِي الدُّنْيَا عَلَى ثِقَلٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَحْمِلَنَّكَ الْيَوْمَ فَيَحْمِلُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ
الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] قَالَ: وَيَبْعَثُ مَعَ الآخَرِ الْكَافِرِ عَمَلَهُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ، أَقْبَحَهُ وَجْهًا، وَأَنْتَنَهُ رِيحًا، وَأَسْوَأَهُ لَفْظًا، لا يَرَى شَيْئًا يَرُوعُهُ وَلا يَخَافُهُ إِلا قَالَ لَهُ: يَا خَبِيثُ، أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، فَأَنْتَ
[ ١ / ٢٧٧ ]
وَاللَّهِ الَّذِي تُرَادُ وَالَّذِي تُعْنَى.
فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا قَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ؟ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَسْوَأَ مِنْكَ لَفْظًا وَلا أَقْبَحَ مِنْكَ وَجْهًا وَلا أَنْتَنَ مِنْكَ رِيحًا.
فَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْجَبُ مِنْ قُبْحِي؟ فَيَقُولُ لَهُ: نَعَمْ.
فَيَقُولُ: أَنَا وَاللَّهِ عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، إِنَّ عَمَلَكَ وَاللَّهِ كَانَ قَبِيحًا إِنَّكَ كُنْتَ تَرْكَبُنِي فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَرْكَبَنَّكَ الْيَوْمَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [طه: ١٠٢] وَالصُّورُ: قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ صَاحِبُ الصُّورِ، فَيَنْطَلِقُ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهِ، تُجْعَلُ الأَرْوَاحُ كُلُّهَا فِي الصُّورِ، فَإِذَا نُفِخَ فِيهِ خَرَجَتِ الأَرْوَاحُ مِثْلَ النَّحْلِ، كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهِ.
قَالَ: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [طه: ١٠٢] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ.
هَذَا حَشْرٌ إِلَى النَّارِ.
﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [طه: ١٠٢] يَعْنِي بَعْدَ الْحِسَابِ، نَسُوقُ الْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّارِ زُرُقًا.
قَالَ: مُسْوَدَّةٌ وُجُوهُهُمْ، كَالِحَةٌ.
﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ١٠٣] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ يَتَسَارُّونَ بَيْنَهُمْ، يَسَارُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ [طه: ١٠٣] فِي الدُّنْيَا.
﴿إِلا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] يُقَلِّلُونَ لُبْثَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
تَصَاغَرَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ [طه: ١٠٤] وقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣]
[ ١ / ٢٧٨ ]
قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَكْثَرَ عَدَدًا وَأَمْوَالًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ [طه: ١٠٤]: أَعْقَلُهُمْ.
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] قَالَ قَتَادَةُ: فِي الدُّنْيَا وَهِيَ مَوَاطِنُ، قَالُوا: ﴿إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤]، وَ﴿إِلا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣]، وَ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وقَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وقَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
وقَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥] يَحْلِفُ الْمُجْرِمُونَ، الْمُشْرِكُونَ ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] أَيْ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ لِتَصَاغُرِ الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ وَقِلَّتِهَا فِي طُولِ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: ١٠٥] سَأَلَ الْمُشْرِكُونَ النَّبِيَّ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ هَذِهِ الْجِبَالُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي تَذْكُرُ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] مِنْ أُصُولِهَا.
﴿فَيَذَرُهَا﴾ [طه: ١٠٦] فَيَذَرُ الأَرْضَ.
﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] الْقَاعُ الَّذِي لا ثَرَى عَلَيْهِ، وَهِيَ الْقَرْقَرَةُ.
وَالصَّفْصَفُ، الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ نَبَاتٌ، كُلُّهَا مُسْتَوِيَةٌ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] يَعْنِي انْخِفَاضًا.
﴿وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]: وَلا ارْتِفَاعًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: غِمَارُ الْبُحُورِ وَرُءُوسُ الْجِبَالِ سَوَاءٌ.
- سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْعِوَجُ: الْوَادِي.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الأَمْتُ: الْحَدْبُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ [طه: ١٠٨] يَوْمَ تَكُونُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ كَذَلِكَ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ [طه: ١٠٨] صَاحِبَ الصُّورِ، يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ حِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَقُومُ مَلَكٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ بِالصُّورِ فَيَنْفُخُ فِيهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مِنَ الصَّخْرَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَوْلُهُ: ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه: ١٠٨] لا مَعْدِلَ عَنْهُ، فِي تَفْسِيرِ عَاصِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، لا يَتَعَوَّجُونَ أَيْ عَنْ إِجَابَتِهِ يَمِينًا وَلا شِمَالًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨] يَعْنِي سَكَنَتْ لِقَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ [النبأ: ٣٨] قَالَ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: وَطْءُ الأَقْدَامِ.
- وَحَدَّثَنَا فِطْرٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْهَمْسُ الْوَطْءُ.
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لا يَنْطِقُونَ إِلا هَمْسًا.
[ ١ / ٢٨٠ ]
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ [طه: ١٠٩] التَّوْحِيدُ.
خَالِدٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لأَنَّ اللَّهَ
» .
كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] رُوحُ كُلِّ شَيْءٍ فِي جَسَدِهِ، ﴿وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] التَّوْحِيدُ.
إِنَّ الْكُفَّارَ لَيْسَتْ لَهُمْ شَفَاعَةٌ، لا يُشْفَعُ لَهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [طه: ١١٠] مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ.
﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [طه: ١١٠] مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، أَيْ: إِذَا صَارُوا فِي الآخِرَةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْلَمُ
مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ.
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وَيَعْلَمُ مَا لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا.
تَبَعٌ لِلْكَلامِ الأَوَّلِ.
أَيْ: وَيَعْلَمُ مَا لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، مَا لا يَعْلَمُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَلَّتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ.
قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ حَتَّى يُجْزِيَهَا بِعَمَلِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] مَنْ حَمَلَ شِرْكًا.
[ ١ / ٢٨١ ]
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] لا يُجْزَى بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الآخِرَةِ إِلا الْمُؤْمِنُ، وَيُجْزَى بِهِ الْكَافِرُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١٢] أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لا يَخَافُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِ غَيْرِهِ.
﴿وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] لا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ.
الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا نَقْصًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ [طه: ١١٣] مَنْ يَعْمَلُ كَذَا فَلَهُ كَذَا، فَذَكَرَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ فِي سُورَةٍ أُخْرَى.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَيُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا، يَعْنِي الْقُرُونَ الأُولَى.
وَالأَلِفُ هَاهُنَا صِلَةٌ.
وَهِيَ تُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ.
فَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ يَقُولُ: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمُ الْقُرْآنُ ذِكْرًا أَيْ جِدًّا وَوَرَعًا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّاءِ يَقُولُ: أَوْ تُحْدِثُ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ذِكْرًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ [طه: ١١٤] مِنْ بَابِ الْعُلُوِّ: ارْتَفَعَ.
﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤] وَالْحَقُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ.
﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَيَانُهُ.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وَقَالَ الْحَسَنُ: فَرَائِضُهُ، وَحُدُودُهُ، وَأَحْكَامُهُ، وَحَلالُهُ، وَحَرَامُهُ.
كَانَ النَّبِيُّ ﵇ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَقْرَأُهُ وَيُدْئِبُ فِيهِ نَفْسَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] نَحْنُ نَحْفَظُهُ عَلَيْكَ فَلا تَنْسَى.
قَالَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ﴿٦﴾ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧]، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] يُنْسِهَا نَبِيَّهُ.
قَالَ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] فَرَائِضَهُ، وَحُدُودَهُ، وَالْعَمَلَ بِهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] يَعْنِي لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْكَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ.
قَالَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]
لا تَتْلُهُ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى نُتِمَّهُ لَكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] يَعْنِي: فَتَرُدَّ الْعَهْدَ.
يَقُولُ: فَتَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ: أَلا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ.
﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: صَبْرًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [طه: ١١٦] أَنْ يَسْجُدَ.
﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] أَيْ: إِنَّكُمَا إِذَا عَصَيْتُمَا اللَّهَ أَخْرَجَكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ ﴿فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] فِي الدُّنْيَا، الْكَدُّ فِيهَا.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْكَ وَعَرَقِ جَبِينِكَ.
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾ [طه: ١١٨] فِي الْجَنَّةِ.
﴿وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] كَانَا كُسِيَا الظَّفَرَ.
﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ [طه: ١١٩] لا تَعْطَشُ فِيهَا.
﴿وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] قَالَ قَتَادَةُ: لا تُصِيبُكَ فِيهَا شَمْسٌ.
﴿وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] يَعْنِي: لا يُصِيبُكَ حَرُّ شَمْسٍ.
قَالَ: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ﴾ [طه: ١٢٠] يَقُولُ: أَلا أَدُلُّكَ وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] أَيْ إِنَّكَ إِنْ أَكَلْتَ مِنْهَا خُلِّدْتَ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠] يَقُولُ: أَيْ لِكَيْلا تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] يَقُولُ: إِذَا أَكَلْتُمَا مِنَ الشَّجَرَةِ تَحَوَّلْتُمَا مَلَكَيْنِ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ، أَوْ كُنْتُمَا مِنَ الْخَالِدِينَ.
- الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ يَسِيرُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُهَا.
قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَيُّ شَجَرَةٍ هِيَ؟ قَالَ: شَجَرَةُ الْخُلْدِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢١] فَبَدَأَتْ حَوَّاءُ قَبْلَ آدَمَ فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ.
[ ١ / ٢٨٤ ]
﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] وَقَالَ الْحَسَنُ: لَوْ أَنَّ حَوَّاءَ بَدَأَتْ قَبْلَ آدَمَ فَبَدَتْ سَوْأَتُهَا عِنْدَ ذَلِكَ لَكَانَتْ لَهُ عِظَةً وَلَكِنْ لَمَّا أَكَلَ آدَمُ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا.
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَانَ آدَمُ رَجُلًا طِوَالًا كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ، جَعْدُ شَعْرِ الرَّأْسِ.
فَلَمَّا وَقَعَ بِمَا وَقَعَ بِهِ بَدَتْ لَهُ عَوْرَتُهُ، وكَانَ لا يَرَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ فَأَخَذَتْ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ بِرَأْسِهِ فَقَالَ لَهَا: أَرْسِلِينِي.
فَقَالَتْ: لَسْتُ بِمُرْسِلَتِكَ.
فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا آدَمُ، أَمِنِّي تَفِرُّ؟ قَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَسْتَحْيِيكَ ".
قَوْلُهُ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١] أَيْ وَجَعَلا يَخْصِفَان عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُرَقِّعَانِهِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
قَالَ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] يَعْنِي الْمَعْصِيَةَ وَلَمْ تَبْلُغْ بِالْمَعْصِيَةِ الضَّلالَ.
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢٢] وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] فَقَالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] قَالَ: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [طه: ١٢٢] مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ.
﴿وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢] مَاتَ عَلَى الْهُدَى.
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ [طه: ١٢٣] يَعْنِي: رُسُلِي وَكُتُبِي.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فَلا يَضِلُّ﴾ [طه: ١٢٣] فِي الدُّنْيَا.
[ ١ / ٢٨٥ ]
﴿وَلا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] فِي الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤] فَلَمْ يَبَّتِعْ هُدَايَ، لَمْ يُؤْمِنْ.
﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]
- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]: عَذَابُ الْقَبْرِ ".
- وَحَدَّثَنِي المسعو
، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]: عَذَابُ الْقَبْرِ.
- وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي جَارِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]: عَذَابُ الْقَبْرِ، يَلْتَئِمُ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ.
- حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَمَعِي ابْنُ أَخٍ لِي فَلَمَّا غَشِينَا الْحَرَّةَ إِذَا قَبْرٌ يُحْفَرُ، فَقُلْتُ لابْنِ أَخِي: هَلْ لَكَ أَنْ نَحْضُرَ هَذِهِ الْجِنَازَةَ؟ فَمِلْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَهُوَ يُحْفَرُ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ فَقُلْتُ: اجْلِسْ بِنَا إِلَى الشُّمْطِ فَإِنَّ الشَّمَطَ مِنْ أَهْلِهَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ: فَنَظَرْنَا إِلَى شَيْخٍ مِنْ أَدْنَى الْقَوْمِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فَأَخَذَ يَنْظُرُ إِلَيْنَا مَرَّةً وَإِلَى الْقَبْرِ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنِي بِهِ خَلِيلِي أَبُو الْقَاسِمِ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: فَإِنَّهُ حَدَّثَنَا أَنَّ الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ فَانْصَرَفَ النَّاسُ، أَتَاهُ صَاحِبُ الْقَبْرِ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ جَانِبِهِ الأَيْمَنِ، فَقَالَتِ الزَّكَاةُ الَّتِي كَانَ يُعْطِي: لا تُفَزِّعُهُ مِنْ قِبَلِي الْيَوْمَ.
ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَقَالَ الْقُرْآنُ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ: لا تُفَزِّعُهُ مِنْ قِبَلِي الْيَوْمَ.
ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَقَالَتِ الصَّلاةُ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي: لا تُفَزِّعُهُ
[ ١ / ٢٨٦ ]
مِنْ قِبَلِي الْيَوْمَ.
ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ جَانِبِهِ الأَيْسَرِ، فَأَيْقَظَهُ إِيقَاظَكَ الرَّجُلِ لا يُحِبُّ أَنْ تُفَزِّعَهُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ: اللَّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
قَالَ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ.
قَالَ: فَمَا كَانَ دِينُكَ؟ قَالَ: الإِسْلامُ.
قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ حَيِيتَ، وَعَلَى ذَلِكَ مِتَّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ تُبْعَثُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: صَدَقْتَ.
قَالَ: فَيُفْتَحُ لَهُ فِي جَنْبِ قَبْرِهِ، فَيُرِيهِ مَنْزِلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَيُشْرِقُ وَجْهُهُ، وَتَفْرَحُ نَفْسُهُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ نَوْمَ الْعَرُوسِ الَّذِي لا يُوقِظُهُ إِلا أَعَزُّ أَهْلِهِ عَلَيْهِ.
وَيُؤْتَى بِالْكَافِرِ، فَلا يَجِدُ شَيْئًا يَحُولُ دُونَهُ، لا صَلاةَ، وَلا قِرَاءَةَ، وَلا زَكَاةَ.
فَيُوقِظُهُ إِيقَاظَكَ الرَّجُلِ تُحِبُّ أَنْ تُفَزِّعَهُ فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ.
وَمَنْ نَبِيُّكَ فَيَقُولُ: أَنْتَ.
وَمَا كَانَ دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ.
قَالَ: فَيَقُولُ: صَدَقْتَ، لَوْ كَانَ لَكَ إِلَهٌ تَعْبُدُهُ لاهْتَدَيْتَ لَهُ الْيَوْمَ.
فَيُفْتَحُ لَهُ فِي جَانِبِ قَبْرِهِ بَابٌ فَيُرِيهِ مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ، فَيُظْلِمُ وَجْهُهُ، وَتَخْبُثُ نَفْسُهُ وَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً يَتَنَاصَلُ مِنْهَا كُلُّ عَظْمٍ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَيُسْمِعُهُ الْخَلْقَ إِلا الثَّقَلَيْنِ: الإِنْسَ وَالْجَنَّ، ثُمَّ يُقْذَفُ فِي مِقْلاةٍ يَنْفُخُهُ نَافِخَانِ، لا يَمِيلُ إِلَى هَذَا إِلا رَدَّهُ إِلَى هَذَا، وَلا يَمِيلُ إِلَى هَذِهِ إِلا رَدَّهُ إِلَى هَذَا، حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةَ الأُولَى، فَيُقَالُ لَهُ: اخْمُدْ، فَيَخْمُدُ حَتَّى
يُنْفَخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ.
فَيُبْعَثُ مَعَ الْخَلْقِ، فَيُقْضَى لَهُ كَمَا يُقْضَى لَهُمْ، لا رَاحَةَ إِلا مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.
- وَحَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ
[ ١ / ٢٨٧ ]
الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّبَعَ جِنَازَةَ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَبْرِهِ وَجَدَهُ لَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ، وَبِيَدِهِ عُودٌ فَهُوَ يَنْكُتُ بِهِ فِي الأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
قَالَهَا ثَلاثًا.
- إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي قُبُلٍ مِنَ الآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، أَتَتْهُ مَلائِكَةٌ، وُجُوهُهُمْ كَالشَّمْسِ بِحَنُوطِهِ وَكَفَنِهِ، فَجَلَسُوا مِنْهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَرَاهُمْ مِنْهُ، فَإِذَا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، كُلُّ بَابٍ مِنْهَا يُعْجِبُهُ أَنْ يَصْعَدَ رُوحُهُ مِنْهُ.
فَيَنْتَهِي الْمَلَكُ إِلَى رَبِّهِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، هَذَا رُوحُ عَبْدِكَ فُلانٍ، فَيُصَلِّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلائِكَتُهُ وَيَقُولُ: ارْجِعُوا بِعَبْدِي فَأَرُوهُ مَاذَا أَعْدَدْتُ لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَى عِبَادِي أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُكُمْ وَفِيهَا أُعِيدُكُمْ.
فَيَرُدُّ إِلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ، فَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ حِينَ يَنْصَرِفَون عَنْهُ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: مَا رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ رَبِّي، وَالإِسْلامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي.
فَيُنْتَهَرُ انْتِهَارًا شَدِيدًا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: مَا دِينُكَ، وَمَنْ رَبُّكَ، وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ رَبِّي، وَالإِسْلامُ دِينِي، ومُحَمَّدٌ نَبِيِّي، فَيُنَادِي مُنَادٍ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
وَيَأْتِيهِ عَمَلُهُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَرِيحٍ طَيِّبَةٍ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِجَنَّاتٍ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، فَقَدْ كُنْتَ سَرِيعًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، بَطِيئًا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَيَقُولُ: وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَمِثْلُ وَجْهِكَ بُشِّرَ بِالْخَيْرِ، وَمَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْحَسَنُ.
ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا مِنْهُ.
ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَيُرِيهِ مَنْزِلَهُ فِي الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ كَيْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي، فَيُوَسَّعُ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَيَرْقُدُ.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِذَا كَانَ فِي قُبُلٍ مِنَ الآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، أَتَتْهُ مَلائِكَةٌ بِسَرَابِيلَ مِنْ قَطِرَانٍ، وَمُقَطَّعَاتٍ مِنْ نَارٍ، فَجَلَسُوا مِنْهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَرَاهُمْ مِنْهُ وَيُنْتَزَعُ رُوحُهُ كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الْكَثِيرُ شُعَبُهُ مِنَ الصُّوفِ الْمُبْتَلِّ، مِنْ عُرُوقِهِ وَقَلْبِهِ، فَإِذَا خَرَجَ رُوحُهُ لَعَنَهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهُ كُلُّ بَابٍ يَكْرَهُ أَنْ يَصْعَدَ رُوحُهُ مِنْهُ.
فَيَنْتَهِي الْمَلَكُ إِلَى رَبِّهِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا رُوحُ فُلانٍ عِنْدَكَ، لا تَقْبَلُهُ أَرْضٌ وَلا سَمَاءٌ، فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ وَمَلائِكَتُهُ وَيَقُولُ: ارْجِعُوا بِعَبْدِي فَأَرُوهُ مَاذَا أَعْدَدْتُ لَهُ مِنَ الْهَوَانِ، فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَى عِبَادِي أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُكُمْ وَفِيهَا أُعِيدُكُمْ.
فَيَرُدُّ إِلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ حِينَ يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ وَمَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ رَبِّي وَالإِسْلامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي.
فَيُنْتَهَرُ انْتِهَارًا شَدِيدًا.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ وَمَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: لا دَرَيْتَ.
وَيَأْتِيهِ عَمَلُهُ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ وَرِيحٍ مُنْتِنَةٍ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِعَذَابٍ مُقِيمٍ.
فَيَقُولُ: وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِشَرٍّ، فَمِثْلُ وَجْهِكَ بُشِّرَ بِالشَّرِّ، وَمَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ أَطَعْتَ اللَّهَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ مَنْزِلُهُ مِنَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْهَوَانِ، وَيُقَيَّضُ لَهُ أَصَمَّ أَعْمَى بِيَدِهِ مِرْزَبَّةٌ لَوْ تُوضَعُ عَلَى جَبَلٍ لَصَارَ رُفَاتًا، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً فَيَصِيرُ رُفَاتًا، ثُمَّ يُعَادُ فَيَضْرِبُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ
ضَرْبَةً يَضِجُّ مِنْهَا ضَجَّةً يَسْمَعُهَا مَنْ عَلَى الأَرْضِ إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: أَنِ افْرِشُوهُ لَوْحَيْنِ مِنْ نَارٍ، فَيُفْرَشُ لَوْحَيْنِ مِنْ نَارٍ وَيَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ ".
قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] يَعْنِي عَنْ حُجَّتِهِ كَقَوْلِهِ:
[ ١ / ٢٨٩ ]
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] لا حُجَّةَ لَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٥] عَنِ الْحُجَّةِ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ.
﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] فِي الدُّنْيَا، عَالِمًا بِحُجَّتِي فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا عِلْمُهُ ذَلِكَ عِنْدَ نَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا.
كَانَ يُحَاجُّ فِي الدُّنْيَا جَاحِدًا لِمَا جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: عَمِيَ عَنِ الْحَقِّ، أَيْ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] أَيْ: لأَنَّهُ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فِي الدُّنْيَا.
﴿فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: ١٢٦] فَتَرَكْتَهَا، لَمْ تُؤْمِنْ بِهَا.
﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] تُتْرَكُ فِي النَّارِ.
نا سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] قَالَ: فِي النَّارِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: نُسِيَ مِنَ الْخَيْرِ أَيْ: تُرِكَ مِنَ الْخَيْرِ وَلَمْ يُنْسَ مِنَ الشَّرِّ، أَيْ: وَلَمْ يُتْرَكْ مِنَ الشَّرِّ.
قَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ [طه: ١٢٧] مَنْ أَشْرَكَ، أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّرْكِ.
﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ﴾ [طه: ١٢٧] مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا ﴿وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] أَيْ: لا يَنْقَطِعُ أَبَدًا.
قَوْلُه: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: ١٢٨]
[ ١ / ٢٩٠ ]
نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ قَالا: أَفَلَمْ نُبَيِّنْ لَهُمْ.
وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ يَقُولُ: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: ١٢٨] أَفَلَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ لَهُمْ.
قَالَ يَحْيَى: وَلا أَعْرِفُ أَيُّ الْقِرَائَتَيْنِ قَرَأَ قَتَادَةُ.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [طه: ١٢٨] قَالَ الْحَسَنُ: أَيْ بَيَّنَّا لَهُمْ، فَقَرَأَهُ عَلَى النُّونِ، كَيْفَ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى، نُحَذِّرُهُمْ وَنُخَوِّفُهُمُ الْعَذَابَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
قَالَ: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [طه: ١٢٨] تَمْشِي هَذِهِ الأُمَّةُ فِي مَسَاكِنِ مَنْ مَضَى، أَيْ: يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الدِّيَارُ قَائِمَةً وَلَكِنَّ الْمَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠] ثُمَّ قَالَ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ [هود: ١٠٠] تَرَاهُ ﴿وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] لا تَرَاهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [طه: ١٢٨] يَعْنِي يَمُرُّونَ، يَعْنِي مَمَرَّ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى مَسَاكِنِهِمْ، يَعْنِي عَلَى قُرَاهُمْ.
قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ١٢٨] لأَوُلِي الْوَرَعِ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لأُولِي الْعُقُولِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٢٩] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: أَلا تُعَذَّبَ هَذِهِ الأُمَّةُ بِعَذَابِ الاسْتِئْصَالِ، إِلا بِالسَّاعَةِ، يَعْنِي: النَّفْخَةَ الأُولَى.
﴿لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: ١٢٩] يَعْنِي أَخْذًا بِالْعَذَابِ، يَلْزَمُونَ عُقُوبَةَ كُفْرِهِمِ.
[ ١ / ٢٩١ ]
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَفِي الآخِرَةِ النَّارُ.
قَالَ: ﴿لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] السَّاعَةُ.
وَهَذَا مِنْ تَقْدِيمِ الْكَلامِ.
يَقُولُ: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وَأَجَلٌّ مُسَمًّى لَكَانَ لِزَامًا.
قَالَ يَحْيَى: وَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الأَجَلُ وَالْكَلِمَةُ أَيْ: إِذًا لأَهْلَكْنَاهُمْ بِجُحُودِهِمْ جَمِيعًا مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.
وَقَدْ كَانَ اللِّزَامُ خَاصَّةً فِيمَنْ أَهْلَكَ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
- نا عُثْمَانُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لِكَعْبٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ وَغَابَتْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» .
فَقَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ يَوْمَ الأَحَدِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْجُمُعَةِ، فَخَلَقَ آدَمَ آخِرَ سَاعَاتِ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
فَلَمَّا اسْتَوَى عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَهِيَ الآيَةُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩]
- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كَانَ اللِّزَامُ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي تَفْسِيرِ عَمْرٍو: وَهُوَ هَلاكُ آخِرِ كُفَّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالنَّفْخَةِ الأُولَى الدَّائِنِينَ بِدِينِ أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] مِنْ قَوْلِهِمْ لَكَ: إِنَّكَ سَاحِرٌ، وَإِنَّكَ شَاعِرٌ، وَإِنَّكَ مَجْنُونٌ، وَإِنَّكَ كَاذِبٌ، وَإِنَّكَ كَاهِنٌ.
[ ١ / ٢٩٢ ]
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: صَلاةُ الصُّبْحِ.
﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ.
﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠] يَعْنِي: الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠] يَعْنِي: وَمِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ.
﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] فِي تَفْسِيرِ عَمْرٍو.
وَعَنِ الْحَسَنِ يَعْنِي التَّطَوُّعَ.
- نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا: الصَّلاةُ الْمَكْتُوبَةُ.
- نا عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ لَنَا: " أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ لا تُغْلَبُوا عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ، قَالَ: وَقَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]
وَحَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ
[ ١ / ٢٩٣ ]
النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] قَالَ: مَا بَيْنَ صَلاةِ الصُّبْحِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ.
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
قَالَ: ونا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: طَرَفَا النَّهَارِ: صَلاةُ الصُّبْحِ وَصَلاةُ الْعَصْرِ.
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]: صَلاةُ الْمَغْرِبِ وَصَلاةُ الْعِشَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] لِكَيْ تَرْضَى فِي الآخِرَةِ ثَوَابَ عَمَلِكَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَعَلَّكَ أَيْ فَإِنَّكَ سَتَرْضَى ثَوَابَ عَمَلِكَ فِي الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ يَعْنِي: الأَغْنِيَاءَ.
﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١] قَالَ قَتَادَةُ: زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
أَمَرَهُ أَنْ يَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا.
﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] قَالَ قَتَادَةُ: لَنَبْتَلِيَهُمْ.
قَالَ يَحْيَى: لِنَخْتَبِرَهُمْ فِيهِ.
- حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلا صَابِرًا: مَنْ نَظَرَ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ فِي الدِّينِ
[ ١ / ٢٩٤ ]
وَمَنْ دُونَهُ فِي الدُّنْيَا، فَاقْتَدَى بِهِمَا، كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا.
وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ فِي الدُّنْيَا، وَدُونَهُ فِي الدِّينِ فَاقْتَدَى بِهِمَا، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلا صَابِرًا ".
- نا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ الرِّزْقِ الْكَفَافُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفَافًا» .
قَوْلُهُ: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣١] فِي الْجَنَّةِ.
﴿خَيْرٌ﴾ [طه: ١٣١] مِنَ الدُّنْيَا.
﴿وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] لا نَفَادَ لِذَلِكَ الرِّزْقِ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] مِمَّا مُتِّعَ بِهِ هَؤُلاءِ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] وَأَهْلُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: أُمَّتُهُ.
﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢] قَالَ بَعْضُهُمْ: لا نَسْأَلُكَ عَلَى مَا أَعْطَيْنَاكَ مِنَ النُّبُوَّةِ رِزْقًا.
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ فِي الَّتِي فِي الذَّارِيَاتِ: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٧] أَنْ يَرْزُقُوا أَنْفُسَهُمْ.
قَالَ يَحْيَى: فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ عِنْدَ الْحَسَنِ مِثْلَهَا فَهُوَ: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢] أَنْ تَرْزُقَ نَفْسَكَ وَهُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ.
قَالَ يَحْيَى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] أَيْ: لأَهْلِ التَّقْوَى.
وَالْعَاقِبَةُ: الْجَنَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا لَوْلا﴾ [طه: ١٣٣] هَلا.
﴿يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [طه: ١٣٣] قَالَ اللَّه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣] التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ
[ ١ / ٢٩٥ ]
وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
قَالَ مُجَاهِدٌ: التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الْكُتُبُ قَبْلَهُ.
وَهُوَ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ.
﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا﴾ [طه: ١٣٤] هَلا.
﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] فِي الْعَذَابِ.
قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه: ١٣٥] نَحْنُ وَأَنْتُمْ.
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَرَبَّصُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَمُوتَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﵇ يَتَرَبَّصُ بِهِمْ أَنْ يَجِيئَهُمُ الْعَذَابُ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه: ١٣٥] الطَّرِيقِ الْعَدْلِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه: ١٣٥] يَعْنِي: الدِّينُ الْعَدْلُ، وَهُوَ الإِسْلامُ.
﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه: ١٣٥] أَيْ: فَسَتَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ كَانُوا عَلَى الصِّرَاطِ السَّوِيِّ، وَهُوَ طَرِيقُ الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى الْهُدَى.
[ ١ / ٢٩٦ ]