تَفْسِيرُ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا إِلا عَشْرَ آيَاتٍ مَدَنِيَّةٍ مِنْ أَوَّلِهَا
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﷿: ﴿الم﴾ قَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] يَعْنِي وَهُمْ لا يُبْتَلُونَ فِي إِيمَانِهِمْ، فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ.
عَمَّارٌ، عَنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ﴿وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] لا يُبْتَلُونَ.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ [العنكبوت: ٣]، يَعْنِي: وَلَقَدِ ابْتَلَيْنَا، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، أَيْ: وَهُمْ لا يُبْتَلُونَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا بِمَكَّةَ مِمَّنْ أَسْلَمَ كَانَ
[ ٢ / ٦١٥ ]
قَدْ وُضِعَ عَنْهُمُ الْجِهَادُ وَالنَّبِيُّ ﵇ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا افْتُرِضَ الْجِهَادُ، وَقُبِلَ مِنْهُمْ أَنْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَلا يُجَاهِدُوا، ثُمَّ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ حِينَ أَخْرَجَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَالَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ
ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] فَلَمَّا أُمِرُوا بِالْجِهَادِ كَرِهَ قَوْمٌ الْقِتَالَ، فَقَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] وَأَنْزَلَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ
لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] لا يُبْتَلُونَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُبْتَلُونَ فِي إِيمَانِهِمْ.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣]، يَعْنِي: ابْتَلَيْنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] بِمَا أَظْهَرُوا مِنَ الإِيمَانِ.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] الَّذِينَ أَظْهَرُوا الإِيمَانَ وَقُلُوبُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَهَذَا عِلْمُ الْفِعَالِ.
الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ عَبْدٌ فِي هَذَا الدِّينِ مِنْ قَوْلٍ إِلا وَعَلَى قَوْلِهِ دَلِيلٌ مِنْ عَمَلِهِ يُصَدِّقُهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ.
قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [العنكبوت: ٤] وَالسَّيِّئَاتُ هَاهُنَا الشِّرْكُ.
﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤] حَتَّى لا نَقْدِرَ عَلَيْهِمْ فَنُعَذِّبُهُمْ، أَيْ: قَدْ حَسِبُوا ذَلِكَ وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا.
قَالَ: ﴿سَاءَ مَا﴾ [العنكبوت: ٤] بِئْسَ مَا.
﴿يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤] أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ ثُمَّ لا يَبْعَثُهُمْ فَيَجْزِيهِمْ
[ ٢ / ٦١٦ ]
بِأَعْمَالِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] يَقُولُ: مَنْ كَانَ يَخْشَى الْبَعْثَ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ.
﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] فَإِنَّ الْقِيَامَةَ آتِيَةٌ، يَعْنِي: الْبَعْثَ.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] لا أَسْمَعَ مِنْهُ وَلا أَعْلَمَ.
قَالَ: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ [العنكبوت: ٦]، يَعْنِي: وَمَنْ عَمِلَ الْخَيْرَ ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] فَإِنَّمَا يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ، إِنَّمَا نَفْعُ ذَلِكَ لَهُ.
قَالَ يَحْيَى: يُعْطِيهِ اللَّهُ ثَوَابَ ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَن الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] عَنْ عِبَادَتِهِمْ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧] يَجْزِيهِمْ بِهِ الْجَنَّةَ.
- أَبُو الأَشْهَبِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلا إِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْجُمُعَةَ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» .
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ﴾ [العنكبوت: ٨]، يَعْنِي: جَمِيعَ النَّاسِ.
﴿بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، يَعْنِي: بِرًّا، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ كَقَوْلِهِ: ﴿بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، يَعْنِي: بِرًّا.
قَالَ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] إِنْ أَرَادَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي.
﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨]، أَيْ: أَنَّكَ لا تَعْلَمُ أَنَّ مَعِي شَرِيكًا،
[ ٢ / ٦١٧ ]
يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ.
﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [العنكبوت: ٨] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨] قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العنكبوت: ٧]، يَعْنِي: أَطَاعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ تَفْسِيرَ السُّدِّيِّ.
﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩] مَعَ الصَّالِحِينَ، يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ [العنكبوت: ١٠] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: جَعَلَ عَذَابَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ، وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَخِي أَبِي جَهْلٍ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ يَحْيَى: رَجَعَتِ الْقِصَّةُ إِلَى الْكَلامِ الأَوَّلِ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾﴾ [العنكبوت: ٢-٣] فَوَصَفَ الْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ الآخِرَةِ، فَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] إِذَا أُمِرَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فِيهِ أَذًى، رَفَضَ مَا أُمِرَ بِهِ،
يَعْنِي: الْمُنَافِقَ، وَاجْتَرَأَ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ وَأَقَامَ عَنِ الْجِهَادِ، فَتَبَيَّنَ نِفَاقُهُ، أَيْ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، يَعْنِي: مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَلِيَّةِ فِي الْقِتَالِ إِذَا كَانَتْ بَلِيَّةً.
﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فِي الآخِرَةِ، فَتَرَكَ الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاجْتَرَأَ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ لأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ خَوَّفَهُ عَذَابَ الآخِرَةِ
[ ٢ / ٦١٨ ]
وَهُوَ لا يُقِرُّ بِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أُنَاسٌ يُؤْمِنُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَإِذَا أَصَابَهُمْ بَلاءٌ مِنَ النَّاسِ أَوْ مُصِيبَةٌ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمُ افْتُتِنُوا وَجَعَلُوا ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ.
قَالَ: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [العنكبوت: ١٠] عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَجَاءَتْ غَنِيمَةً.
﴿لَيَقُولُنَّ﴾ [العنكبوت: ١٠]، يَعْنِي: جَمَاعَتَهُمْ.
﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٠] يَطْلُبُونَ الْغَنِيمَةَ، فَيَظُنُّ الْمُؤْمِنُ أَنَّ الْمُنَافِقَ عَارِفٌ، وَلَيْسَ بِعَارِفٍ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِمُوقِنٍ بِالآخِرَةِ.
قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠] .
وَالْعَالَمُونَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، أَيْ: أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلاءِ الْمُنَافِقِينَ فِي صُدُورِهِمُ التَّكْذِيبُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَهُمْ يُظْهِرُونَ الإِيمَانَ.
قَالَ: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] وَهَذَا عِلْمُ الْفِعَالِ.
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ الأَوَّلِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] وَمَا بَعْدَ هَذِهِ الْعَشْرِ آيَاتٍ مَكِّيٌّ، وَهَذِهِ الْعَشْرُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَهَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَهِيَ قَبْلَ مَا بَعْدَهَا فِي التَّأْلِيفِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ [العنكبوت: ١٢] الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا.
﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] فِيمَا اتَّبَعْتُمُونَا فِيهِ، أَيْ: مَا كَانَ فِيهِ مِنْ إِثْمٍ فَهُوَ عَلَيْنَا.
وَهَذَا مِنْهُمْ إِنْكَارٌ لِلْبَعْثِ وَالْحِسَابِ.
[ ٢ / ٦١٩ ]
قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَمَا هُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، يَعْنِي: الْكُفَّارَ.
﴿بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] الْمُؤْمِنِينَ.
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ١٢] لَوِ اتَّبَعُوهُمْ.
﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] لا يَحْمِلُونَ خَطَايَاهُمْ.
قَالَ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، يَعْنِي: آثَامَهُمْ، آثَامَ أَنْفُسِهِمْ ﴿وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] مَعَ آثَامِ أَنْفُسِهِمْ يَحْمِلُونَ مِنْ ذُنُوبِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ عَلَى الضَّلالَةِ، وَلا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ شَيْئًا.
- أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، وَخَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدًى، فَاتُّبِعَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَأَيُّمَا
[ ٢ / ٦٢٠ ]
دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» .
الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ وَمَا أَخَّرَتْ، يَعْنِي: مَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ صَالِحَةٍ فَعُمِلَ بِهَا، قَالَ: فَإِنَّ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا.
ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: مَنِ اسْتَنَّ سُنَّةً فِي الإِسْلامِ ثُمَّ عَمِلَ بِهَا، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فِي الإِسْلامِ فَعَمِلَ بِهَا، فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا.
قَالَ: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] أَبُو سَهْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ جَمِيعُ عُمْرِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا، يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾
[العنكبوت: ١٤] مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ مَاتَ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، أَنَّ كَعْبًا قَالَ: لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا، ثُمَّ لَبِثَ بَعْدَ الطُّوفَانِ سِتَّ مِائَةِ عَامٍ.
قَالَ: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] وَالطُّوفَانُ الْمَاءُ، فَأَغْرَقَهُمْ بِهِ.
﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]، أَيْ: مُشْرِكُونَ، ظَالِمُونَ لأَنْفُسِهِمْ وَبِظُلْمِهِمْ ضَرُّوا أَنْفُسَهُمْ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت: ١٥]، يَعْنِي: نُوحًا.
﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، يَعْنِي: مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ.
قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً﴾ [العنكبوت: ١٥]، يَعْنِي: عِبْرَةً.
[ ٢ / ٦٢١ ]
﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَبْقَاهَا اللَّهُ ﵎ بِبَاقِرْدَى مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَكَمْ مِنْ سَفِينَةٍ كَانَتْ بَعْدَهَا، فَصَارَتْ رَمْدَدًا.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَ مِنْ مَسَامِيرِهَا بَعْدَمَا بُعِثَ النَّبِيُّ ﵇.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [العنكبوت: ١٦]، أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِبْرَاهِيمَ إِلَى قَوْمِهِ، وَهَذَا تَبَعٌ لِلْكَلامِ الأَوَّلِ لِقَوْلِهِ فِي نُوحٍ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ١٤] قَالَ: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [العنكبوت: ١٦]، يَعْنِي: وَحِّدُوا اللَّهَ.
﴿وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٦] يَقُولُ: وَاخْشَوْهُ وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١٦﴾ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦-١٧]، أَيْ: وَتَصْنَعُونَ.
﴿إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، يَعْنِي: كَذِبًا كَقَوْلِهِ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] يَقُولُ كَذِبًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، يَعْنِي: تَخْرُصُونَ كَذِبًا.
قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ
[ ٢ / ٦٢٢ ]
الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] فَإِنَّ هَذِهِ الأَوْثَانَ لا تَمْلِكُ لَكُمْ رِزْقًا.
﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، أَيْ: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ بِأَنْ تَعْبُدُوهُ وَتَشْكُرُوهُ يَرْزُقُكُمْ.
قَالَ: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٨]، أَيْ: فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، يُحَذِّرُهُمْ أَنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
قَالَ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُكْرِهَ النَّاسَ عَلَى الإِيمَانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ﴾ [يونس: ٩٩] يَقُولُهُ عَلَى الاسْتِفْهَامِ: ﴿تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، أَيْ: أَنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكْرِهَهُمْ وَإِنَّمَا يُؤْمِنُ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُؤْمِنَ وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٩] بَلَى قَدْ رَأَوْا أَنَّ اللَّهَ ﵎ خَلَقَ الْعِبَادَ.
قَالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩]، يَعْنِي: الْبَعْثَ، يُخْبِرُ أَنَّهُ يَبْعَثُ الْعِبَادَ، وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ لا يُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ.
قَالَ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩] خَلْقُهُمْ وَبَعْثُهُمْ ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﵇: قُلْ لَهُمْ.
﴿سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] حَيْثُمَا سَارُوا رَأَوْا خَلْقَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
قَالَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ [العنكبوت: ٢٠] يَخْلُقُ.
﴿النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] الْخَلْقَ الآخَرَ، يَعْنِي: الْبَعْثَ، أَيْ: أَنَّهُ خَلَقَهُمْ وَأَنَّهُ يَبْعَثُهُمْ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَوْلُهُ ﷿: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] يُعَذِّبُ الْكَافِرَ بِالنَّارِ، وَيَرْحَمُ الْمُؤْمِنَ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ.
قَالَ: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١]، أَيْ: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أَيْ فَتَسْبِقُونَّا حَتَّى لا نَقْدِرَ عَلَيْكُمْ فَنُعَذِّبُكُمْ، يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]، يَعْنِي: مَا أَنْتُمْ بِسَابِقِي اللَّهَ بِأَعْمَالِكُمُ الْخَبِيثَةِ، فَتَفُوتُوهُ هَرَبًا.
قَالَ: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [العنكبوت: ٢٢]، يَعْنِي: مِنْ قَرِيبٍ يَمْنَعُكُمْ، يَعْنِي: الْكُفَّارَ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ يَحْيَى: يَقُولُ: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ [العنكبوت: ٢٢] يَمْنَعُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ.
﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣]، يَعْنِي: مِنْ جَنَّتِي.
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣]، يَعْنِي: مُوجِعٌ، يَعْنِي: بِهِ عَذَابُ جَهَنَّمَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرِ بْنِ أَبِي سَلامٍ الشَّامِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ﷺ: خَمْسٌ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ ﵎ بِهِنَّ مُسْتَيْقِنًا دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَيْقَنَ بِالْمَوْتِ، وَالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ.
- الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ، وَأَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلامٍ، عَنْ أَبِي سَلامٍ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «خَمْسٌ مِنْ أَثْقَلِ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا هُنَّ؟ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدُهُ» .
وَخَمْسٌ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ ﵎ بِهِنَّ مُوقِنًا دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَيْقَنَ بِالْمَوْتِ، وَالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ.
- سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعَةٍ: يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ ".
قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] رَجَعَ إِلَى قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٦] قَالَ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ.
﴿إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
قَالَ: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وَقَدْ فَسَّرْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ.
قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]، أَيْ: فِيمَا صَنَعَ اللَّهُ بِإِبْرَاهِيمَ وَمَا
[ ٢ / ٦٢٥ ]
نَجَّاهُ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ الْمُؤْمِنُونَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ.
﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] يَوَادُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، أَيْ: يُحِبُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، أَيْ: بِوِلايَةِ بَعْضٍ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَتَبَرَّأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] قَالَ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، أَيْ: فَصَدَّقَهُ لُوطٌ.
﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] يَقُولُهُ إِبْرَاهِيمُ.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦] هَاجَرَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ.
قَالَ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فَكَانَ أَوَّلَ كِتَابٍ أُنْزِلَ بَعْدَ كِتَابِ مُوسَى وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْكُتُبِ.
حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْفروبيُّ: قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧] قَالَ: الثَّنَاءَ.
قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] قَالَ: الثَّنَاءَ.
قَالَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ﴾ [العنكبوت: ٢٧] أَعْطَيْنَاهُ أَجْرَهُ.
﴿فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧] فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينٍ إِلا وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُحِبُّونَهُ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨]، أَيْ: أَبْقَيْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] لَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلُوطًا﴾، أَيْ: وَأَرْسَلْنَا لُوطًا.
قَالَ: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] وَالْفَاحِشَةُ الْمَعْصِيَةُ.
وَهِيَ إِتْيَانُ الرِّجَالِ فِي أَدْبَارِهِمْ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [العنكبوت: ٢٨-٢٩] فِي أَدْبَارِهِمْ، وَهَذَا عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَيْ: أَنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
قَالَ: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] عَلَى الْغُرَبَاءِ، فَتَأْتُونَهُمْ فِي أَدْبَارِهِمْ، وَكَانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِلا بِالْغُرَبَاءِ، وَكَانُوا يَتَعَرَّضُونَ الطُّرُقَ، وَيَأْخُذُونَ الْغُرَبَاءَ وَلا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.
قَالَ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] فِي مَجْمَعِكُمْ وَالْمُنْكَرُ الْفَاحِشَةُ، يَعْنِي: فِعْلَهُمْ ذَلِكَ.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] وَذَلِكَ لِمَا كَانَ يَعِدُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ.
قَالَ لُوطٌ.
﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠] الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ أَعْظَمُ الْفَسَادِ، وَالْمَعَاصِي كُلُّهَا مِنَ الْفَسَادِ، وَأَعْظَمُهَا الشِّرْكُ، وَكَانُوا عَلَى الشِّرْكِ، جَاحِدِينَ نَبِيَّهُمْ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [العنكبوت: ٣١]، يَعْنِي: الْمَلائِكَةَ.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
﴿إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت: ٣١] بِإِسْحَاقَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلائِكَةَ، لَمَّا بُعِثَتْ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ بِعَذَابِهِمْ مَرُّوا بِإِبْرَاهِيمَ، فَسَأَلُوهُ الضِّيَافَةَ، فَلَمَّا أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ أُرْسِلُوا بِعَذَابِ قَوْمِ لُوطٍ بَعْدَ مَا بَشَّرُوهُ بِإِسْحَاقَ ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١]، يَعْنِي: قَوْمَ لُوطٍ.
﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١]، يَعْنِي: مُشْرِكِينَ.
﴿قَالَ﴾ إِبْرَاهِيمُ لَهُمْ.
﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] الْبَاقِينَ فِي عَذَابِ اللَّهِ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] .
قَالَ: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [العنكبوت: ٣٣]، يَعْنِي: الْمَلائِكَةَ.
﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣] سِيءَ بِقَوْمِهِ الظَّنُّ بِمَا كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَالَ فِي أَدْبَارِهِمْ تَخَوُّفًا عَلَى أَضْيَافِهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ آدَمِيُّونَ.
قَالَ: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣] ضَاقَ بِأَضْيَافِهِ الذَّرْعَ لِمَا يَتَخَوَّفُ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ.
وَقَالُوا الْمَلائِكَةُ قَالَتْهُ لِلُوطٍ.
﴿لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٣٣﴾ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٣٣-٣٤] يَعْنُونَ قَرْيَةَ قَوْمِ لُوطٍ ﴿رِجْزًا﴾ [العنكبوت: ٣٤] عَذَابًا.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٤] يُشْرِكُونَ.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً﴾ [العنكبوت: ٣٥]، أَيْ: عِبْرَةً لِقَوْمٍ: تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ.
قَالَ: ﴿بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، خَسَفَ بِهِمْ وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمُ الْحِجَارَةَ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ [العنكبوت: ٣٦]، أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ.
﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [العنكبوت: ٣٦] أَخُوهُمْ فِي النَّسَبِ وَلَيْسَ بِأَخِيهِمْ فِي الدِّينِ.
﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] وَحِّدُوا اللَّهَ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ﴾ [العنكبوت: ٣٦]، أَيْ: صَدِّقُوا بِالْيَوْمِ الآخِرِ.
﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] وَلا تَسِيرُوا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ، فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: وَلا تَكُونُوا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت: ٣٧] وَالرَّجْفَةُ هَاهُنَا، عِنْدَ الْحَسَنِ، مِثْلُ الصَّيْحَةِ وَهُمَا عِنْدَهُ الْعَذَابُ.
وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ.
قَالَ: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٧] قَالَ: مَوْتَى قَدْ هَلَكُوا.
قَالَ: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] قَالَ: وَأَهْلَكْنَا عَادًا وَثَمُودَ.
﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، يَعْنِي: مَا رَأَوْا مِنْ آثَارِهِمْ.
قَالَ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَن السَّبِيلِ﴾ [العنكبوت: ٣٨] عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] فِي الضَّلالَةِ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.
قَالَ: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [العنكبوت: ٣٩]، أَيْ: وَأَهْلَكْنَا قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٩] مَا كَانُوا بِالَّذِينَ يَسْبِقُونَنَا حَتَّى لا نَقْدِرَ عَلَيْهِمْ فَنُعَذِّبُهُمْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٩] مَا كَانُوا سَابِقِي اللَّهِ بِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ فَيَفُوتُوهُ هَرَبًا.
قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، يَعْنِي: مَنْ أَهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَصَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، يَعْنِي: فَكُلا عَذَّبْنَاهُ بِذَنْبِهِ.
قَالَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠]، يَعْنِي: قَوْمَ لُوطٍ، يَعْنِي: الْحِجَارَةَ الَّتِي رُمِيَ بِهَا مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ مَدِينَتِهِمْ، وَأَهْلُ السَّفَرِ مِنْهُمْ وَخُسِفَ بِمَدِينَتِهِمْ.
قَالَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، يَعْنِي: ثَمُودَ.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ وَقَارُونَ.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠] قَوْمُ نُوحٍ وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ.
قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، أَيْ: يَضُرُّونَ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ يُنْقَضُونَ بِشِرْكِهِمْ وَجُحُودِهِمْ رُسُلَهُمْ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت: ٤١]، يَعْنِي:
[ ٢ / ٦٣٠ ]
أَوْثَانَهُمُ الَّتِي عَبَدُوهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، يَعْنِي: آلِهَةً وَهُوَ أَحَدٌ.
قَالَ: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] أَضْعَفَ الْبُيُوتِ.
﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]، أَيْ: أَنَّ أَوْثَانَهُمْ لا تُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا كَمَا لا يُغْنِي بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ مِنْ حَرٍّ وَلا بَرْدٍ.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] يَعْلَمُونَ لَعَلِمُوا أَنَّ أَوْثَانَهُمْ لا تُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا كَبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢] يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ، يَعْنِي: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] فِي نِقْمَتِهِ.
﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي أَمْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، يَعْنِي: نَصِفُهَا لِلنَّاسِ، فَنُبَيِّنُهَا لِلنَّاسِ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤]، أَيْ: لِلْبَعْثِ وَالْحِسَابِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا﴾ [ص: ٢٧]، أَيْ: خَلَقْنَاهُمَا لِلْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، قَالَ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] أَلا يُبْعَثُوا وَلا يُحَاسَبُوا.
قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ لَعِبْرَةً، وَيُقَالُ: لَمَعْرِفَةً.
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ يَبْعَثُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ
[ ٢ / ٦٣١ ]
الصَّلاةَ تَنْهَى عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ مَا دَامَ فِي صَلاتِهِ لا يَأْتِي فَحْشَاءَ وَلا مُنْكَرًا.
- الْحَسَنُ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ صَلاةٍ لا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فَإِنَّ صَاحِبَهَا لا يَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ إِلا بُعْدًا» .
- وَحَدِيثُ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ تَنْهَهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فَإِنَّهَا لا تَزِيدُهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلا مَقْتًا» .
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي تَفْسِيرِهَا قَالَ: قَالَ اللَّهُ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ ذَكَرَهُ اللَّهُ، فَذِكْرُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْعَبْدِ إِيَّاهُ.
- قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي أَبُو الْجَرَّاحِ الْمَهْدِيُّ أَنَّ مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: كَيْفَ كَانَ تَفْسِيرُ ابْنِ الْعَبَّاسِ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؟ فَقُلْتُ: كَانَ يَقُولُ: إِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ، فَكَيْفَ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ ذَكَرَهُ اللَّهُ، فَذِكْرُ اللَّهِ الْعَبْدَ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْعَبْدِ إِيَّاهُ.
قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: الذِّكْرُ ذِكْرَانِ أَحَدُهُمَا
[ ٢ / ٦٣٢ ]
أَفْضَلُ مِنَ الآخَرِ: ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسَانِ حَسَنٌ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَمَا نَهَاكَ عَنْهُ، وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الآخَرِ: الصَّبْرُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ وَأَفْضَلُ مِنْهُ الصَّبْرُ عَمَّا نَهَاكَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ سَعِيدًا يَذْكُرُ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَيْ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: نَهَى اللَّهُ عَنْ مُجَادَلَتِهِمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ فَلا مُجَادَلَةَ أَشَدُّ مِنَ السَّيْفِ، فَقَالَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ
وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ قَاتَلَكَ وَلَمْ يُعْطِكَ الْجِزْيَةَ، يَعْنِي: إِذْ أَمَرَ بِجِهَادِهِمْ.
وَإِنَّمَا أَمَرَ بِجِهَادِهِمْ بِالْمَدِينَةِ وَهَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وَقَالُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَلَيْسَ لَهُ نِدٌّ وَلا شَرِيكٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ أَقَامَ عَلَى الشِّرْكِ مِنْهُمْ وَلَمْ يُؤْمِنْ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: عَنْ أَبِيهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت: ٤٦] وَقَالُوا إِنَّ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ أَوْ لَهُ نِدٌّ، أَوْ لَهُ شَرِيكٌ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: مَنْ آمَنَ.
قَالَ: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: قَوْلُهُ مَنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ هَذَا شَيْئًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَيْ: لَمْ يَقُلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهٌ أَوْ لَهُ نِدٌّ أَوْ لَهُ شَرِيكٌ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] يَعْنِي: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ.
﴿وَمِنْ هَؤُلاءِ﴾ [العنكبوت: ٤٧]، يَعْنِي: مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧]، يَعْنِي: الْقُرْآنِ.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧] قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ [العنكبوت: ٤٨]، أَيْ: تَقْرَأُ.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ.
﴿مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] لَوْ كُنْتَ تَقْرَأُ وَتَكْتُبُ.
وَالْمُبْطِلُونَ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَفِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] يَقُولُ: الْمُكَذِّبُونَ، وَهُمُ الْيَهُودُ.
﴿بَلْ هُوَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، يَعْنِي: النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ الْحِفْظَ، وَكَانَ مَنْ قَبْلَنَا لا يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ إِلا نَظَرًا، فَإِذَا أَطْبَقُوهُ لَمْ يَحْفَظْ مَا فِيهِ إِلا النَّبِيُّونَ.
وَقَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي عَنْ كَعْبٍ فِي صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ قَالَ: حُلَمَاءُ، عُلَمَاءُ، كَأَنَّهُمْ مِنَ الْفِقْهِ أَنْبِيَاءُ.
قَالَ: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] الْمُشْرِكُونَ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَقَالُوا لَوْلا﴾ [العنكبوت: ٥٠] هَلا.
﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﵇ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِالآيَاتِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنْزِلَ آيَةً أَنْزَلَهَا كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] .
وَقَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] .
[ ٢ / ٦٣٥ ]
ثُمَّ قَالَ ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] أَيْ تَتْلُوهُ وَتَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ لا تَقْرَأُ وَلا تَكْتُبُ، فَكَفَاكَ ذَلِكَ لَوْ عَقَلُوا.
قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢]، أَيْ: رَسُولُهُ، وَأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّكُمْ عَلَى الْكُفْرِ.
قَالَ: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] بِإِبْلِيسَ.
﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] فِي الآخِرَةِ، خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَغْنَمُوهَا، فَصَارُوا فِي النَّارِ.
وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [العنكبوت: ٥٢]، يَعْنِي بِعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ: الشِّرْكَ ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يُخَوِّفُهُمْ بِالْعَذَابِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَكَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزَاءً وَتَكْذِيبًا قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت: ٥٣]،
يَعْنِي: النَّفْخَةَ الأُولَى: ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] .
أَنَّ اللَّهَ ﵎ أَخَّرَ عَذَابَ كُفَّارِ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالاسْتِئْصَالِ، الدَّائِنِينَ بِدِينِ أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ، إِلَى النَّفْخَةِ الأُولَى بِهَا يَكُونُ هَلاكُهُمْ.
قَالَ: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣]
- عُثْمَانُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِ بِهِ فَمَا يَطْوِيَانِهِ
[ ٢ / ٦٣٦ ]
حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَلِيطُ حَوْضَهُ لِيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ، فَمَا يَسْقِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ قَدْ رَفَعَ أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَمَا تَصِلُ إِلَى
فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» .
قَوْلُهُ ﷿: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] كَقَوْلِهِ: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] سُورُهَا.
قَالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وَهَذَا عَذَابُ جَهَنَّمَ.
كَقَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، أَيْ: يَغْشَاهُمْ.
كَقَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] .
قَالَ: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] فِي الدُّنْيَا، أَيْ: ثَوَابَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] قَالَ: ذَا عُمِلَ فِيهَا بِالْمَعَاصِي، فَاخْرُجُوا مِنْهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَهَاجِرُوا وَجَاهِدُوا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، يَعْنِي: أَرْضَ الْمَدِينَةِ.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] فِيهَا.
أَمَرَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِالْهِجْرَةِ، وَأَنْ يُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ يُجَاهِدُوا إِذَا أُمِرُوا بِالْجِهَادِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، أَيْ: فِي تِلْكَ الأَرْضِ الَّتِي آمُرُكُمْ أَنْ تُهَاجِرُوا إِلَيْهَا، يَعْنِي: الْمَدِينَةَ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧] كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] وَكَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
قَالَ: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت: ٥٨] لَنُسْكِنَنَّهُمْ ﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٥٨] لا يَمُوتُونَ وَلا يُخْرَجُونَ مِنْهَا.
﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] نِعْمَ ثَوَابُ الْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا، يَعْنِي: الْجَنَّةَ.
- أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ عَرَابَةَ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَشْهَدُ بِاللَّهِ»، قَالَ: وَكَانَ إِذَا حَلَفَ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَمُوتُ رَجُلٌ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يُسَدِّدُ إِلا سُلِكَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ مَعَ أَنَّ رَبِّي قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ مِنْ
أُمَّتِي الْجَنَةَ سَبْعِينَ أَلْفًا لا حِسَابَ عَلَيْهِم وَلا عَذَابَ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَدْخُلُوهَا حَتَّى تُبَوَّءُوا أَنْتُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَذُرِّيَّاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّةِ» .
قَالَ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩]
[ ٢ / ٦٣٨ ]
قَوْلُهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]، يَعْنِي: وَكَمْ.
﴿مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ [العنكبوت: ٦٠] تَأْكُلُ بِأَفْوَاهِهَا وَلا تَحْمِلُ شَيْئًا لِغَدٍ.
تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: يَعْنِي: الْبَهَائِمَ وَالطَّيْرَ وَالْوُحُوشَ وَالسِّبَاعَ.
﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] لا أَسْمَعُ مِنْهُ وَلا أَعْلَمُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١]، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.
﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [العنكبوت: ٦١] تَجْرِيَانِ.
﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ بَعْدَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [العنكبوت: ٦٢] يُوَسِّعُ الرِّزْقَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، أَيْ: وَيُقَتِّرُ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُؤْمِنَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢] كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
- يَحْيَى، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ ذُبَابٍ مَا أَعْطَى مِنْهَا كَافِرًا شَيْئًا» .
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلا إِنَّ الدُّنْيَا، فِي حَدِيثِ الْمُبَارَكِ، سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» .
[ ٢ / ٦٣٩ ]
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١]، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.
﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [العنكبوت: ٦٣]، يَعْنِي: الْمَطَرَ.
﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ [العنكبوت: ٦٣] فَأَخْرَجَ بِهِ النَّبَاتَ مِنْ بَعْدِ أَنْ كَانَتْ تِلْكَ الأَرْضُ مَيِّتَةً، أَيْ: يَابِسَةً لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ.
قَالَ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] فَيُؤْمِنُونَ.
أَيْ أَنَّهُمْ قَدْ أَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ ثُمَّ عَبَدُوا الأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، أَيْ: أَنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا أَهْلُ لَهْوٍ وَلَعِبٍ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ هُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا الَّذِينَ لا يُرِيدُونَ غَيْرَهَا، لا يُقِرُّونَ بِالآخِرَةِ.
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، يَعْنِي: الْجَنَّةَ.
﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لا مَوْتٌ فِيهَا، أَيْ: يَبْقَى فِيهَا أَهْلُهَا لا يَمُوتُونَ.
قَالَ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ لَعَلِمُوا أَنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] إِذَا خَافُوا الْغَرَقَ.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴿٦٥﴾ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٥-٦٦]، يَعْنِي: لِئَلا يَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قَالَ: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: ٦٦] فِي الدُّنْيَا.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٦] إِذَا صَارُوا إِلَى النَّارِ، وَهَذَا وَعِيدٌ.
- عُثْمَانُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
[ ٢ / ٦٤٠ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» .
قَوْلُهُ ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، أَيْ: بَلَى قَدْ رَأَوْا ذَلِكَ.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، يَعْنِي: أَهْلَ الْحَرَمِ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَالْعَرَبُ حَوْلَهُمْ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قَالَ: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، أَيْ: أَفَبِإِبْلِيسَ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] يُصَدِّقُونَ، يَعْبُدُونَهُ بِمَا وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَهِيَ عِبَادَتُهُ، قَالَ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٦٠﴾ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦١﴾﴾ [يس: ٦٠-٦١] .
قَالَ: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وَهَذَا عَلَى الاسْتِفْهَامِ.
بَلَى قَدْ فَعَلُوا، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، يَعْنِي: مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﵇ مِنَ الْهُدَى.
قَالَ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [العنكبوت: ٦٨] فَعَبَدَ الأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٦٨] بِالْقُرْآنِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٦٨]، يَعْنِي: التَّوْحِيدَ.
قَالَ: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٨]، أَيْ: لا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْهُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ [العنكبوت: ٦٨] مَنْزِلٌ.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ وَهُوَ عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَيْ: بَلَى فِيهَا مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ.
قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، يَعْنِي: عَمِلُوا لَنَا، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
[ ٢ / ٦٤١ ]
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، يَعْنِي: سُبُلَ الْهُدَى، الطَّرِيقَ إِلَى الْجَنَّةِ.
قَالَ: نَزَلَتْ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْجِهَادِ ثُمَّ أُمِرَ بِالْجِهَادِ بَعْدُ بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، أَيِ: الْمُؤْمِنِينَ.
[ ٢ / ٦٤٢ ]