﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ .
* * *
[ ١ / ١٢٥ ]
قوله ﷿: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ .
يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول في الإِسلام ومتابعة محمد - ﷺ -: يا بني إسرائيل، يا أولاد يعقوب، اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم على أجدادكم وأسلافكم، وقال الحسن: ذكر النعمة شكرها، وقال قتادة: هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل: فلق البحر، وإنجاؤهم من فرعون بإغراقه، وتظليل الغمام عليهم في التيه، وإنزال المن والسلوى، وإنزال التوراة في نعم كثيرة لا تحصى ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي﴾ بامتثال أمري ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بالقبول والثواب، وقال أبو العالية: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي﴾ قال: عهده إلى عباده دين الإِسلام، وأن يتبعوه، وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: أرضَى عنكم، وأدخلكم الجنة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: خافون، قال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أي: أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم
[ ١ / ١٢٦ ]
من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره، وقوله تعالى: ﴿وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ . يقول تعالى: ﴿وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ﴾ يعني: القرآن. ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾، أي:
موافقًا لما معكم من التوراة في التوحيد، والنبوة والأخبار، ونعت النبي - ﷺ -، ولا تكونوا أول كافر به، أي: القرآن فتتابعكم اليهود على ذلك، قال أبو العالية: يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد - ﷺ -، يعني: من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعكم بمبعثه؟
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، يقول: ولا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها؛ فإنها قليلة فانية، قال البغوي: وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مأكلة يصيبونها من سفلتهم وجهالهم، يأخذون كل عام منهم شيئًا معلومًا من ذروعهم وضروعهم ونقودهم، فخافوا إن هم بينوا صفة محمد - ﷺ - وتابعوه أن تفوتهم تلك المأكلة، فغيّروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، أي: فاخشون، لا فوات الرياسة، قال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، رجاء رحمة الله، على نور من الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، أي: لا تخلطوا الحق بالباطل، والصدق بالكذب، وتكتموا الحق وأنتم تعملون، قال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد - ﷺ -، وكتموا بعضها ليصدقوا في ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قال
[ ١ / ١٢٧ ]
البغوي: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾، يعني: الصلوات الخمس بمواقيتها، وحدودها: ﴿وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾، وأدوا زكاة أموالكم المفروضة ﴿وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، أي: صلوا مع المصلين محمد - ﷺ - وأصحابه وذكرها بلفظ الركوع لأن الركوع ركن من أركان الصلاة، قال ابن كثير: وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة.
قوله ﷿: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ .
قال قتادة: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون فعيّرهم الله ﷿، وقال ابن عباس: يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد - ﷺ -، وغير ذلك مما أمرتم به وتنسون أنفسكم؟ أي: تتركون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب؟ ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، وهذا كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وفي الحديث: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه» .
وفي الحديث الآخر: «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمتك من أهل الدنيا،
[ ١ / ١٢٨ ]
ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم،
وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون»؟ . رواه أحمد وغيره، وعن أسامة ابن زيد ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي: فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» . رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، يقول تعالى: واستعينوا على أمور دينكم ودنياكم بالصبر والصلاة. قال عمر بن الخطاب ﵁: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله.
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا حزبه أمر صلى) . رواه أبو داود. وعن ابن عباس ﵄، أنه نُعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما السجود، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، وقال ابن جريج: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾، قال: إنهما معينتان على رحمة الله. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾، أي: ثقيلة، ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، أي: المتواضعين، قال مجاهد: المؤمنين حقًا.
[ ١ / ١٢٩ ]
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يستيقنون ﴿أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ﴾: محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه، ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
فيجزيهم بأعمالهم؛ والظن من الأضداد، يكون شكًا، ويكون يقينًا، كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾، قال مجاهد: كل ظن في القرآن يقين، أي: ظننت، وظنوا، يعني قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ﴾، ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا﴾ ونحو ذلك، وفي الصحيح: «أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. فيقول الله تعالى: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول الله تعالى: اليوم أنساك كما نسيتني» . والله أعلم.
* * *
[ ١ / ١٣٠ ]