* فائدةٌ: قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] أي: القوةِ والشجاعةِ في هذهِ الآيةِ، على أنَّ المَلِكَ إذا اجتمعَتْ فيه هاتانِ الخصلتانِ: العلمُ بالولايةِ والسياسةِ وحسنِ التدبيرِ، والشجاعةُ والقوةُ؛ فهوَ الذي يَصلحُ للولايةِ والمُلْكِ، وإنْ لم يكنْ من بيتِ المُلكِ ولا ذا مالٍ؛ فإن العبرةَ بجميعِ الولاياتِ إمكانُ إقامتِها والنهوضِ بها على أكملِ الحالاتِ، وولايةُ المُلكِ لا تتمُّ إلا بالعلمِ، والشجاعةِ القلبيةِ والبدنيةِ.
* فائدةٌ: قولهُ تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، يُؤخذُ من عمومِها اللفظيِّ والمعنويِّ: أنَّ كلَّ مطلوبٍ من المطالبِ المهمةِ ينبغِي أنْ يؤتَى من بابهِ، وهوَ أقربُ طريقٍ ووسيلةٍ يتوصَّلُ بها إليهِ، وذلكَ يقتضي معرفةَ الأسبابِ والوسائلِ معرفةً تامةً؛ ليسلكَ الأحسنَ منها والأقربَ والأسهلَ، والأقربَ نجاحًا، لا فرقَ بينَ الأمورِ العلميةِ والعمليةِ، ولا بينَ الأمورِ الدينيةِ والدنيويةِ، ولا بينَ الأمورِ المتعديةِ والقاصرةِ، وهذا من الحكمةِ.
* فائدةٌ: لما ذكرَ اللهُ الأنبياءَ وأثنَى عليهم قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، تدلُّ على اتباعِ جميعِ الأنبياءِ في جميعِ هُداهم، واللهُ هَداهم في عقائدِهم وأخلاقِهم وأعمالِهم وأقوالِهم وأفعالِهم، فكلُّ أمرٍ أثنَى اللهُ فيه على أحدٍ من أنبيائهِ من عَقْدٍ أو خلقٍ أو عملٍ فإننا مأمورونَ بالاقتداءِ بهم، وذلكَ من هُداهم وهوَ أيضًا من شريعتِنا، فإنَّ اللهَ أمرَنا بذلكَ، كما أمرَنا بالأوصافِ العامةِ التي تدخلُ فيها مفرداتٌ كثيرةٌ.
* فائدةٌ: إذا أمرَنا اللهُ في كتابهِ بأمرٍ كانَ أمرًا بذلكَ وبكلِّ أمرٍ لا يتمُّ إلا بهِ، فالأمرُ مثلًا بالصلاةِ أمرٌ بالطهارةِ وسترِ العورةِ، واجتنابِ النجاسةِ، واستقبالِ القبلةِ، وبجميعِ
[ ٣٦٥ ]
شروطِها وأركانِها، وكذلكَ هوَ أمرٌ بمعرفتِها، ومعرفةِ ما لا تتمُّ إلا بهِ، وهذا من أعظمِ الأدلةِ على وجوبِ طلبِ العلمِ؛ فإنَّ المأموراتِ يتوقفُ تكميلُها على معرفتِها.
وكذلكَ إذا نهانا اللهُ عن شيءٍ كان نهيًا عن كلِّ وسيلةٍ تُوصِلُ إليهِ.
والأمرُ بالجهادِ أمرٌ بهِ، وبكلِّ ما يتوقفُ عليهِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، والأمرُ بتبليغِ الشريعةِ أمرٌ بكلِّ ما يحصلُ بهِ التبليغُ ويتمُّ ويكملُ ويشملُ، ويدخلُ في هذا إيصالُ الأحكامِ الشرعيةِ وتبليغُها للناسِ بجميعِ المقرِّباتِ الحادثةِ.
* فائدةٌ: قدْ أخبرَ اللهُ في عدةِ آياتٍ بهدايتهِ الكفارَ على اختلافِ مللِهم ونحلِهم، وتوبتهِ على كلِّ مجرمٍ، وأخبرَ في آياتٍ أخرَ أنهُ: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨]، فما الجمعُ بينَها؟
فيُقالُ: قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] هيَ الفاصلةُ بينَ مَنْ هداهم اللهُ ومَن لم يهدِهم، فمن حقَّتْ عليهِ كلمةُ العذابِ؛ لعنادِهم، ولعلمِ اللهِ أنهم لا يصلحونَ للهدايةِ، بحيثُ صارَ الظلمُ والفسقُ وصفًا لهم ملازمًا غيرَ قابلٍ للزوالِ، ويُعلَمُ ذلكَ بظاهرِ أحوالِهم وعنادِهم ومكابرتِهم للحقائقِ؛ فهؤلاءِ يطبعُ اللهُ على قلوبِهم، فلا يدخلُها خيرٌ أبدًا، والجرمُ جرمُهم؛ فإنهم رأَوا سبيلَ الرشدِ فزهدُوا فيه، ورأَوا سبيلَ الغيِّ فرغبُوا فيه، واتخذُوا الشياطينَ أولياءَ من دونِ اللهِ.