١ - قالَ اللهُ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآية، وبعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥].
* دلَّتْ هذهِ الآياتُ الكريماتُ على أنَّ الأصلَ في الأشياءِ الحلُّ، من طعامٍ وشرابٍ وغيرِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى خلَقَ لنا ما في الأرضِ جميعًا، ننتفعُ بهِ بكلِّ وجوهِ الانتفاعاتِ، من أكلٍ وشربٍ واستعمالٍ، وفصَّلَ لنا ما حرَّمَ علينا، فما لم يُذكَرْ في الكتابِ والسنةِ تحريمهُ فهوَ حلالٌ، وأباحَ لنا كلَّ طيبٍ، وحرَّمَ علينا كلَّ خبيثٍ.
[ ١٩٥ ]
* فمِن الخبائثِ المحرمةِ:
* الميتةُ، سوى ميتةِ الجرادِ والسمكِ، وهيَ: ما ماتَ حتفَ أنفهِ، أو ذُكِّيَ ذكاةً غيرَ شرعيةٍ.
* والدمُ المسفوحُ، كما قيدَتْهُ الآيةُ الأخرى، وأمَّا الدمُ الذي يبقَى في اللحمِ والعروقِ بعدَ الذبحِ فإنهُ طيبٌ حلالٌ.
* ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] بأنْ ذُبِحَ لغيرِ اللهِ: من أصنامٍ أو ملائكةٍ، أو إنسٍ، أو جنٍّ، أو غيرِها من المخلوقاتِ.
* ومِن الخبائثِ: كلُّ ذي نابٍ من السباعِ، وكلُّ ذي مخلبٍ من الطيرِ، كما صحَّ بذلكَ الحديثُ عن النبيِّ ﷺ (^١).
* ومن الميتةِ: ﴿المُنْخَنِقَةُ﴾ أي: التي تُخنقُ بالحبالِ أو غيرِها، أو تختنقُ فتموتُ.
* ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ وهيَ التي تُضربُ بالحصى أو بالعصا حتى تموتَ، ومِن هذا إذا رمَى صيدًا فأصابَ الصيدَ بعرضِهِ فقتلَهُ.
* ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ وهيَ التي تسقطُ من موضعٍ عالٍ كسطحٍ وجبلٍ؛ فتموتُ.
* ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي تنطحُها غيرُها فتموتُ بذلكَ.
* وما أكلَهُ ذئبٌ أو غيرُهُ من السباعِ.
_________________
(١) مسلم (١٩٣٤).
[ ١٩٦ ]
وكلُّ هذهِ المذكوراتِ إذا لم تدرَكْ ذكاتُها (^١)، فإنْ أدرَكَها حيةً فذكَّاها حلَّتْ؛ لقولهِ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وسواءٌ غلَبَ على الظنِّ بقاؤهُ أو تلفهُ إذا لم يُذكَّ أم لا.
* ومن المحرماتِ: الحشراتُ، وخَشاشُ الأرضِ من فأرةٍ وحيةٍ ووزَغٍ، ونحوها من المستخبثةِ شرعًا وطبًّا.
* ومن المحرماتِ: ما ذُكِّيَ ذكاةً غيرَ شرعيةٍ:
• إما أنَّ الذابحَ غيرُ مسلمٍ ولا كتابيٍّ.
• وإما أنْ يذبحَها في غيرِ محلِّ الذبحِ وهيَ مقدورٌ عليها.
• وإما ألَّا يقطعَ حلقومَها ومَرِيَّها.
• وإما أنْ يذبحَها بغيرِ ما ينهرُ الدمَ، أو بعظمٍ أو ظُفُرٍ.
* وما أمَرَ الشارعُ بقتلهِ أو نهَى عن قتلهِ دلَّ على تحريمهِ وخبثهِ.
* وكلُّ هذهِ الأشياءِ تحريمُها في حالِ السعةِ، وأما إذا اضطرَّ إليها غيرَ باغٍ لأكلِها قبلَ أنْ يضطرَّ، ولا متعدٍّ إلى الحرامِ، وهوَ يقدرُ على الحلالِ؛ فإنهُ إذا اضطرَّ إليها ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]، مِنْ رحمتهِ أباحَ المحرماتِ في حالِ الضرورةِ.
* ومن رحمتهِ وسَّعَ لعبادهِ طرقَ الحلالِ:
* فأباحَ الصيدَ إذا جُرِحَ في أيِّ موضعٍ من بدنهِ.
* وأباحَ صيدَ السهامِ إذا سمَّى الرامِي عندَ رميِها.
_________________
(١) أي: إذا لم تدرك ذكاتها حرمت.
[ ١٩٧ ]
* وأباحَ أيضًا صيدَ الكلابِ المعلَّمةِ والطيورِ المعلَّمةِ؛ والتعليمُ يختلفُ باختلافِ الحيواناتِ، قالَ العلماءُ: تعليمُ الكلبِ:
• أنْ يَسترسِلَ إذا أُرسِلَ.
• ويَنزجِرَ إذا زُجِرَ.
• وإذا أمسكَ لم يأكلْ من صيدهِ؛ لقولهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] أي: عندَ إرسالِها لقصدِ الصيدِ.
[ ١٩٨ ]