١ - قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٩].
* يقولُ البارِي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعملُوا بمقتضَى أيمانِكم في تحليلِ ما أحلَّ اللهُ، وتحريمِ ما حرَّمَ اللهُ، فلا تحرِّمُوا ما أحلَّ اللهُ لكم من المطاعمِ والمشاربِ وغيرِها؛ فإنها نعمٌ تفضَّلَ اللهُ بها عليكم، فاقبلُوها واشكرُوا اللهَ عليها؛ إذْ أحلَّها شرعًا ويسَّرَها قدرًا، ولا تردُّوا نعمةَ اللهِ بكفرِها، أو عدمِ قبولِها، أو اعتقادِ تحريمِها، أو الحلفِ على عدمِ تناولِها؛ فإن ذلكَ كلَّهُ من الاعتداءِ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ بلْ يبغضُهم ويمقتُهم على ذلكَ.
* ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨] أي: كلُوا مِنْ رزقهِ الذي ساقَهُ إليكم، ويسَّرَهُ لكم بأسبابهِ المتنوعةِ، إذا كان حلالًا، لا سرقةً ولا غصبًا، ولا حصلَ في معاملةٍ خبيثةٍ، وكان أيضًا طيبًا نافعًا لا خبثَ فيه.
* ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في امتثالِ أوامرهِ، واجتنابِ نواهيهِ، ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فإنَّ الإيمانَ لا يتمُّ إلا بذلكَ، وهوَ يدعو إلى ذلكَ.
[ ١٩٢ ]
* ودلَّتِ الآيةُ الكريمةُ أنَّ العبدَ إذا حرَّمَ حلالًا عليهِ من طعامٍ وشرابٍ وكسوةٍ واستعمالٍ وسريةٍ ونحوِ ذلكَ؛ فإن هذا التحريمَ منهُ لا يحرِّمُ ذلكَ الحلالَ، لكنْ إذا فعلَهُ فعليهِ كفارةُ يمينٍ؛ لأنَّ التحريمَ يمينٌ كما قالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢].
وهذا عامٌّ في تحريمِ كلِّ طيبٍ، إلا أنَّ تحريمَ الزوجةِ يكونُ ظهارًا فيه كفارةُ الظهارِ السابقةِ.
وكما أنهُ ليسَ لهُ أنْ يحلفَ على تركِ الطيباتِ، فليسَ لهُ أنْ يمتنعَ من أكلِها، ولوْ بلا حلفٍ تنسكًا وغلوًّا في الدينِ، بلْ يتناولُها مستعينًا بها على طاعةِ ربهِ.
* ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ويشملُ هذا: الأيمانَ التي حلفَ بها من غيرِ نيةٍ ولا قصدٍ، أو عقدَها يظنُّ صدقَ نفسهِ فبَانَ بخلافِ ذلكَ.
* ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: بما عقدَتْ عليهِ قلوبُكم، كما قالَ في الآيةِ الأخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
* فإذا عقدَ العبدُ اليمينَ وحنَثَ، بأنْ فعَلَ ما حلفَ على تركهِ، أو ترَكَ ما حلفَ على فعلهِ؛ خُيِّرَ في الكفارةِ بينَ:
* ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وذلكَ يختلفُ باختلافِ الناسِ والأوقاتِ والأمكنةِ.
* ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ بما يعدُّ كسوةً، وقُيِّدَ ذلكَ بكسوةٍ تُجزئُ في الصلاةِ.
[ ١٩٣ ]
* ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ صغيرٍ أو كبيرٍ، ذكرٍ أو أنثَى، بشرطِ أنْ تكونَ الرقبةُ مؤمنةً، كما في الآيةِ المقيدةِ بالإيمانِ (^١)، وأنْ تكونَ تلكَ الرقبةُ سليمةً من العيوبِ الضارةِ بالعملِ.
فمتى كفَّرَ بواحدٍ من هذهِ الثلاثةِ انحلَّتْ يمينهُ؛ وهذا من نعمةِ اللهِ على هذهِ الأمَّةِ أنهُ فرَضَ لهم تَحِلَّةَ أيمانِهم، ورفَعَ عنهم الإلزامَ والجناحَ.
* ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ واحدًا من هذهِ الثلاثةِ فعليهِ ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: متتابعةً معَ الإمكانِ، كما قُيدَتْ في قراءةِ بعضِ الصحابةِ.
* ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ عن أنْ تحلفوا باللهِ وأنتم كاذبونَ، وعن كثرةِ الأيمانِ، لاسيما عندَ البيعِ والشراءِ، واحفظُوها إذا حلَفْتم عن الحنثِ فيها، إلا إذا كان الحنثُ خيرًا من المضيِّ فيها، كما قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أي: لا تقولُوا: إنَّنا قدْ حلَفْنا على تركِ البرِّ، وتركِ التقوى، وتركِ الإصلاحِ بينَ الناسِ؛ فتجعلُوا أيمانَكم مانعةً لكم من هذهِ الأمورِ التي يحبُّها اللهُ ورسولهُ، بلْ احنَثُوا وكفِّرُوا وافعلُوا ما هوَ خيرٌ وبرٌّ وتقوى.
واحفظُوا أيضًا أيمانَكم إذا حلَفْتم وحنَثْتم بالكفارةِ؛ فإنَّ الكفارةَ بها حفظُ اليمينِ الذي معناهُ تعظيمُ المحلوفِ بهِ، فمَن كان يحلفُ ويحنثُ ولا يكفِّرُ فما حفظَ يمينَهُ، ولا قامَ بتعظيمِ ربهِ.
* ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ المبيِّنةِ للحلالِ من الحرامِ، الموضحةِ للأحكامِ.
* ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فعلى العبادِ أنْ يشكرُوا ربَّهم على بيانهِ وتعليمهِ لهم ما لم يكونُوا يعلمونَ؛ فإنَّ العلمَ أصلُ النعمِ وبهِ تتمُّ.
_________________
(١) قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [النساء: ٩٢].
[ ١٩٤ ]