١ - قالَ اللهُ تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] الآيات.
* كان المسلمونَ في أولِ الأمرِ مأمورينَ بكفِّ الأيدي عن قتالِ الكفارِ، وإنما جهادُهم بالدعوةِ؛ لحكمةٍ ظاهرةٍ، فلما اضطُهِدُوا واضطرَّهم الأعداءُ إلى تركِ بلادِهم وأوطانِهم، وقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا، وحَبسُوا مَنْ حَبسُوا، وجَدُّوا في العداوةِ البليغةِ بكلِّ طريقٍ، وهاجرَ المسلمونَ بسببِ ذلكَ إلى المدينةِ، وقوَّاهم اللهُ على قتالِ الأعداءِ، وقدْ رماهم الأعداءُ عن قوسٍ واحدةٍ - فحينئذٍ أَذِنَ اللهُ لهم في القتالِ؛ ولهذا قالَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ لمنعِهم (^١) من دينِهم، وإخراجِهم من ديارِهم، ومطاردتِهم لهم في كلِّ مكانٍ.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وهذا -معَ أمرهِ لهم بفعلِ الأسبابِ، ومقاومةِ الأعداءِ بكلِّ مستطاعٍ- أمرٌ لهم بالتوكلِ عليهِ، واستنصارِهِ، والطلبِ منهُ.
* ثم ذكرَ صفةَ عدوانِهم فقالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: ٤٠] بالأذيةِ والفتنةِ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، إلا أنَّ ذنبَهم إيمانُهم باللهِ، واعترافُهم بأنَّهُ ربُّهم وإلهُهم، وأنهم أخلصُوا لهُ الدينَ، وتبرَّؤُوا من عبادةِ المخلوقينَ، وهذا كما قالَ تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا
_________________
(١) في (خ): بمنعهم. وهو موافق لقول المؤلف في «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٥٣٩).
[ ١٣٢ ]
أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وهذا ظاهرٌ في حكمةِ الجهادِ، وعظمِ مصلحتهِ، وأنهُ من الضرورياتِ في الدينِ؛ فإنَّ المقصودَ بهِ إقامةُ دينِ اللهِ، والدعوةُ إلى عبادتهِ التي خلقَ اللهُ المكلفينَ لها، وأوجبَها عليهم، ودفْعُ كلِّ مَنْ قاومَ [هذا] (^١) الأمرَ الضروريَّ، ومقاومةُ الظالمينَ المعتدينَ على دينِ اللهِ وعلى المؤمنينَ من عبادهِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
* ولهذا قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] فلولا مدافعةُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ بأسبابٍ متعددةٍ، وطرقٍ متنوعةٍ قدريةٍ وشرعيةٍ، وأعظمُها وأجلُّها وأزكاها الجهادُ في سبيلهِ - لاستولَى الكفارُ الظالمونَ، ومحقُوا أديانَ الرسلِ، فقَتَلُوا المؤمنينَ بهم، وهدمُوا معابدَهم، ولكنَّ ألطافَ اللهِ عظيمةٌ، وأياديَهُ جسيمةٌ.
وبهذا وشبههِ يُعرفُ حكمةُ الجهادِ الدينيِّ، وأنهُ من الضرورياتِ، لا كقتالِ الظلمةِ المبنيِّ على العداواتِ والجشعِ والظلمِ والاستعبادِ للخلقِ، بلْ الجهادُ الإسلاميُّ مرماهُ وغرضهُ الوحيدُ إقامةُ العدلِ، وحصولُ الرحمةِ، واستعبادُ الخلقِ لخالقِهم، وأداءُ الحقوقِ كلِّها، ونصرُ المظلومينَ، وقمعُ الظالمينَ، ونشرُ الصلاحِ والإصلاحِ المطلقِ بكلِّ وجهٍ واعتبارٍ، وهوَ من أعظمِ محاسنِ دينِ الإسلامِ.
_________________
(١) زيادة من (خ).
[ ١٣٣ ]
٢ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧].
* هذهِ الآياتُ تضمنتِ الأمرَ بجهادِ الأعداءِ، والإرشادَ إلى الأسبابِ التي ينبغِي للجيوشِ والمجاهدينَ الأخذُ بها، فمِن أعظمِها وأهمِّها أمرانِ:
* الصبرُ، وهوَ: الثباتُ التامُّ وإبداءُ كلِّ مجهودٍ في تحصيلِ ذلكَ.
* والثاني: التوكلُ على اللهِ، والتضرعُ إليهِ، والإكثارُ من ذكرهِ.
فمتى اجتمعَ الأمرانِ على وجهِ الكمالِ والتكميلِ فقدْ أتَى المجاهدونَ بالأسبابِ الوحيدةِ للنصرِ والفلاحِ؛ فليبشرُوا بنصرِ اللهِ وليثقُوا بوعدهِ.
* فيدخلُ [في الأمرِ] (^١) بالصبرِ والثباتِ:
* تمرينُ النفوسِ على ذلكَ، فإنهُ مَنْ يتصبَّرْ يصبِّرْهُ اللهُ.
* وتعلمُ الرميِ والركوبِ والفنونِ العسكريةِ المناسبةِ للزمانِ، فإنَّ التعليمَ وتعلمَ أمورِ الجهادِ من أكبرِ العونِ على الثباتِ والصبرِ.
* ومن ذلكَ: الحثُّ على الشجاعةِ، والسعيُ في أسبابِها، والترغيبُ في فضائلِ الجهادِ، وما فيه من الثمراتِ العاجلةِ والآجلةِ، وما في تضييعهِ من ضياعِ الدينِ والدنيا، واستيلاءِ الأعداءِ، والذلِّ والدمارِّ، فإنَّ النفوسَ الأبيَّةَ والهممَ العليَّةَ لا ترضى لأنفسِها
_________________
(١) كذا في (خ). وفي (ط): بالأمر.
[ ١٣٤ ]
بغيرِ هذا الخُلقِ الفاضلِ الذي هوَ أعلى (^١) الأخلاقِ وأنفعُها، قالَ تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] فحثَّهم على الصبرِ [بتأميلِهم] (^٢) وطمعهم في الأجرِ والثوابِ، وإدراكِ المقاماتِ العاليةِ.
وقالَ أيضًا في ذمِّ الناكلينَ، وترغيبِ التائبينَ الصابرينَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١].
وقالَ عن المنافقينَ ونكولِهم عن مشقةِ الجهادِ: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١] أي: لو كان عندَهم فقهٌ نافعٌ في تنزيلِ الأشياءِ منازلَها، وتقديمِ ما ينبغِي تقديمُهُ؛ لآثَرُوا مشقةَ الجهادِ على راحةِ القعودِ الضارِّ عاجلًا وآجلًا. وفي هذا: أنهُ بحسبِ فقهِ العبدِ وعلمهِ ويقينهِ يكونُ قيامُهُ بالجهادِ، وصبرُهُ عليهِ وثباتُهُ.
* ومن دواعي الصبرِ -وهوَ من الفقهِ أيضًا-: أنهُ إذا عَلِمَ المجاهدُ أنهُ على الحقِّ ويجاهدُ (^٣) أهلَ الباطلِ، أنَّ هذا أعلى الغاياتِ وأشرفُها وأحقُّها، وأنَّ الحقَّ منصورٌ وعاقبتَهُ حميدةٌ.
* ومن دواعي الصبرِ: الثقةُ باللهِ وبوعدهِ؛ فإنَّ اللهَ وعدَ الصابرينَ العونَ والنصرَ، وأنهُ معهم في كلِّ أحوالِهم، ومَن كان اللهُ معهُ فلو اجتمعَ عليهِ مَنْ بأقطارِها لم يَخَفْ إلا اللهَ.
_________________
(١) في (خ): من أعلى.
(٢) كذا في (خ). وفي (ط): بتأملهم.
(٣) بعدها في (خ): عن الحق.
[ ١٣٥ ]
* ومما يعينُ على الصبرِ والثباتِ: الأمرُ الثاني، وهوَ التوكلُ على اللهِ، وقوةُ الاعتمادِ عليهِ، والتضرعُ إليهِ في طلبِ النصرِ، والإكثارُ من ذكرهِ، كما قالَ تعالى هنا حيثُ رتَّبَ على هذا الفلاحَ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٧] أي: تقوموا بدينهِ وبالحقِّ الذي جاءَ بهِ رسولهُ، مخلصينَ للهِ، قاصدينَ أنْ تكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا؛ ﴿يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
وقالَ تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، فإخبارهُ بأنهُ المتفردُ بنصرِهم، وأنَّ غيرَهُ لا يملكُ من النصرِ شيئًا، وأمرُهم بالتوكلِ عليهِ؛ أمرٌ لهم بأقوى الأسبابِ النافعةِ في هذا المقامِ العظيمِ.
وقالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أي: الذي قامَ بعبوديتهِ، فبحسبِ توكلِهم عليهِ وقيامِهم بعبوديتهِ يحصلُ لهم النصرُ والكفايةُ التامةُ.
* ومن أسبابِ النصرِ والصبرِ والثباتِ: اتفاقُ القلوبِ، وعدمُ التفرقِ والتنازعِ، فإنَّ ذلكَ محلِّلٌ للقوةِ، موجبٌ للفشلِ، وأمَّا اجتماعُ الكلمةِ، وقيامُ الألفةِ بينَ المؤمنينَ،
[ ١٣٦ ]
واتفاقُهم على إقامةِ دينِهم وعلى نصرهِ؛ فهذا أقوى القوَى المعنويةِ التي هيَ الأصلُ، والقوةُ الماديةُ تبعٌ لها. والكمالُ: الجمعُ بينَ الأمرينِ كما أمرَ اللهُ بذلكَ في هذهِ الآيةِ، وفي قولهِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ [الأنفال: ٦٠].
* ومن أسبابِ الثباتِ والنصرِ: حسنُ النيةِ، وكمالُ الإخلاصِ في إعلاءِ كلمةِ الحقِّ؛ فلهذا حذَّرَ تعالى من مشابهةِ الذين خرجُوا من ديارِهم بطرًا ورئاءَ الناسِ، ويصدُّونَ عن سبيلِ اللهِ، فهؤلاءِ لما لم يعتمدُوا على ربِّهم، وأُعجبُوا بأنفسِهم، وخرجوا أشرِينَ بطرِينَ، وكان قتالُهم لنصرِ الباطلِ؛ باؤوا بالخيبةِ والفشلِ والخذلانِ؛ ولهذا أدَّبَ [اللهُ] (^١) خيارَ الخلقِ لما حصلَ من بعضِهم الإعجابُ بالكثرةِ في غزوةِ حُنينٍ حيثُ قالَ القائلُ: لنْ نغلبَ اليومَ عن قلةٍ، فقالَ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، فلما زال هذا الأمرُ عنهم وعرفُوا ضعفَهم وعاقبةَ الإعجابِ ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٦] الآية.
* ومن الأسبابِ التي أرشدَ اللهُ إليها [في القتالِ والثباتِ والصبرِ: حسنُ التدبيرِ] (^٢)، والنظامُ الكاملُ في جميعِ الحركاتِ العسكريةِ، قالَ تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ [آل عمران: ١٢١].
وكان ﷺ يرتبُ الجيشَ، وينزلُهم منازلَهم، ويجعلُ في كلِّ جنبةٍ كُفْأَها، ويسدُّ الثغراتِ التي يُخشَى أنْ يتسربَ منها العدوُّ، ويحفظُ المكامنَ، ويبعثُ
_________________
(١) لفظ الجلالة زيادة من (خ).
(٢) كذا في (خ). وفي (ط): «في القتال: الثبات والصبر وحسن التدبير».
[ ١٣٧ ]
العيونَ لتعرفَ أحوالَ العدوِّ، ويستعينُ بمشاورةِ أصحابهِ كما أمرَ اللهُ بذلكَ، خصوصًا في هذا الأمرِ المهمِّ.
* و[من المهمِّ] (^١): تعرُّفُ أسرارِ العدوِ، وبثُّ العيونِ، ووضعُ الجواسيسِ السريينَ الذينَ لا يكادُ يُشعَرُ بهم، كما أنَّ من المهمِّ: التحرزَ من جواسيسِ العدوِّ، وعملَ الأسبابِ لأخذِ الحذرِ من ذلكَ بحسبِ ما يليقُ ويناسبُ الزمانَ والمكانَ.
* ومن المهمِّ أيضًا: أنْ تُفعلَ جميعُ الأسبابِ الممكنةِ في إخلاصِ الجيوشِ [للهِ] (^٢)، وقتالِها عن الحقِّ، وأنْ تكونَ غايتُها كلُّها واحدةً، لا يزعزعُها عن هذا الغرضِ الساميِّ فقدُ رئيسٍ، أو انحرافُ كبيرٍ، أو تزعزعُ مركزِ قائدٍ، أو توقفٌ في صمودِها في طريقِها النافعِ على أمورِ خارجيةٍ؛ فإنهُ متى كانت هذهِ الغايةُ العاليةُ هيَ التي يسعَى لها أهلُ الحلِّ والعقدِ، ويعملونَ لها التعليماتِ القوليةَ والفعليةَ؛ كانتِ الجيوشُ التي على هذا الوصفِ مضربَ المثلِ في الكمالِ وسدادِ الأحوالِ، وحصولِ المقاصدِ الجليلةِ؛ ولهذا أرشدَ اللهُ المؤمنينَ يومَ أُحدٍ إلى هذا النظامِ العجيبِ فقالَ تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فنبهَهُم على أنهُ وإنْ كان محمدٌ هوَ الإمامُ الأعظمُ والرسولُ المعظمُ؛ فإنهُ لا ينبغِي لكم أنْ يفتَّ فقدُهُ في عزيمتِكم، وانحلالِ قوتِكم، بلْ أنتم تقاتلونَ للهِ، وعلى الحقِّ الذي بعثَ بهِ رسولهُ، ولدفعِ الباطلِ والشرورِ، فاجعلوا هذهِ الغايةَ نصبَ أعينِكم، وأساسَ عملِكم، وامضُوا قُدمًا في سبيلِ اللهِ، غيرِ هائبينَ ولا متأثرينَ إذا أتتِ الأمورُ على خلافِ مرادِكم؛ فإنَّ الأمورَ هكذا
_________________
(١) زيادة من (خ).
(٢) لفظ الجلالة زيادة من (خ).
[ ١٣٨ ]
تكونُ: تارةً لكَ، وتارةً عليكَ؛ والكمالُ كلُّ الكمالِ أنْ يكونَ العبدُ عبدًا للهِ في الحالينِ: في السراءِ والضراءِ، في حالِ إتيانِ الأمورِ على ما يحبُّ، أو ضدِّ ذلكَ؛ وهذا الوصفُ هوَ كمالُ الفردِ، وكمالُ الجماعاتِ، واللهُ الموفقُ.
* ومن الأمورِ المهمةِ جدًّا: أنْ يكونَ الرئيسُ رحيمًا برعيتهِ، ناصحًا محبًّا للخيرِ، ساعيًا فيه جهدَهُ، كثيرَ المراودةِ والمشاورةِ لهم، خصوصًا لأهلِ الرأيِ والحِجَا منهم؛ وأنْ تكونَ الرعيةُ مطيعةً منقادةً، ليسَ عندهم منازعاتٌ ولا مشاغباتٌ، قالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] أي: إذا حصلَ النزاعُ في أيِّ أمرٍ من الأمورِ -خصوصًا في الأمورِ المتعلقةِ في سياسةِ الحربِ- رُدَّتْ إلى هذا الأصلِ الذي يطمئنُ إليهِ المؤمنونَ، ويلجأُ إليهِ كبارُهم وصغارُهم؛ لعلمِهم أنهُ فرضٌ على جميعِهم، ولعلمِهم أنَّ حكمَ اللهِ ورسولهِ هوَ الخيرُ والصلاحُ، وأنَّ اللهَ يعلمُ من مصالحِهم ما لا يعلمونَ، ويرشدُهم إلى كلِّ ما بهِ ينتفعونَ.
* ومن الأمورِ المهمةِ جدًّا: سلوكُ طريقِ الحقِّ، والعدلُ في قسمةِ الغنائمِ، وألَّا تكونَ ظالمةً مستبدًا بها الأقوياءُ، محرومًا منها الضعفاءُ، أو تكون فوضَى؛ فإنَّ هذينِ الأمرينِ معَ ضررِهما في الدينِ، وأنَّ هذا لا يحلُّ ولا يجوزُ، وهوَ من أعظمِ المحرماتِ؛ فإنهما يضرَّانِ غايةَ الضررِ في الجيوشِ: في وقوعِ العداواتِ، وحصولِ الجشعِ والطمعِ، وكونِ وجهتِها تكونُ متباينةً؛ فبذلكَ ينحلُّ النظامُ، ويقعُ الفشلُ، ويكون هذا الأمرُ أعظمَ سلاحٍ للأعداءِ على المسلمينَ.
* ومن الأمورِ المهمةِ جدًّا أيضًا -وهيَ عونٌ كبيرٌ في الحروبِ-: السعيُ بقدرِ الاستطاعةِ في إيقاعِ الانشقاقِ في صفوفِ الأعداءِ، وفعلُ كلِّ سببٍ يحصلُ بهِ تفريقُ شملِهم وتفريقُ وحدتِهم، ومهادنةُ مَنْ يمكنُ مهادنتُهُ منهم، وبذلُ الأموالِ للرؤساءِ إذا
[ ١٣٩ ]
غلبَ على الظنِّ أنْ ينكفَّ شرُّهم عن المسلمينَ، فكم حصلَ بهذا الطريقِ من نكايةِ العدوِّ ما لا يحصلُ بالجيوشِ الكثيرةِ؛ ولهذا قالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، فذكرَ اللهُ هذهِ المصلحةَ العظيمةَ في الكفِّ عن أمثالِ هؤلاءِ الموصوفينَ.
وللموفقينَ من الرؤساءِ وقوادِ الجيوشِ في هذهِ الأمورِ مقاماتٌ معروفةٌ صارَ لهم فيها اليدُ البيضاءُ على المسلمينَ.
فانظرْ إلى هذهِ التعاليمِ الإلهيةِ التي هيَ النظامُ الكاملُ الوحيدُ في جميعِ الأزمنةِ والأمكنةِ، واستدلَّ بذلكَ على أنَّ الإسلامَ الحقيقيَّ هوَ الدينُ الحقُّ الذي إليهِ ملجأُ الخليقةِ، وبهِ سعادتُها وسلامتُها من الشرورِ (^١)، وأنَّ النقصَ والهبوطَ بتضييعِ تعاليمِ هذا الدينِ الذي أكملَهُ اللهُ، وأتمَّ بهِ النعمةَ على المؤمنينَ.
_________________
(١) بعدها في (خ): كلها.
[ ١٤٠ ]