بسم اللَّه الرحمن الرحيم قَوْلُهُ ﷿: ﴿يس﴾ [يس: ١]
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: يَا إِنْسَانُ، وَالسِّينُ حَرْفٌ مِنَ اسْمِ الإِنْسَانِ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: يَا إِنْسَانُ.
﴿وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] الْمُحْكَمِ.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣﴾ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٤﴾﴾ [يس: ٣-٤] أَقْسَمَ لِلنَّبِيِّ ﵇ ﴿وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣﴾ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٤﴾﴾ [يس: ٢-٤] عَلَى دِينٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَالصِّرَاطُ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ إِلَى الْجَنَّةِ.
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥]، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، هُوَ تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، نَزَلَ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٦]، يَعْنِي: قُرَيْشًا.
﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: لِتُنْذِرَ قَوْمًا لَمْ يُنْذَرْ آبَاؤُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالَّذِي أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ.
قَالَ يَحْيَى مَنْ قَالَ: لَمْ يُنْذَرْ
[ ٢ / ٧٩٩ ]
آبَاؤُهُمْ، يَعْنِي: مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦]، يَعْنِي: قُرَيْشًا، وَمَنْ قَالَ: مِثْلَ الَّذِي أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَيَأْخُذُهَا مِنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، يَعْنِي: مَنْ كَانُوا قَبْلَ قُرَيْشٍ.
وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٦]، يَعْنِي: لِتُحَذِّرَ قَوْمًا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْوَعِيدِ ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] كَمَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ، يَعْنِي: كَمَا حُذِّرَ آبَاؤُهُمْ.
قَالَ: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَفْلَةٍ مِنَ الْبَعْثِ.
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس: ٧] لَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ.
﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧]، يَعْنِي: مَنْ لا يُؤْمِنُ.
قَالَ: ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٧﴾ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ﴿٨﴾﴾ [يس: ٧-٨] فَهُمْ فِيمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْهُدَى بِمَنْزِلَةِ الَّذِي فِي عُنُقِهِ الْغُلُّ فَهُوَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْسُطَ يَدَهُ، لا يَقْبَلُونَ الْهُدَى.
وَالتَّقَمُّحُ فِيمَا
- حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨] يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
وَالأَذْقَانُ فِيمَا ذَكَرَهُ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، الْوُجُوهُ، أَيْ: قَدْ غُلَّتْ يَدُهُ، فَهِيَ عِنْدَ وَجْهِهِ.
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: الْمُقَمَّحُ الطَّامِحُ بِبَصَرِهِ، الَّذِي لا يُبْصِرُ مَوْطِئَ قَدَمِهِ، أَيْ: حَيْثُ يَطَأُ، أَيْ: لا يُبْصِرُ الْهُدَى.
عُثْمَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ﴿فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ﴾ [يس: ٨] مَغْلُولَةٌ، عَنِ الْخَيْرِ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: رَافِعُوا رُءُوسِهِمْ، وَأَيْدِيهِمْ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ.
قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] قَالَ: مَا صَنَعَ اللَّهُ فَهُوَ سَدٌّ، وَمَا صَنَعَ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ سَدٌّ.
وَقَدْ قَالُوا: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] فَلا نُبْصِرُ مَا تَقُولُ.
قَالَ: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] الْهُدَى، وَهَذَا كُلُّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] فَلا يَسْمَعُ الْهُدَى، وَعَلَى قَلْبِهِ فَلا يَقْبَلُ الْهُدَى، ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] فَلا يُبْصِرُ الْهُدَى ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، أَيْ: لا أَحَدَ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] ما كان عليه آباؤهم من أمر الجاهلية ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [يس: ٩] مِنْ خَلْفِ آبَائِهِمْ ﴿سَدًّا﴾ [يس: ٩] يَعْنِيهِمْ، وَهُوَ تَكْذِيبُهُمْ بِالْبَعْثِ.
[ ٢ / ٨٠١ ]
﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ [يس: ٩]، يَعْنِي: ظُلْمَةَ الْكُفْرِ.
﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] الْهُدَى.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: إِنْ أَنْذَرْتَ الْكُفَّارَ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ فَهُوَ عَلَيْهِمْ سَوَاءٌ، يَعْنِي: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ [يس: ١١] إِنَّمَا يَقْبَلُ نِذَارَتَكَ فَيَنْتَذِرُ كَقَوْلِهِ فَيَتَّعِظُ.
﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١]، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] .
قَالَ: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١] فِي السِّرِّ، قَلْبُهُ مُخْلِصٌ بِالإِيمَانِ.
قَالَ: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١] لِذَنْبِهِ.
﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١]، أَيْ: وَثَوَابٍ كَرِيمٍ، الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢]، يَعْنِي: الْبَعْثَ.
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] .
﴿مَا قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] مَا أَخَّرُوا مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُمْ فَلَهُمْ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُمْ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ.
- أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا عَلَى هُدًى، فَاتُّبِعَ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ وَلا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَأَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ، فَاتُّبِعَ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ وَلا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» .
[ ٢ / ٨٠٢ ]
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] خَطْوَهُمْ.
قَالَ قَتَادَةُ: لَوْ كَانَ اللَّهُ مُغْفِلا شَيْئًا، أَيْ: تَارِكًا شَيْئًا مِنْ شَأْنِكَ يَابْنَ آدَمَ لا يُحْصِيهِ لأَغْفَلَ هَذِهِ الآثَارَ الَّتِي تَعْفُوهَا الرِّيَاحُ.
سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَا خَطَا عَبْدٌ خُطْوَةً إِلا كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ أَوْ سَيِّئَةٌ.
قَالَ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، أَيْ: فِي كِتَابٍ.
﴿مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ، يَعْنِي: اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
- نُعَيْمُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ: اكْتُبْ فَقَالَ: رَبِّ مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: مَا هُوَ كَائِنٌ، فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَعْمَالُ الْعِبَادِ تُعْرَضُ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيَجِدُونَهُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] وَهِيَ أَنْطَاكِيَةُ.
﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿١٣﴾ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٣-١٤] تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: فَشَدَّدْنَا بِثَالِثٍ.
وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: يَعْنِي: فَشَدَّدْنَا، يَعْنِي: فَقَوَّيْنَاهُمَا بِثَالِثٍ، أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمَا نَبِيَّانِ فَقَتَلُوهُمَا، ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الثَّالِثَ.
قَالَ: فَقَالُوا، يَعْنِي: الأَوَّلَيْنِ قَبْلَ الثَّالِثِ وَالثَّالِثُ بَعْدَهُمَا.
﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴿١٤﴾ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٤-١٥] وَجَحَدُوا أَنَّهُمْ
[ ٢ / ٨٠٣ ]
رُسُلٌ ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ ﴿١٥﴾ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿١٦﴾ وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ﴿١٧﴾ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٥-١٨] تَشَاءَمْنَا بِكُمْ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالُوا: إِنْ أَصَابَنَا سُوءٌ فَهُوَ مِنْ قِبَلِكُمْ.
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ [يس: ١٨] لَنَقْتُلُكُمْ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ: لَنَرْجُمَنَّكُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى نَقْتُلَكُمْ بِهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ [يس: ١٨]، يَعْنِي: لَنَقْتُلَنَّكُمْ.
﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨] مُوجِعٌ قَبْلَ أَنْ نَقْتُلَكُمْ.
﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩]، أَيْ: عَمَلُكُمْ مَعَكُمْ فِيمَا حَدَّثَنِي الْمُبَارَكُ عَنِ الْحَسَنِ، وَسَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ.
﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس: ١٩]، يَعْنِي: وُعِظْتُمْ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَتْ لَهُمُ الرُّسُلُ: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس: ١٩]، أَيْ: أَئِنْ ذَكَّرْنَاكُمْ بِاللَّهِ تَطَيَّرْتُمْ بِنَا، عَلَى الاسْتِفْهَامِ.
وَمَقْرَأُ قَتَادَةَ فِيهَا بِالتَّشْدِيدِ: ذُكِّرْتُمْ.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩] مُشْرِكُونَ.
قَالَ: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ [يس: ٢٠] أَنْطَاكِيَةَ.
﴿رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠]، يَعْنِي: يُسْرِعُ، وَهُوَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٠﴾ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٠-٢٢] خَلَقَنِي.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [يس: ٢٣] عَلَى الاسْتِفْهَامِ.
﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنَ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ [يس: ٢٣]، يَعْنِي: الآلِهَةَ.
﴿شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣] مِنْ ضُرِّي.
﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢٤]، يَعْنِي: فِي خُسْرَانٍ بَيِّنٍ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلا مِنْ قَوْمِ يُونُسَ، وَكَانَ بِهِ جُذَامٌ، وَكَانَ يُطِيفُ بِآلِهَتِهِمْ يَدْعُوهَا، إِذْ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ مُجْتَمِعِينَ، فَأَتَاهُمْ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَتَلُوا نَبِيَّيْنِ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الثَّالِثَ، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ: قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّ مَعِي ذَهَبًا فَهَلْ أَنْتَ آخِذُهُ مِنِّي وَأَتَّبِعُكَ وَتَدْعُو اللَّهَ لِي؟ قَالَ: لا أُرِيدُ ذَهَبَكَ، وَلَكِنِ اتَّبِعْنِي،
فَلَمَّا رَأَى الَّذِي بِهِ دَعَا اللَّهَ لَهُ فَبَرَأَ، فَلَمَّا رَأَى مَا صَنَعَ بِهِ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٠﴾ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢٠-٢١] لِمَا كَانَ عَرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الذَّهَبِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢١-٢٢] خَلَقَنِي ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٢﴾ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنَ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [يس: ٢٢-٢٣] لِمَا كَانَ يَدْعُو آلِهَتَهُمْ لِمَا بِهِ مِنَ
الْجُذَامِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا ﴿وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣] مِنْ ضُرِّي، يَعْنِي: الْجُذَامَ الَّذِي كَانَ بِهِ.
﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٢٤﴾ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴿٢٥﴾﴾ [يس: ٢٤-٢٥]، أَيْ: فَاسْتَمِعُوا قَوْلِي، فَاقْبَلُوهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِيمَانِ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَرْفُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَمَّا سَمِعُوهُ قَتَلُوهُ.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
فَـ ﴿قِيلَ﴾ لَهُ.
﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس: ٢٦] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: وَجَبَتْ لَكَ الْجَنَّةُ.
فَـ ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٧﴾﴾ [يس: ٢٦-٢٧] فَنَصَحَهُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يس: ٢٨] رِسَالَةٍ، فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ [يس: ٢٨] وَالْجُنْدُ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ الْمَلائِكَةُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْوَحْيِ إِلَى الأَنْبِيَاءِ، فَانْقَطَعَ عَنْهُمُ الْوَحْيُ وَاسْتَوْجَبُوا الْعَذَابَ، فَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] الصَّيْحَةُ عِنْدَ الْحَسَنِ الْعَذَابُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَيْحَةُ إِسْرَافِيلَ.
﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] قَدْ هَلَكُوا.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [يس: ٣٠] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] فِي أَنْفُسِهِمْ.
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [يس: ٣٠] فَيَا لَكِ حَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
قَالَ يَحْيَى مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] إِذَا كَانَ الْقَوْلُ مِنَ الْعِبَادِ قَالَ الْعَبْدُ يَا حَسْرَتَا، وَقَالَ الْقَوْمُ: يَا حَسْرَتَنَا.
نما أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ تَكْذِيبَهُمُ الرُّسُلَ حَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مِنَ الصُّرَاخِ بِالنَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١]، أَيْ: لا يَرْجِعُونَ إِلَى الدُّنْيَا، يَعْنِي: مَنْ أُهْلِكَ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ يَقُولُ هَذَا لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ يَقُولُ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [يس: ٣١] يُحَذِّرُهُمْ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ.
قَالَ: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا﴾ [يس: ٣٢] عِنْدَنَا.
﴿مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي: الْمَاضِينَ وَالْبَاقِينَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ [يس: ٣٢]، يَعْنِي: إِلا جَمِيعٌ ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] .
وَمَنْ خَفَّفَهَا جَعَلَ اللَّامَ تَوْكِيدًا لِلْفِعْلِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣]، يَعْنِي: الْمُجْدِبَةُ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣] بِالنَّبَاتِ.
وَقَالَ يَحْيَى: يَعْنِي بِالْمَيِّتَةِ: الأَرْضَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُجْدِبَةُ، أَيِ: الَّذِي أَحْيَاهَا بَعْدَ مَوْتِهَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى.
قَالَ: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿٣٣﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴿٣٤﴾ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٣-٣٥]، أَيْ: لَمْ تَكُنْ تَعْمَلُهُ أَيْدِيهِمْ وَنَحْنُ أَنْبَتْنَا مَا فِيهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَهُوَ نَحْوُهُ.
قَالَ: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴿٣٤﴾ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [يس: ٣٤-٣٥]، أَيْ: فَلْيَشْكُرُوا.
﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦]، أَيِ: الأَلْوَانَ كُلَّهَا.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الأَصْنَافَ كُلَّهَا.
﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [يس: ٣٦] الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَمِمَّا خَلَقَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ.
﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] .
قَالَ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] نُذْهِبُ مِنْهُ النَّهَارَ.
﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴿٣٧﴾ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٧-٣٨] لا تُجَاوِزُهُ.
وَهَذَا أَبْعَدُ مَسِيرِهَا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى أَدْنَى مَنَازِلِهَا فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَيْثُ تُكَوَّرُ فَيَذْهَبُ ضَوْءُهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، يَعْنِي: لِمُنْتَهَاهَا، وَهُوَ نَحْوُهُ.
- أَشْعَثُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَهَا.
قَالَ يَحْيَى: هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] . قَالَ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٣٨﴾ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٨-٣٩] يَزِيدُ وَيَنْقُصُ فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ، يَجْرِي عَلَى مَنَازِلِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لا يَطْلُعُ وَلا يَغِيبُ إِلا فِي زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانَ.
﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] الْمُعَلَّى، عَنِ ابْنِ يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَعُنُقِ النَّخْلَةِ الْيَابِسِ، يَعْنِي: إِذَا كَانَ هِلالا.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
قَوْلُهُ ﷿: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] لا يَجْتَمِعُ ضَوْءُهُمَا ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَضَوْءُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ، لا يَنْبَغِي لَهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَ ضَوْءُهُمَا.
لا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أَنْ تَطْلُعَ بِاللَّيْلِ فَتَكُونَ مَعَ الْقَمَرِ فِي سُلْطَانِهِ، فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] لا يُشْبِهُ ضَوْءَ الآخَرِ، لا يَنْبَغِي ذَلِكَ لَهُمَا.
وَقَالَ: شَمْسٌ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، لَيْلَةَ الْهِلالِ خَاصَّةً لا يَجْتَمِعَانِ فِي السَّمَاءِ، وَقَدْ يُرَيَانِ جَمِيعًا وَيَجْتَمِعَانِ فِي غَيْرِ لَيْلَةِ الْهِلالِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس: ٢] إِذَا تَبِعَهَا لَيْلَةَ الْهِلالِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس: ٢] يَتْلُوهَا صَبِيحَةَ الْهِلالِ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْبَدْرِ، يُبَادِرُ فَيَغِيبُ قَبْلَ طُلُوعِهَا.
قَالَ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يُسَبِّحُونَ يَدُورُونَ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ كَمَا يَدُورُ فَلَكُ الْمِغْزَلِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: الْفَلَكُ طَاحُونَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ كَفَلَكَةِ الْمِغْزَلِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَتَجْرِي فِيهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ، وَلَيْسَتْ بِمُلْتَصِقَةٍ بِالسَّمَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ مُلْتَصِقَةً مَا جَرَتْ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] يَجْرُونَ.
الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: إِنَّ السَّمَاءَ خُلِقَتْ مِثْلَ الْقُبَّةِ، وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ لاصِقٌ بِالسَّمَاءِ، وَإِنَّهَا تَجْرِي
[ ٢ / ٨٠٩ ]
فِي فَلَكٍ دُونَ السَّمَاءِ.
قَالَ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] يَأْتِي عَلَيْهِ النَّهَارُ فَيُذْهِبُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] .
- عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: تَقُولُونَ: جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ فَأَيْنَ تَكُونُ النَّارُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ وَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ؟ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] قَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الآيَةِ.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ [يس: ٣٣]، يَعْنِي: وَعَلامَةٌ لَهُمْ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، يَعْنِي: نُوحًا وَبَنِيهِ الثَّلاثَةَ سَامٌ، وَحَامٌ وَيَافِثٌ مِنْهُمْ ذُرِّيَ الْخَلْقُ بَعْدَ مَا غَرَقَ قَوْمُ نُوحٍ.
وَ﴿الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ: الْمُوَقَّرُ بِحَمْلِهِ، يَقُولُ: مِمَّا حَمَلَ نُوحٌ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ.
قَالَ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [يس: ٤٢] مِنْ مِثْلِ الْفُلْكِ.
﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢]، يَعْنِي: الإِبِلَ، وَيُقَالُ هِيَ سُفُنُ الْبَرِّ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢] .
قَالَ: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ [يس: ٤٣] فَلا مُغِيثَ لَهُمْ.
﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ [يس: ٤٣] مِنَ الْعَذَابِ.
﴿إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس: ٤٤] فَبِرَحْمَتِهِ يُمَتِّعُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَمْ
[ ٢ / ٨١٠ ]
يُهْلِكْهُمْ بِعَذَابِ الاسْتِئْصَالِ، وَسَيُهْلِكُ كُفَّارَ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالنَّفْخَةِ الأُولَى.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: ٤٥]، ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس: ٤٥] مِنْ وَقَائِعِ اللَّهِ بِالْكُفَّارِ، أَيْ: لا يَنْزِلُ بِكُمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: ٤٥] عَذَابُ الآخِرَةِ بَعْدَ عَذَابِ الدُّنْيَا يَقُولُهُ النَّبِيُّ ﵇ لِلْمُشْرِكِينَ، وَهَذَا تَفْسِيرُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس: ٤٥] مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، اتَّقُوهَا وَاعْمَلُوا لَهَا، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: ٤٥] الدُّنْيَا إِذَا كُنْتُمْ فِي الآخِرَةِ، فَلا تَغْتَرُّوا بِالدُّنْيَا، فَإِنَّكُمْ تَأْتُونَ الآخِرَةَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: ٤٥] مِنَ الذُّنُوبِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: ٤٥] عَذَابَ الدُّنْيَا وَعَذَابَ الآخِرَةِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس: ٤٥] لِكَيْ تُرْحَمُوا.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس: ٤٦] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧] وَهَذَا تَطَوُّعٌ.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] فَإِذَا لَمْ يَشَإِ اللَّهُ أَنْ يُطْعِمَهُ لَمْ تُطْعِمْهُ.
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧] يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يس: ٤٨]، أَيْ: هَذَا الْعَذَابُ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يُكَذِّبُونَ بِهِ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ [يس: ٤٩] مَا يَنْظُرُ كُفَّارُ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ الدَّائِنِينَ بِدِينِ أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ.
﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩]، يَعْنِي: النَّفْخَةَ الأُولَى مِنْ إِسْرَافِيلَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ بِهَا يَكُونُ هَلاكُهُمْ.
﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] فِي أَسْوَاقِهِمْ، يَتَبَايَعُونَ، يَذْرَعُونَ الثِّيَابَ وَيَخْفِضُ أَحَدُهُمْ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ، وَيَحْلِبُونَ اللِّقَاحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ.
[ ٢ / ٨١١ ]
- عُثْمَانُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِ بِهِ، فَمَا يَطْوِيَانِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ قَدْ رَفَعَ أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَمَا تَصِلُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَلِيطُ حَوْضَهُ لِيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ فَمَا يَسْقِيهَا حَتَّى
تَقُومَ السَّاعَةُ» .
- خِدَاشٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَيُنْفَخَنَّ فِي الصُّورِ وَإِنَّ النَّاسَ لَفِي طُرُقِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، وَحَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُسَاوِمُ الرَّجُلَ بِالثَّوْبِ وَالثَّوْبُ بَيْنَهُمَا فِي يَدِ هَذَا وَهَذَا فَلا يَدَعَانِهِ حَتَّى يَصْعَقَ بِهِمَا، وَحَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ وَمَا يَرْجِعُ حَتَّى يَصْعَقَ بِهِ، وَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] .
رَجُلٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: يَذْرَعُونَ الثِّيَابَ، وَيَحْلِبُونَ اللِّقَاحَ.
- حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلانِ فِي السُّوقِ وَمِيزَانُهُمَا فِي أَيْدِيهِمَا.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَضَى اللَّهُ أَلا تَأْتِيكُمُ السَّاعَةُ إِلا بَغْتَةً، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠] أَنْ يُوصُوا.
﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَحَيْثُ كَانُوا.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس: ٥١] وَهَذِهِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وَالصُّورُ قَرْنٌ.
- عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَسْلَمَ الْعِجْلِيِّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الصُّورِ فَقَالَ: «قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ» .
[ ٢ / ٨١٢ ]
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس: ٥١] فِي الْخَلْقِ.
- قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: تُجْعَلُ الأَرْوَاحُ فِي الصُّورِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ صَاحِبُ الصُّورِ، فَيَذْهَبُ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهِ مِثْلَ النَّحْلِ، فَتَدْخُلُ الأَرْوَاحُ فِي أَجْسَادِهَا.
قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: فَإِذَا هُمْ مِنَ الْقُبُورِ إِلَى رَبِّهِمْ يَخْرُجُونَ، يَعْنِي: جَمِيعَ الْخَلْقِ.
﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: تَكَلَّمَ بِأَوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ أَهْلُ الضَّلالَةِ وَبِآخِرِهَا أَهْلُ الإِيمَانِ.
قَالَ أَهْلُ الضَّلالَةِ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَ ذَلِكَ.
عُثْمَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ الْكُفَّارُ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] .
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُمُ الْمَلائِكَةُ الَّذِينَ كَانُوا يَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ، وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] وَهُوَ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، لا يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وَيُقَالُ إِنَّهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَلِذَلِكَ قَالُوا: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا نَفَخَ النَّفْخَةَ الأُولَى قِيلَ لَهُ: اخْمَدْ، فَيَخْمَدُ إِلَى النَّفْخَةِ الآخِرَةِ.
- الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، الأُولَى يُمِيتُ اللَّهُ بِهَا كُلَّ حَيٍّ، وَالآخِرَةُ يُحْيِي بِهَا كُلَّ مَيِّتٍ» .
أَبُو سَهْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: النَّفْخَةُ الأُولَى مِنَ الدُّنْيَا، وَالنَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الآخِرَةِ.
[ ٢ / ٨١٣ ]
وَقَالَ الْحَسَنُ: الْقِيَامَةُ اسْمٌ جَامِعٌ يَجْمَعُ النَّفْخَتَيْنِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ [يس: ٢٩]، يَعْنِي: مَا كَانَتْ.
﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ إِنْ خَفِيفَةٍ تَسْتَقْبِلُهَا إِلا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] مِنْ إِسْرَافِيلَ، يَعْنِي: النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ، يَعْنِي: الْقِيَامَةَ.
﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ ﴿لَدَيْنَا﴾ [يس: ٥٣] عِنْدَنَا ﴿مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] قَالَ: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ [يس: ٥٤]، يَعْنِي: فِي الآخِرَةِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، يَقُولُهُ يَوْمَئِذٍ.
﴿لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] فَأَخْبَرَ بِمَصِيرِ أَهْلِ الإِيمَانِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ [يس: ٥٥]، يَعْنِي: فِي الآخِرَةِ.
﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: فِي افْتِضَاضِ الْعَذَارَى.
قَالَ: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] فِي حِجَالٍ.
﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [يس: ٥٦] عَلَى السُّرُرِ فِي الْحِجَالِ.
﴿مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] وَقَوْلُهُ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] مَسْرُورُونَ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: مُعْجَبُونَ.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّ أَحَدَهُمْ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ شَابٍّ فِي الشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ، وَأَنَّهُ يَفْتَضُّ فِي مِقْدَارِ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الدُّنْيَا مِائَةَ عَذْرَاءَ بِذَكَرٍ لا يَمَلُّ وَلا يَنْثَنِي وَفَرْجٍ لا يَحْفَى وَلا يَمْنَى فِي شَهْوَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا.
- أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
[ ٢ / ٨١٤ ]
قَالَ: «يُعْطَى الْمُؤْمِنُ ثَلاثِينَ زَوْجَةً»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ» .
خَالِدٌ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيَتَزَوَّجُ خَمْسَ مِائَةِ حَوْرَاءَ، وَأَرْبَعَةَ آلافِ بِكْرٍ، وَثَمَانِيَةَ آلافِ ثَيِّبٍ، مَا مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلا يُعَانِقُهَا مِثْلَ عُمْرِ الدُّنْيَا كُلِّهِ لا يَمَلُّهَا وَلا تَمَلُّهُ، وَتُوضَعُ مَائِدَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْرَ عُمْرِ الدُّنْيَا كُلِّهِ، وَيُسْقَى الشَّرَابَ فَيَسْتَلِذَّهُ قَدْرَ عُمْرِ الدُّنْيَا كُلِّهِ، وَيَأْتِيهِ الْمَلَكُ بِالتَّحِيَّةِ مِنَ اللَّهِ وَفِي أُصْبُعَيْهِ مِائَةُ
حُلَّةٍ، فَيَفْرَحُ بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، فَيَقُولُ: أَفَرِحْتَ بِهَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ لِلشَّجَرِ حَوْلَهُ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُنَّ فَتَلَوْنَ لَهُ بِمَا شَاءَ مَا شَاءَ.
- خَالِدٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَهَا كُلُّهُمْ، نِسَاؤُهُمْ وَرِجَالُهُمْ مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ أَبْنَاءُ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً عَلَى صُورَةِ آدَمَ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَيِّ ذِرَاعٍ هُوَ، جُرْدًا، مُرْدًا، مُكَحَّلِينَ، يَأْكُلُونَ، وَيَشْرَبُونَ، وَلا يَبُولُونَ، وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَمْتَخِطُونَ، وَالنِّسَاءُ عُرُبًا أَتْرَابًا، لا يَحِضْنَ، وَلا يَلِدْنَ، وَلا يَمْتَخِطْنَ، وَلا يَبُلْنَ، وَلا
يَقْضِينَ حَاجَة لبس؟ بِهِ قَذَرٌ» .
قَالَ: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] مَا يَشْتَهُونَ، يَكُونُ فِي فِي أَحَدِهِمُ الطَّعَامُ فَيَخْطُرُ عَلَى بَالِهِ طَعَامٌ آخَرُ فَيَتَحَوَّلُ ذَلِكَ الطَّعَامُ فِي فِيهِ وَيَأْكُلُ مِنْ نَاحِيَةٍ مِنَ الْبُسْرَةِ بُسْرًا ثُمَّ يَأْكُلُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى عِنَبًا إِلَى عَشَرَةِ أَلْوَانٍ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُصَفُّ الطَّيْرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا اشْتَهَى الطَّيْرَ مِنْهَا اضْطَرَبَ ثُمَّ صَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ نَضِيجًا، نِصْفُهُ شِوَاءٌ وَنِصْفُهُ قَدِيرٌ، وَكُلُّ مَا اشْتَهَتْ
أَنْفُسُهُمْ وَجَدُوهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
قَوْلُهُ ﷿: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قَالَ يَحْيَى: يَأْتِي الْمَلَكُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى أَحَدِهِمْ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ
[ ٢ / ٨١٥ ]
عَلَيْهِ يَطْلُبُ الإِذْنَ مِنَ الْبَوَّابِ الأَوَّلِ، فَيَذْكُرُهُ لِلْبَوَّابِ الثَّانِي، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْبَوَّابِ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَقُولُ الْبَوَّابُ لَهُ: مَلَكٌ عَلَى الْبَابِ يَسْتَأْذِنُ فَيَقُولُ: ائْذَنْ لَهُ، فَيَدْخُلُ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ، بِالسَّلامِ مِنَ اللَّهِ، وَالتُّحْفَةِ، وَالْهَدِيَّةِ، وَبِأَنَّ اللَّهَ عَنْهُ
رَاضٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] .
قَالَ: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] الْمُشْرِكُونَ، أَيْ: لِيَمْتَازُوا عَنِ الْجَنَّةِ إِلَى النَّارِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: عُزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ.
قَالَ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]، يَعْنِي: أَلا تُطِيعُوا الشَّيْطَانَ فِي الشِّرْكِ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] أَنَّهُمْ عَبَدُوا الأَوْثَانَ بِمَا وَسْوَسَ إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ، فَإِنَّمَا عَبَدُوا الشَّيْطَانَ.
قَالَ: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس: ٦١] لا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا.
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١] دِينٌ مُسْتَقِيمٌ، وَالصِّرَاطُ الطَّرِيقُ، مُسْتَقِيمٌ عَلَى الْجَنَّةِ.
قَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢] خَلْقًا كَثِيرًا أَضَلَّ مِنْ كُلِّ أَلْفِ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ.
وَتَفْسِيرُ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢]، يَعْنِي: قَدْ أَغْوَى إِبْلِيسُ مِنْكُمْ جِبِلا، يَعْنِي: خَلْقًا كَثِيرًا، فَكَفَرُوا فَلَمْ يَكُونُوا يَعْقِلُونَ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ قَالَ: فَقَالَ: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، أَيْ: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ لآمَنَّا فِي الدُّنْيَا، فَلَمْ نَكُنْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا﴾ [الملك: ١١] فَبُعْدًا ﴿لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]
[ ٢ / ٨١٦ ]
قَوْلُهُ ﷿: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس: ٦٣] فِي الدُّنْيَا إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا.
﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فِي الدُّنْيَا.
﴿الْيَوْمَ﴾، يَعْنِي: فِي الآخِرَةِ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ: ﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، أَيْ: يَعْمَلُونَ.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا قَالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ثُمَّ قَالَ لِلْجَوَارِحِ: انْطِقِي، ثُمَّ قَرَأَ: يَوْمَ يَشْهَدُ أَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ، قَالَ: فَأَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ أَحَدِهِمْ فَخِذُهُ، قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: نَسِيتُ الْيُسْرَى قَالَ أَمِ الْيُمْنَى.
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: أَنَّ هَذَا آخِرُ مَوَاطِنِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا خُتِمَتْ أَفْوَاهُهُمْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلا دُخُولُ النَّارِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦]، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.
﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَعْمَيْنَاهُمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾، أَيِ: الطَّرِيقَ ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦] فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ إِذَا أَغْشَيْنَاهُمْ.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧] قَالَ: وَلَوْ نَشَاءُ لأَقْعَدْنَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ أَنْ يَتَقَدَّمُوا أَوْ يَتَأَخَّرُوا.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ [يس: ٦٨]، أَيْ: إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ.
﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لا يَعْقِلُ، كَقَوْلِهِ:
[ ٢ / ٨١٧ ]
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] .
قَالَ: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨]، يَعْنِي بِهِ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: فَالَّذِي خَلَقَكُمْ، ثُمَّ جَعَلَكُمْ شَبَابًا ثُمَّ جَعَلَكُمْ شُيُوخًا، ثُمَّ نَكَّسَكُمْ فِي الْخَلْقِ، فَرَدَّكُمْ بِمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ الَّذِي لا يَعْقِلُ شَيْئًا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، يَعْنِي: النَّبِيَّ ﵇.
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا وَلا يَرْوِي الشِّعْرَ.
أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَتَكَلَّمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَيْتِ شِعْرٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَتَمَثَّلَ بِبَيْتِ شَاعِرِ بَنِي فُلانٍ فَلَمْ يُقِمْهُ.
قَالَ يَحْيَى: أَظُنُّهُ الأَعْشَى، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: طَرَفَةُ.
أَبَانٌ الْعَطَّارُ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " قَاتَلَ اللَّهُ طَرَفَةَ حَيْثُ يَقُولُ: سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلا وَيَأْتِيكَ مَنْ لَمْ تَزَوَّدْ بِالأَخْبَارِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ قَالَ: وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَزَوَّدِ.
فَقَالَ: سَوَاءٌ ".
قَالَ: ﴿إِنْ هُوَ﴾ [يس: ٦٩]، يَعْنِي: مَا هُوَ.
﴿إِلا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، يَعْنِي: مَا هُوَ إِلا تَفَكُّرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ آمَنَ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ﴾ [يس: ٦٩] يَذْكُرُونَ بِهِ الْجَنَّةَ.
[ ٢ / ٨١٨ ]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ﴾ [يس: ٦٩] تَذَكُّرٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ ﴿وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] بَيِّنٌ.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ [يس: ٧٠] مِنَ النَّارِ، مَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ يَقُولُ لِيُنْذِرَ الْقُرْآنُ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّاءِ يَقُولُ: لِتُنْذِرَ يَا مُحَمَّدُ.
﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] مُؤْمِنًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: مُهْتَدِيًا، مُؤْمِنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ، هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ نِذَارَتَكَ.
﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس: ٧٠] الْغَضَبُ.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠] قَوْلُهُ ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]، أَيْ: بِقُوَّتِنَا فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، يَعْنِي: مِنْ فِعْلِهِ.
﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ضَابِطُونَ، فِي تَفْسِيرِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ.
﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ [يس: ٧٢]، يَعْنِي: الإِبِلَ، وَالْبَقَرَ، وَالْغَنَمَ، وَالدَّوَابَّ أَيْضًا ذَلَّلَهَا لَكُمُ: الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ.
﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢] الإِبِلُ، وَالْبَقَرُ مِنَ الأَنْعَامِ، وَالدَّوَابُّ: الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ.
﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَقَدْ يُرَخِّصُ فِي الْخَيْلِ.
- حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، قَالَ: فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الْخَيْلِ.
- الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ لُحُومَ الْخَيْلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا﴾ [يس: ٧٣] فِي الأَنْعَامِ.
﴿مَنَافِعُ﴾ [يس: ٧٣] فِي أَصْوَافِهَا، وَأَوْبَارِهَا، وَأَشْعَارِهَا، وَلُحُومِهَا.
[ ٢ / ٨١٩ ]
﴿وَمَشَارِبُ﴾ [يس: ٧٣] يَشْرَبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا.
﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣]، أَيْ: فَلْيَشْكُرُوا.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] يَمْنَعُونَ.
كَقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] قَالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس: ٧٥] لا تَسْتَطِيعُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَ نَصْرَهُمْ.
﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥] مَعَهُمْ فِي النَّارِ.
قَالَ يَحْيَى: فِي مَا أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] إِنَّكَ سَاحِرٌ وَإِنَّكَ شَاعِرٌ، وَإِنَّكَ كَاهِنٌ، وَإِنَّكَ مَجْنُونٌ، وَإِنَّكَ كَاذِبٌ.
﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ [يس: ٧٦] مِنْ عَدَاوَتِهِمْ لَكَ.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦] كُفْرَهُمْ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ، فَسَنَعْصِمُكَ مِنْهُمْ وَنُذِلُّهُمْ لَكَ.
فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿٧٧﴾ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾﴾ [يس: ٧٧-٧٨] رُفَاتٌ.
- الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَتَى /أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ /إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِعَظْمٍ بَالٍ، فَقَالَ: أَيُحْيِي اللَّهُ هَذَا وَهُوَ رَمِيمٌ؟
قَالَ يَحْيَى: فَبَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يُحْيِيكَ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ النَّارَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] كَقَوْلِهِ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، أَيْ: بَلَى.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّا خَلَقْنَاهُ، أَيْ: فَكَمَا خَلَقْنَاهُ فَكَذَلِكَ نُعِيدُهُ.
- عُثْمَانُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " قَالَ اللَّهُ: شَتَمَنِي عَبْدِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ لِيَشْتِمَنِي، وَكَذَّبَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا خَلَقْتُهُ ".
[ ٢ / ٨٢٠ ]
قَوْلُهُ ﷿: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] كُلُّ عُودٍ يُزْنَدُ مِنْهُ النَّارُ فَهُوَ مِنْ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ.
قَالَ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] فِي الآخِرَةِ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١﴾ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾ فَسُبْحَانَ﴾ [يس: ٨١-٨٣] يُنَزِّهُ نَفْسَهُ عَمَّا قَالَ الْمُشْرِكُونَ.
﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
[ ٢ / ٨٢١ ]