١ - قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآيات، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] الآية، وقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] الآية، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قولهِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
* اشتملَتْ هذهِ الآياتُ الكريماتُ على أحكامٍ جمةٍ وفوائدَ مهمةٍ، منها: أنَّ الأصلَ في البيوعِ والمعاملاتِ والتجاراتِ كلِّها الحِلُّ والإطلاقُ، كما هوَ صريحُ هذهِ الآياتِ.
* لا فرقَ بينَ تجارةِ الإدارةِ التي يديرُها التجارُ بينَهم: هذا يأخذُ العوضَ، وهذا يُعطي المعوضَ.
* ولا بينَ التجارةِ في الديونِ الحالِّ ثمنُها، المؤجَّلِ مثمنُها، كالسَّلَمِ (^١)، وبيعِ السلعِ بأثمانٍ مؤجلةٍ؛ لعمومِ قولهِ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
* ولا بينَ تجارةِ التربصِ والانتظارِ: بأنْ يشتريَ السلعَ في أوقاتِ رخصِها، وينتظرَ بها الفرصَ مِنْ مواسمَ وغيرِها.
_________________
(١) السَّلَم: عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في المجلس. (الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل: ٢/ ١٣٣).
[ ١٤١ ]
* ولا بينَ التجارةِ بالتصديرِ والتوريدِ من محلٍّ إلى آخرَ.
* ولا بينَ التجارةِ والتكسبِ أفرادًا ومشتركينَ.
فكلُّ هذهِ الأنواعِ وما يتبعُها قدْ أباحَها الشارعُ وأطلقَها لعبادهِ؛ رحمةً بهم، وقيامًا لمصالِحهم، ودفعًا للأضرارِ عنهم.
وكلُّها جائزةٌ بما يقترنُ بها ويتبعُها من شروطٍ ووثائقَ ونحوِها، إذا سلمَتْ من المحاذيرِ الشرعيةِ التي نبَّهَ اللهُ عليها ورسولُهُ، ويدخلُ في هذا العمومِ جميعُ أجناسِ المبيعاتِ وأنواعِها وأفرادِها: من عقاراتٍ، وحيواناتٍ، وأمتعةٍ، وأطعمةٍ، وأوانٍ، وأشربةٍ، وأكسيةٍ، وفرشٍ، وغيرِها.
وكلُّها لابدَّ أنْ تقترنَ بهذا الشرطِ الذي ذكرَهُ اللهُ وهوَ: التراضِي بينَ المتعاوضَينِ، الرضا الصادرُ عن معرفةٍ، وأمَّا السفيهُ والمجنونُ ومَن لا يُعتبرُ كلامُهُ فوليُّهُ يقومُ مقامَهُ في معاملاتهِ.
* وأعظمُ المحاذيرِ المانعةِ من صحةِ المعاملاتِ: الرِّبا والغَرَرُ والظلمُ:
* فالرِّبا الذي حرَّمَهُ اللهُ ورسولهُ يدخلُ فيه:
• رِبا الفَضْلِ: وهوَ بيعُ المكيلِ بالمكيلِ من جنسهِ متفاضِلًا، وبيعُ الموزونِ بالموزونِ من جنسهِ متفاضلًا.
ويُشترطُ في هذا النوعِ في حِلِّهِ ما شَرَطَ (^١) الشارعُ، وهوَ:
- التماثلُ بينَ المبيعَينِ بمعيارهِ الشرعيِّ، مكيلًا كان أو موزونًا.
_________________
(١) في (خ): شرطه.
[ ١٤٢ ]
- والقبضُ للعِوضَينِ قبلَ التفرقِ.
• ورِبا النَّسِيئَةِ: وهوَ بيعُ المكيلِ بالمكيلِ إلى أجلٍ، أو غيرِ مقبوضٍ، ولوْ من غيرِ جنسهِ، وبيعُ الموزونِ بالموزونِ إلى أجلٍ، أو بلا قبضٍ، ويُستثنَى من هذا السَّلَمُ.
وأشدُّ أنواعِ هذا النوعِ: قلبُ الديونِ في الذممِ، وهوَ الذي ذكرَهُ بقولهِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وذلكَ إذا حلَّ ما في ذمةِ المدينِ، قالَ لهُ الغريمُ: «إما أنْ تقضينَي دَيني، وإما أنْ تزيدَ ما في ذمتِكَ»، فيتضاعفُ ما في ذمةِ المعسرِ أضعافًا مضاعفةً بلا نفعٍ ولا انتفاعٍ، وذلكَ أنَّ المعسرَ قدْ أوجبَ اللهُ على غريمهِ إنظارَهُ كما قالَ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وسواءٌ كان قلبُ الدَّينِ المذكورِ صريحًا، أو يتحيَّلُ عليهِ بحيلةٍ ليستْ مقصودةً، وإنما يُرادُ بها التوصلُ إلى مضاعفةِ ما في ذمةِ الغريمِ.
فهذا الذي قدْ توعدَهُ اللهُ بهذا الوعيدِ الشديدِ، وأنَّ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا (^١) لَا يَقُومُونَ﴾ من قبورِهم إلى بعثِهم ونشورِهم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: من الجنونِ، فيقومونَ مرعوبينَ منزعجينَ، قدْ اختلَتْ حركاتُهم؛ لما يعلمونَ ما أمامَهم من القلاقلِ والأهوالِ المزعجةِ والعقوباتِ لأكلةِ الرِّبا، وقدْ آذَنَهم اللهُ بمحاربتهِ ومحاربةِ رسولهِ إذا لم يتوبُوا، ومَن كان محاربًا للهِ ورسولهِ فإنهُ مخذولٌ، وإنَّ عواقبَهُ وخيمةٌ، وإنْ استُدرِجَ في وقتٍ فآخرُ أمرهِ المَحْقُ والبَوارُ، قالَ تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩].
_________________
(١) بعدها في (خ): في الدنيا.
[ ١٤٣ ]
فالمرابِي يأخذهُ الأمنُ والغرورُ الحاضرُ، ولا يدرِي ما خبِّئَ لهُ في مستقبلِ أمرهِ، وأنَّ اللهَ سيجمعُ لهُ بينَ عقوباتِ الدنيا والآخرةِ، إلا إنْ تابَ وأنابَ، فإذا تابَ فلهُ ما سلفَ.
وأما العقودُ الحاضرةُ فالزيادةُ لا تحلُّ (^١)، وعليهِ أنْ ينزلَ على رأسِ مالهِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]: بأخذِ الزيادةِ، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] بأخذِ بعضِ رؤوسِ أموالِكم.
• ومن أنواعِ الرِّبا: القرضُ الذي يجرُّ نفعًا؛ فإنَّ القرضَ من الإحسانِ والمرافقِ بينَ العبادِ، فإذا دخلَتْهُ المعاوضةُ، وشَرَطَ المقرضُ على المقترضِ ردَّ خيرٍ منهُ بالصفةِ أو المقدارِ، أو شَرَطَ نفعًا أو محاباةً في معاوضةٍ أخرى؛ فهوَ من الرِّبا؛ لأنهُ في الحقيقةِ دراهمُ بدراهمَ مؤخرةٍ، والربحُ ذلكَ النفعُ المشروطُ.
فاللهُ تعالى وَعَظَ المؤمنينَ عن تعاطِي الرِّبا كلِّهِ، والمعاملةِ بهِ، وأنْ يكتفُوا بالمكاسبِ الطيبةِ التي فيها البركةُ وصلاحُ الدينِ والدنيا، وفيها تزكُو الأخلاقُ، ويحصلُ الاعتبارُ، وحسنُ المعاملةِ، والصدقُ، والعدلُ، وأداءُ الحقوقِ، والسلامةُ من جميعِ التبعاتِ.
* ومن المحاذيرِ في المعاملاتِ: محذورُ الميسرِ والغَرَرِ؛ فإنَّ اللهَ حَرَّمَ في كتابهِ الميسرَ، وقرنَهُ بالخمرِ، وذكرَ مضارَّ ذلكَ ومفاسدَهُ، والميسرُ يدخلُ في المعاملاتِ كما يدخلُ في المغالباتِ، فكما أنَّ المراهناتِ والمقامراتِ وتوابعَها مِنْ الميسرِ، فالبيوعُ التي فيها غررٌ ومخاطراتٌ وجهالاتٌ داخلةٌ في الميسرِ؛ ولهذا قالَ ﷺ كلمةً جامعةً: «نَهَى عن بيعِ الغَرَرِ» (^٢)، فيدخلُ في ذلكَ:
_________________
(١) بعدها في (خ): له.
(٢) مسلم (١٥١٣). وبيع الغرر: «ما كان له ظاهر يغر وباطن مجهول». (غريب الحديث لابن الجوزي: ٢/ ١٥٠).
[ ١٤٤ ]
• بيعُ الحملِ في البطنِ.
• وبيعُ الآبقِ والشاردِ.
• والشيءُ الذي لم يُرَ ولم يوصَفْ.
• ودخَلَ فيه بيعُ الملامسةِ والمنابذةِ.
• وجميعُ العقودِ التي فيها جهالةٌ بينةٌ؛ وذلكَ لأنَّ أحدَ المتعاملينِ إما أنْ يغنمَ، وإما أنْ يغرمَ، وهذا مخالفٌ لمقاصدِ المعاوضاتِ التي يقصدُ أنْ يكونَ العِوضُ في مقابلةِ المعوضِ على وجهٍ يستوِي فيه علمُ المتعاوضَينِ، فإذا جُهِلَ الثمنُ أو المثمنُ، أو كان الأجلُ في الديونِ غيرَ مسمًّى ولا معلومٍ؛ دخَلَ هذا في بيعِ الغررِ والميسرِ الذي زجرَ اللهُ عنهُ.
* ومن المحاذيرِ المنهيِّ عنها في المعاملاتِ:
• الظلمُ.
• والغشُ.
• والتدليسُ.
• وبخسُ المكاييلِ والموازينِ، وبخسُ الحقوقِ أخذًا وإعطاءً، بأنْ يأخذَ أكثرَ مما لهُ، أو يُعطيَ أقلَّ مما عليهِ، فهذا من أعظمِ المحرماتِ، وقدْ توعَّدَ اللهُ عليهِ بالعقوباتِ في الدنيا والآخرةِ، وأهلكَ أمةً عظيمةً بسببِ هذهِ المعاملةِ الخبيثةِ.
وهذهِ المعاملاتُ المحرمةُ تدخُلُ في قولهِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، كما يدخلُ فيه الغَصْبُ والسرقةُ ونحوُهما.
[ ١٤٥ ]
* وفي آيةِ الدَّينِ من الفوائدِ سوى ما تقدَّمَ:
* الأمرُ بكتابةِ المعاملاتِ، والإشهادِ عليها، وأنْ يكونَ الكاتبُ عدلًا عارفًا بالكتابةِ، وبما ينبغِي أنْ يكتبَ.
وهذا الأمرُ للندبِ والاستحبابِ عندَ جمهورِ العلماءِ، إلا إذا وجبَ حفظُ المالِ، وكان على دَينٍ مؤجلٍ أو غيرِ مقبوضٍ، فإنهُ لا يتمُّ حفظهُ إلا بذلكَ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا بهِ فهوَ واجبٌ.
* وفيها: أنَّ الكاتبَ لا يكتبُ إلا ما أملاهُ مَنْ عليهِ الحقُّ إنْ كان رشيدًا، ووليُّهُ إنْ كان عاجزًا ضعيفًا، كالمجنونِ والصغيرِ والسفيهِ، وأنَّ على صاحبِ الحقِّ أنْ يقرَّ بالحقِّ كلِّهِ من غيرِ بخسٍ، أي: نقصٍ لعددهِ أو صفتهِ.
وتدلُّ الآيةُ أنَّ الإقرارَ من أعظمِ الطرقِ التي تثبتُ بها الحقوقُ في الذممِ، كما يثبتُ فيها براءةُ الذممِ المشتغلةِ بالحقوقِ إذا أقرَّ مَنْ لهُ الحقُّ بالإقباضِ أو الإبراءِ المعتبرِ، وأنهُ لا يُعذرُ مَنْ أقرَّ لوْ ادَّعَى الغلطَ أو الكذبَ ونحوَه.
* وفيها: الإرشادُ إلى حفظِ الحقوقِ بالإشهادِ والكتابةِ والرهنِ، إذا احتيجَ إليهِ في سفرٍ أو غيرهِ، وأنَّ نصابَ الشهادةِ في المعاملاتِ كلِّها: من عقودٍ، وفسوخ، وثبوتٍ، وشروطٍ، وإبراءٍ ونحوِها؛ رجلانِ مرضيانِ إنْ أمكنَ، وإلَّا فرجلٌ واحدٌ وامرأتانِ، وثبتَ في السنةِ قبولُ شهادةِ الواحدِ معَ يمينِ صاحبِ الحقِّ.
* وفيها: أنَّ شهادةَ الفساقِ والمجهولينَ غيرُ مقبولةٍ، وأنَّ الاعتبارَ بمَن يرضاهُ الناسُ ويعتبرونَهُ.
* وفيها: أنَّ شهادةَ المرأتينِ تقومُ مقامَ شهادةِ الرجلِ؛ لكمالِ حفظِ الرجلِ وقوةِ ذاكرتهِ، كما نبَّهَ عليهِ بقولهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
[ ١٤٦ ]
* وفيها: دلالةٌ أنَّ مَنْ نسيَ شهادةً فتذكَّرَها، أو ذُكِّرَها فذَكَرَها؛ أنَّ شهادتَهُ صحيحةٌ.
* وفيها: أنهُ لا يحلُّ أنْ يشهدَ إلا بما علمَهُ وتيقنَهُ، فإنْ شَكَّ فيه لم يحلَّ لهُ أنْ يشهدَ.
* وفيها: بيانُ الحكمةِ العظيمةِ في هذهِ الإرشاداتِ من الربِّ في حفظِ المعاملاتِ، وأنَّ ذلكَ صلاحٌ للعبادِ في معاملاتِهم، وأنْ تكونَ جاريةً على القسطِ، وأنها تقطعُ الخصوماتِ والمنازعاتِ، وتُبرئُ الذممَ، وتمنعُ الظالمَ من ظلمهِ؛ فلهذا قالَ: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فكم حصلَ بهذهِ الوثائقِ التي أرشدَ اللهُ إليها مِنْ مصالحَ عظيمةٍ! وكمَ اندفعَ بها من مفاسدَ وشرورٍ كثيرةٍ! فسبحان مَنْ جعَلَ شرعَهُ صلاحًا لدينِ العبادِ ودنياهم!
* وفيها: أنَّ التجارةَ الحاضرةَ لا بأسَ بتركِ كتابتِها؛ لكونِ التقابضِ يغنِي غالبًا عن ذلكَ، ولمشقةِ كثرةِ ذلكَ، وأما الشهادةُ فلا ينبغِي تركُها خصوصًا في الأمورِ المهمةِ.
* وقولهُ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يحتملُ أنهُ مبنيٌ للفاعلِ أو للمفعولِ، والمعنى يشملُ الأمرينِ:
• فالكاتبُ والشهيدُ يجبُ عليهِ أنْ يعدلَ في كتابتهِ وشهادتهِ، ولا يحلُّ لهُ أنْ يميلَ معَ أحدِهما لغرضٍ من أغراضهِ، ولا يُضارُّهما بأخذِ أجرةٍ لا تحلُّ لهُ على شهادتهِ، أو يماطِلُ في شهادتهِ وكتابتهِ مماطلةً تضرُّهما أو أحدَهما.
• وكذلكَ المعاملانِ لا يحلُّ أنْ يُضارَّا الكاتبَ والشهيدَ؛ بأنْ يكلفاهُ ما لا يطيقهُ، أو يتضررُ بهِ؛ لأنَّ الشاهدَ والكاتبَ محسنانِ، حقُّهما أنْ يُشكرا على ذلكَ، فمضارُّتهما تنافِي ذلكَ.
[ ١٤٧ ]
* وفيها: أنَّ تعلمَ الكتابةِ من الأمورِ المحبوبةِ للهِ، وأنهُ نعمةٌ مِنْ اللهِ على مَنْ علَّمَهُ اللهُ الكتابةَ، فمِن شُكْرِ هذهِ النعمةِ ألَّا يأبَى كاتبٌ أنْ يكتبَ كما علَّمَهُ اللهُ.
* ويُستفادُ من المعنى المقصودِ أنَّ اللهَ شرعَ هذهِ الأمورَ حفظًا للحقوقِ: أنه ينبغِي تعلمُ كتابةِ الوثائقِ والاصطلاحاتِ الجاريةِ بينَ الناسِ في المعاملاتِ؛ حتى يكونَ الكاتبُ بهذهِ الصفةِ التي يحررُ فيها المعاملاتِ، فينتفعُ الناسُ بحفظِ حقوقِهم، فلا يكفِي مجردُ الكتابةِ من غيرِ معرفةٍ بهذهِ الأمورِ، كما أنهُ لابدَّ أنْ يكونَ الكاتبُ معتبرًا ثقةً؛ ليحصلَ الاعتمادُ على كتابتهِ والطمأنينةُ إليها.
* ويُستفادُ من هذا: أنَّ الخطَّ المعروفَ صاحبُهُ وثِقتُهُ أنهُ معتبرٌ معمولٌ بهِ؛ ليتمَّ المقصودُ من الكتابةِ في حياةِ الكاتبِ وبعدَ موتهِ.
* وفيها: وجوبُ أداءِ الشهادةِ، وتعينُها على مَنْ تحمَّلَها، وأنَّ كتمانَ الشهادةِ من كبائرِ الذنوبِ، وكما أنَّ شهادةَ الزورِ بأنْ يشهدَ بثبوتِ ما ليسَ بثابتٍ، أو بالبراءةِ من الحقِّ الثابتِ وهوَ كاذبٌ؛ من أكبرِ الكبائرِ، فكذلكَ السكوتُ عن أداءِ الشهادةِ، وكلا الأمرينِ ظلمٌ لصاحبِ الحقِّ بتفويتِ حقهِ، وظلمٌ أيضًا للنفسِ بوقوعِ الإثمِ، وظلمٌ للظالمِ لإعانتهِ على الإثمِ والعدوانِ.
* وفيها: مشروعيةُ الوثائقِ بالحقوقِ، وهيَ أربعةٌ:
• الشهادةُ والرهنُ، كما هوَ مذكورٌ في هذا الموضعِ.
• والضمانُ والكفالةُ، يُؤخذُ من الاعتبارِ على هذا المعنى، ومِن قولهِ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أي: كفيلٌ وضامنٌ.
* وشرعُ مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا، ما لم يرِدْ شرعُنا بخلافهِ.
[ ١٤٨ ]
* وتقييدُ الرهنِ بالسفرِ لا يدلُّ على أنهُ لا يكونُ رهنٌ في الحضرِ، بلْ قُيِّدَ لأجلِ الحاجةِ إليهِ لعدمِ الكاتبِ غالبًا.
* وفيها: ثبوتُ الولايةِ على القاصرينَ؛ لجنونٍ أو صغرٍ أو سفهٍ، لقولهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأقامَهُ في التصرفاتِ في مالهِ مقامَ المالكِ الرشيدِ، وعليهِ أنْ يفعلَ في أموالِهم ما هوَ الأصلحُ، قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ولا يدفعُ إليهم [مالَهم] (^١) حتى يرشدُوا، ويعرفُ ذلكَ بالاختبارِ والتجربةِ كما قالَ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
* وفيها -في قولهِ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]- من الفوائدِ:
• التنبيهُ على أنَّ كلَّ مَنْ فعَلَ إحسانًا ومعروفًا، أنَّ عليهِ أنْ يتمِّمَهُ ويكملَهُ بالتسهيلِ والتيسيرِ وعدمِ المضارةِ.
• وأنَّ للمحسنينَ على الناسِ أنْ يَشكروا لهم معروفَهم، وألَّا يكلفُوهم الضررَ والمشقةَ؛ جزاءً لهم على إحسانِهم، وترغيبًا في الإحسانِ.
* واستُدِلَّ بقولهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أنَّ تقوى اللهِ وسيلةٌ إلى حصولِ العلمِ، كما أنَّ العلمَ سببٌ للتقوى، وأوضحُ مِنْ هذا قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أي: علمًا تفرقونَ بهِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وبينَ الحقائقِ المحتاجِ إليها.
_________________
(١) زيادة من (خ).
[ ١٤٩ ]
* وفيها: أنهُ كما أنهُ من العلومِ النافعةِ: تعليمُ الأمورِ الدينيةِ المتعلقةِ بالعباداتِ والمعاملاتِ، فمنهُ أيضًا: تعليمُ الأمورِ الدنيويةِ المتعلقةِ بالمعاملاتِ؛ فإنَّ اللهَ حَفِظَ على العبادِ أمورَ دينِهم ودنياهم، وكتابُهُ العظيمُ فيه تبيانُ كلِّ شيءٍ.
* وفيها: أنهُ يجوزُ التعاملُ بغيرِ وثيقةٍ، بلْ بمجردِ الاستئمانِ؛ لقولهِ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولكنْ في هذهِ الحالِ تتوقفُ الثقةُ على التقوى والخوفِ من اللهِ، وإلَّا فصاحبُ الحقِّ مخاطِرٌ؛ فلهذا وَعَظُ اللهُ مَنْ عليهِ الحقُّ أنْ يؤديَ أمانتَهُ.
ويُؤخذُ مِنْ هذا: أنَّ مَنْ عامَلَكَ ورضِيَ بأمانتِكَ ووثِقَ فيكَ، أنهُ قدْ فعَلَ معكَ معروفًا (^١)، ورآكَ موضعَ الثقةِ والأمانةِ؛ فيتأكدُ عليكَ أداءُ الأمانةِ من الجهتينِ:
• أداء لحقِّ اللهِ.
• ووفاء بحقِّ مَنْ وَثِقَ فيكَ، ومكافأة لهُ.
_________________
(١) بعدها في (خ): كبيرًا.
[ ١٥٠ ]
فصل
٢ - قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وقالُ يوسفُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
* يُؤخذُ من هاتينِ الآيتينِ: أنهُ ينبغِي أنْ يُتخيَّرَ في الإجاراتِ والجعالاتِ والأماناتِ والولاياتِ كلِّها -كبيرةً كانتْ أو صغيرةً- مَنْ جَمَعَ الوصفينِ:
* القوةَ على ذلكَ العملِ؛ [بالعلمِ] (^١) والكفاءةِ والحفظِ، وتوابعِ ذلكَ من جميعِ ما تقومُ بهِ الأعمالُ.
* والأمرُ الثاني: الأمانةُ.
فبالأمانةِ تتمُّ بهِ الثقةُ، ويُعلمُ نصحهُ وبذلهُ الواجبَ؛ وبالكفاءةِ والقوةِ يحصلُ العملُ ويتمُّ ويتقنُ.
فإن وُجِدَ الجامعُ للوصفينِ على وجهِ الكمالِ فليُسْتَمْسَكْ بغَرْزِهِ، وإلَّا اكتُفِيَ بالأمثلِ فالأمثلِ.
ونقصُ الأعمالِ كلِّها مِنْ الإخلالِ بالوصفينِ أو أحدِهما (^٢).
_________________
(١) زيادة من (خ).
(٢) أي: نقص الأعمال كلها يكون من الإخلال بالوصفين أو أحدهما.
[ ١٥١ ]