بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿كهيعص﴾ [سورة مريم: ١] .
كَانَ الْكَلْبِيُّ يَقُولُ: كَافٍ، هَادٍ، عَالِمٌ، صَادِقٌ.
وَيَقُولُ: كَافٍ لِخَلْقِهِ، هَادٍ لِعِبَادِهِ، عَالِمٌ بِأَمْرِهِ، صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ.
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لا أَدْرِي مَا تَفْسِيرُهُ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇ كَانُوا يَقُولُونَ: أَسْمَاءُ السِّوَرِ وَمَفَاتِيحُهَا.
قَالَ: ثُمَّ ابْتَدَأَ الْكَلامَ فَقَالَ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ٢] يَقُولُ: ذِكْرُهُ لِزَكَرِيَّا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ.
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] دُعَاءً لا رِيَاءَ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: خَفِيًّا، سِرًّا.
حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ قَالَ: دَعْوَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ فِي الْعَلانِيَةِ.
[ ١ / ٢١٣ ]
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] ضَعُفَتِ الْعِظَامُ مِنِّي فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: ضَعُفَ.
﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] قَالَ يَحْيَى: رَقَّ.
قَالَ: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ﴾ [مريم: ٤] أَيْ: بِدُعَائِي إِيَّاكَ.
﴿رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] يَقُولُ: لَمْ أَزَلْ بُدُعَائِكَ سَعِيدًا لَمْ تَرْدُدْهُ عَلَيَّ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمْ يَكُنْ دُعَائِي مِمَّا يَخِيبُ عِنْدَكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] أَيِ: الْوَرَثَةَ مِنْ بَعْدِي، يَعْنِي: الْعُصْبَةَ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، الَّذِينَ يَرِثُونَ مَالَهُ.
فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنْ صُلْبِهِ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ.
فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ: وَيَرِثُ مَالَهُ.
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَرِثُ عِلْمَهُ وَنُبُوَّتَهُ.
- قَالَ سَعِيدٌ: قَالَ قَتَادَةُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ زَكَرِيَّاءَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ وَرِثَهُ» .
- وَحَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ زَكَرِيَّاءَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ وَرِثَهُ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥] أَيْ: لا تَلِدُ.
﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ [مريم: ٥] مِنْ عِنْدِكَ.
﴿وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] يَعْنِي: الْوَلَدَ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] مُلْكَهُمْ وَسُلْطَانَهُمْ.
كَانَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّاءَ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ لَيْسَ يَعْنِي يَعْقُوبَ الأَكْبَرَ، يَعْقُوبُ دُونَهُ.
[ ١ / ٢١٤ ]
﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ.
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَحْيَاهُ اللَّهُ بِالإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمْ يُسَمِّ بِهِ أَحَدًا قَبْلَهُ، يَعْنِي يَحْيَى.
وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ تَلِدِ الْعَوَاقِرُ قَبْلَهُ يَقُولُ: ﴿سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]، يُسَامِيهِ، نَظِيرٌ لَهُ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٨] يَقُولُ: مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لِي غُلامٌ؟ ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٨] لا تَلِدُ.
﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] قَالَ الْحَسَنُ: أَرَادَ زَكَرِيَّاءُ أَنْ يَعْلَمَ كَيْفَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] قَالَ مُجَاهِدٌ: قُحُولُ الْعَظْمِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْعِتِيُّ: الْيَبِسُ.
وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عُسِيًّا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَبِسَ جِلْدِي عَلَى عَظْمِي.
﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ [مريم: ٩] قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ [مريم: ٩] .
﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] اللَّهُ يَقُولُهُ، وَهُوَ كَلامٌ مَوْصُولٌ أَخْبَرَ بِهِ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ:
[ ١ / ٢١٥ ]
أُعْطِيكَ هَذَا الْوَلَدَ.
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] ﴿قَالَ﴾ [مريم: ١٠] زَكَرِيَّاءُ.
﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] يَعْنِي صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ خَرَسٍ وَلا دَاءٍ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: صَحِيحًا لا يَمْنَعُكَ الْكَلامَ لِمَرَضٍ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّمَا عُوقِبَ لأَنَّهُ سَأَلَ الآيَةَ بَعْدَمَا شَافَهَتْهُ الْمَلائِكَةُ مُشَافَهَةً وَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيَى، فَأُخِذَ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ، فَجَعَلَ لا يَفِيضُ الْكَلامَ، أَيْ: لا يُبَيِّنُ الْكَلامَ إِلا مَا أَوْمَأَ إِيمَاءً وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، إِيمَاءً.
قَوْلُهُ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ [مريم: ١١] قَالَ الْحَسَن: مِنَ الْمَسْجِدِ.
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١] أَيْ: أَوْمَأَ إِلَيْهِمْ.
وقَالَ مُجَاهِدٌ: أَشَارَ إِلَيْهِمْ.
وَهُوَ وَاحِدٌ.
وقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١] يَقُولُ: كَتَبَ لَهُمْ.
﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] يَعْنِي بِهِ الصَّلاةَ، صَلاةَ الْغَدَاةِ وَصَلاةَ الْعَصْرِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] أَيْ: أَنْ صَلُّوا لِلَّهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: بِجِدٍّ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: بِالْجِدِّ وَالْمُوَاظَبَةِ.
[ ١ / ٢١٦ ]
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] يَعْنِي: الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ فِي صِغَرِهِ يَقُولُ لَهُ الصِّبْيَانُ: يَا يَحْيَى تَعَالَ نَلْعَبُ، فَيَقُولُ: لَيْسَ لِلَّعِبِ خُلِقْنَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] أَيْ: مِنْ عِنْدِنَا، أَيْ: وَأَعْطَيْنَاهُ حَنَانًا مِنْ لَدُنَّا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَعَطُّفًا مِنْ رَبِّهِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَيْ: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْحَنَانُ، الرَّحْمَةُ.
وَهُوَ نَحْوٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الزَّكَاةُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ.
قَالَ يَحْيَى: رُوِّيتُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ فِي ﴿[طه:] وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ﴿٧٥﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴿٧٦﴾﴾ [سورة طه: ٧٥-٧٦] وقَالَ الْحَسَن: زَكَاةٌ لِمْنَ قبل عَنْهُ حَتَّى يَكُونُوا أَزْكِيَاءَ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الزَّكَاةُ الصَّدَقَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٣]
- الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ وَالرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ آدَمِيٍّ» وَقَالَ الرَّبِيعُ: «مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلا وَقَدْ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ هَمَّ بِهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ لَمْ يُصِبْ ذَنْبًا وَلَمْ يَهُمَّ بِهِ» .
وَقَالَ الْمُبَارَكُ: مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلا قَدْ عَمِلَ خَطِيئَةً أَوْ هَمَّ بِهَا إِلا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ.
[ ١ / ٢١٧ ]
قَوْلُهُ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم: ١٤] يَعْنِي: مُطِيعًا لِوَالِدَيْهِ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] مُسْتَكْبِرًا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥] يَعْنِي: حِينَ وُلِدَ.
﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ [مريم: ١٥] يَعْنِي: وَحِينَ يَمُوتُ.
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ يَحْيَى وَعِيسَى الْتَقَيَا، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: اسْتَغْفِرْ لِي أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي.
وَقَالَ لَهُ الآخَرُ: اسْتَغْفِرْ لِي، أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي.
فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي.
قَالَ عِيسَى: إِنِّي سَلَّمْتُ عَلَى نَفْسِي وَسَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ.
قَالَ الْحَسَنُ: عُرِفَ وَاللَّهِ فَضْلُهَا.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ ﵎ فِي يَحْيَى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥] وَقَالَ عِيسَى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣٠-٣١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] قَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] يَقُولُ لِلنَّبِيِّ: أَيِ: اقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ يَعْنِي أَمْرَ مَرْيَمَ.
وَقَالَ السُّدِّيِّ: يَقُولُ: اذْكُرْ لأَهْلِ مَكَّةَ أَمْرَ مَرْيَمَ.
قَالَ: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ [مريم: ١٦] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِذِ انْفَرَدَتْ.
﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿١٦﴾ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٦-١٧] يَعْنِي جِبْرِيلَ.
[ ١ / ٢١٨ ]
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] يَعْنِي سَوِيَّ الْخَلْقِ، بَشَرًا فِي صُورَةِ الْبَشَرِ وَخَلْقِهِمْ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيْهَا فِيمَا يُذْكَرُ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ آدَمَ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ زَكَرِيَّاءُ كِفْلُ مَرْيَمَ وَكَانَتْ أُخْتُهَا تَحْتَهُ، وَكَانَتْ تَكُونُ فِي الْمِحْرَابِ، فَلَمَّا أَدْرَكَتْ كَانَتْ إِذَا حَاضَتْ أَخْرَجَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ إِلَى أُخْتِهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْمِحْرَابِ.
فَطَهُرَتْ مَرَّةً، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ غُسْلِهَا قَعَدَتْ فِي مَشْرَقَةٍ فِي نَاحِيَةِ الدَّارِ وَعَلَّقَتْ عَلَيْهَا ثَوْبًا سُتْرَةً.
فَجَاءَ جِبْرِيلُ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ.
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] قَالَ الْحَسَنُ: أَيْ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا لَهُ فَاجْتَنَبْنِي.
﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] أَيْ: صَالِحًا.
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٢٠] مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لِي غُلامٌ.
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠] وَلَمْ يُجَامِعْنِي زَوْجٌ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ.
﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] أَيْ: وَلَمْ أَكُ زَانِيَةً.
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١] أَنْ أَخْلُقَهُ.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: ٢١] لِمَنْ قَبِلَ عَنْهُ دِينَهُ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] كَائِنًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي كَانَ عِيسَى أَمْرًا مِنَ اللَّهِ مَكْتُوبًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهُ يَكُونُ.
فَأَخَذَ جِبْرِيلُ جَيْبَهَا بِأُصْبَعِهِ فَنَفَخَ فِيهِ، فَصَارَ إِلَى بَطْنِهَا فَحَمَلَتْ.
[ ١ / ٢١٩ ]
قَالَ: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ [مريم: ٢٢] قَالَ الْحَسَنُ: تِسْعَةُ أَشْهُرٍ فِي بَطْنِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيْ فَانْفَرَدَتْ بِهِ مَكَانًا شَاسِعًا مُنْتَحِيًا.
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٣] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: أَلْجَأَهَا الْمَخَاضُ.
﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣] قَالَ الْحَسَنُ: مِمَّا خَشِيَتْ مِنَ الْفَضِيحَةِ.
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ [مريم: ٢٣] لا أَذْكُرُ.
﴿مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] لَمْ أُذْكَرْ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: قَالَتْ: أَيْ شَيْءٌ لا يُعْرَفُ وَلا يُذْكَرُ.
وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: وَكنت حيضة نسيتها.
وَذَكَرَ حَمَّادٌ الْمَرْأَةَ النَّسُوءَ.
وَقَالَ حَمَّادٌ: النَّسُوءُ الَّتِي يُظَنُّ بِهَا حَمْلٌ فَلا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] قَالَ: الْقَوْمُ يَنْزِلُونَ الْمَنْزِلَ ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ وَيَنْسَوْنَ الشَّيْءَ فَيُسَمَّى ذَلِكَ الشَّيْءُ: النَّسَا.
قَوْلُهُ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم: ٢٤] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ الْمَلَكُ، يَعْنِي جِبْرِيلَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَحْتِهَا﴾ [مريم: ٢٤]
[ ١ / ٢٢٠ ]
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: تَحْتَهَا مِنَ الأَرْضِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿تَحْتِهَا﴾ [مريم: ٢٤] يَعْنِي عِيسَى.
- ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: هُوَ الْجَدْوَلُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتْ عَجْوَةً.
يَسَّاقَطْ عَلَيْكِ الْجِذْعُ.
﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] وَكَانَ جِذْعُ النَّخْلَةِ يَابِسًا.
وَمَنْ قَرَأَهَا: ﴿تُسَاقِطْ﴾ [مريم: ٢٥] يَقُولُ: النَّخْلَةُ.
﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] حِينَ اجْتُنِيَ.
﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ [مريم: ٢٦] فَكُلِي مِنَ الرُّطَبِ وَاشْرَبِي مِنَ الْجَدْوَلِ.
وَالسَّرِيُّ هُوَ الْجَدْوَلُ، وَهُوَ النَّهْرُ، وَهُوَ بِالسِّرْيَانِيَّةِ سريا.
قَالَ: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتْ تُقْرَأُ فِي الْحَرْفِ الأَوَّلِ: صَمْتًا.
وَبَلَغَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا: صَوْمًا صَمْتًا.
[ ١ / ٢٢١ ]
﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي هَذَا الْكَلامِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ آيَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ لَهَا يَوْمَئِذٍ وَإِنْ شِئْتَ رَأَيْتَ امْرَأَةً سَفِيهَةً تَقُولُ: أَصُومُ صَوْمَ مَرْيَمَ وَلا تَتَكَلَّمُ فِي صَوْمِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ [مريم: ٢٧] لَقَدْ أَتَيْتِ.
﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] يَعْنِي عَظِيمًا فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ.
﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] رَجُلَ سُوءٍ، يَعْنِي مَا كَانَ زَانِيًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] يَعْنِي وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ زَانِيَةً.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَيْسَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى وَلَكِنَّهُ هَارُونُ آخَرُ كَانَ يُسَمَّى هَارُونَ الصَّالِحَ الْمُحَبَّبَ فِي عَشِيرَتِهِ.
ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ اتَّبَعَ جَنَازَتَهُ يَوْمَ مَاتَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا كُلُّهُمْ يُسَمَّى هَارُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
أَيْ فَقَالُوا: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] فِي عِبَادَتِهِ وَفَضْلِهِ ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] قَوْلُهُ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] بِيَدِهَا.
قَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَتْهُمْ بِكَلامِهِ.
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ﴾ [مريم: ٢٩] يَعْنِي: مَنْ هُوَ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْمَهْدُ، الْحِجْرُ.
فَقَالَ عِيسَى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣٠-٣١]
[ ١ / ٢٢٢ ]
سَمِعْتُ بَعْضَ الْكُوِفيِّينَ يَقُولُ: أَيْ مُعَلِّمًا، مُؤَدِّبًا.
﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم: ٣١-٣٢] أَيْ: وَجَعَلَنِي بَرًّا بِوَالِدَتِي، يَعْنِي مُطِيعًا لأَمْرِ مَرْيَمَ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] مُسْتَكْبِرًا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يَجْعَلْنِي ﴿شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ﴾ [مريم: ٣٣] حِينَ.
﴿وُلِدْتُ وَيَوْمَ﴾ [مريم: ٣٣] وَحِينَ.
﴿أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغَ الْغِلْمَانِ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] قَالَ الْحَسَنُ: وَالْحَقُّ هُوَ اللَّهُ.
هُوَ قَوْلُهُ.
﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] قَالَ قَتَادَةُ: امْتَرَتْ فِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
أَمَّا الْيَهُودُ فَزَعَمُوا أَنَّهُ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَزَعَمُوا أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَإِلَهٌ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: ٣٥] يُنَزِّهُ نَفْسَهُ عَمَّا يَقُولُونَ.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [مريم: ٣٥] يَعْنِي عِيسَى كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] هَذَا قَوْلُ عِيسَى لَهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧] فِي الدِّينِ، يَعْنِي النَّصَارَى، فَتُجَادِلُوا
[ ١ / ٢٢٣ ]
فِي عِيسَى، فَقَالَتِ النُّسْطُورِيَّةُ: عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، تَعَالَى رَبُّنَا عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] جَلَّ رَبُّنَا عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْملكَانِيُّونَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] قَالُوا: اللَّهُ إِلَهٌ، وَعِيسَى إِلَهٌ، وَمَرْيَمُ إِلَهٌ.
تَعَالَى رَبُّنَا عَنِ اتِّخَاذِ الأَبْنَاءِ وَمُحَاوَزَةِ الشُّرَكَاءِ، وَتَقَدَّسَ عَنْ مُلامَسَةِ النِّسَاءِ.
فَهُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ ﷿.
هَذَا تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عِيسَى لَمَّا رُفِعَ انْتَخَبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَرْبَعَةً مِنْ فُقَهَائِهِمْ، فَقَالُوا لِلأَوَّلِ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ قَالَ: هُوَ اللَّهُ هَبَطَ إِلَى الأَرْضِ فَخَلَقَ مَا خَلَقَ وَأَحْيَا ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ.
فَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ فَكَانَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى.
فَقَالَ الثَّلاثَةُ الآخَرُونَ: نَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ.
فَقَالُوا لِلثَّانِي: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَقَالَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ.
فَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ فَكَانَتِ النُّسْطُورِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى.
فَقَالَ الاثْنَانِ الآخَرَانِ: نَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ.
فَقَالُوا لِلثَّالِثِ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَقَالَ: هُوَ إِلَهٌ، وَأُمُّهُ إِلَهٌ، وَاللَّهُ إِلَهٌ.
فَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ فَكَانَتِ الإِسْرَائِيلِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى.
فَقَالَ الرَّابِعُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، وَلَكِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مِنْ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ.
فَاخْتَصَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يُطْعِمُ الطَّعَامَ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُطْعِمُ الطَّعَامَ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَنَامُ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَنَامُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
فَخَصَمَهُمُ الْمُسْلِمُ.
فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ.
فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْيَعْقُوبِيَّةُ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ.
وَأُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ
[ ١ / ٢٢٤ ]
أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] قَالَ اللَّهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] قَالَ قَتَادَةُ: شَهِدُوا مَشْهَدًا عَظِيمًا.
قَوْلُهُ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] قَالَ قَتَادَةُ: وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: مَا أَسْمَعَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَمَا أَبْصَرَهُمْ.
قَالَ قَتَادَةُ: سَمِعُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ السَّمْعُ وَأَبْصَرُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْبَصَرُ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ﴾ [مريم: ٣٨] أَيِ الْمُشْرِكُونَ.
﴿الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] بَيِّنٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]
- حَدَّثَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثًا فِي الْبَعْثِ قَالَ: فَلَيْسَ مِنْ نَفْسٍ إِلا وَهُيَ تَنْظُرُ إِلَى بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ وَبَيْتٍ فِي النَّارِ، قَالَ: وَهُوَ يَوْمُ الْحَسْرَةِ.
فَيَرَى أَهْلُ النَّارِ الْبَيْتَ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: لَوْ عَلِمْتُمْ، فَتَأْخُذُهُمُ الْحَسْرَةُ.
وَيَرَى أَهْلُ الْجَنَّةِ الْبَيْتَ الَّذِي فِي النَّارِ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْلا أَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْكُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] يَعْنِي إِذْ وَجَبَ الْعَذَابُ فَوَقَعَ أَهْلُ النَّارِ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
- بَلَغَنِي عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: يُجَاءُ بِالْمَوْتِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ حَتَّى يُجْعَلَ عَلَى السُّورِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَيَا أَهْلَ النَّارِ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ هَذَا الْمَوْتُ.
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيُذْبَحُ عَلَى السُّورِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ هَكَذا يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ
[ ١ / ٢٢٥ ]
فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]
- إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِذَا أَدْخَلَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ أُتِيَ بِالْمَوْتِ فَجُعِلَ عَلَى السُّورِ ثُمَّ يُنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ، فَيُذْبَحُ عَلَى السُّورِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ يُقَالُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ: خُلُودٌ فَلا مَوْتَ.
- عُثْمَانُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إِذَا أَدْخَلَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَهُمَا يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لا مَوْتَةَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لا مَوْتَةَ وَكُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩] فِي الدُّنْيَا.
وَهَذَا كَلامٌ مُسْتَقْبَلٌ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ.
﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠] نُهْلِكُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] يَقُولُ: اذْكُرْ لأَهْلِ مَكَّةَ أَمْرَ إِبْرَاهِيمَ.
أَيِ: اقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ.
وَهُوَ تَفْسُيرُ السُّدِّيِّ.
إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿٤١﴾ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَه لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَعْنِي الأَصْنَامَ.
يَا أَبَه إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ يَعْنِي النُّبُوَّةَ.
﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] يَعْنِي دِينًا عَدْلا، وَهُوَ الإِسْلامُ.
وَهُوَ
[ ١ / ٢٢٦ ]
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا إِلَى الْجَنَّةِ.
يَا أَبَه لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا إِنَّ عِبَادَةَ الْوَثَنِ عِبَادَةُ الشَّيْطَانِ، لأَنَّ الْوَثَنَ لَمْ يَدْعُهُ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ دَعَاهُ إِلَى عِبَادَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] إِلا أَمْوَاتًا، شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] قَوْلُهُ: يَا أَبَه إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا أَيْ: إِنَّكَ إِذَا نَزَلَ بِكَ
الْعَذَابُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُكَ، وَمَا لَمْ يُنَزَّلِ الْعَذَابُ فَتَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ إِنْ تُبْتَ.
وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَرْجُو أَنْ يَتُوبَ.
فَلَمَّا مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ ذَهَبَ ذَلِكَ الرَّجَاءُ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦] أَنْ تَعْبُدَهَا.
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم: ٤٦] عَنْ شَتْمِهَا وَذَمِّهَا.
﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] بِالْحِجَارَةِ فَلأَقْتُلَنَّكَ بِهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] يَعْنِي لأَشْتُمَنَّكَ.
﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] نا يَحْيَى قَالَ: نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَاهْجَرْنِي سَالِمًا.
نا يَحْيَى، قَالَ: نا عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: وَاهْجُرْنِي حِينًا.
نا يَحْيَى قَالَ: نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: وَاهْجُرْنِي طَوِيلا.
قَالَ يَحْيَى: أَيْ وَأَطِلْ هِجْرَانِي.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ.
﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧] يَعْنِي رَدَّ خَيْرًا فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَهَذِهِ كَلِمَةُ حِلْمٍ.
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] بِدُعَائِي فَلا يَرُدُّهُ عَلَيَّ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ: إِنَّهُ كَانَ بِي رَحِيمًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَطِيفًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] قَوْلُهُ: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] يَعْنِي أَصْنَامَهُمْ.
﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] أَيْ عَسَى أَنْ أُسْعَدَ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٩] يَعْنِي أَصْنَامَهُمْ.
﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩] أَيْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم: ٥٠] النُّبُوَّةَ.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] رَفِيعًا، سُنَّةٌ يَقْتَدِي بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ وَثَنَاءً عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] أَبْقَيْنَا عَلَيْهِمُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] أَبْقَيْنَا عَلَيْهِمُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧] .
قَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾ [مريم: ٥١] يَقُولُ: اذْكُرْ لأَهْلِ مَكَّةَ أَمْرَ مُوسَى.
أَيِ: اقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
[ ١ / ٢٢٨ ]
﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا ﴿٥١﴾ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥١-٥٢] أيمن الجبل، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١-١٢] قَوْلُهُ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] حِينَ كَلَّمَهُ اللَّهُ.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وَزِيرًا وَأَشْرَكَهُ مَعَهُ فِي الرِّسَالَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ [مريم: ٥٤] يَقُوُل: اذْكُرْ لأَهْلِ مَكَّةَ أَمْرَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤] نا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبَانٌ الْعَطَّارُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ وَعَدَ رَجُلا مَوْعِدًا فَجَاءَ الْمَوْعِدُ فَلَمْ يَجِدِ الرَّجُلَ، فَأَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَوْلا يَنْتَظِرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وَأَهْلُهُ: قَوْمُهُ.
﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] قَدْ رَضِيَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦] يَقُولُ: اذْكُرْهُ لأَهْلِ مَكَّةَ.
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿٥٦﴾ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿٥٧﴾﴾ [مريم: ٥٦-٥٧] نا يَحْيَى، قَالَ: نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ.
قَالَ: نا عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدا قَالَ: لَمْ يَمُتْ، رُفِعَ كَمَا رُفِعَ عِيسَى.
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [مريم: ٥٨] أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ، يَعْنِي مَنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [مريم: ٥٨] ذُرِّيَّةُ مَنْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ مَعَ نُوحٍ.
كَانَ إِدْرِيسُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَ نُوحٍ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.
[ ١ / ٢٢٩ ]
قَالَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ [مريم: ٥٨] وَهُوَ يَعْقُوبُ، وَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِيهَا مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ.
قَالَ: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ [مريم: ٥٨] لِلإِيمَانِ.
﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾ [مريم: ٥٨] بِالنُّبُوَّةِ.
وَتَفْسِيرُ اجْتَبَيْنَا اخْتَرْنَا، وَهُوَ أَيْضًا اصْطَفَيْنَا.
قَالَ: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْيَهُودُ.
﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] قَالَ يَحْيَى: وَقَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] الْيَهُودُ فِي نِكَاحِ بَنَاتِ الأَخِ.
- قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] حَدَّثَنِي شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَادِي فِي جَهَنَّمَ مِنْ حَمِيمٍ.
وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: وَادِي فِي جَهَنَّمَ بَعِيدُ الْقَعْرِ خَبِيثُ الطَّعْمِ.
نا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: نَهْرٌ فِي
[ ١ / ٢٣٠ ]
جَهَنَّمَ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠] يَقُولُ: لا يُنْقِصُونَ شَيْئًا مِنْ حَسَنَاتِهِمْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْئًا.
قَالَ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [مريم: ٦١]
- أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَدْنٌ بُطْنَانُ الْجَنَّةِ.
وَأَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: جَنَّةُ عَدْنٍ الَّتِي بِهَا مَوْطأ الرَّبِّ وَمَوْضِعُ عَرْشِهِ.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِنَانَ تُنْسَبُ إِلَيْهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: عَدْنٌ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] وَعَدَهُمْ فِي الدُّنْيَا الْجَنَّةَ فِي الآخِرَةِ.
وَالْغَيْبُ الآخِرَةُ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، قَالَ: بِالْبَعْثِ، وَبِالْحِسَابِ وَبِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهَذَا كُلُّهُ غَيْبٌ.
قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [مريم: ٦٢] قَالَ بَعْضُهُمْ: كَذِبًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَاطِلا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْصِيَةً.
وَهُوَ نَحْوٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: حَلِفًا كَفِعْلِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِذَا شَرِبُوا الْخَمْرَ.
[ ١ / ٢٣١ ]
قَالَ: ﴿إِلا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢] قَالَ بَعْضُهُمْ: إِلا خَيْرًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهْم: يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا كُلَّ سَاعَةٍ، وَالْبُكْرَةُ وَالْعَشِيُّ سَاعَتَانِ مِنَ السَّاعَاتِ وَلَيْسَ ثَمَّ لَيْلٌ إِنَّمَا هُوَ ضَوْءٌ وَنُورٌ.
نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَيْسَ فِيهَا بُكْرَةٌ وَلَكِنْ يَؤْتُونَ بِهِ عَلَى مَا كَانُوا يَشْتَهُونَ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُ إِذَا مَضَى ثَلاثُ سَاعَاتٍ أُوتُوا بِغَدَائِهِمْ، فَإِذَا بَقِيَتْ ثَلاثُ سَاعَاتٍ أُوتُوا بِعَشَائِهِمْ.
وَمِقْدَارُ النَّهَارِ عِنْدَهُمُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً فِي عَدَدِ نَهَارِ الدُّنْيَا.
- أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْجَنَّةُ بَيْضَاءُ تَتَلأْلأُ وَأَهْلُهَا بِيضٌ، لا يَنَامُ أَهْلُهَا، وَلَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ، وَلا لَيْلٌ مُظْلِمٌ، وَلا حَرٌّ وَلا بَرْدٌ يُؤْذِيهِمْ» .
- نا خَالِدٌ، عَنْ نُفَيْعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي الْجَنَّةِ لَيْلٌ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ ظُلْمَةٌ، إِنَّ اللَّيْلَ ظُلْمَةٌ وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ ظُلْمَةٌ.
إِنَّ شَجَرَهَا نُورٌ، وَأَنْهَارَهَا نُورٌ، وَثَمَرَهَا نُورٌ، وَخَدَمَهَا نُورٌ» .
- نا خَالِدٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "
[ ١ / ٢٣٢ ]
إِنَّ أَسْفَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً آخِرُ رَجُلٍ يَدْخُلُهَا قَدْ مَسَّهُ سَفْعٌ مِنَ النَّارِ فَيُعْطَى فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ.
قَالَ: فَيَبْلُغُ حَيْثُ يَنْتَهِي بَصَرُهُ، وَيُفْسَحُ لَهُمْ فِي أَبْصَارِهِمْ فَيَبْلُغُ مُنْتَهَى بَصَرِهِ مَسِيرَةَ مِائَةِ سَنَةٍ كُلُّهُ لَهُ لَيْسَ فِيهِ مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلا وَهُوَ عَامِرٌ، قُصُورُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَخِيَامُ اللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ، لَيْسَ فِيهَا قَصْرٌ خَرِبٌ، فِيهَا أَزْوَاجُهُ وَخَدَمُهُ، يُغْدَى عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِسَبْعِينَ أَلْفَ صَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَوْنٌ لَيْسَ فِي الأُخْرَى، يَأْكُلُ مِنْ آخِرِهَا كَمَا يَأْكُلُ مِنْ أَوَّلِهَا.
وَيُرَاحُ عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا، لَوْ نَزَلَ بِهِ الْجِنُّ وَالإِنْسُ فِي غَدَاءٍ وَاحِدٍ لأَوْسَعَهُمْ وَلا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْئًا ".
- أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَسْفَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً لَلَّذِي يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ غُلامٍ، مَا مِنْهُمْ غُلامٌ إِلا وَبِيَدِهِ صَحْفَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا لَوْنٌ مِنَ الطَّعَامِ لَيْسَ فِي صَاحِبَتِهَا مِثْلُهُ يَجِدُ طَعْمَ أَوَّلِهَا كُلَّه وَآخِرِهَا، وَيَجِدُ لَذَّةَ آخِرِهَا كَطَعْمِ أَوَّلِهَا لا يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا» .
ثُمَّ قَالَ: " أَلا تَسْأَلُونِي عَنْ أَرْفَعِ أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً؟ قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَرْفَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً لَلَّذِي يَسْعَى عَلَيْهِ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفِ غُلامٍ، مَا فِيهِمْ غُلامٌ إِلا وَبِيَدِهِ صَحْفَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا لَوْنٌ مِنَ الطَّعَامِ لَيْسَ فِي صَاحِبَتِهَا مِثْلُهُ، يَجِدُ طَعَامَ أَوَّلِهَا كَمَا يَجِدُ آخِرَهَا، لا يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَإِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَلَّذِي لَهُ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ يَنْظُرُ إِلَى أَقْصَاهَا كَمَا يَنْظُرُ إِلَى أَدْنَاهَا، وَقُصُورُهُ دُرَّةٌ بَيْضَاءُ، وَيَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، مُطَّرِدَةٌ فِيهَا أَنْهَارُهَا فِيهَا ثِمَارُهَا مُتَدَلِّيَةٌ ".
قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] حَدَّثَنِي الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَاقْتَسِمُوهَا بِأَعْمَالِكُمْ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَذَا قَوْلُ جِبْرِيلَ.
احْتُبِسَ عَنِ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ الْوَحْيِ
[ ١ / ٢٣٣ ]
فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﵇: «مَا جِئْتَ حَتَّى اشْتَقْتُ إِلَيْكَ» .
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: ٦٤] يَعْنِي مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ.
﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، أَيْ إِذَا كُنَّا فِي الآخِرَةِ.
﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: ٦٤] مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ الْبَرْزَخُ، يَعْنِي: مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] يَعْنِي مَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِنَا وَمَا يَكُونُ بَعْدَ خَلْقِنَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴿٦٤﴾ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٤-٦٥] قَالَ الْحَسَنُ: لِمَا فُرِضَ عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ عَدْلا.
قَالَ يَحْيَى: أَيْ مِنْ قِبَلِ الْمُسَامَاةِ.
أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: اللَّهُ وَالرَّحْمَنُ اسْمَانِ مَمْنُوعَانِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَنْتَحِلَهُمَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَيْ إِنَّكَ لا تَعْلَمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] هَذَا الْمُشْرِكُ يُكَذِّبُ بِالْبَعْثِ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ
[ ١ / ٢٣٤ ]
السَّلامُ حَيْثُ جَاءَ بِعَظْمٍ نَخِرٍ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَيُحْيِي اللَّهُ هَذَا؟ وَتَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ يس.
قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] فَالَّذِي خَلَقَهُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ.
﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨] الَّذِينَ دَعَتْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ.
﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: عَلَى رُكَبِهِمْ.
قَالَ يَحْيَى: وَهَذَا قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] جَمَاعَةً جَمَاعَةً.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: جَمَاعَةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ عَلَى حِدَتِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، يَعْنِي مِنْ كُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ.
قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي كُفَّارَهَا.
﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] قَالَ مُجَاهِدٌ: كُفْرًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: شِدَّةٌ فِي الْقَسْوَةِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَشَدُّ مَعْصِيَةً.
[ ١ / ٢٣٥ ]
أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ الْجَبَّارُ ﵎، حَتَّى إِذَا اسْتَوَى عَلَى كُرْسِيِّهِ نَادَى بِصَوْتِهِ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] فَلا يُجِيبُهُ أَحَدٌ فَيَرُدُّ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴿١٦﴾ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٧﴾﴾ [غافر: ١٦-١٧] ثُمَّ أَتَتْ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ تَسْمَعُ وَتُبْصِرُ وَتَتَكَلَّمُ
حَتَّى إِذَا أَشْرَفَتْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ نَادَتْ بِصَوْتِهَا: أَلا إِنِّي قَدْ وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ، أَلا إِنِّي قَدْ وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ أَلا إِنِّي قَدْ وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ، بِمَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، أَوْ قَالَ بِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، أَوْ بِمَنْ دَعَا لِلَّهِ وَلَدًا، أَوْ بِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ثُمَّ صَوَّبَتْ رَأْسَهَا وَسَطَ الْخَلائِقِ فَالْتَقَطَتْهُمْ كَمَا تَلْتَقِطُ الْحَمَامُ حَبَّ السِّمْسِمِ، ثُمَّ غَاضَتْ بِهِمْ فَأَلْقَتْهُمْ فِي النَّارِ.
ثُمَّ عَادَتْ حَتَّى إِذَا كَانَتْ مَكَانَهَا نَادَتْ: إِنِّي قَدْ وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ، إِنِّي قَدْ وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ، إِنِّي قَدْ وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ: بِمَنْ سَبَّ اللَّهَ، وَبِمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، وَبِمَنْ آذَى اللَّهَ.
قَالَ: فَأَمَّا الَّذِي سَبَّ اللَّهَ فَالَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَوَلَدًا وَهُوَ وَاحِدٌ صَمَدٌ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾﴾ [الإخلاص: ٣-٤] وَأَمَّا الَّذِي كَذَبَ عَلَى اللَّهِ قَالَ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٣٨﴾ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴿٣٩﴾﴾ [النحل: ٣٨-٣٩] وَأَمَّا الَّذِي
آذَى اللَّهَ فَالَّذِي يَصْنَعُ الصُّوَرَ.
فَتَلْتَقِطُهُمْ كَمَا تَلْتَقِطُ الطَّيْرُ الْحَبَّ حَتَّى تَغِيضَ بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ.
[ ١ / ٢٣٦ ]
- الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: تَنْدَلِقُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، فَتَلْتَقِطُهُمْ فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ، فَتُلْقِيهِمْ فِي النَّارِ ثُمَّ تَرْجِعُ فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ.
قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ مِنَ الْخِصَالِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ فِيمَا أَحْسِبُ.
مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ: تَنْزِلُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ بِثَلاثَةٍ: بِالَّذِينَ كَذَّبُوا اللَّهَ، وَبِالَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، وَبِالَّذِينَ آذَوُا اللَّهَ.
قَالَ: فَأَمَّا الَّذِينَ كَذَّبُوا اللَّهَ فَالَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وَكُتُبَهُ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ فَالَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَأَمَّا الَّذِينَ آذَوُا اللَّهَ فَالْمُصَوِّرُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠] يَعْنِي الَّذِينَ يَصْلَوْنَهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَشَدُّ عَذَابًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] يَعْنِي قَسَمًا كَائِنًا.
- حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ: الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ، وَالْمَلائِكَةُ مَعَهُمْ كَلابِيبُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا وَقَعَ رَجُلٌ اخْتَطَفُوهُ، فَيَمُرُّ الصِّنْفُ الأَوَّلُ كَالْبَرْقِ، وَالثَّانِي كَالرِّيحِ، وَالثَّالِثُ كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ كَأَجْوَدِ الْبَهَائِمِ، وَالْمَلائِكَةُ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ.
- الْمُعَلَّى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ نَافِعُ بْنُ الأَزْرَقِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَقَالَ نَافِعٌ: أَمَّا الْكُفَّارُ فَإِنَّهُمْ يَرِدُونَهَا.
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَإِنَّهُمْ لا يَرِدُونَهَا.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ إِيَاسُ بْنُ مُضَرِّبٍ، فَقَالَ
[ ١ / ٢٣٧ ]
ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا أَنَا وَإِيَاسٌ فَإِنَّا سَنَرِدُهَا فَأَنْظُرُ هَلْ نَخْرُجَنَّ مِنْهَا أَمْ لا.
عُثْمَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] إِلا دَاخِلُهَا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِ بَرْدًا وَسَلامًا كَمَا جَعَلَهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنِّي لأَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَلا يَدْخُلَ النَّارُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: بَلَى، فَانْتَهَرَهَا انْتِهَارًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَقَالَ النَّبِيُّ: أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] خَالِدٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ.
الْمُعَلَّى، عَنْ أَبَانٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ.
وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: يُضْرَبُ الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضٍ مَزَلَّةٍ، فَيَمُرُّونَ عَلَيْهِ كَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ، وَكَانْقِضَاضِ الْكَوَاكِبِ، وَكَجَوَادِ الْخَيْلِ، وَكَجَوَادِ الرِّجَالِ، وَالْمَلائِكَةُ بِجَنْبَيِ الصِّرَاطِ مَعَهُمْ خَطَاطِيفُ كَشَوْكِ السَّعْدَانِ، فَنَاجٍ سَالِمٌ، وَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمُكَرْدَسٌ فِي النَّارِ، وَالْمَلائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ.
- وأَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يُضْرَبُ الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ فَيَمُرُّ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ زُمَرًا: أَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، ثُمَّ كَأَسْرَعِ الْبَهَائِمِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَمُرَّ الرُّجُلُ سَعْيًا، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ مَشْيًا.
وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: وَتَزَلُّ قَدَمٌ وَتَسْتَمْسِكُ أُخْرَى.
قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ رَجُلٌ يَتَلَبَّطُ عَلَى بَطْنِهِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لِمَ
[ ١ / ٢٣٨ ]
أَبْطَأْتَ بِي؟ فَيَقُولُ: لِمَا أَبْطَأَ بِكَ عَمَلُكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: عَلَى رُكَبِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَمَاعَةً جَمَاعَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [مريم: ٧٣] نَحْنُ وَأَنْتُمْ.
﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] الْمَقَامُ: الْمَسْكَنُ، وَالنَّدِيُّ: الْمَجْمَعُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: النَّدِيُّ، الْمَجْلِسُ.
وَهُوَ وَاحِدٌ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِهَؤُلاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: قَالَ قَتَادَةُ: رَأَوْا أَصْحَابَ نَبِيِّ اللَّهِ فِي عَيْشِهِمْ خُشُونَةٌ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] مِنْهُمْ.
وَالأَثَاثُ: الْمَالُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَتَاعُ.
﴿وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] مَنْ قَرَأَهَا مَهْمُوزَةً فَيَقُولُ: مَنْظَرًا.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] أَكْثَرُ مَتَاعًا وَأَحْسَنُ مَرْآةً وَمَنْظَرًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَرِئْيًا، صِوَرًا.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وَمَنْ قَرَأَهَا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ فَيَقُولُ: وَرِيًّا مِنْ قِبَلِ الرَّوَاءِ.
وَإِنَّمَا عَيْشُ النَّاسِ بِالْمَطَرِ، بِهِ تَنْبُتُ زَرْعُهُمْ وَتَعِيشُ مَاشِيَتُهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ﴾ [مريم: ٧٥] هَذَا الَّذِي يَمُوتُ عَلَى ضَلالَتِهِ.
﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] هَذَا دُعَاءٌ، فَأَمَدَّ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا.
أَمَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ أَنْ يَدْعُو بِهَذَا.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: فَلْيَدَعَهُ الرَّحْمَنُ فِي طُغْيَانِهِ.
قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ﴾ [مريم: ٧٥] فِي الدُّنْيَا قَبْلَ عَذَابِ الآخِرَةِ.
﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥] أَيْ وَإِمَّا عَذَابُ الآخِرَةِ، فَهُوَ الْعَذَابُ الأَكْبَرُ.
لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلا وَهُوَ يُحَذِّرُ أُمَّتَهُ عَذَابَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابَهُ فِي الآخِرَةِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
قَالَ: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ [مريم: ٧٥] عِنْدَ ذَلِكَ.
﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥] أَهُمْ أَمِ الْمُؤْمِنُونَ.
﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥] فِي النُّصْرَةِ وَالْمَنَعَةِ.
أَيْ إِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ أَحَدٌ يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
قَالَ: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] يَعْنِي: يَزِيدُهُمْ إِيمَانًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم: ٧٦] قَالَ الْحَسَنُ: الْفَرَائِضُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
[ ١ / ٢٤٠ ]
- الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ لَقِيَ إِبْرَاهِيمَ النَّبِيَّ فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ السَّلامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةٌ تُرْبَتُهَا، طَيِّبٌ مَاؤُهَا، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غَرْسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
- وَحَدَّثَنِي أَبُو الأَسْحَمِ عُقْبَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: سُبْحَانُ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
- وَحَدَّثَنِي الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لأَصْحَابِهِ يَوْمًا: «خُذُوا جُنَّتَكُمْ» .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قَالَ: «خُذُوا جُنَّتَكُمْ مِنَ النَّارِ» .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُنَّتُنَا؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُقَدِّمَاتٍ، وَمُجَنِّبَاتٍ، وَمُعَقِّبَاتٍ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ» .
قَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [مريم: ٧٦] جَزَاءً فِي الآخِرَةِ.
﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] خَيْرٌ عَاقِبَةً مِنْ أَعْمَالِ الْكُفَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] أَيْ فِي الآخِرَةِ.
[ ١ / ٢٤١ ]
قَالَ اللَّهُ: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] عَلَى الاسْتِفْهَامِ، فَعَلِمَ مَا فِيهِ، أَيْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْغَيْبِ.
قَالَ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] أَيْ لَمْ يَفْعَلْ، وَتَفْسِيرُهُ فِي آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ.
- أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي عِنْدَهُ دَرَاهِمُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ.
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ.
قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَسَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ.
فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ هَذِهِ الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇ أَتَى رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا لَهُ فَقَالَ: أَلَيْسَ يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ حَرِيرًا وَذَهَبًا؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمِيعَادُكُمُ الْجَنَّةُ.
فَوَاللَّهِ لا أُؤْمِنُ بِكِتَابِكُمُ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ ﴿لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] .
قَالَ اللَّه: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] فَعَلِمَ مَا لَهُ فِيهِ.
﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] بِعَمَلٍ صَالِحٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]
- حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ تَامَّاتٍ
[ ١ / ٢٤٢ ]
فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ تَامَّاتٍ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» .
وَقَدْ قَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] بِعَمَلٍ صَالِحٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعَهْدُ التَّوْحِيدُ.
قَوْلُهُ: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩] يَعْنِي لا انْقِطَاعَ لَهُ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ يَحْيَى: وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠] قَوْلُهُ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: نَرِثُهُ مَا عِنْدَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] مَالَهُ وَوَلَدَهُ.
وَكَذَلِكَ الَّذِي قَالَ الْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ.
﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] كَقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] وَإِنَّمَا يَرْجُونَ مَنْفَعَةَ أَوْثَانِهِمْ فِي الدُّنْيَا، لا يُقِرُّونَ بِالآخِرَةِ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم: ٨٢] فِي الآخِرَةِ وَفِي الدُّنْيَا.
﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فِي النَّارِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُرَنَاءُ فِي النَّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَبْرَأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
[ ١ / ٢٤٣ ]
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُ يُقْرَنُ هُوَ وَشَيْطَانُهُ فِي سِلْسِلَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تُزْعِجُهُمْ إِزْعَاجًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٨٤] وَهَذَا وَعِيدٌ.
﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] الأَنْفَاسَ، يَعْنِي الأَجَلَ.
حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُتِبَ فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ، أَجَلُهُ ثُمَّ يُكْتَبُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ: ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا، وَذَهَبَ يَوْمَ كَذَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى أَجَلِهِ.
- قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ مَنْ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عَلَى الإِبِلِ.
- وَبَلَغَنِي ثم، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَكُونُ الْوَافِدُ إِلا الرَّاكِبَ؟ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ إِذَا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمُ اسْتُقْبِلُوا بِنُوقٍ بِيضٍ لَهَا أَجْنِحَةٌ عَلَيْهَا رَحَائِلُ الذَّهَبِ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ» .
- عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ وَخِدَاشٌ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خِرْ لِي.
قَالَ: «هَاهُنَا، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالا وَرُكْبَانًا، وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ» .
- سَعِيد، عَن قَتَادَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَمْشِي عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: «إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ» .
- إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي رِشْدِينَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْخُثَيْمِ أَنَّهُ
[ ١ / ٢٤٤ ]
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِذَا بُنِيَتِ الْجَبَّانَةُ فَاخْرُجْ إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلاثَ أُمَمٍ: أُمَّةً عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَأُمَّةً عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأُمَّةً عَلَى الإِبِلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [مريم: ٨٦] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عِطَاشًا.
وَحَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عِطَاشًا وَاللَّهِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سِيقُوا إِلَيْهَا وَهُمْ ظِمَاءٌ قَدْ تَقَطَّعَتْ أَعْنَاقُهُمْ.
أَيْ مِنَ الْعَطَشِ.
قَوْلُهُ: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] قَدْ فَسَّرْنَا الْعَهْدَ فِي الآيَةِ الأُولَى.
وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ
- فَحَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلَى الثَّقَفِيُّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ شَفَعَ النَّبِيُّ لأُمَّتِهِ، وَشَفَعَ الشَّهِيدُ لأَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمُؤْمِنُ لأَهْلِ بَيْتِهِ، وَتَبْقَى شَفَاعَةُ الرَّحْمَنِ.
يُخْرِجُ اللَّهُ أَقْوَامًا مِنَ النَّارِ قَدِ احْتَرَقُوا فِيهَا فَصَارُوا حُمَمًا، فَتَبْثُثْهُمْ بِالْعَرَاءِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَهْرًا مِنَ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ الْحَيَاةُ فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْغُثَاءُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، أَلا تَرَوْنَ أَنَّهُ يَبْدَأُ فَيَكُونُ
[ ١ / ٢٤٥ ]
أَبْيَضَ، ثُمَّ يَكُونُ أَصْفَرَ، ثُمَّ يَكُونُ أَخْضَرَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ قَدْ رَأَيْتَهُ، قَالَ: ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا رَآهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ قَالُوا: هَؤُلاءِ
عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، فَهُمْ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا، وَأَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً ".
- وَحَدَّثَنِي دُرُسْتُ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا أَزَالُ أَشْفَعُ حَتَّى أَقُولَ رَبِّ شَفِّعْنِي فِيمَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ وَلَكِنَّهَا لِي» .
- وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ الْكَلاعِيِّ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
قَالَ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي مِنَ اللَّيْلِ فَإِذَا أَنَا لا أَرَى فِي الْعَسْكَرِ شَيْئًا أَطْوَلَ مِنْ مُؤَخِّرَةِ رَحْلٍ، قَدْ لُصِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ وَبَعِيرٍ بِالأَرْضِ.
فَقُمْتُ أَتَخَلَّلُ النَّاسَ حَتَّى دَفَعْتُ إِلَى مَضْجَعِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِيهِ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى الْفِرَاشِ فَإِذَا هُوَ بَارِدٌ.
فَخَرَجْتُ أَتَخَلَّلُ النَّاسَ وَأَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذُهِبَ بِرَسُولِ اللَّهِ، حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَإِذَا أَنَا بِسَوَادٍ.
فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ وَإِذَا بَيْنَ أَيْدِينَا صَوْتٌ كَدَوِيِّ الرَّحَا وَكَصَوْتِ الْقَصْبَاءِ حِينَ تُصِيبُهَا الرِّيحُ.
فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: يَا قَوْمُ اثْبُتُوا حَتَّى تُصْبِحُوا أَوْ يَأْتِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ.
فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نَادَى
مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَفُلانٌ، وَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، قُلْنَا: نَعَمْ، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا فَجِئْنَا نَمْشِي مَعَهُ لا نَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ وَلا يُخْبِرُنَا حَتَّى قَعَدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا خَيَّرَنِي رَبِّي اللَّيْلَةَ؟» .
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «إِنَّهُ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ لِي نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ» .
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِهَا قَالَ: «إِنَّهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ» .
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً يَدْعُو بِهَا فِي أُمَّتِهِ وَاسْتَخْبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً
[ ١ / ٢٤٦ ]
لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ.
هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ.
الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ وَالْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ.
- وَحَدَّثَنِي أَبُو الأَشْهَبِ وَالْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿٨٨﴾ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩﴾﴾ [مريم: ٨٨-٨٩] لَقَدْ أَتَيْتُمُ شَيْئًا إِدًّا.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: عَظِيمًا.
قَوْلُهُ: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٩٠] يَنْشَقِقْنَ مِنْهُ.
﴿وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا﴾ [مريم: ٩٠-٩١] بِأَنْ دَعَوْا.
﴿لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ كَعْبًا قَالَ: غَضِبَتِ الْمَلائِكَةُ وَأُسْعِرَتْ جَهَنَّمُ حِينَ قَالُوا مَا قَالُوا.
قَالَ: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢﴾ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿٩٣﴾﴾ [مريم: ٩٢-٩٣] ثُمَّ قَالَ: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴿٩٤﴾ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴿٩٥﴾﴾ [مريم: ٩٤-٩٥]
[ ١ / ٢٤٧ ]
كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فِي قُلُوبِ أَهْلِ
الإِيمَانِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا تَأْتِي الْمَحَبَّةُ مِنَ السَّمَاءِ.
قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا قَذَفَ حُبَّهُ فِي قُلُوبِ الْمَلائِكَةِ وَقَذَفَتْهُ الْمَلائِكَةُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ، لا يَمْلِكُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
- حَدَّثَنِي خِدَاشٌ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَلْتَمِسُ مَرْضَاةَ اللَّهِ وَلا يَزَالُ بِذَلِكَ فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: إِنَّ عَبْدِي فُلانًا يَلْتَمِسُ أَنْ يُرِضيَنِي، وَإِنَّ رَحْمَتِي عَلَيْهِ، قَالَ: فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلانٍ، وَيَقُولُهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُهُ الَّذِينَ حَوْلَهُمْ حَتَّى يَقُولَهُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ،
ثُمَّ يُهْبَطُ لَهُ إِلَى الأَرْضِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: وَهِيَ الآيَةُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَيْكُمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَلْتَمِسُ سَخَطَ اللَّهِ وَلا يَزَالُ بِذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: إِنَّ عَبْدِي فُلانًا يَلْتَمِسُ أَنْ يُسْخِطَنِي، وَإِنَّ غَضَبِي عَلَيْهِ.
قَالَ: فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَى فُلانٍ.
وَيَقُولُهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُهُ الَّذِينَ حَوْلَهُمْ، وَيَقُولُهُ أَهْلُ
[ ١ / ٢٤٨ ]
السَّمَوَاتِ السَّبْعِ حَتَّى يُهْبَطُ بِهِ إِلَى الأَرْضِ.
- وَحَدَّثَنِي مَنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، قَالَ: ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولَ فِي الأَرْضِ ".
يَقُولُ: الْمَوَدَّةَ.
قَالَ سُهَيْلٌ: وَأَحْسَبُهُ ذَكَرَ الْبُغْضَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] يَعْنِي مَحَبَّةً، يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى أَوْلِيَائِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ [مريم: ٩٧] يَعْنِي الْقُرْآنَ.
﴿بِلِسَانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] يَا مُحَمَّدُ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الْحَسَنُ: لَوْلا أَنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ بِلِسَانِ مُحَمَّدٍ مَا كَانُوا لِيَقْرَءُوهُ وَلا لِيَفْهَمُوهُ.
قَوْلُهُ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ﴾ [مريم: ٩٧] بِالْقُرْآنِ.
﴿الْمُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٩٧] بِالْجَنَّةِ.
﴿وَتُنْذِرَ بِهِ﴾ [مريم: ٩٧] بِالْقُرْآنِ النَّارَ.
﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيْ جُدَلاءُ بِالْبَاطِلِ وَذَوِي لَدَدٍ وَخُصُومَةٍ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي قُرَيْشًا وَكَقْوِلِه: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]
[ ١ / ٢٤٩ ]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، لا يَسْتَقِيمُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ [مريم: ٩٨] قَبْلَ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ.
﴿مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: هَلْ تَرَى مِنْ عَيْنٍ.
﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ هَلْ تَسْمَعْ لَهُمْ مِنْ صَوْتٍ وَهُوَ عَلَى الاسْتِفْهَامِ.
أَيْ أَنَّكَ لا تَرَى مِنْهُمْ أَحَدًا وَلا تَسْمَعْ لَهُمْ صَوْتًا.
[ ١ / ٢٥٠ ]